pic
pic

العلاقة بين الفقه القانون

خلاصة الخبر :
تحدث الشيخ فاضل اللنكراني(دامت بركاته) بتاريخ 30فروردين لعام 96 في ندوة علمية حضرها جمع غفير من فضلاء حوزة قم العلمية في مؤسسة مفتاح الكرامة العلمية والثقافية حول بحث مفصل تحت عنوان( العلاقة بين الفقه والقانون).
مسألة علاقة الفقه بالقانون من جملة المسائل التي طرحت عدة مرات خلال العقود الاربعة التي مر بها نظام الجمهورية الاسلامية ولكنها مع ذلك لم تتضح بشكل جيد.
وان الاعتراض الاخير الذي صدر من احد مراجع التقليد على القرارات التي اتخذها مجلس الخبراء وتخطئته لهم في دخولهم في مجال الافتاء هو النموذج الاخير الذي يدل على ان العلاقة بين الفقه والقانون لحد الان هي بحاجة الى البحث والحوار الجاد.
وبهذه المناسبة ، بحث الشيخ آية الله محمد جواد فاضل اللنكراني (دامة بركات) ، أحد أساتذة حوزة قم البارزين ورئيس مركز فقه ألأئمة الاطهار (عليهم السلام) تبلية منه لدعوة مؤسسة مفتاح الكرامة العلمية الثقافية) ، هذه المسألة بحضور جمع غفير من علماء حوزة قم. وأوضح بعض زوايا هذا الموضوع.
الا انه كما اعترف المحاضر الموقر ان هذا البحث بحاجة الى البحث العلمي ونلفت انظاركم الى هذا البحث اللطيف.
بسم‌ الله الرّحمن الرّحيم
الحمدلله ربّ العالمين
و صلّي‌ الله علي سيّدنا محمّد و آله الطّاهرين
و لعنة الله علي أعدائهم أجمعين من الآن إلي قيام يوم الدين

قبل أن أبدأ ، أود أن أشكر الأساتذة والشيوخ ولكم الفضلاء و العلماء والأخوة الذين نظموا هذا البحث.
من الإنصاف القول بأنه تم النظر في موضوع مهم للغاية ومناقشته ، وهذا الموضوع يستتبع العديد من المباحث والقضايا الفرعية، والتي بالطبع لا يمكن معالجتها في جلسة قصيرة ، ودراسة كل القضايا والتفاصيل الخاصة بهذا الموضوع. ونشير اجمالا قبل بيان معنى الفقه و القانون الى عناوين البحث:

أولاً ، ما هي نقاط اشتراك وافتراق الفقه؟

ثانيًا ، أساسًا هل يوجد مجال لتشريع القوانين مع وجود الفقه ؟ خاصة مع وجود دعوى شمولية الفقه لجميع انحاء الحياة، وليس مجرد دعوى بل هذا هو الواقع والحقيقة . مع شمولية الفقه فهل يبقى مجالا للتقنين بحيث لا يكون له علاقة بقواعد وضوابط الفقه؟ وبعبارة  أخرى ما هو مبدأ مشروعية القانون الى جانب الفقه؟ لو قيل انه لا يوجد شيء اخر الى جانب الفقه فحينئذ لا يبقى له مجال ان يبحث شيئا غير الفقه، ولكن ان قيل انه يمكن ان يكون لدينا قانون الى جانب الفقه بل يجب ان يكون لدينا قانون الى جانب الفقه، فحينئذ ما هو معيار اعتباره وحجيته؟ فعلى اساس اي معيار نقبل هذا الكلام وهذا البحث مهم جدا وله تأثير كبير في فروع هذه المسألة.

ثالثاً: البحث الآخر هل أنَّ القانون يجب ان يكون موافقا للفقه او مجرد عدم مخالفته كافية؟

رابعا: هناك بحث مهم جدا وهو هل يجب في الحكومة الاسلامية ان يدرج كلما هو متوفر في الفقه في مجال القانون ونجعله بشكل قانون او لا يوجد دليل على هذا الامر؟ وهذا المثال من الامور الابتلائية وفيه ابحاث جيدة سأتعرض لها.

خامساً: فيما لو كان هناك تعارض بين القانون والفقه فبايهما يجب العمل؟ وهل ان هذا التعارض تعارض اصطلاحي او غير اصطلاحي سنبين ذلك ايضا.

تعريف الفقه والقانون:

لا حاجة مزيد بحث حول تعريف الفقه والقانون لان معناهما واضح فالفقه مجموعة قواعد واضوابط و احكام مجعولة من قبل الشارع للبشرية. وبقطع النظر عن المعنى اللغوي والدقة الملحوظة في المعنى اللغوي، فالفقه يعني الاحكام التي تستند الى ضوابط اجتهادية وما نستنتجه على اساس تلك الضوابط الاجتهادية.
اما بالنسبة الى القانون الدستوري فهو قد وضع لتنظيم وثبات المجتمع ولا ندخل في الابحاث اللغوية والاصطلاحية ومصدر هذه الكلمة فان هذه الامور ليس فيها ثمرة وفائدة في بحثنا هذا.
اختلاف الفقه عن القانون
ان المهم هو ان الفقه فيه خصوصيات لا توجد في القانون وتوجد في القانون مميزات غير موجودة في الفقه وتوجد بينهما مشتركات، واما مميزات الفقه والقانون فهي كالتالي:

1ـ الفقه يستند الى الادلة الاربعة اما القانون فلا يلزم ان يستند الى ادلة، فاذا اتفق اهل الحل والعقد في مجتمع ما على اجراء امر فهذا يسمى قانون، وفي مثل هذه الامور لا حاجة الى ان الشارع يؤيد اتفاق أهل الحل العقد اذن ففي الفقه اذا اردنا ان ننسب حكما الى الله تبارك وتعالى فيبج ان يبستند هذا الحكم الى الأدلة الاربعة، واما في القانون فلا يلزم، وان كان كثير من القوانين تتفق مع الفقه الذي يستند الى الأدلة الاربعة ولكن لا يلزم بالضرورة ان يستند القانون الى الادلة الاربعة.

2ـ في الفقه يوجد تقسيمات لا توجد ابدا في القانون، مثل الحكم الاولي والحكم الثانوي او تقسيم الحكم الى الواقعي والظاهري الذي مجاله الفقه فقط فلا يوجد في القانون مثلا هذا القانون ظاهري او واقعي فان القانون واقعه وظاهره شيء واحد نعم ان هذا الكلام بناء على المسلك القائل في علم الاصول بهذا التقسيم واما بناء على من انكر هذا التقسيم وهو الحق فلا مجال لهذا الفرق هنا ولكن بناء على المبنى المشهور الذي يؤمن بان الفقه فيه حكم ظاهري وواقعي فهذا التقسيم لا معنى له في علم القانون.

3 - الفقه له مجال ونطاق واسع في العبادة والمعاملات والشؤون الشخصية والقضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. أي يمكن تقسيم الفقه إلى قسمين. الفقه الفردي والفقه الاجتماعي. لكن القانون يقتصر على الأمور الاجتماعية. ليس لدينا قانون في أي مكان في العالم لشخص أو أشخاص من حيث انهم اشخاص القانون يتعلق فقط بالعلاقات الاجتماعية. لأن القانون ينظم الشؤون الاجتماعية للإنسان.

4- السمة الرابعة المميزة للفقه عند البعض له أحكام ثابتة ومتغيرة. وبالطبع لم يتم ذكر تعريف واضح ودقيق لذلك بعد ، ولكن باختصار يمكن القول إن الأحكام الثابتة هي أنه بكل الخصائص في جميع الحالات والأمكنة وفي مختلف الظروف. مثل فريضة الصلاة ، اما الاحكام المتغيرة تتغير باختلاف الظروف. الآلة في وقت ما هي آلة قمار وفي غيره ليس قماراً ، ويحرم بيع الدم وشراؤه في وقت معين ، ويصبح شرعياً وصحيحاً في وقت آخر له نفع عقلاني. وهذا التغيير يعود بشكل أساسي إلى الاختلاف في الموضوع وتغير الموضوع ، وإلا إذا كان الموضوع ثابتاً ، فستكون الأحكام ثابتة ايضا ولا يمكننا قبول هذا التقسيم إطلاقا.
طبعا موضوع التزاحم بين الأحكام موضوع آخر يطرح في مكانه. على أي حال ، فإن تقسيم الاحكام الى الثابت والمتغير لا معنى لها في القانون. القانون متغير بطبيعته، وهوية القانون البشري بشكل أساسي متغيرة. لذلك ، مع كل فترة تمر ، يتم إدخال ملاحظة وقيود على الفقرة القانونية وتتغير. هناك الكثير من التغيير في قوانين الإنسان ، حتى القوانين العامة المكتوبة للبشر ، كلها أو معظمها متغيرة.


5- الميزة الخامسة هي ان مخالفة القانون تختلف عن مخالفة الفقه وهما موضوعان يختلف احدهما عن الاخر، وهذا البحث فيه ثمرة عملية، الآن حينما نسأل عن احد خالف القانون فهل قد ارتكب مخالفة للشارع او لا؟ المخالفة في الفقه تعني طرح موضوع الثواب والعقاب واما المخالفة في القانون فتعني طرح الجزاء والعقاب الذي حدده نفس القانون، وحينئذ لا معنى للثواب والعقاب الاخروي بالحكم الاولي، الا اذا طرأ عليه عنوان اخر.
نعم في وقت من الاوقات كان السيد الامام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) يقول: لا يجوز التعدي على قوانين المرور، وينبغي تقييد ذلك اذا كان ذلك من اجل مخالفة النظام والا من حيث نفس التعدي على قوانين المرور فلا دليل لدينا على ان ذلك خلاف الشرع، نعم قد خالف القانون ويثبت عليه العقوبة التي عينت لتلك المخالفة للقانون ويجب عليه ان يدفع غرامة ذلك.

6ـ الميزة السادسة ان القضايا الشرعية من قبيل القضايا الحقيقة لا يلزم ان يكون موضوعها محققا بالفعل بخلاف القانون الذي تطرح مسائله بعنوان قضايا خارجة.
فهذه ست ميزات اساسية في الاختلاف بين الفقه والقانون فاذا تأملنا بصورة اكبر سنجد فروقا ومعالم اخرى.

مشروعية التقنين مع توفر الفقه

ان أوَّل مطلب مهم بعنوان الركيزة الاساسية لبحث الفقه والقانون هو ان الدول غير الاسلامية ليس الدين عندهم ذا اهمية وكل شيء عندهم قائم على اساس القانون ومن هذا المنطلق ليس لديهم بحث حول النبية بين الفقه والقانون ولا معنى للبحث عن ذلك عندهم.

وأما بالنسبة الى من هو ملتزم بالفقه والأحكام الشَّرعية فهل يمكنه ان يضع شيئا باسم القانون الى جانب الفقه او لا؟ ولا فرق في هذا البحث ان يكون النظام قائما على اساس الحكومة الاسلامية او لا. فاي حكومة كانت يطرح هذا البحث فمع وجود الناس الملتزمين بالفقه فماذا يستفيدون من القانون وبالطبع مع فرض كون النظام هو الحكومة الاسلامية فسيكون السؤال أكثر وضوحاً.

وهنا يخطر في الذهن وجود أدلة تدل على انه لا حاجة الى القانون ما دام يتوفر لدينا الفقه، ولا بد من التأمل في هذه الادلة.
1. من جملة الادلة هي ان حق التقنين وجعل القوانين والاحكام منحصر بالله تبارك وتعالى. ولا يحق للبشر ان يقنن، سواء كان الانسان حوزويا او غير حوزوي يجب ان يرجع الى كلام الله عز وجل وشريعته. ولا يحق له ان يقنن. وقد جعل الله عز  وجل الاحكام التكليفية الخمسة، وهي الواجبات والمحرمات والمباحات والمستحبات، والمكروهات، ولديه احكام وضعية ايضا. ولا يحق للبشر ان يجعل احكاما تكليفية لنفسه، فلا يحق للانسان ان يقول من يعبر هذا الشارع يجلد، فليس لديه هذه الصلاحية، واذا سرق الانسان شيئا لا يحق له ان يجعل عقوبة غير العقوبة الشرعية التي جعلها الشارع كان يجعل مثلا السجن او الحبس.

قال بعض الفقهاء ان كثيرا من العقوبات القانونية كالسجن وان كانت مطابقة للقانون لكنها غير موافقة للفقه. فلا يحق للبشر ان يسجن انسانا في غير الموارد المنصوص عليها في الفقه بل يجب ان ينظر في الشريعة الاسلامية ماهي العقوبة التي وضعت لهذه المخالفة او تلك. وبتعبير آخر فهل يصح القول بما ان حق جعل الحكم بيد الله عز وجل اذن فلا يحق للبشر ان يجعل حكما؟
الدليل على هذا الكلام جمة من الايات الكريمة منها قوله تبارك وتعالى في سورة يوسف الاية 40: «إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ» وقوله تعالى في سورة الانعام الاية 57: «أَلا لَهُ الْحُكْمُ»؛ وقوله عز وجل في سورة الانعام الاية 62. وقد ورد جملة من الروايات لا سيما خطب امير المؤمنين عليه السلام في خطبة 18 وخطبة 40 وخطبة 147 حيث يؤكد في تلك الخطب على  ان الحكم يختص بالله تبارك وتعالى.
هل يمكن ان يستفاد من الآيات والروايات انه لا يحق للإنسان ان يقنن ولا يحق له ان يجعل قانونا في اي مجال من مجالات الحياة؟
من وجهة نظرنا ان هذا الكلام قابل للجواب. لانه يستفاد من الشريعة والادلة ان الحكم على خلاف ما انزل الله حرام قال الله عز وجل: «مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ» او «فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُون» او قوله «فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُون‏»، ولكن ليس لدينا دليل ان لا يقح للانسان ان يجعل قانونا في اي مجال من المجالات.
واما بالنسبة الى الاية الكريمة  «إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلهِ» فبما ان كلمة حكم أعم من الحكم التكويني والتشريعي لانه جاءت في سياق ايات تتعرض الى المسائل التكوينية لذا فانها ناظرة الى الاحكام التكوينية فلا معنى لان نقول ان البشر لا يحق له في مجال الاجتماع ان يقنن.


الاية تدل بهذا المقدار ان الأحكام التي تكون احكام شرعية وحكم ديني الى يوم القيامة يجب ان تصدر من الله عز وجل فحسب. القرينة الأساسية على هذا المعنى هو مناسبات الحكم و الموضوع حيث تدل على ذلك بوضوح. فلا يمكن ان نجعل حكما من عندنا ونجعله للاخرين وليس من صلاحية الفقيه ان يفعل هذا.

وان الإمام المعصوم(ع) لا يمكنه ان يجعل حكما لا يوجد في الشريعة. وبالطبع ان الائمة المعصومين(عليهم السلام) هم مشرعون ونحن نقبل بهذا المبنى، لكن معنى تشريعهم بمعنى انهم يشرعون على أساس الملاكات والضوابط التي اطلعهم الله عليها فيشرعون الحكم على هذا الأساس وإنما لهم هذه الصلاحية لاطلاعهم الكامل على ملاكات الأحكام.
والنتيجة ان الاية (ان الحكم الا لله) تعني جعل الحكم بالعنوان الشرعي يختص بالله تبارك وتعالى الا ان هذا لا يعني ان البشر لا يمكنهم ان يقننوا.

يبدو الأمر كما لو أن أسرة في مجتمعها تريد أن تسن قانونًا لتنظيم شؤون الأسرة ، ما هو وقت الراحة ومتى تنطفئ الأنوار، ما هو وقت تناول الطعام. الآن ابن هذه العائلة لا يستطيع أن يخبر والده لماذا وضعت هذا القانون؟ أين يقول الإسلام أننا يجب أن نتبع هذا القانون أو نقول لماذا هذا القانون معتبر؟

النقطة الثانية: اذا قال إننا نستفيد مذاق الشريعة من الروايات وجميع الأدلة على شمولية ديننا. أي أن لديه حل في كل مجال. لا يمكنك العثور على مكان ليس فيه حكم ولكن عليك الذهاب والحصول على الحكم من اهل الاختصاص. حتى من يريد سن قانون في منزله لا يصمت الشارع في هذا الصدد.
على سبيل المثال، يقول إن هذا الأب لديه ولاية، لذلك لديه الحق، أو إذا تم قبوله باعتباره الشخص الأكبر في المجموعة وتم منحه توكيلًا رسميًا، فكل هؤلاء لديهم ألقاب شرعية. ما هي الحادثة التي لا توجد فيها أحكام شرعية وهي خالية من الحكم؟ لذا دعنا نقول أنه انطلاقا من حقيقة أن ديننا وفقهنا هو فقه شامل ، فليس لدينا أي مناطق أو مجالات تحتاج إلى صياغة قانون إنساني. في رأينا ، وهذا الأمر يمكن الجواب عليه. لأن هناك مغالطة بين شمولية الدين وحقيقة أن للإنسان الحق في التشريع.

في رأينا، لا يوجد تناقض بين الاثنين. في الأساس يقول الدين أنه بإمكان الإنسان صياغة قانون لنفسه، وهذا لا يتعارض مع شمولية الدين. نعم ، قيل ذات مرة أن الدين غامض في هذا الصدد، لذا فهو يسمح للإنسان أن يضع قوانين لنفسه. سنثبت أنه إذا صمت الدين في هذه الحالة ، فهو ليس دينًا شاملاً ويوجد إشكالية في شمولية الدين.

لكننا نريد أن نقول إنه لا يوجد تناقض بين شمولية الدين وحق الإنسان في التشريع ، وهناك مغالطة هنا. إذا قال أحدهم أن الدين شامل ، فهذا لا يعني أن المجتمع البشري لا يحتاج إلى قوانين ومشرعين، ونتيجة الشمولية هي أننا لسنا بحاجة إلى قانون. هذا غير صحيح! كما تتوافق شمولية الدين مع الحاجة إلى القانون وحق الإنسان في التشريع. لذلك اتضح أن هذه الكلام الثاني غير صحيح أيضًا.

المطلب الثالث: هو انه قال البعض ان التقنين هو نوع من البدعة. البدعة تعني: ( ادخال ما ليس من الدين في الدين) والقانون الذي يضعه البشر بما انه ليس في الدين فهو نوع من البدعة، وجوب هذا الكلام واضح؛ لأن المقنين لا يضع القانون بعنوان انه من الدين.
جملة من أهل الحل والعقد يجلسون يقننون شيئا الى المجتمع في زمن معين وهم لا ينسبون ذلك الى الدين وقد وضحنا في الفرق بين القانون والفقه ان الفقه يستند الى الادلة الاربعة اما القانون فلا يستند الى ذلك والفقه يمكن نسبته الى الله تبارك وتعالى واما القانون فليس بالضرورة ينتسب الى الله تبارك وتعالى وعليه فالقانون لا يصدق عليه عنوان البدعة. 

طرق شرعية التقنين
بما أن القانون يجب أن يكون صالحًا للمجتمع، فإن مجرد وجود مشكلة في تزوير القانون لا يكفي لإقرار التشريعات البشرية، فما هي الحلول التي يمكننا استخدامها لتصحيح وضع حقوق الإنسان علميًا؟ هناك عدة حلول.

المطلب الاول هو ان جعل القانون امر عقلائي وفي ارتكاز العقلاء وبالطبع انه كان قليلا في الازمنة القديمة واما في عصرنا فاصبح على شكل برلمان ولكنه في الازمنة القديمة كان موجودا لكن ليس بشكل بارز.
أبلغ علماء الآثار أيضًا عن اكتشاف القوانين في العصور القديمة. القانون والتشريع أمر عقلاني ويقدم عليه العقلاء. إنه شيء مرتكز عند العقلاء وقائم عليه الارتكاز العقلائي، اي (العقلاء من حيث انهم عقلاء) يقولون «نحن نحتاج الي القانون». المجتمع بحاجة إلى القانون. إنها ليست خاصة بزمان أو مكان أو أشخاص معينين ، لا! هذا مرتكز في اذهان ال عقلاء ، أي ، لم يعد من الضروري القول بأنه كان أو لم يكن في زمن الشريعة.
بالطبع ، يمكن للشريعة أيضًا رفض هذه القوانين الإنسانية. فمثلاً قانون العقل أن البلوغ ثماني عشرة سنة ، لكن الفقه رفض ذلك. إذا كانت لدينا قضايا في الفقه ، مثل رفض القانون العام ، نقول نفس المقدار ، هذا القانون لا صحة له.

وبناء على هذا ان احد الامور الارتكازية عند العقلاء على مدى التاريخ هو وضع القانون ومجيء الشريعة لا يعني انه لا يحق لاحد ان يقنن في شيء من الاشياء.
ان الشريعة تبين تلك الضوابط التي تؤدي الى سعادة ونجاة البشرية في الدنيا والآخرة لجميع المكلفين وليست لمجتمع خاص، ان نفس جعل القانون الالهي والسماوي لا يعني تخطئة سيرة العقلاء. فالشارع قد يخالف العقلاء في أمر من الأمور كالربا مثلاً لكن كثير من قوانين العقلاء قد أقرَّها الشارع وأمضاها، وإنَّ نفس وجود الأحكام الإمضائية في الشريعة تعني أنَّ الشارع ليس فحسب لم يردع عنها بل امضاها.

إن طريقة العلماء وأهل الحل والعقد انهم يقنون في كل وقت. ولم تأت الشريعة لتخطأ هذه القوانين وتطلب من مقنينها اجتناب ذلك التقنين. وتقول لهم يجب ان تأخذوا التشريع من جانبي فقط ولا غير، لا ليس الأمر كذلك الشريعة تأتي، وتخالف بعض القضايا، وتثبت بعض القضايا، وتمضي بعض القضايا. تقوم الشريعة بهذه الأشياء الثلاثة. والشريعة تأسس امور لم تصل الى ذهن العقلاء. سواء في القضايا الفردية أو الاجتماعية. في بعض الحالات تخطأ العقلاء، في كثير من الحالات ، أي في ثمانين بالمائة من الأحكام المتعلقة بالمعاملات والمسائل الاجتماعية، فإن الشريعة تمضيها أيضًا. لذا فإن الدليل الأول لصحة القانون هو أن الشارع ليس فحسب لم يردع عن التقنين الذي هو سيرة عقلائية فحسب، بل امضاه في كثير من الحالات.