pic
pic

سؤال وجواب

اطرح سؤالك
اسئلة في التوحيد
بتاريخ 24 ذیقعده 1433 & الساعة 16:07

هل یضیق صدر الله؟ و یشعر بالملل؟ و هل أن الله بحاجة لمن یتحدث معه؟ وهل هو بحاجة إلی أن یری شیئاً؟ أو بحاجة لأن یلهو ویلعب مع شيء؟ أو أنه عز و جل بحاجة إلی عبادة عباده؟ و إلی خلقه کائنات لتعبده؟ وهل أنه بخلقه الملائکة والأنس والجن یرید أن تجییشه الجیوش لیحارب کل منهما الآخر؟ و هل هو بحاجة إلی عطف و رحمة؟ و هل الله رحیم؟ وهل یرعی العدل؟

إنني أعلم جوابکم، فإن کان صحیحاً، فلماذا خلق الله الإنسان إذاً؟ وإن کان عادلاً، فلماذا إذا ولد طفل، یصبح ابناً لملک؟و یصبح الولید الآخر ابناً لفقیر؟ فیعیش الطفل الأول حیاة الترف و البذخ، أما الطفل الآخر، فیکون بحاجة إلی تناول رغیف العشاء وهل أن ولادة الأبناء بامرهم، لیختاروا في أي العوائل و الأسر یعیشوا؟

و إذا لم یخلق الله الإنسان، فأي عبد یرید الذهاب إلی الجنة؟ و أي عبد یضیع حقه؟ و أي عبد یرتکب القبائح لیستحق بعد ذلک جهنم؟ و لو کان الله رحیماً، و یعلم منذ الأزل أن یکون کذلک، ألم یکن قادراً علی أن لا یخلق إنساناً أبداً؟ لکي لا یعصي هذا الإنسان أیضاً فلا یدخل جهنم؟ کانوا یقولوا لي و أنا صغیر في المدرسة: حیثما تتواجد الشجرة، تواجدت الجبال، وتواجدت الدنیا والعالم و الأرض والزمان فالله إذن موجود، فما علاقة الأرض و الزمان إذاً بوجود الله؟



1- الله وجود غیرمتناهي، قادر مطلق، هو علی کل شيء قدیر، و لا شک في أن قدرته المطلقة لا نهایة لأمدها، فخلق الکون بهذه العظمة، وهذا النظام الدقیق للمخلوقات، خیر دلیل وشاهد علی قدرة الله.

من صفات الله: القادر، العالم، الحي، وغیر ذلک، والوجود اللامتناهي و القدرة المطلقة بالنتیجة هو عدم الحاجة لشيء، فالله إذن غني عن مخلوقاته، أما خلق الملائکة، فهو لیس لأجل حاجته إلیها، بل أن سنة الله في خلقه هي أن الله خلق العالم بصورة أسباب ومسببات، وأن کافة الحوادث المهمة الحاصلة في هذا العالم یجریها بواسطة الملائکة الذین لا یعصون الله ما أمرهم وهم یفعلون، فیقوم الملائکة بواجباتهم ومهامهم أیضاً، لیطبق قانون الأسباب و المسببات في کل مکان، و لا یعتبر أحد أن حوادث هذا العالم تجري بدون أسبابها وعللها، یقول القرآن الکریم: «وَ ما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ». فعلی سبیل المثال: باستطاعة البعوضة القیام بهذا الفعل بأمر ربها، أن تهلک جیوش النمرود، أو تدمر طیراً تسمی «الأبابیل» جیش إبرهة، فکل المخلوقات والکائنات في هذا العالم هي جنود الله، ولیس هذا أیضاً لأجل الحاجة، بل لأجل تسییر أسباب أمور العالم في مجراها الطبیعي، فلکل کائن و مخلوق وظائف ومهام محددة، فلم یخلق شيء من دون حکمة.

2- الله؛ عادل مطلق، خلق العالم علی اساس العدل، و یستحیل أن یظلم مخلوقاته وعباده بقدر ذرة أو أصغر من ذلک،و دلیله هو:بما أن الله غني عن کل أحد و کل شيء،لا یحل فیه الضعف و لا العجز لیکون محتاجاً إلی ظلم  الآخرین، فلهذا هو عادل مطلق. وفي الوقت الذي کون الله قادراً مطلقاً، و لا حاجة له لعطف و رحمة الآخرین، لکنه أرحم بعباده، أکثر من رحمة وعطف الأم بولدها،فالله یحب عباده،لکن رحمة الباري وعطفه تختص بمن یحافظ في نفسه علی عطف الله و رحمته بإخلاص الطاعة له،أما من ارتکب القبیح و المعصیة،وأذهب رحمة الله، فهو یعد العدة بأعماله السیئة والقبیحة مصیر العذاب لنفسه.

أمّا: لماذا خلق الله البشر؟ فالقصد من ذلک هو عبادة الله ومعرفته، ونتیجته هو الکمال. ولهذا خلق الله الإنسان باستعداد و موهبة عالیة و مدهشة لیصل إلی الکمال، و قد صرح الله عز و جل بذلک بقوله: «و ما خلقت الجن و الانس الاّ ليعبدون»، فمقدمة العبادة: هي معرفة الله.

وعلی هذا، لم یخلق الله عز و جل أي موجود وتحدیداًً الإنسان من دون قصد و هدف، فعالم الخلقة بأسره هادف، وقد بیّن الله عز و جل فلسفة و هدف خلق الإنس و الجن: أنه«للعبادة»،و فسرها المفسرون:ب معرفة الله،لکن لا یعني هذا أن الله عز و جل بحاجة لعبادة البشر، بل بمعنی: أن البشر الذين لهم قابلیة عبادة الله و المعرفة قد منحهم الله هذه الفرصة، و لو لم یخلقه الله ،لکان مورداً لأن یسأل هذا الإنسان ربه قائلاً: إلهي، إن کنت قد امتلک هذه القابلیة وهذا الاستعداد، فلم لم تمنحني الفرصة؟ و لم لم تخلقني لأصل إلی الکمال؟

3- و ما سئل: لماذا خلقت هذا ابناً لملک، و ذاک ابنا لفقیر متسول، أو أن هذا معاق به عاهة و الآخر سلیم الجسم معافی و قوي، فلا علاقة لهذا بالعدل الإلهي، لأن الله یخلق الجمیع بالتساوي و بلا تمییز، ولکن کما قلنا: اقتضت سنة الله أن تجري الأمور بأسبابها و مسبباتها، وبمجراها الطبیعي، فخلق الإنسان لیصبّ في هذا المسیر.

فقد یهیئ الوالدان أجواء تنتهي إلی نقص و شذوذ حاد في الابن، و ربما تؤثر عوامل أخری أیضاً. و کذلک ظلم و جور العباد فیما بینهم، واستخدام البشر  سیاسات التمییز، فهي کلها طواغیت وحکام الجور، ومعارضة لحکم الله، لکن الله یمهلهم في هذه الدنیا، ویبتلیهم من بعد ذلک بعذاب ألیم، فکل هذا، وقد کان هذا حصیلة التغطرس والظلم والجور علی العباد.

4- أما قضیة الجنة والنار:

فعلینا أن نعلم أن الله عز و جل خلق الإنسان في الأصل لیدخل الجنة لا جهنم، فأفاض علیه من نعمه، وأضفی علیه نعماً کثیرة منها الترقي و التعالي، و منحه خیار الوصول إلی المعرفة و السعادة أیضاً، فقد ذکرنا أن هناک موجود یدعی الانسان، یمتلک هذه القابلیة لیصل إلی الکمال. لکن هناک مطلب یمکن إضافته بعنوان شبهة وردت في رسالتکم أیضاً وهو: أن عدداً کثیراً من البشر منحرفون، و سیتعرضون إلی العذاب الألیم أخیراً.

أما الجواب علی هذه الشبهة:
إذا أدار الأب کل استثماراته و مشاریعه و الإمکانات و الوسائل المتاحة إلی ابنه شفقة منه علیه وعطف منه، وحباً  منه لأبنائه، فقال له من باب الناصح المشفق: استفد منها کلها بشکل صحیح و سلیم،و لا تستخدمها في طریق غیر مشروع، ولا تسرف أو تضیع کل هذه الاستثمارات هدراً، لکن الابن لم یستمع لنصائح أبیه، و لم یعر لها أهمیة تذکر، فأتلف کل هذه الاستثمارات باختیاره الخاص،وعاد فقیراً متسولاً، فالمسئول الوحید الذي یعاقب علیه هو ابنه وحده، إذ لیس للأب أي دور في ذلک، فهذه الخسارة  لم یوجدها لهأبوه، بل ابنه نفسه هو الذي ارتکب هذه الأفعال، فکان هذا ناتج سلوکه و سوء تدبیره و عمله.

فمن هذه الناحیة، قال الله عز و جل في القرآن الکريم: «فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره و من يعمل مثقال ذرة شرّا يره»، يعني أن الجنة و جهنّم، هما نتيجة اعمال الانسان نفسه، فمن یهدر أمواله و استثماره،أو یصطدم بعاهات و بلایا غیر طبیعیة یخلقها لنفسه، فلا یلومن إلا نفسه،إلا إذا کان مضطراً إلی ذلک، وفي هذه الحال، لن یعاقب الله عز و جل من اضطر غیر عاد و لا باغ إلی ذلک.
 لکن الأمر لیس کذلک، فکل فعل یقوم به البشر،فإنما یقوم به بتفویضه و اختیاره بنفسه، إذ هو یرفل بنعمتین: نعمة العقل، ونعمة الاختیار.
و مضافاً إلی ذلک کله: یمتلک نعمة الهدایة الإلهية بواسطة الأنبیاء والرسل و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ومع هذه التفاصیل إذاً، نسألکم ونطالب بالإنصاف:

هل نحن الذین ندین الله أم الله هو الدائن؟ و إذا کان لنا تعاملاً و سلوکاً جیداً لنصل إلی النعیم الإلهي الخالد،ألا یکفي هذا لتنظیم الخلقة؟ و أعید السؤال هنا کرة أخری: إذا لم یلق الله عز و جل البشر بهذه الصفات و القابلیة،ألا یکون هذا محلاً للسؤال: لماذا حظر الله علیه هذه النعمة و حرمه من هذا الشيء الذي بمکن أن یحصل،و یصل إلی السعادة؟

5- اما علم الله: إن الله یعلم ویعرف عمل کل إنسان، مع توفر هذه الخصوصیة و هي: علمه عز و جل بأن هذا الإنسان قادر و باختیاره علی القیام بهذا الفعل. فخلق الله الإنسان مختاراً، و وهبه العقل،و أرشده لنعمة هداية انبياء الله والاولياء علیهم السلام إلی جانب ذلک أیضاً، و لم یجبر الله أحداً علی الشقاء، أما معنی التفویض والاختیار: فهو أن بإمکان الإنسان أن یکون فرداً صالحاً أو سیئاً طالحاً في المجتمع، مع علم الله أیضاً أنه لن یجبر الإنسان، لأن الله یعلم بأن هذا الشخص یرتکب الذنوب و المعاصي بسوء اختیاره و بتفویضه.

6- اما القسم الأخير من السؤال: فهو کیف یحصل ربط الأرض و الزمان و الحجر و الشجر بوجود الله؟.
لو تأملتم وفکرتم قلیلاً في هذا السؤال لعثرتم علی الإجابة. و نقول بایجاز: الدخان یدل علی النار،والعمارة الجمیلة تدل علی البناء الماهر البارع. ففکر إذاً في هذا العالم فهو بهذه السعة و العظمة،و هذه المجرات و النجوم و الکواکب و الشهب الثابتة منها و المتحرکة، و هذه الجبال الشاهقة والجمیلة الملیئة بالمنافع، والشجر و الثمر و کافة المخلوقات والکائنات ...

من الذي خلقها و أوجدها؟ و من الذي أحسن صنعها؟ ألا ترشدوا وتهتدوا من خلال وجودها إلی ربها وخالقها و هو الله القادر المتعال؟ آمل أن تقنعوا بهذا الإجابة الموجزة،وإن أردتم الاسهاب والتطویل، فعلیکم بقراءة الکتب الاعتقادیة، ککتاب: «العدل الإلهي» للشهيد مطهري و کتب الشیخ محسن قرائتي.


۱,۹۵۹ الزيارة