pic
pic

حكم تغيير مكان مقام ابراهيم (ع)

خلاصة الخبر :
محاضرة للشيخ آية الله محمد جواد فاضل اللنكراني حول حكم تغيير مكان مقام ابراهيم (ع)
بسم الله الرحمن الرحيم
موضوع بحثنا هو تغيير مقام ابراهيم عن مكانه الحالي الذي يبعد عن البيت ثلاثة عشر متراً ونصف أي ستة وعشرين ذراعاً ونصف فهل هو جائز أو غير جائز؟ والبحث مهم جداً من ناحية الحكم التكليفي، فهل تغيير موضع المقام جائز شرعاً وهل يمكن ارجاع المقام عشرة أمتار الى الخلف أو وضعه في مكان آخر؟ واذا كان التغيير جائز شرعاً فما هي حدود جوزا التغيير؟ فهل التغيير يختص في حدود هذه الجهة التي يكون فيها مقام ابراهيم ويطلق عليها الجهة الشرقية أو لا يوجد لذلك حدود فيمكن نقل المقام الى أي جهة؟ وعلى تقدير جواز النقل فهل يختص جواز النقل في المسجد أو يجوز نقله خارج المسجد بحثنا في هذه المحاضرة حول الحكم التكليفي الذي سندرسه من زاويتين: 
الاولى: الادلة الأولية في هذا الموضوع.
الثانية: اقتضاء الادلة الثانوية مثل الحرج، الاضطرار، وزحام الناس وغيره ... 
الموضوع الثاني: هو الطواف ففي حالة نقل المقام الى مكان آخر فهل سيتغير الطواف؟ طبقا لنظر المشهور يجب ان يكون الطواف بين البيت والمقام، فاذا تم تغيير مكان المقام فهل سيتغير الطواف تبعا لذلك، أو ان تغيير المقام لا علاقة له بتغيير الطواف، فالمطاف بناء على قول المشهور هو الثلاثة عشر ونصف متراً سواء كان المقام موجوداً أولا، وحتى لو لم يكن في ذلك المكان مقام فالمطاف هو ثلاثة عشر ونصف. 
الموضوع الثالث: ان صلاة الطواف اذا كان مكان المقام قد تغيير فيجب ان تكون صلاة الطواف خلف المقام، فهل تكون الصلاة خلف المقام اين ما وضع المقام أو لا؟ فهذه المسافة وهي ثلاثة عشر متراً ونصف هي الملاك ولو تم نقل المقام الى مكان آخر، فهذه ثلاثة بحوث مهمة  تطرح حول نقل المقام وتغيير مكانه. 
وبحثنا حاليا حول الحكم التكليفي فهل ان هذا المقام يمكن نقله عن مكانه او لا؟ ولاجل الحصول على الجواب فيجب ان نوضح معنى مقام ابراهيم، فما هو مقام  ابراهيم؟ ثم نتعرف على تاريخ المكان وسابقته. 

هناك أمر مرتبط بكلمة (مَقام) و(مُقام) مقام بالفتح يعني مكان القيام واما مقام بالضم فهو يعني مكان الاقامة وبين هذين الامرين فرق كبير، فقول المشهور القريب من الاتفاق هو انه عند بناء الكعبة لما أصبح  ارتفاع البيت بمقدار قامة ابراهيم وكان اسماعيل يناوله الحجارة وشق على ابراهيم وضعها لارتفاعه فجعل يقوم ويضع الجارة على البيت فسمي مقام من هذه الناحية، أو من باب ان ابراهيهم عليه السلام كان واقفا على تلك الصخرة وكان مكلفا بابلاغ هذه الاية الكريمة: { وَأَذِّنْ فِی النَّاسِ بِالْحَجِّ يأْتُوكَ رِجَالًا}   و احتمل بعضهم ان مقام ابراهيم نفس المسجد الحرام وقيل عرفة والمزدلفة والمشعر والحرم وهي اقوال ضعيفة جدا لا يعتنى بها. 
المراد من مقام ابراهيم في الايات الشريفة: «فِيهِ آياتٌ بَينَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ»   و «اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلًّی»  وبعد ان اتضح المراد من المقام يقع البحث حول هل ان هذا الحجر يمكن نقله من مكانها الحالي الى الخلف عشرة امتار او نقلها الى مكان آخر في المسجد الحرام أو لا؟ 
واما فيما يتعلق بتاريخ مقام ابراهيم واين كان من مكانه في زمن ابراهيم فيوجد في هذا الشأن في الكتب الروائية والتاريخية و التفسيرية وفقه اهل البيت(ع) خمسة نظريات واما في كتب التأريخ وروايات الامامية فيوجد ستة نظريات والاطلاع على هذا التاريخ له دور كبير في نتائج هذا البحث. 
واما آراء اهل السنة فهي عبارة عما يلي: 
1ـ ذكر الازرقي في تاريخ مكة: في زمن الجاهلية وفي عهد رسول الله (ص) وفي عهد خلافة الخليفة الاول كانت مقام ابراهيم في نفس مكانه الحالي ولكن في زمن الخليفة الثاني أصاب مكة سيل يسمى سيل (ام نهشل) فجرف المقام ولصقه بالكعبة، فطلب الخليفة الثاني من كبار ومشايخ مكة ان يتذكروا مقدار المسافة بين المقام والكعبة فقال بعضهم لدينا حبال كنا نعين المسافة بين مقام ابراهيم والكعبة فجاؤا بأحد تلك الحبال وعين الخليفة الثاني مكان مقام ابراهيم ووضعه في نفس الموضع الذي كان فيه في زمن النبي الاكرم (ص) والخليفة الاول. 
2ـ واما بناء على رواية سفيان بن  عيينه فانه يقول: 
ففي عصر النبي (ص) وبداية خلافة الخليفة الثاني كان المقام قريبا وملحقا بالبيت ولكن لم يكن ملتصقا بالبيت ولعله توجد مسافة بمقدار عبور الانسان، والخليفة الثاني هو أول من نقل المقام فنقله من مكانه القريب من البيت ووضعه في المكان الحالي، ثم بعد قصة سيل ام نهشل قام الخليفة الثاني مرة أخرى بنقله من جانب الكعبة ووضعه في نفس المكان الحالي. 
3ـ ذكر في تاريخ الطبري انه حتى السنة الثامنة عشر القمرية كان المقام ملتصقاً وقريباً من البيت ولما جاء الخليفة الثاني قام بنقله ووضعوه في نفس الموضع الحالي  ولم يذكر الطبري قضية السيل أبداً. 
4ـ كان المقام في عصر الجاهلية ملصقاً بالبيت ثم ان النبي الاكرم صلى الله عيله واله امر في قضية فتح مكة بان يوضع في الموضع الحالي ولم يرد في هذا القول الرابع قضية السيل، وانما قال جماعة بان المقام كان داخل الكعبة في الجاهلية، وتذكر بعض التواريخ لما أكمل ابراهيم بناء البيت وضع هذا المقام داخل البيت وبعضهم يقول وضعه خارج البيت، وعلى اي حال ان القول الرابع يقول ان النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) أمر في فتح مكة بان يوضع في المكان الحالي. 
5ـ وجاء في المدونة الكبرى  كان المقام منذ زمن ابراهيم حتى أواخر الجاهلية قبل الاسلام في الموضع الحالي له، ولكن الصقوا المقام بالبيت في أوخر عصر الجاهلية، وبقي ملصقا بالبيت في زمن النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) والخليفة الاول، واما الخليفة الثاني فقد قام بارجاعه الى مكانه حيث جعله ابراهيم وذلك في عام 18 للهجرة وهو موضوعه الحالي، وبناء على هذا القول فالنبي الاكرم (ص) لم يكن لديه التفات الى هذه القضية والخليفة الثاني هو الذي قام بهذا العمل. 
فهذه الاقوال الخمسة موجودة عند أهل السنة والقول المشهور بينهم يويقولون رواياتنا الصحيحة وردت فيه وتدل عليه هو ان موضع المقام قريب ملصق بالبيت، والخليفة الثاني هو أول من غير موضعه في عام 18 للهجرة والسبب ليس هو حادثة السيل وانما قام الخليفة الثاني بتغيير موضعه تسهيلا لطواف الطائفين وهذا القول هو المشهور بين اهل السنة وقد اختار صاحب كتاب التاريخ القويم في البداية هذا القول ولكنه عدل عنه ورجع عن كلامه وقال ان هذا الموضع الحالي لمقام ابراهيم  هو نفس الموضع الذي جعله النبي (ص). 
وبناء على هذا فما بين هذه النظريات يوجد قولان، احدهما ان الخليفة الثاني هو الذي نقل المقام الى هذا الموضع، والقول الثاني: ان رسول الله (صلى الله عليه واله) هو الذي نقله الى الموضع المعروف ولكن  روايات هذا القول ضعيفة جدا.ً
قام صاحب التاريخ القويم في المجلد 3 الصفحة 315 ببحث مكان المقام في ثلاثة أزمنة أحدهما زمن نفس ابرهيم (عليه السلام)، وبعد ذلك وتوصل الى هذه النتيجة ان المتعارف ان ابراهيم بعد ان اكمل بناء البيت جعل المقام داخل البيت، ثم بقي داخل البيت حوالي الفين عاماً، ثم جعل الطائفون يبحثون عن مكان أقدام ابراهيم فاخرجوا المقام وجعل الناس يتبركون به، ثم أعادوه الى داخل البيت وقال بعضهم ان اثر اقدام ابراهيم كانت على الحجر، و الان لا يوجد الا آثار الأقدام، وأما اصابع القدم فانمحت بمرور الزمان بسبب كثرة مسحها والتبرك بها، وفي أواخر العصر الجاهلي اخرجوه وجعلوه ملتصقا بالبيت ورووا ان النبي الاكرم صلى الله عليه واله او الخليفة الثاني نقله من جانب البيت الى الموضع الحالي.
قول الشيعة الامامية: 
من النقاط اللامعة في روايات الشيعة الامامية هي هذه المسألة فهذا التشتت الذي نراه في روايات أهل السنة فيما يتعلق بنقل مقام ابراهيم لا نراه أبداً في رواياتنا، وهذا يدل على ان الائمة المعصومين عليهم السلام و أصحابهم كيف كانوا يحافظون على الروايات ويدققونها، وبالرغم من ذلك يدعي أهل السنة  ان روايات الشيعة اسرائيليات لكن مع الاسف ليس لديهم فهم واضح لفقه الروايات. 
من الواضح لمن لديه هيمنة على الفقه والروايات يرى مدى اهتمام اصحاب الائمة بالكلمات التي تصدر من ائئمتهم عليهم السلام فيكتبون الرواية ثم يرجعون الى الامام عليه السلام ويعرضون الرواية عليه مرة اخرى فلم يكن الاصحاب ليقولوا لتلامذتهم خذ هذا كتابي واذهب واقرأه ثم اروه لمن شئت، بل كانوا يقرأون الروايات على تلامذتهم ويلقب بشيخ الرواية كي لا يضيف التلميذ شيئاً او كلمة أو يخطأ في موضع معين فكل هذه الدقة والمراقبة كانت تلحظ في نقل الروايات، وهذا المورد من هذا القبيل فان رواياتنا تدل على هذا الامر بوضوح. 
كان المقام ملصقاً بالبيت وقريباً منه في عصر ابراهيم عليه السلام وفي زمن الجاهلية، وكان الكثير من الناس ياتون بجانب الحجر الاسود ليستلموا الحجر وجماعة كثيرة يتضرعون مقابل باب البيت الذي هو محل أجابة الدعاء والتضرع وقد وردت فيه آداب كثيرة، ثم بعد ذلك يحاولون رؤية مقام ابراهيم فيزدحم الحجاج في هذا الموضع، وقد ورد في رواياتنا قامت قريش بوضع المقام بنفس الموضع الذي هو الان عليه  وبعد ان فتح الله تعالى مكة وظفر النبي (ص) بعدوه أمر ان يعاد المقام الى مكانه السابق الملتصق بالبيت.
وكان المقام ملتصقاً بالبيت في عصر النبي (ص) وزمن الخليفة الأول ولكن سأل الخليفة الثاني في عام ثمانية عشر للهجرة اين كان مقام ابراهيم في عصر الجاهلية؟ فقال له جماعة من مشايخ مكة لدينا حبال كنِّا نقدر فيها المسافة ما بين المقام والكعبة فقال ارجعوا المقام في موضعه الذي كان عليه طبقا للمسافة التي حددتها تلك الحبال. 
وظاهر رواياتنا ان لا علاقة لحادثة السيل في قضية نقل المقام، بل الغرض احياء أمر جاهلي لا أكثر، بل يستفاد من رواياتنا انه لا توجد قضية الاضطرار والحرج لان عدد الطائفين في سينة 18 للهجرة لم يكن ليزداد على عددهم في زمن الخليفة الاول وزمن رسول الله (ص) بحيث لا يمكن معه تحقق الطواف ويتحتاج الى نقل المقام، ويستفاد من رواياتنا ان الخليفة الثاني  يرى من صلاحياته ان يقوم بهذا العمل فقام به بعنوانه الخليفة. 
وبعد اتضاح المراد من المقام وتاريخه فان الجنبة الصناعية لكل بحث هي ان نتعرف انه ما هو الاصل الاولي لهذه المسألة؟ أحد مميزات الطريقة الاجتهادية للشيخ الانصاري التي عليها كبار الفقهاء والاصوليين هو التعرف على الاصل الاولي للمسألة، وبالطبع كان هذا الامر موجودا في كلمات الفقهاء قبل الشيخ الانصاري ولكن الشيخ الانصاري أكد على هذه المسألة فما هو الاصل الاولى؟ والمقصود بالاصل الاولي اي انه بقطع النظر عن الروايات والآيات لو شككنا ان المقام هل له مكان معين توقيفي او لا؟ فهل ان الله تبارك وتعالى حدد مكانا لهذا الحجر أو لا؟ فمن جانب الاصل عدم التعيين، نحن نشك هل يوجد للمقام مكان معين أو لا؟ فالاصل عدم التعيين. 
غاية الامر قد يأتي ظاهر ويتعارض مع هذا الاصل، وذلك الظاهر هو هل يمكن الالتزام بان الله تبارك وتعالى قد أرسل من الجنة حجراً باسم مقام ابراهيم، ولكن لم يعين له مكاناً؟ لا في زمن النبي ابراهيم ولا في زمن رسول الله (ص) فهذا خلاف الظاهر. والظاهر ان هذا البيت بما فيه من الكعبة واعمال الكعبة ووجود المقام كلها لها مكان معين. 
إذن إذا أردنا أن نثير هنا قضية الاصل الاولي فمقتضى الاصل الاولي عدم التعيين خلافاً للظاهر الذي يقتضي التعيين. من قبيل ما لو قلنا بلا تشبيه أن شخصًا ما قام ببناء بناية ويأتي باداة مهمة في ذلك المبنى ولكنه لا يعين لها مكان في المبنى. فهذا خلاف الظاهر، لان الظاهر يقتضي تحديد مكان معين لا سيما اذا كانت تلك الأداة أو الوسيلة لها قداسة معينة في قضية مثل الحج  الذي هو محور المسلمين.
لذا فالاصل والظاهر متعارضان هنا والظاهر مقدم على الاصل.
وقد يقال: ان المقام من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير، ولا نعلم هل الشارع المقدس حدد مكاناً لمقام ابراهيم أو لا؟ وتكون النتيجة هي التخيير ولنا الاختيار في أي مكان نضعه. 
والفقهاء في بحث دوران الامر بين التعيين والتخيير انقسموا الى طائفتين طائفة منهم قائلون بالبراءة وطائفة قائلون بالاشتغال، فالقائلون بالبراءة يقولون بالتخيير والقائلون بالاشتغال يرون هنا التعيين، غاية الامر توجد ملاحظة وهي ان الدوران بين التعيين والتخيير تصور فيما اذا لم يرد انشاء من ناحية الشارع، فالقائلون بالبراءة يقولون بالتخيير والقائلون بالاشتغال يقولون بالتعيين، الا ان الاشكال هنا هو ان الدوراين بين التعيين و التخيير انما يحصل فيما  اذا صدر انشاء من قبل الشارع، وترددنا في متعلق الحكم هل هو أمر معين أو مخير، مع انه فيما نحن فيه يوجد لدينا شك في اصل وجود انشاء. 
فلو افترضنا السؤال حول ستار الكعبة وقلنا هل يوجد انشاء في وضع ستائر على الكعبة؟ فهنا يطرح نفس المبحث السابق والجواب لا يوجد انشاء ابداً وحتى بالنسبة الى لون ستائر الكعبة فان لون ستار الكعبة لم يكن على مدى التاريخ أسود، لانه كان يتغير لونه على تعاقب الحكومات، وعليه لا يطرح في مثل هذا المثال بحث الدوران بين التعيين و التخيير، لاننا لا نعلم هل ان للشارع انشاء يخص مكان معين أو لا؟ نعم، لو كان للشارع انشاء خاص لمكان ما، ولا نعلم هل ان متعلقه معين ومحدد أو أنَّ الشارع قد جعل تحديد ذلك باختيار المكلف فهنا يطرح بحث دوران الامر بين التعيين والتخيير. 
وبناء على هذا ما يمكن طرحه من الناحية الاصولية انما هو مسالة التعارض بين الاصل والظاهر فحسب، وحينئذ فان قلنا بتقديم الظاهر فيقدم الظاهر على الاصل وحينئذ ينبغي ان يقال أنَّ للمقام مكاناً معيناً بحسب الظاهر، واما اذا لم نقل بالظاهر، فالنتيجة تكون بناء على الاصل الاولي عدم وجود مكان معين للمقام. 
وحينئذ سنبحث ذلك طبقا لفقه الامامية والضوابط الاجتهادية لفقه الامامية وكذلك نبحثه طبقا للضوابط الاجتهادية عند فقه العامة. 
وفي البداية نتعرض الى فقه الامامية واذا وسع البحث نتعرض الى فقه العامة، ويوجد لدينا في فقه الامامية كلام لامير المؤمنين (عليه السلام) وعدة روايات ترتبط بمقام ابراهيم، وروايات تتعلق بزمن الظهور، ولتنقيح البحث يجب دراستها جميعاً، وقبل بيان الروايات يجب النظر في الايات الكريمة ذات العلاقة بمقام ابراهيم. 
أما الآيات التي لها علاقة بمقام ابراهيم فتوجد في القرآن الكريم آيتان: 
الآية الاولى: «اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهيمَ مُصَلًّی»  فهل تدل هذه الآية على ان مقام ابراهيم له مكان محدد؟ أو لا تدل لانها اقصى ما تدل عليه تحديد مكان الصلاة اي حينما تصلون صلاة الطواف يجب ان تصلوها بحيث يكون مقام ابراهيم بينكم وبين البيت. وجاء في الروايات ايضاً قوله (ع): >من مقام ابراهيم< وقد فسرت بالصلاة خلف مقام ابراهيم أو بجانب مقام ابراهيم، ولا تدل هذه الاية على اكثر من وجود مكان محدد لمقام ابراهيم، وقد بينا سابقا ان مقام ابراهيم هو نفس الحجر لا مكان الحجر. 
الاية الثانية: «فِيهِ آياتٌ بَينَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ» . وقد نزلت هذه الآية في زمن النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) وكان مقام ابراهيم قريباً ملتصقاً بالبيت، وان الله تبارك وتعالى يريد ان يحدد نطاق صلاة الطواف وهو الى جانب أو خلف مقام ابراهيم ولا يحق  للانسان ان يصليها في الجانب الغربي، أو الجهة الجنوبية أو الشمالية للبيت، فمن اين يدل شأن النزول ونص الاية على ان موضع مقام ابراهيم معين ومحدد ولا يصح مثلا ارجاعه الى الخلف 10 امتار مثلاً.  
ألآية «فِيهِ آياتٌ بَينَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِیمَ» تدل على ان مقام ابراهيم هو أحد الآيات والبينات، ولا دلالة ابدا في هذه الآية ايضاً على تعيين موضع المقام، فان الله تبارك وتعالى يقول ان وجود مقام ابراهيم في هذا البيت من الايات و البينات، اي اننا نحن وهذه الاية الكريمة حتى لو كان يقع مقام ابراهيم خارج البيت لا اشكال في ذلك، لان مقام  ابرهيم عنوان لنفس هذا الحجر، فلو ان هذا الحجر قد تم نقله الى الجهة الثانية من العالم فهو يبقى من الآيات البينات لان اثر قدم  ابراهيم مطبوعة فيها. 
وبعد دراسة هاتين الآيتين القرآنيتين المتعلقتين بمقام ابراهيم فلا يمكن ان يستفاد من القران الكريم ان الله تبارك وتعالى قد جعل لمقام ابراهيم موضعاً محدداً فالآية الاولى تقول اجعلوا مقام ابراهيم مصلى واين ما كان. ولا تحدد موضعا معيناً له، واقصى ما يمكن ان يقال في الاحتياط ان الشارع جعل الملاك مقام ابراهيم بوصفه انه قد وضع في هذه الجهة، وهذا يعني انه يريد ان ينفي الجهات الاخرى، وبالتالي فتكون جميع المنطقة الشرقية هي مقام ابراهيم الا انه لا يوجد تعيين وتحديد له في هذه المنطقة ولا يتعين ان يكون موضعه الفعلي أو بالقرب من البيت. 
ولا يمكن ان يستفاد من قرينة تناسب الحكم والموضوع تحديد موضع المقام، لان الشارع اراد اداء صلاة الطواف في الجهة الشرقية التي فيها الحجر الاسود وباب الكعبة والمقام، اما التصاقه بالبيت او ابتعاده عنه عشرة أو خمسة عشر متراً عن البيت فهذا لا دخل له، والآية الثانية لا تبين أزيد من كون المقام اية بينة ولا علاقة لها بالموضع المقام. 
واما في الروايات: 
الرواية الاولى: هي كلام امير المؤمنين عليه اسلام في الكافي الشريف طبعة الاسلامية المجلد الثامن صفحة 59 الحديث 21. وكلام امير المؤمنين عليه السلام طبقا لسند الكليني كالتالي: علی بن ابراهيم عن ابيه عن حماد بن عيسی عن ابراهيم بن عمر اليمانی عن عوان بن ابی عياش عن سليم بن قيس الهلالی[ الشيخ الطوسي ضعف عوان ابن عياش وقال: «تابعیٌ ضعيفٌ من اصحاب السجاد و الباقر و الصادق عليهم السلام»، وقال ابن الغضائري «ضعيفٌ لا يلتفت اليه» واضاف: ان اصحابنا يقولون ان مطالب كتاب سليم بن قيس هي نفس مطالب عوان بن  أبي عياش وان هذه الأبحاث السندية تبحث في محلها. 
وأما نص الرواية: فان أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ان استلم زمام الحكم قال: «قَدْ عَمِلَتِ الْوُلَاةُ قَبْلِی أَعْمَالًا خَالَفُوا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ(ص)، مُتَعَمِّدِينَ لِخِلَافِهِ، نَاقِضِينَ لِعَهْدِهِ، مُغَيرِينِ لِسُنَّتِهِ». « وَ لَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى تَرْکِهَا وَ حَوَّلْتُهَا إِلَى مَوَاضِعِهَا وَ إِلَى مَا کَانَتْ فِی عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(ص) لَتَفَرَّقَ عَنِّی جُنْدِی حَتَّى أَبْقَى وَحْدِی » «لو امرت بمقام ابراهيم فرددته الی المواضع الذی وضعه فيه رسول الله اذن لتفرقوا عنی» حيث ذكر أمير المؤمنين  ان موضع مقام ابراهيم من جملة السنن التي خالف فيها الخلفاء رسول الله (ص). 
اننا لو اخذنا بمسلك المشهور في اعتبار السند فهذا الحديث ضعيف بعوان بن أبي عياش وعليه فيجب طرح هذه الرواية، ولكننا قلنا في أبحاث الفقه والاصول ان الائمة المعصومين (عليه السلام) لم يركزوا فيما يتعلق بالاخذ برواياتهم على الرجوع الى علم الرجال بالرغم من انه احيانا يسأل الامام هل ان يونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني؟ ولكن نفس الائمة المعصومين (عليهم السلام) حينما يطرح اصحابهم عليهم سؤالا مضمونه اذا وردتنا رواية ونشك انها من كلامكم أو لا؟ فلا يجيبهم الامام بانه ركزوا على الرجال والرواة، بل قالوا اعرضوها على القران وبقية أحاديثنا فان كانت مطابقة لها فالرواية صحيحة والا لم توافق ذلك فهي غير صحيحة ولو كان سندها صحيحاً، وبالطبع ان قولي ولو كان سندها صحيحاً استفدته من اطلاق الرواية وهي رواية مشهورة في بحث تعارض الاخبار مروية عن الحسن بن الجهم عن الامام الرضا (ع). 
فقال الامام (عليه السلام): «فقس علی کتب الله و سائر احاديثنا» فبناء على هذه الضابطة فالانصاف ان كلام امير المؤمنين عليه السلام يطابق كلام بقية الائمة (عليهم السلام)، نحن نجد ان بقية الائمة (عليهم السلام) ركّزوا ايضا على هذا الامر، فان هناك روايات تدل على انه في عصر الخلفاء قد اميتت الكثير من سنن رسول الله واحييت البدع كما ورد عن الامام الحسين عليه السلام«فَاِنَّ السُنَّةَ قَدْ أُميتَتْ، وَ إِنَّ الْبِدْعَةَ قَدْ أُحْييتْ» وان مجامعينا الروائية مليئة بمخالفات الخلفاء الثلاثة للقران الكريم والسنة النبوية وقد أُلِّفتْ في هذا المجال كتب، ولذا فان الاشكال في السند يتم تصحيحه بمتن هذه الرواية الرصين والمنطبق مع بقية روايات اهل البيت(عليهم السلام).
غاية الامر ان البحث الذي ينبثق هنا هو هل ان عمل النبي الاكرم (صلى الله عليه واله) الذي فعله بعد فتح مكة هل كان امرا لزومياً؟
قد طرح هذا المبحث قبل اربع سنين بين علماء اهل السنة من زمن الملك فيصل في عاام 1984 ميلادي فهل ان تغيير المقام جائز ام لا؟ وبالطبع في ذلك الزمن كان المقام في  غرفة صغيرة يصلي الناس داخلها فامروا بتخريب جميع الزوائد التي هي حول المقام ووضعوا الحجر داخل زجاجة من البلور وهي الان موجودة ولكنهم قالوا لا يجوز تغيير المكان، وبعد عشرة سنوات أفتت رابطة العالم الاسلامي بان تغيير المقام جائز وحالياً هم على طائفتين اغلبهم قائل بجواز تغيير موضع المقام وقال بعضهم لا يجوز ودليل الطائفة الثانية هو ان هذا تشريع من النبي (ص) فان تغيير موضع المقام كان من النبي (صلى الله عليه واله) وهو أمر شرعه النبي الاكرم (ص). وهذا  الدليل شاهد على مبنانا حيث اننا نعتقد ان الرسول له صلاحية التشريع من قبل الله، وهذه الجماعة من علماء أهل السنة يقولون ما شرعه الرسول نقبله وسموه سنة، وان ما شرعه الله تعالى فريضة. 
وان سر هذا البحث اننا لم نستطع استفادة التعيين من الاصل لانه يوجد ترديد في الظاهر، والايات لا دلالة لها على التعيين، والان لا بد ان نرى ماذا يقتضي فعل النبي (صلى الله عليه واله) بعد فتح مكة فبناء على ان فعل النبي أعم من الوجوب والاستحباب فيوجد احتمالان:
احدهما: لعل النبي من باب الحفاظ على الملاكات التي من أجلها جعل ابراهيم المقام ملتصقا بالبيت ولكن لا تعُين لذلك. وهذا كلام امير المؤمنين (عليه السلام) حيث يقول: «لو امرت بمقام ابراهيم فرددته الی المواضع الذی وضعه فيه رسول الله اذن لتفرقوا عنی» انما ذكره من اجل احياء اثار ابراهيم عليه السلام. 
الاحتمال الاخر: هو ان تغيير النبي الاكرم صلى الله عليه واله لموضع مقام ابراهيم من باب التشريع، وفي عصر ابراهيم لم يحدد مكان خاص للمقام لا في  البيت ولا خارج البيت ولكن لما اصطفى الله تعالى النبي (محمد) خاتم الانبياء(صلى الله عليه واله) فلا بد ان يحدد موقفه منه فلا يمكن ان نقول بضرس قاطع ان النبي الاكرم (ص) فعل ذلك من اجل احياء اثار ابراهيم وأهمل موقفه من تحديد موضع المقام، وهذا العمل يدل على ان الموضع الاصلي للمقام هو هذا الموضع ولا يحق لاحد تغييره.
وبناء على هذا فالحكم بجواز تغيير المقام أو عدم تغييره منوط بحكم الفقيه وماذا يمكن ان يستظهر من هذه التعابير؟ فاذا شككنا هل ان النبي الاكرم (ص) فعل ذلك بعنوان الوجوب؟ فالاصل عدم الوجوب، ويحتمل ان ظاهر فعله الوجوب، لان النبي (صلى الله عليه واله) كان مشرعا ايضا بالرغم من ان الله تبارك وتعالى لم يحدد موضعا للمقام في القران الكريم، لكن هذا من قبيل بقية التشريعات التي ذكرها الله تعالى والنبي الاكرم شرعها وعين موضعا لمقام ابرهيم. 
اذن فنحن ونص الرواية نقبله على اساس مبناهم في سند الرواية بالرغم من عوان ابي عياش ضعيف لكن هذا لا يضر باعتبار الرواية. 
وما يمكن ان نستفيده من هذه الروايات هو ان نفس هذه الدقة بالنسبة الى رجال الاحاديث وطرح جميع هذه الروايات هو جفاء حقيقة بحق الروايات وهذا كلام الائمة عليهم السلام حيث يقولون اذا جاءتكم رواية عنا فاعرضوها على كتاب الله وبقية احاديثنا فان كان موافقا لهما فخذوا بها واذا لم توفقهما فاتركوها. 
وبالتالي اذا أردنا ان نأخذ بعلم الرجال فان هذا المعيار الصادر عن الائمة (عليهم السلام) لا يمكن الغاؤه وصحيح ان ابن الغضائري والشيخ الطوسي قالا: ان عوان بن ابي عياش ضعيف، ولكننا نجد ان نص الرواية رصين ومتين و موافق لمضامين الروايات الاخرى ألم يقل الخليفة الثاني شيئان كانا على عهد رسول الله (ص) حلالاً وانا احرمهما  متعة النساء ومتعة الحج؟!. 
وهذه الرواية ثابتة عند الفريقين غاية الامر ان اولائك يقولون اجتهاد والخليفة يمكنه ان يجتهد اما ن