pic
pic
  • ۸۱

    ملزم للالتزام بأن الملحوظ في هذا القسم هو اتّصاف العمل بالصحة بل ليس هو إلاّ صحة العمل فإنّه مورد الأثر فيمكن لحاظه بمفاد كان التامة، وعليه فلا مانع للجمع بين القاعدتين من جهة تباين نسبتيهما لاتحادهما ذاتاً)(1).

    نلاحظ أنّ المحقق الاصفهاني قد غيّر صورة المسألة حيث جعلنا صورة المسألة أنّ الشك لو كان بلحاظ اتصاف العمل الموجود بالصحة كان بمفاد كان الناقصة وإن كان بلحاظ أصل وجود العمل كان بمفاد كان التامّة إلاّ أنّ الأصفهاني ذكر أنّ الصحة المشكوكة قدر جامع بين كان التامة وكان الناقصة حيث إن كان الشك في مورد ما قد لوحظ في وجود الصحة من غير اتّصاف عملٍ خاص كان ذلك مفاد كان التامة (قاعدة التجاوز) وإنْ فرض اتّصاف عملٍ خاصّ بحيث كانت الصحة المشكوكة وصفاً لذلك العمل كان مفاد كان الناقصة (قاعدة الفراغ).

    وعلى هذا فإنّه لم يجعل الملحوظ اتّصاف العمل بالصحّة بل يجعل الملحوظ صحّة العمل وهي المورد لترتب الأثر، ويمكن لحاظها على نحو مفاد كان التامة.

    والذي أعتقده هو أنّ كلام المحقق الأصفهاني كإرجاع الشيخ الأنصاري إنّما هو مجرد توجيه لفظي يخالف الواقع إذ من الواضح أنْ ليس البحث في قاعدة التجاوز عن مسألة الصحّة بل الشك في أصل وجود الجزء لا في صحّته، وذلك كما لو شكّ المصلي في هذه المسألة هل ركع في صلاته أولا؟ وعلى هذا فإنّ الصحة المشكوكة لا يمكن لها أن تكون كقدر جامع بين مفاد كان التامة (قاعدة التجاوز) ومفاد كان الناقصة (قاعدة الفراغ).


    1 . محمدحسين الأصفهاني: نهاية الدراية ج3 نقلاً عن السيد عبد الصاحب الحكيم: منتقى الأصول تقريراً لأبحاث السيد محمد الحسيني الروحاني132:7.

  • ۸۲

    ثمّ إنّه بعد رفضنا للجامع الذي ذكره المحقق الأصفهاني يمكن أن يدّعي متوهمّ بأنّ عنوان (الشك) هو قدر جامع بين الشك في الصحة والشكّ في الوجود. إلاّ أنّ هذا التوهم في غير محلّه بدليلين، ولا يمكن أن يقع عنوان الشك جامعاً بين قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز:

    أولاً: إنّا في صدد إيجاد قدر جامع قريب بحيث يكون مذكوراً في رواية وتدّعي وجوده في مقام الإثبات لتدلّ الرواية على قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز. مع أنّ عنوان (الشك) قدر جامع بعيد شأنه شأن القول بأن الجامع بين الصحة ووجود العمل هو عنوان (اللفظ) الصادق على كليهما.

    ثانياً: إنّا في صدد القدر الجامع في متعلق الشك مع قطع النظر عن الشك نفسه بمعنى أنّنا عندما نقول بأنّ مجرى قاعدة التجاوز هو الشك في الوجود ومجرى قاعدة الفراغ هو الشك في الصحة لابدّ لنا في مقام بيان القدر الجامع من أن نلتمس القدر الجامع بين الصحة والوجود، كما لو التمسنا قدراً جامعاً بين الشك في الصلاة والشك في البيع فإنّه لابد لنا حينئذٍ من إيجاد عنوانٍ يستفاد من داخله عنوان الصلاة وعنوان البيع، وعنوان الشك ليس كذلك حيث لا يمكن انتزاع الصحة والوجود من عنوان (الشك).

    وعليه فالحاصل من مباحث الوجه الأوّل لتعدّد القاعدتين أن لا قدر جامع بين مفاد كان التامّة (قاعدة التجاوز) ومفاد كان الناقصة (قاعدة الفراغ) فالوجه الأوّل للدليل الأوّل تام لا إشكال فيه.

    البيان الثاني في الدليل الأوّل:

    البيان الثاني في عدم وجود القدر الجامع بين قاعدة الفراغ وقاعدة التجاوز هو أنّ الشيء في قاعدة الفراغ متيقّن الوجود أي أنّ قاعدة الفراغ إنّما تعبدّنا بصحة ما هو

  • ۸۳

    مفروض الوجود بينما يكون الشيء في قاعدة التجاوز مشكوك الوجود أي تعبّدنا بوجود المشكوك، ولا يمكن تصوّر القدر الجامع بين متيقّن الوجود ومشكوكه.

    يقول المحقّق الأصفهاني في هذا المجال: (...إنّ مرجع الشكّ في الصحّة إلى فرض الوجود وهو لا يجامع الشك في الوجود حيث لا جامع بين فرض الوجود وعدم فرض الوجود وهو من الجمع بين المتقابلين...)(1).

    ويقول السيد الخوئي أيضاً:

    (المجعول في قاعدة الفراغ هو البناء على الصحة والتعبّد بها بعد فرض الوجود والمجعول في قاعدة التجاوز هو البناء على الوجود والتعبّد به مع فرض الشك فيه... فلا يمكن الجمع بينهما في دليلٍ واحد إذ لا يمكن اجتماع فرض الوجود مع فرض الشك في الوجود في دليل واحدٍ).(2)

    وهذا الوجه كالوجه الأوّل تامٌ وصحيح و[لا غبار عليه] أمّا على مبنى الشيخ الأنصاري الذي يرجع مفاد كان الناقصة إلى كان التامة، كذا وعلى مبنى المحقق الأصفهاني القائل بوجود القدر الجامع بين مفاد كان التامة وكان الناقصة فلا صحّة لهذا الوجه إذ لم يكن الشيء في قاعدة الفراغ متيقّن الوجود بل كان مشكوك الوجود كما في قاعدة التجاوز، هذا على مبنى الشيخ الأنصاري، أمّا المحقق الأصفهاني فقد جعل الشكّ في الصحة قدراً جامعاً بين القاعدتين، وعلى هذين المبنيين لا يتمّ الوجه الثاني.

    البيان الثالث في الدليل الأوّل:

    قد بيّناه أثناء عرضنا للوجه الأوّل إلاّ أنّ هناك نقاطاً أخرى لابدّ من البحث


    1 . محمد حسين الأصفهاني: نهاية الدراية297:3.

    2 . السيد محمد سرور الواعظ الحسيني: مصباح الأصول269:3.

  • ۸۴

    فيها ودراستها بشكلّ مستقل.

    فإنّ السبب في عدم وجود القدر الجامع بين قاعدتي الفراغ والتجاوز ـ بناءً على هذا الوجه ـ هو أنّ متعلّق الشك في قاعدة الفراغ هو الصحّة بينما في قاعدة التجاوز هو الوجود ولا يعقل تصوّر قدر جامع بين الصحة والوجود.

    يقول المحقق النائيني بهذا الشأن (إنّ متعلّق الشكّ في قاعدة التجاوز إنّما هو وجود الشيء... وفي قاعدة الفراغ إنّما هو صحّة الموجود ولا جامع بينهما).(1)

    وللمحقق العراقي في هذا السياق كلامٌ ذُكر بعده في كلمات المرحوم السيد الخوئي وهو أنّ العلماء والمحققين يصرّحون في مبحث الإطلاق بأنّ الإطلاق هو رفض القيود لا جمع القيود(2).

    فلو كان الإطلاق بمعنى جمع القيود لزم أن يلاحظ الشارع عند الحكم على موضوع مختلف أنواع القيود ويثبت الحكم على جميع هذه الأنواع فعلى سبيل المثال عند جعل حكم الحرمة للخمر التي لها أنواع مختلفة كالمتّخذ من العنب من التمر الأحمر والأصفر فعليه أن يلاحظ جميع أنواع العصير ثمّ يجعل الحكم عليها فالإطلاق هو رفض القيود لا جمع القيود بمعنى أنّ الشارع المقدّس عند الحكم بالحرمة على الخمر لا يلاحظ قيداً من قيود الخمر.

    فإن المحقق العراقي قد استخدم هذه القاعدة فيما نحن فيه وقال: بأنّ عنوان الشك في الشيء بعد تجاوز المحلّ ـ المذكور في الروايات ـ له إطلاق والشارع


    1 . محمد علي الكاظمي الخراساني: فوائد الأصول620:4.

    2 . على سبيل المثال: السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات165:1، السيد محمد سرور واعظ الحسيني: مصباح الأصول155:3، حسن الصافي الأصفهاني: الهداية في الأصول233:1وج2ص140-211-399، السيد عبد الصاحب الحكيم: منتقى الأصول ج2ص430وج3ص159-360وج6ص307، السيد مصطفى الخميني: تحريرات في الأصول ج2ص152ج3ص361-394-427.

  • ۸۵

    لم يلاحظ شيئاً من خصوصياته من حيث كون الشك في الصحة أو الشك في الوجود بل حكم على نحو الإطلاق بعدم الاعتناء بالشك بعد الانتهاء من العمل.

    ومن هنا نستنتج أنّ عنوان الشك أوّلاً وبالذات يشمل الشك في الصحة والشك في الوجود ولمّا لم يلاحظ الشارع المقدّس خصوصيات الشك لم يبق مجال للبحث في وجود القدر الجامع بين الشك في الصحة والشك في الوجود، وذلك أنّ القدر الجامع إنّما يتصور فيما لو لاحظ الشارع كلا الأمرين (الشك في الصحة والشك في الوجود) لكنّه لاحظ هنا مطلق الشك فقط حيث ينطبق على قاعدة الفراغ كما ينطبق على قاعدة التجاوز.

    وقد ذكر هذا المطلب في كلمات السيد الخوئي أيضاً كما أسلفنا فهو يقول:

    (والتحقيق أنّ الاستدلال المذكور ساقط من أصله لما ذكرناه مراراً من أنّ معنى الإطلاق هو إلغاء جميع الخصوصيّات، لا الأخذ بجميعها فإذا جُعل حكمٌ لموضوع مطلق، معناه ثبوت الحكم به بالفاء جميع الخصوصيات كما إذا جعلت الحرمة للخمر المطلق مثلاً فإنه عبارة عن الحكم بحرمة الخمر بإلغاء جميع الخصوصيّات من كونه أحمر أو أصفر أو مأخوذاً من العنب أو من التمر وغيرها من الخصوصيات لا الحكم بحرمة الخمر مع لحاظ الخصوصيات والاحتفاظ بها، بمعنى أنّ الخمر بما هو أحمر حرام وبما هو أصفر حرام وهكذا، وحينئذٍ لا مانع من جعل قاعدة كلّية شاملة لموارد قاعدة الفراغ وموارد قاعدة التجاوز بلا لحاظ خصوصيّات الموارد بأن يكون موضوع القاعدة مطلق الشكّ في شيءٍ بعد التجاوز عنه بلا لحاظ خصوصية كون الشك متعلّقاً بالصحّة أو بالوجود فيكون المجعول عدم الاعتناء بالشكّ في الشيء بعد التجاوز عنه بلا لحاظ كون الشكّ متعلّقاً بالوجود أو بالصحة أو غيرهما من خصوصيات المورد...)(1).


    1 . السيد محمد سرور الواعظ الحسيني: مصباح الأصول271:3.

  • ۸۶

    والظاهر أنّ الكلام المذكور تامٌ لا إشكال فيه إذ أنّ إطلاق عنوان (الشك في الشيء بعد التجاوز عنه) يشمل الشك في الصحّة والشك في الوجود، ومن هنا لا داعي للانفكاك بينهما ثمّ التماس القدر الجامع بينهما بل يكفي هذا العنوان الكلّي القابل للانطباق على كلتا القاعدتين.

    وقد أقرّ بهذا العنوان الكلّي المحقق النائيني كقدر جامع حيث يقول: (...الشارع في مقام ضرب قاعدة كلّيّة للشك في الشيء بعد التجاوز عنه)(1).

    وكذا أقرّ بهذا الكلّام من جاء بعده من العلماء.

    يتابع السيد الخوئي كلامه بذكر مطلب آخر تعود جذوره إلى كلمات المحقق الاصفهاني(2) فهو يقول:

    (بل يمكن أن يقال: إنّ وصف الصحّة من الأوصاف الانتزاعية التي ليس في الخارج بإزائها شيء إذ هو منتزع من مطابقة المأتي به للمأمور به فالشك في الصحّة دائماً يرجع إلى الشك في وجود جزء أو شرط فلا مانع من جعل قاعدة شاملة لموارد الشكّ في الوجود وموارد الشك في الصحة لكون الشكّ في الصحة راجعاً إلى الشك في الوجود فتكون قاعدة الفراغ راجعة إلى قاعدة التجاوز)(3).

    يقول السيد الخوئي في هذه العبارات مستدركاً ما ذكره أولاً: لو أغمضنا النظر عن مبنى الإطلاق والتزمنا أنّ هنا شكّين مختلفين بحيث لابدّ من تصوّر قدر جامع بينهما إلاّ أنّ إرجاع الشك في الصحة إلى الشك في وجود الجزء أو الشرط هو قانون كلّي.

    وبعبارة أخرى أنّ الشك في صحّة عملٍ مركب ينشأ دائماً من الشك في


    1 . محمد علي الكاظمي الخراساني: فوائد الأصول624:4.

    2 . وقد ورد هذا المطلب في كلمات المحقّق العراقي (فوائد الأصول625:4هامش1).

    3 . السيد محمد سرور الواعظ الحسيني: مصباح الأصول271:3.

  • ۸۷

    وجود جزئه أو شرطه، وبالتالي فإنّ القدر الجامع بين الصحة والوجود هو الوجود كما أنّ القدر الجامع بين الشك في الصحّة والشك في الوجود هو الشك في الوجود وعليه تعود قاعدة الفراغ إلى قاعدة التجاوز.

    وهذا الكلام منه يشبه إلى حدّ كبير بكلام الشيخ الأنصاري في أنّ التعبّد بالصحة إنّما هو بمعنى التعبّد في الوجود في قاعدة الفراغ، وقد عبّدنا الشارع في موارد الشك في الصحة بوجود الصحيح.

    إشكالات هذه النظرية:

    الإشكال الأوّل: ذكرنا في المباحث السابقة أنّ الشك في الصحة أحياناً يكون ناشئاً من الشك في وجود المانع، ومن جهة أخرى فإنّ الشكّ في وجود المانع يختلف عن الشك في وجود الجزء أو الشرط حيث إنّ القاعدة في الشكّ في وجود الجزء أو الشرط تعبّد الإنسان بالوجود ولا تعبّد من هذا القبيل في الشك في وجود المانع، وعليه لا يمكن القول بأنّه كلّما كان الشك في الصحة كان هذا الشك ناشئاً من الشك في الوجود وإنّ القاعدة تعبّدنا بالوجود.

    الإشكال الثاني: هو إنّ كلام السيد الخوئي في الشك في شرط المركّب أيضاً غير تام، فلا يمكن القول بأنّ الشك في صحة المركّب ينشأ دائماً من الشك في وجود الشرط. وأنّ الشك في الصحة راجع إلى الشك في الوجود، والقاعدة تعبّدنا بالوجود، مثلاً لو شك المكلّف بعد الفراغ من صلاة الظهر بأنّه هل كان متطهّراً أو لا؟ فإنّ الطهارة من شروط صحّة الصلاة، فلو أنّ الشك في صحة الصلاة رجع إلى الشك في وجود الطهارة وتعبّد المكلّف بوجود الطهارة بمقتضى القاعدة كان لابد من الحكم عليه بالتمكّن من قيامه بصلاة العصر مع أنّ أحداً من الفقهاء لم يُفتِ بذلك.

  • ۸۸

    وعلى هذا فنظراً إلى الإشكالين السابقين فإنّ إرجاع الشك في الصحّة إلى الشك في الوجود غير قابل للقبول.

    نتيجة الدليل الأوّل:

    بالنظر إلى الوجوه الثلاثة للدليل الأوّل والإشكالات الواردة عليها يتبيّن لنا أنّ الطريق الوحيد لإثبات وحدة القاعدتين هو التمسّك بالإطلاق.

    أمّا في مقام الإثبات فإن وجدنا رواية مطلقة أمكن انطباقها على كلتا القاعدتين.

    الدليل الثاني: اجتماع لحاظي الآلية والاستقلالية في الشيء الواحد:

    الدليل الثاني الذي ذكره الميرزا النائيني على تعدّد قاعدتي الفراغ والتجاوز هو اجتماع لحاظين متغايرين على ملحوظ واحد وذلك أنّ قاعدة الفراغ إنّما تتعلق بكلّ العمل بمعنى أن يشك في صحّة العمل بعد الفراغ منه فتدلّ قاعدة الفراغ على صحته، أمّا قاعدة التجاوز فتتعلّق بجزء العمل بمعنى أن يُشك عند الإتيان بجزء في الجزء السابق عليه فتدلّ قاعدة التجاوز على إتيانه ـ ففي قاعدة الفراغ يجب على المولى أن يتصوّر كلّ العمل أمّا حين تصوّر المركّب لابد من تصور أجزائه في الرتبة السابقة على تصوّر المركب.

    وبتعبير آخر فإنّ الاجزاء عند لحاظ المركبّ تلاحظ لحاظاً تبعياً اندكاكياً بتبع تصوّر الكلّ. وعليه يكون لحاظ الأجزاء في قاعدة الفراغ لحاظاً تبعياً غير استقلالي بينما يتصوّر الجزء في قاعدة التجاوز على نحو الاستقلال حيث يقول المولى:

    (إذا خرجت عن جزء ودخلت في جزء آخر فشكّك ليس بشيءٍ) وعلى هذا فلو أراد الشارع المقدّس أن يجعل هاتين القاعدتين ضمن خطاب واحد وجب

  • ۸۹

    عليه أن يلاحظ الأجزاء على نحو الاستقلال وعلى نحو التبعية فيتعلّق اللحاظ الاستقلالي واللحاظ التبعي بالجزء الواحد في زمان واحدٍ مع أنّ اجتماع لحاظين مختلفين في الملحوظ الواحد غير ممكن.

    يقول المحقق النائيني في هذا السياق:

    (إنّ المركّب حيث إنّه مؤلف من الأجزاء بالأسر فلا محالة تكون ملاحظة كلّ جزءٍ بنفسه سابقة في الرتبة على لحاظ المركّب بما هو، إذ في مرتبة لحاظ المركّب يكون الجزء مندكّاً فيه في اللحاظ ويكون الملحوظ الاستقلالي هو المركب لا غير فلحاظ كلّ حرفٍ بنفسه سابق على لحاظ الكلمة بما هي كما أنّ لحاظ الكلمة في نفسها سابق في الرتبة على لحاظ الآية فإذا كان لحاظ كلّ من الأجزاء سابقاً على لحاظ المركب في الرتبة وكان لحاظه في ضمن المركب اندكاكياً فكيف يمكن أن يريد من لفظ (الشيء) الواقع في القاعدة الجزء والكلّ معاً حيث يكون الكلّ بنفسه ملحوظاً حتى يتحقّق به مورد قاعدة الفراغ ويكون الجزء بنفسه ملحوظاً في عرضه حتى يتحقّق به مورد قاعدة التجاوز)(1).

    الإشكالات الواردة على الدليل الثاني:

    1 ـ نظرية المحقق النائيني:

    يقول المحقق النائيني بعد ذكر هذا الدليل على تعدّد قاعدتي الفراغ والتجاوز في مقام الإجابة: (إنّما يتمّ هذا الدليل فيما إذا لوحظت الأجزاء في عرض لحاظ المركّب ولكنّها ليست كذلك إذ لو راجعنا الروايات لتبيّن لنا أنّها طائفتان:

    أ ـ الروايات المطلقة التي تبيّن وظيفة المكلّف عند الشك في كلّ المركب.


    1 . السيد أبوالقاسم الموسوي الخوئي: أجود التقريرات212:4، محمد علي الكاظمي الخراساني: فوائد الأصول ج4 ص621-622.

  • ۹۰

    ب ـ الروايات الخاصّة التي تبيّن وظيفة المكلّف عند الشك في الأجزاء فتقول مثلاً لو شك في الركوع بعد إكمال السجود لا يُعتنى به.

    والروايات الخاصّة هنا حاكمة على الروايات المطلقة فلا يتحقّق اجتماع لحاظين متغايرين على ملحوظ واحد في عرض واحدٍ، لأنّ الشارع المقدّس قد لاحظ كلّ المركب أولاً ثمّ ذكر الأجزاء في الأدلة الأخرى على نحو الاستقلال، ومن هنا فلا يكون لحاظ المركّب والأجزاء في عرض بعضهما وفي زمان واحدٍ إذ الشارع قد لاحظ الكلّ أولاً ثمّ لاحظ الأجزاء، وعليه فلا يلزم اجتماع اللحاظين المتغايرين.

    وهذا نصّ عبارة الميرزا النائيني:

    (أنّ الشك في الأجزاء لو كان ملحوظاً في جعل القاعدة مثل ما لوحظ نفس العمل فيه، لكان لهما مجال واسع، لكنّ الأمر ليس كذلك بل المجعول ابتداءً هو عدم الاعتناء بالشكّ بعد التجاوز عن العمل، فلو كنّا نحن وهذه الإطلاقات، لقلنا باختصاصها بموارد الشك بعد الفراغ ولم نقل بجريأنها في شيءٍ من موارد الشك في موارد قاعدة التجاوز، لكنّ الأدلّة الخاصّة دلّت على اعتبارها في موارد الشك في الأجزاء أيضاً فهي دالّة بالحكومة على لحاظ الجزء سابقاً على لحاظ التركيب أمراً مستقلاً بنفسه...(1) والحاصل أنّ المراد من لفظ (الشيء) الوارد في الروايات ليس هو العمل وأجزاؤه حتّى يرد ما ذكر... فلا يلزم الجمع بين


    1 . (يعني أن الشارع نزّل في الشكّ في الجزء في باب الصلاة منزلة الشك في الكلّ في الحكم بعدم الالتفات إليه فيكون إطلاق الشيء على الجزء باللحاظ السابق على التركيب وصار من مصاديق الشيء تعبداً وتنزيلاً فالكبرى المجعولة الشرعية ليست هي إلا عدم الاعتناء بالشيء المشكوك فيه بعد التجاوز عنه ولهذه الكبرى صغريان وجدانية تكوينية وهي الشك في الكلّ بعد الفراغ عنه من غير فرق بين الصلاة وغيرها وصغرى تعبدية تنزيلية وهي الشكّ في الجزء في خصوص باب الصلاة)محمد علي الكاظمي الخراساني: فوائد الأصول ج4ص624-625.

۲۲,۰۷۴ الزيارة