pic
pic

مشارکة آية الله سماحة الشيخ محمد جواد الفاضل اللنكراني(دامت بركاته) في برنامج «هذه اللیالي» (القناة التفزیونیة الأولی)

خلاصة الخبر :
ما هو رأي الاسلام في التجارة؟
أقول: نحن نعتقد أن التجارة أحد المستحبات.وعلینا أن لا نلخص الدین في الأمور العبادیة فقط، فنحن نمتلک آیات وروایات و قواعد فقهية ثابتة تدهش الانسان. ومن مواصفات الإمام الخمیني«رضوان الله تعالی علیه»أنه کتب بالتفصیل عن المعاملات والبیع، فألف کتاباً تحت عنوان«کتاب البیع» وهو مليء بالأدلة والأبحاث العلمیة والدراسات الفقهیة الدقیقة.
بسم الله الرحمن الرحيم


61.jpg


أعزي سماحتکم وکافة المشاهدین الأعزاء الموالین المواسین بمناسبة حلول ذکری أربعین الإمام الحسین علیه السلام، فالشیعة والمسلمین کافة في حزن أیام محرم وصفر، ویضاعف علیهم العزاء إذا حل علیهم یوم الأربعین، وتزداد فیه اللوعة والأسی، فإذا أردتم أن نتحدث عن هذا الموضوع، فأنا في خدمتكم.
سؤال) نستخدم في المجتمع مصطلحات وألفاظ مثل«المرابي» «الربا» «الربوي»، فاذا کان لدیکم احياناً إشارة أو توضيح ، فتفضلوا رجاء لتوضیح هذا المطلب هنا.
جواب) اسمحوا لي بدایة أن أذکر مطلباً یختص بیوم الأربعین لیسجل اسمنا مع المعزین، وتسجل کذلک کافة الأسماء مع  زوار الإمام الحسین علیه السلام في هذا الیوم . فأقول أداء للمسئولیة والوظیفة الشرعیة:
روي عن الامام الصادق علیه السلام،قال:«بَكَتِ السَّمَاءُ عَلَى يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَ عَلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ علیهم السلام أَرْبَعِينَ صَبَاحاً وَ لَمْ تَبْكِ إِلَّا عَلَيْهِمَا». قد یسأل بعض الناس:عن أصل الأربعین؟ فأقول: یظهر من خلال هذه الروایة أن عاشوراء حادثة غیرت مجری الکون. وقد روي عن الامام الصادق علیه السلام أیضاً: «أن السماء والأرض بکتا علَى الْحسينِ بنِ عليّ علیهم السلام أَربعين صباحاً،وکذلک علی یحیی علیه السلام». من هنا یعلم سر کون زیارة الأربعین من علامات المؤمن،وسبب بکاء السماء أربعین صباحاً علی الإمام الحسین علیه السلام؟ فهل للسماء والارض شعور وإحساس لتبکي؟وما سرّ هذا البکاء؟ لعل هذا یعود إلی ما نعتقده نحن في«إِنْ مِنْ شَيْ‏ءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لاتَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُم‏»، الذي بیّنه القرآن الكريم.
أما ما تفضلتم به من سؤال: فأقول: إن مسألة«أکل الربا»الذي یصطلح علیه حالیاً في السوق «بالنزول»، هما شيء واحد، فلا یتصور الناس أنهما شیئان متباینان،والنزول یعني تخفیض المال في مقابل دفع شخص مبلغاً من المال لآخر،فیستلم «المقرض»«بکسر الراء»مبلغاً أکثر من «المقرض» «بفتح الراء»، أو أن یکون بید من یذهب إلی السوق صکّاً مدته مائة یوم أخری، فیبیعه بسعر أقل. نعم لا إشکال فی بعض صور هذا العمل، وفیها عنوان النزول أو الربا. أما «التنزیل»فهو یعني التقلیل أو التخفیض، وفي هذا إشکال أیضاً في بعض الصور، وسأبین ذلک إن شاء الله في أثناء البحث. إذا شئتم أن نبدأ الحدیث من هنا،واقتضت المصلحة ذلک، أن أتساءل أولاً وأقول:
ما هو رأي الاسلام في التجارة؟ وکذلک رأیه في معاملات البیع والشراء والمعاملات التجاریة؟
أقول: نحن نعتقد أن التجارة أحد المستحبات. فقبل أن أتناول هذا البحث،أشیرإلی هذه النقطة وهي:
علینا أن لا نلخص الدین في الأمور العبادیة فقط،فنحن نمتلک آیات وروایات و قواعد فقهية ثابتة تدهش الانسان. ومن مواصفات الإمام الخمیني«رضوان الله تعالی علیه»أنه کتب بالتفصیل عن المعاملات والبیع،فألف کتاباً تحت عنوان«کتاب البیع»،طبع في خمسة أجزاء،ویضم کل جزء 700صفحة،وهو مليء بالأدلة والأبحاث العلمیة والدراسات الفقهیة الدقیقة،إذ الفقیه المشهور في الحقیقة عارف بکل شيء، وفي أعلی الرتب والمستویات. ویعلم من هذا تمهید الاسلام وتهیئته الأرضیة لذلک.
س) ما هو الوجه الاستحبابي للتجارة ؟ولماذا یحب الله التجارة ؟
ج) لا دليل لازم آخر عندنا غیر روايات الترغیب في هذه المسألة.
س) هل رغّب الاسلام في التجارة ؟
ج) نعم،رغّّب الاسلام الناس کثیراً في التجارة، فذکرت بعض الروايات فوائد التجارة. ومنها: الزِيادة في عقل الانسان. روي عنه علیه السلام أنه قال: « التِّجَارَةُ تَزِيدُ فِي الْعَقْل». فإذا أراد الانسان أن یفکر:
هل یصبّ هذا في مصلحته أم لا؟ وهل یضر المجتمع أم لا؟ فنقول:ورد أن التجارة تزید في العقل، فیکون عکسه: أن کل من ترک التجارة فقد رکد عقله. ولیس لدینا نص أو روایة تقول: إنک إن لم تملک قوت یومک وأهلک وعیالک،فاذهب وتعبد، فقد ورد النهي عن ذلک بشدة.
س) إذاً ما هي «القناعة»؟
ج) القناعة في الصرف والاستهلاک یعني ان یقنع الانسان بما یمتلکه فعلاً، فیما إذا لم یکن في اختياره وتصرفه شيء من قبل، فهذه هي القناعة، یعني أن لا تکون حریصاً علی شيء، فالاسلام یشجع علی التجارة وإن بقي من عمرک ساعة واحدة، فعلیک بالتجارة . وهناک روایة عجیبة عن أحد الأئمة علیهم السلام، فإنه قال لأحد أصحابه: «إن رأیت الصفین قد التقیا ، فلا تدع طلب الرزق في ذلک الیوم». ویؤکد هذا علی اهتمام الاسلام بالعمل وبذل الجهد والسعي في مجال الاعمال والاقتصاد والفکر الاقتصادي وغیرها من المجالات. فهي للأسف غیرمتوفرة في ثقافتنا ومجتمعنا المعاصر. يقول الناس أحيانا عندما یصلوا إلى سن ال50 أو ال60 أنهم أحیلوا علی التقاعد،فالتقاعد بالنسبة لهم حين لا يوجد مال في حياتهم، بل أکثر من ذلک،وهو:أن الروایات ذکرت العزة بأنها أحد آثار التجارة. روي عنه علیهم السلام أنه قال لأحد أصحابه: «اغد إلی عزک». یعني الحضور والتواجد في السوق، والانشغال بالعمل، فهو أساس العزة. وقد لمسنا هذا بالتجربة.
روي عنه علیه السلام أنه قال: «یسقط رأیک، ولا یستعان بک علی شيء ». فالتجارة إذاً أمر مستحب، ومن الموارد التي یبین الاسلام طرفیها، هو هذا الموضع وهو: أن التجارة مستحبة، وتركها مكروه، یعني أن من کان قادراً علی العمل والتجارة، ولم یفعل، فقد ارتکب فعلاً مکروهاً. وروي في بعض الأخبار: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ علیه السلام:رَجُلٌ قَالَ:لَأَقْعُدَنَّ فِي بَيْتِي وَ لَأُصَلِّيَنَّ وَ لَأَصُومَنَّ وَ لَأَعْبُدَنَّ رَبِّي فَأَمَّا رِزْقِي فَسَيَأْتِينِي. فَقَالَ أَبُوعَبْدِ اللَّهِ علیه السلام: هَذَا أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ». یعني أنه لو ترک الذنوب والمعاصي لیلاً ونهاراً، واشتغل بالعبادة، إلا أنه ینتظر من یطرق بابه ویعینه علی رزقه، فلن یستجیب الله دعاءه. وروي أیضاً عنه علیه السلام أنه قال: «أرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ بَيْتَهُ وَ أَغْلَقَ بَابَهُ أَكَانَ يَسْقُطُ عَلَيْهِ شَيْ‏ءٌ مِنَ السَّمَاءِ». ویکشف هذا عن کون سنة الله في خلقه هي: أن علی الانسان أن یعمل لآخر لحظة في حیاته. بل حتی في باب العلم، لو أن کثیراً من الناس عرفوا اهتمام العلماء بالإجابة علی المسائل الفقهیة والأصولیة والفلسفیة، و إن اقتربت آجالهم، وقرب وقت احتضارهم، فعلینا أن نعتقد بوصیة الاسلام کثیراً علی التجارة.
روي في باب الرزق، عنه علیه السلام قال: «اشتر وإن کان غالیاً،فإن الرزق ینزل مع الشراء».قد یکون هناک أهم ومهم أیضاً. فإذا قال الانسان: لا أمارس مهنة التجارة الیوم؟ لأن کل شيء قد غلی!. فنحن لا نعلم إرادة الله في ماذا؟ إذ الرازق هو الله تبارک وتعالی، وقد وضع أحد سبله في البیع والشراء. روي عنه علیه السلام أنه قال: «إذا فتحت بابک، وبسطت بساطک، فقد قضیت ما علیک». فعلی الأعزاء أن یهتموا بأمر التجارة دون تفریط. لکن مع الأسف: هي الیوم  في مجتمعنا أقل صبغة وأضعفها. هذا هو رأیي الشخصي... . أما الأمور التي ذمها الشارع بشدة، و عدّ صاحبها ملعوناً فهي: ما لو کان الانسان کلاًّ علی الآخر، وأمره بیده، ولم یکن من أهل العمل، فهو ملعون بلسان  الروایات.
س) ما هو الملعون ؟
ج) الملعون من طرد عن رحمة الله ، فلا ینظر الله إلیه أبداً ولا یکلمه!. فهل أن الدعم الذي یقدمه المسئولون الأعزاء إلی الشعب هو عمل اختصاصي؟ بأن نجعل الشعب کلاًّ علی المسئولین؟ ونبعده عن التجارة. إنني أعلم جیداً ووصلتني أخبارموثوقة أن شاباً قرویاً ترک عمله الزراعي بعد أن استلم دعم الحکومة، ولم یمارس مهنة الزراعة بعد ذلک. فالاسلام یعترض علی هذا بشدة، فأنا لا أتصور في تاریخ الاسلام کله ولو مورداً واحداً وإن کان في عصر أمیر المؤمنین علیه السلام أن یقال للناس: لا تعملوا، فنحن ندفع لکم من بیت المال لتعیشوا «مع قدرتکم علی العمل»، فما یغنمه المسلمون من الحرب -طبقاً للقواعد الفقهیة- یقسّم بین المجاهدین، وینبغي دفع الزکاة إلی الفقراء.
نحن عندنا هذه المسائل بهذا المقدار، ولکن ما نقدر أن نقوله للمجتمع بما فیه من شاب وکهل ومن هو في مقتبل في العمر هو: إننا ننفقه لک بهذا المقدار، فنکون بهذا العمل قد جعلنا الناس في هذا التصرف «کلاًّ» علی الحکومة!. وعلی أي حال، في اعتقادي، نحن عاجزون عن تطبیق هذا علی الثقافة الدینیة، وما ورد في روایاتنا.
س) الأمر الذي حصل،کان قد بدأ منذ سنوات،ففي کل عام یتخذ لنفسه صبغة وطابعاً أکبر.
ذکرتم مسألة الحرص في قبال القناعة،فالحقیقة هي أننا تطبعنا علی الحرص منذ سنوات بأي دلیل کان، وقد فقدت حدود توقعاتنا تعادلها في شرائح عدیدة من المجتمع الذي نعیشه، فكل الفقراء یريدون أن یكونوا أغنياء، وکل العمال یریدون أن یکونوا أسیاداً، لکن يجب أن يكون هناک المدير والرئيس التنفيذي! فکل الرعایا یریدوا أن یکونوا أسیاداً، وأنا أرید أن یکون لي راتباً شهریاً بقدر ما یستلمه الرئیس التنفیذي شهریاً، أو أطالب أن أرکب سیارة هي بنفس مواصفات سیارة الرئیس التنفیذي، وأرید إحضارها فوراً!، یعني أنني لا أصبر حتی علی الوقت الذي یمر بسرعة،ولا یمکن التحکم به واجتنابه. فخلقت هذه التصرفات في نفسي هذا النوع من السلوک:
أولا: العصبیة. ثانیاً: البغض لکل من امتلک ثروة وتمکن مالي. إن کثیراً من الجنح والجرائم أو المخالفات الاجتماعیة هي في الحقیقة شحذ للأسلحة والخناجر، بأشکالها المتطورة والمختلفة،من خلال استلام القروض وأخذ الفائض من الربا، فأنا أرید أن أوصل نفسي إلی مستوی عال، لکنني أبقی أراوح في مکاني بعد تسدید فائض الربا والقروض، ولم أکن أتصور أن هذین الشهرین أو الثلاثة أشهر هي الثلاثین شهراً، والثلاثین شهراً هي السنتان والنصف، ولیس الیوم وغداً، فمن الذي یضمن في الحقیقة هذه الثلاثین شهراً القادمة، دون أن تکون هناک أحداثاً غیر مرتقبة، لیکون قادراً علی تأدیة هذه القروض التي علیه کلها!.   
ج) لو أردنا أن نحلل ما ذکرتموه قلیلاً، أن لماذا الکلّ -بفتح الکاف- علی الآخرین ملعون؟ ألیس الاسلام یدعو الانسان أن یستخدم فکره واستعداده في کافة المجالات؟ فإذا جلس هذا الشخص في البیت ولم یعلم أي بضاعة یؤتی بها إلی السوق لتباع، وما هي احتیاجات الناس؟ وما هو العمل والبیع والشراء الذي یبحث عنه؟ فسیترک هذا آثاراً وسلوکاً علی حیاته. فلو دفع الأب توماناً واحداً أکثر مثلاً لأحد أبنائه، فسیؤثر هذا علی حالتهم النفسیة ومسائلهم الأخلاقیة بشکل کامل تماماً، ویثیر استفهاماً في مخلدته، أنکم إذا ربیتم المجتمع بهذا النحو، وقلتم: خذوا منا أموالاً، فلن یأتي ذلک الشخص بکامل نشاطه وفاعلیته بعد ذلک إلی الساحة، ولن یعرف أي مفهوم لکد یمینه وعرق جبینه، ولن یدخل هذا المیدان بتفکیره، ولن یعرف معنی لأتعابه، ولا یشخص المرابي للحلال والحرام علی ضوء الآیة الشریفة، وقد صرح القرآن الکریم بذلک، فقال: «الذین یأکلون الربا لا یقومون إلا کما یقوم الذي یتخبطه الشیطان من المس»، لکنه لا یعرف الجید من الرديء، ویبحث عن موضع ربحه أینما کان، وإن ساق ذلک إلی القضاء علی أسرته، فلا یفکر أن الزوج ینفصل عن زوجته، وتتحطم الأسرة بکاملها.
إن ما روي:«أن التجارة تزید في العقل»، إنما تزید العقل، فیما إذا قلت: إن حصتي تکون بمقدار ما عملت هذا الیوم، فأنا عملت ثلاث ساعات، وأنت عملت عشرة ساعات، فعلیک أن تأخذ أجرة أکثر، وحقک هو أن تعیش حیاة سعیدة وأفضل، فإذا أنا عملت یوماً من الأیام ساعة واحدة وأنت عشرة ساعات، ثم راجعت ضمیري، فسوف لن أسمح لنفسي أن أقول: لماذا له هذه الحیاة ولیس لي مثلها؟! هذه في الحقیقة مسائل بعضها متعلق بالآخر، یعني لو أن شخصاً ترک التجارة، وترکت التجارة تماماً في المجتمع، فستحدث مسائل أخلاقیة صعبة ومعقدة کثیرة في المجتمع، کما هو موجود إلی حد ما مع الأسف في مجتمعنا. لاحظوا أن من یعمل، لا یتوقع أن یکون مالکاً بیتاً في الیوم الأول، أما الکلّ-بفتح الکاف-،فإنه یقول في ذلک الیوم: ینبغي أن أملک کل شيء! فهذا هو من الآثار الطبيعية و القهرية في هذا العمل .
روي عنه علیه السلام أنه قال لأحد أصحابه: «یا عبد الله،مالي أراک ترکت غدوک إلی عزک؟ قال:و ما عزي جعلت فداک؟قال:غدوک إلی سوقک» . بل الأکثر من ذلک، وهو أنهم علیهم السلام أوصوا بحضور تشییع جنازة المؤمن. روي عن طریقنا: أن هذا الحضور سبب لمغفرة المیت، ولمشیعیه، لکن الإمام علیه السلام سأل أحد أصحابه فقال: «مالي أراک ترکت غدوک إلی عزک؟ فقال له: جنازة أردت أن أحضرها؟ فقال علیه السلام: فلا تدع الرواح إلی عزک». لقد کان أئمتنا علیهم السلام یعترضون بشدة علی من یترکوا کسبهم وعملهم. قال تعالی: «وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلاَّ ما سَعى‏». وهذه هي قاعدة قد سلّم بها الجمیع، وهي سنة الله تبارک وتعالی. فأنت کلما سعیت في العلم، فقد جعله الله من نصیبک، وکلما سعیت في التجارة، وهبک الله: سیارة جیدة، بیت واسع، وحیاة مطمئنة، فإذا لم تقم بعمل، فلا ینزل الله علیک شیئاً من السماء أبداً!.
س) قد أکون أنا سبباً في قضاء حوائج بعض الناس في السوق،أو في طریق التجارة،وسیمنحني الله عزة،فلو بعت إناء في السوق مثلا،فقد وضعت عبئاً عن کاهل الناس،ولو أتيت الی السوق بما للناس فیه حاجة،فأوزعه بینهم،ففي هذا عزة واعتبار،ومراجعة للناس،وأموراً أخری هي سبب العزة أیضاً . فهل تقبلون أننا متألمون قلقون؟مع أن مصروفنا في العام الماضي إن کان مائة ألف تومان،ففي هذا العام مائة وعشر آلاف تومان . ولکن لماذا نحن بهذه الحالة الملتهبة وهذا التشنج والاضطراب؟.
الکلام الذي یدور حالیاً هو حول «لماذا»؟
فعلینا أن لا ننفعل بسرعة ونضطرب فنقول:إنکم تعیشون في عالم آخر!.
أنا أتصور أحیاناً أننا ابتلینا بعذاب الهي،وتفسیرهذا صعب جداً،وأصعب منه هو الحصول علی إجابة محددة لهذا السؤال،یعني:في  مجتمع یعیش فیه الغني والفقیر،یتحسسان فیه الألم والسخط وعدم الشعور بالرضا والطمأنینة،فنتألم بالنظر إلی هذه المعیشة،والحیاة الجاریة،فالفقراء متألمون،ونحن متألمون،نسأل الله عدم افتقارنا نحن أبداً،لکن الأغنیاء لا یشعرون بالارتیاح أیضاًً،فنحن نهرول ونرکض 24ساعة،وعندنا ما یکفینا،لکننا قلقون متألمون!وفي تصوري أن هذا عذاب الله!.
لقد عملنا عملاً نستحق علیه المجازاة والعذاب الالهي،قد یکون:أننا أعرضنا أحیاناً عن ذکره، فضاقت علینا معایشنا.
إنني أفکر في هذا کثیراً،لکن لماذا وصلت بنا الأمور إلی هذا؟.
ج) أنا لا أعتقد بهذه الشدة التي وصفتموها،فلنخفف من ذلک قلیلاً،ولا أرید طبعاً أن أخفف من أهمیة البحث،فالأصل هو أننا جمیعاً نشعر بالتوتر والقلق،وقد حصل في المجتمع حالة من الجشع والولع،وهذا مما لا شک فیه. ولکن لا یمکن أن یقال عنه:إنه عذاب الهي!.بل هذه مشکلة کلنا نعاني منها. لذا ینبغي التحدث مع الناس وإشعارهم بذلک،وعلینا أن نبحث عن جذور هذه المشکلة ونحلها. فمن جذورهذه المشکلة:أن التجارة في المجتمع قد قلّت أهمیتها،ومن جملة العوامل في ذلک أیضاً هي عدم ترددنا في معیشتنا،فلا مراعاة للاقتصاد في حیاتنا،وقد أوصی الاسلام بأن یمتلک کل إنسان في حیاته برامج وخطط لتنظیم حیاته،وأسلوب معیشته،حتی إن ما یمتلکه الانسان لنفسه،لا یحق له أن ینفقه دفعة واحدة!ولو أنفق کل ما عنده إلی الفقراء فهو مذموم وقبیح،لا یؤیده الشارع أبداً،هذا من جهة.
ومن جهة أخری،إذا کان یمتلک المال،وقتّره علی نفسه،فلم یدع أحدا من أهله وأسرته ینفق منه علی نفسه،فهذا مذموم شرعاً وقبیح أیضاً،وعلی الانسان أن یختار الحل الوسط ورعایة الاقتصاد وترک البذخ والاسراف،وإدارة حیاته.
الأمر الثاني الذي علیه أن یقوم به هو:التدبیر في المعیشة .
یعني «استخدام العقل في تدبیر المعیشة»،فیکون هذا الانسان قادراً علی تنظیم حیاته وسلوکه،فیخطط للموزانة المالیة،وما یحصل علیه یومیاً من المال،فیضع له برامج و خطط في الصرف،ولا یذروه کله في مهب الریح،فیترکه قاعاً صفصفاً، دون أن یستفید منه،بل یحفظ لنفسه حدا وسطاً ومتعارفاً للصرف والانفاق .
ولعلنا نقول:
لقد حصل تغییر ما في المجتمع،لاحظوا ارتفاع نسبة الأمراض والأوبئة في المجتمع، وها هم الأطباء یوصون کثیراً بالتوقي منها،افرضوا دخول أطعمة وأغذیة عدیدة في المجتمع،أو تناول الأشخاص الطعام في عدة وجبات،وافرضوا أننا لا نمتلک برنامجاً غذائیاً في المجتمع،فننظر إلی ذلک الغذاء الذي یضعه الغني یومیاً علی مائدته،ونقارنها بالأطعمة الموضوعة علی مائدة الشاب الذي بدأ حیاته الزوجیة!وإذا قدم لنا ضیف،نضع أمامه أنواع الأطعمة وأشهاها مع الأسف،وهذا من جملة العوامل الدخیلة في هذه المسألة أیضاً.
لکن العامل الأصلي في رأیي هو:عدم تعرف المجتمع علی قوانین المعاملات.
ولو استطلعنا وجهات النظر،لشاهدتم النسبة المئویة في معرفة تجارنا الأعزاء المتدینین لأحکام المعاملات وقوانینها؟.
فلو شاهدنا مثلاً أن عاملاً مثلاً یزاول مهنة العمل في حیاته بجدیة،فإنه یتقدم إلی الأمام بناء علی تعالیم الدین وقواعده،ولن یصاب بالإفلاس في حیاته أبداً!.
فعلی ضوء ما توفر لدینا من مصادر وأدلة:
فقد روي:أن من علامات الافلاس:أکل المال الحرام،ودخول الحرام إلی بطن الانسان،فقد یدخل الحرام في حیاته والعیاذ بالله دون أن یشعر بذلک،فإذا صار کذلک،أصبح آفة تهدد التجارة.
إن علینا أن نعرّف المجتمع،وکذلک السوقة والتجار والعمال الکسبة،هکذا کان یقول کبارنا وقدمائنا.
روي عنهم علیهم السلام:«الفقه ثم المتجر» ،    
هذه مسألة یعرفها کل تجارنا،فکل تاجر یعرف طریقة البیع والشراء .
إن سبب النزاعات الموجودة حالیاً في المحاکم هو:عدم المعرفة والاطلاع علی قوانین المعاملات.
 فالآیة القرآنیة تصرح:«إذا تداینتم بدین فاکتبوه ولیکتب بینکم کاتب بالعدل...واستشهدوا شهیدین من رجالکم...ذلکم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنی ألا ترتابوا...وإن کنتم علی سفر ولم تجدوا کاتباً فرهان مقبوضة» ، إلا أن هذا لا یطبق حالیاً في مجتمعنا،فلو أقرض شخص شخصاً آخر،ثم أنکرعلیه ذلک،ولا شاهد له بذلک،فستبدأ حینها النزاعات والمشاحنات والضغائن،فیفکر الدائن کیف یسترد ماله من المستدین،أویفکر کیف لا یقرضه هذا المال؟أما إذا عرف الکثیر من الناس هذه القواعد التي کشف الدین النقاب عنها و بیّنها،فستزول کثیر من المخاوف وحالات القلق والاضطراب.
س)إن ما نعلمه لا نعمل به،وأنا أحب هذه العبارة الواردة في دعاء الافتتاح کثیراً،حیث یقول علیه السلام:«اللَّهُمَّ مَا عَرَّفْتَنَا مِنَ الْحَقِّ فَحَمِّلْنَاهُ وَ مَا قَصُرْنَا عَنْهُ فَبَلِّغْنَاهُ» ،فقد أشار هذا الحدیث إلی نقاط دقیقة جداً،فعندنا مصطلح «العقود»في المعاملة أو في مصطلح الفقه الاسلامي،فیعقد الناس عقداً باللفظ أو الکتابة،فیکون هذا الموضوع عاماً،ویشمل هذا أیضاً مقام تعامل الناس مع الحکومة،فإذا أراد أحد من الناس استلام قرض من أحد البنوک والمصارف الحکومیة مثلاً،فإنه یوقع معه عقداً،ویحصل الدفع والتسلیم،لذا وضحوا لنا کیفیة هذا التعاقد والتوقیع علی العقود رجاء،إذ قد تحصل معاملات ربویة عبر الوسائط ؟ 
ج)أشرتم إلی نقطة في غایة الأهمیة وجیدة جداً،وهي:أن في فقهنا عنواناً یسمی«العقد»،ومن شروطه توفر طرفین لیوقعان عقداً،ویلتزمان بتطبیق بنوده.
س)یلتزمان،یعني یقسمان بالله ورسوله علی تطبیق بنود هذا العقد؟
ج) لا،لایلزم أن یکون هذا التعهد بالله ورسوله،بل یکون فیما بینهما،فیقول هذا الشخص مثلاً:التزم أن یکون هذا ملککم،وأنتم تقولون:وأنا ألتزم أن یکون هذا ملککم أیضاً.
وعلي أن أذکر نقطة مهمة هنا وهي:أن الاسلام قد أمضی عادة العقود المتعارفة بین الناس،ولکي یتضح العقد من غیر العقد،أضرب لذلک مثالاً:قد أتکلم أنا وأنت،فأقول:أرید أن أشتري منک مالاً،وأردت أنت أن تبیعه لي،فکم تبیعه؟فتقول أنت:أنا أبیعه بمائة ملیون،وأتکلم معک في تخفیض قلیل من هذا السعر،قد یستغرق مجلسنا حدود الساعتین،ولکن لا یوجد حالیاً –لادینیاً ولا عقلیاً-أي التزام منا للآخر،فأنا لم ألتزم لک ببیع هذا الشيء حتماً،أو أشتریه منک،هؤلاء یقولون إنها مجرد«مقاولة»«یعني:حوار قبل البیع»،ولا أثر لهذه المعاملة أبداً،أما العقد فهو ینعقد متی ما أردنا الوصول إلی نتیجة،فنوصله إلی مرحلة الفعلیة .
س)ألا یکون في «المقاولة»التزام وتعهد؟
ج)کلا،فقد تقول أنت:أبیعک بمائة ملیون،فإذا حصلت شرائط العقد،تقول:بعتک بمائة ملیون ونصف،فیقول الاسلام حینئذ:أن لا أثر لما دار الکلام من قبل،ویقول العقلاء أیضاً بهذا،فالملاک هو ما یذکر في العقد . والمثال الواضح علیه: ما یذکر في عقد النکاح،فالناس  قبل أن یعقد عقد النکاح،یحصل بینهم ذهاب وإیاب وتعارف بین الأسرتین،فیتکلمان عن المهر،ولکن قبل تنفیذ العقد،یجریان بعض التعدیلات،وهذا هو الملاک،إذ کل ما یتفق علیه من مهر،فکلا الطرفین ملزمان به عقلاً وشرعاً،وهو الملاک طبعاً . فإذا قلت لک:اشتریت بملیون ونصف،قلت أنت:وأنا بعتک بهذا السعر، فقد تمت المعاملة،سواء تحدثتم من قبل حول تحدید السعر أم لم تتحدثوا.
س)هل أن کلمة «العقد»التي نطلقها في معاملاتنا،وکلمة«العقد»التي تستخدم في النکاح بنفس المعنی؟
ج)نعم،العقد هو کل ما ینجز بین طرفین بالقول أو العمل،فمرة أنت تقول:أبیعک هذا الإناء،فتقول أنت:اشتریت!فیحصل النقل والانتقال بالقول،وقد یکون ذلک بالعمل،فتسلّم وتستلم،فتشتري من السوق «الکوبون»وتدفع في مقابله نقوداً،دون أن تقول شیئاً،ویسمی هذا في الاصطلاح«معاطاة».
س)هل «المعاطاة» عقد؟.
ج)یطلق علی «المعاطاة»بیعاً،ولکنها لیست عقداً في الاصطلاح. فالعقد هو الذي یحصل بالقول،فیستتبعه الالتزام في النهایة طبعاً،وهذا هو تعهد عملي،نصطلح علیه فقهياً«معاطاة»،وهو إنشاء عملي، و«العقد»هو إنشاء قولي ولفظي . وحینئذ یکون لنا عقد بیع،وعقد نکاح،وعقد شرکةومضاربة...الخ،فکل هذه عقود موجودة في الاسلام،ولدینا في هذا االمجال کتباً ومصنفات فقهیة عدیدة في باب العقود،دون أن یتحدد العقد في النکاح فقط .
وأشیر إلی هذه النقطة أیضاً وهي:أن أحد الأشیاء القدیمة التي شاعت بین الناس کثیراً جدا ، وهي غیر متوفرة لدینا حالیاً هي:أن الناس آنذاک کانوا مقیدون بإجراء صیغة العقد،أما الآن فلیس کذلک.
 س)هل في هذا إشکال؟
ج)لا،لا إشکال في ذلک،فالمعاطاة لها عنوان البیع، وتترتب علیها آثار البیع أیضاً،أما في السابق،فقلیلاً ما یقع النزاع في المعاملات،لأنه یحسم الأمر بالکلام،فیقول البائع في آخر المطاف:بعت،ویقول المشتري:اشتریت.
ولهذا قال فقهاؤنا في باب النکاح:إن النکاح لا یقع إلا باللفظ،لأن المسألة مهمة جداً،فإذا لم یبع مثلاً باللغة العربیة،فکثیر من الفقهاء یجیزونه باللغة الفارسیة کذلک،وینبغي التلفظ في  الطلاق أیضاً،فهو لا یقع بدون اللفظ،وهذا بحث منفصل،لا علاقة له ببحثنا .
وعلی أي حال،العقود یعني الالتزام الحاصل بین الطرفین،وهذا العقد موجود في البیع والنکاح والجعالة أیضاً،فلکلها عنوان العقد.
 س)هل القروض التي نأخذها من المصارف والبنوک صحیحة؟
ج)نعم،توضع هذه تحت أحد عنوان العقد،أو تحت عنوان«عقد الجعالة»أو«عقد الشرکة»،فإذا قال لک المصرف أو البنک:أمنحک قرض المشارکة مثلاً،فإنه یکون معک في الحقیقة شریکاً،فیقول:أنا أدفع لک المال وأشتري منک هذه البضاعة،فنکون معاً شرکاء،نبیعها،ونتشارک معا في ربحها،فهذا هو عقد صحیح وشرکة.
لقد کانت المضاربة منذ القدم أحد العقود في الاسلام،وردت في روایاتنا وفقهنا کثیراً،ولها أحکام کثیرة أیضاً،إذ لیس هناک من وصل سناً له القدرة أن یذهب ویشتري بماله،فیسلم هذا المال إلی شخص،له قدرة علی المعاملة والتجارة،فیتشارکا معاً في الربح والضرر.
نعم،یمکن أن یتفقا معاً علی تغییر بعض الشروط أو تحصل بعض التوافقات المسبقة،فمن یدفع المال یمکنه أن یقول:إذا فقد هذا المال،فأنت له ضامن،وعلیک أن تعوض الخسارة التي تلحق بالمال الذي لنا سویة.
 س)سألوا:أن بعض تجار السوق القدماء في الوقت الحاضر ترکوا أعمالهم ووظائفهم شاغرة،وعرضوا أملاکهم ومحال تجارتهم للبیع،وأودعوا هذه الأموال في المصارف والبنوک،وهم یعیشون علی أرباحها!.
ج)أقول لکم هنا:إن ما یودع الیوم من أموال في مصارفنا وبنوکنا،هي کلها عقود شرعية صحيحة في نظر الامام(رضوان الله عليه)،والمرحوم والدنا،والإمام القائد«دام ظله».وقد عدّت في فترة من الفترات أن لها عنوان الربا،فأجري معي لقاء وقلت:لیس فیها عنوان الربا،بل هي کالعقود،ولا إشکال في ذلک.
أما الیوم،فقد استبدل إلی ثقافة،إذ لم یأت مسئولینا لیقولوا:إنهم سیهیئوا الأرضیة المناسبة لإظهار الأشخاص استعدادهم في المسائل التجاریة،وأن هذا الشاب في أول حیاته،إذا صار في یده مالاً،یرید أن یودعه في المصارف والبنوک مباشرة،ویستلم أرباحه،فهذه مشکلة حقیقیة،إذ لا برکة في أرباحه التي یحصل له منها.
وأشیر هنا إلی هذه النقطة وهي:
نحن عندنا ربح حرام وربح حلال،وفي الربح الحلال نوعان أیضاً:الربح الحلال المبارک،والربح الحلال اللامبارک،وهذه هي من الأقسام الغیر مبارکة أرباحها للانسان،ولا یحصل فیها النمو الذي ینبغي أن یتواجد في الحیاة.
س)تواجدت هذه العقود في الاسلام ،لنستخدمها في التعاقد فیما بیننا،یعني أن أکون أنا قائماً بأعمالک،فنتشارک معاً،فتکون لي حصة من العمل،ولک حصة من العمل أیضاً،ثم نتشارک الأرباح سویة.ولکن علی أي حال،علینا أن نعمل معاً.
أما أن تتعامل المصارف والبنوک من جانب واحد،فهذا ما لم نشاهده أبداً،ولا نعلم متی یکون؟.
وکما قلتم:إنه أصبح عادة أن نرکض ونهرول کل یوم جمیعاً،فنجمع عدة ملایین من المال،ونودعها في المصارف والبنوک،ونستلم أرباحها!.
هذا في الحقیقة یقضي علی حرارة العمل،والجهد والنشاط والتفاعل والحرکة والکسب والتجارة،وهو قبیح ومذموم شرعاً أیضاً.
وأشیر هنا إلی نقطة واحدة فقط وهي:
قد یلزم أحیاناً للمشتري الذي یوقع عقداً مع المصرف أو البانک،أن یقرأ بنود هذا العقد،ویفهم مواده کلها،ثم یوقع العقد،لا أن یقترض فقط!یقول الشخص:سأودع أموالي في المصرف أو البانک،ثم أسلم أموالاً،وآخذ أرباحها،ولا یقول:سأذهب وأتعامل،لأرتزق منه،إذ لو تلفظنا به،فسیتبعه حرکة تحصل فینا أیضاً.
ج)یدفع الناس عندنا عادة المال أو النقود،ویودعونها في المصارف والبنوک،ویفتشون عن الأرباح،وهناک قسم طبعاً ملتزمون ومقیدون جداً،لارتباطنا بکثیر منهم،یتصلون هاتفیاً بمکتبنا یومیاً،ویقولون:إننا ذهبا ووقعنا هذا العقد،وتقول المادة الفلانیة في العقد کذا وکذا.
أقول مشیراً إلی هذه الجهة:
إن عندنا روایات،تقول:«نعم الشيء الفرار من الحرام إلی الحلال» ، فعمل الناس هذا حلال.
ولکني أقول:
لیس في هذا المال برکة!.
أما فقهیاً فیکفي الإطلاع علی خصائصه إجمالاً أیضاً،یعني أنني لو کنت أعلم أن المصرف أو البنک یوقع معي عقداً شرعیاً صحیحاً،فهو یتضمن هذه البنود والخصوصیات،وهي شرعیة تماماً،فقط علي أن أعلم ما هي المضاربة؟وهذا یکفي.
وعلي وعلیه أن نعلم:ما هو أصل هذا العقد؟.
إذ هما یتشارکان في ربح وضرر هذه العقود،فإذا تضرر،تضررا معاً،وإذا ربح،ربحا معاً.
غایة الأمر أنهم قالوا:لو اشترط شرطاً،وقال:أودعت هنا مالاً،فإذا تضرر،فأنت ضامن لضرري،فهذا أیضاً تعبیر فقهي لطیف،غیر أن الضرر سیکون علی عاتقک،وقد خرج من جیبک!کما لو أردت أن تسدد لي مبلغاً من المال،فیقدم شخص ویضمنني،بهذا المعنی:أنني إنني لن أدفع الضرر،فعلی هذا الشخص أن یدفع،وهذا الشرط شبیه بذاک . وأنا أرید أن أثبّت ذلک أکثر،وعلیک أنت أن تقوم بعملک وتجارتک بدقة،بأن لا تتضرر،فإن تضرر،قلنا:إنک متی تضررت،فإنک تصبح کشخص ثالث،وعلیک أن تدفع لي الضرر والخسارة،فهذا ما نشترطه في ضمن العقد،وبإمکان الطرف الآخر أن یرفض هذا العرض،ویقول:لا أقبل الشرط،فأنا آخذ المال،وأعمل،لکننا شرکاء معاً في الربح والخسارة.
س)هل یطلب أن یکون ربحه مساویاً؟!
ج)لهذا وجهة فقهیة أیضاً،وهي:
أن کثیراً من أعاظمنا یقول:لا ینبغي ذکر نسبة«مئویة معینة»،بل ینبغي ذکر«نسبة مشاعة»،والنسبة المشاعة هي المتغیرة،یعني بأي قدر یکون فیه الربح،ففیه نسبة اثني عشر بالمائة من ذلک الربح،لا من المال الذي نودعه هنا،وقد أفتی بذلک کثیر من العلماء،لکن والدنا المرحوم« رضوان الله عليه»،رأی:أنه إذا کان هناک مالاً في السوق،وأرادوا اسثماره،فإن فیه واحد بالمائة کنسبة معینة،وهو الحد الأدنی في هذا المال،فإن جعل دافع المال المستثمرهذا الحد الأقل ربحاً له،فلا مانع من ذلک .
س)یعني علیه أن یعلم أن الربح هو اثنا عشر بالمائة؟.
ج)نعم،لذا کان یقول سماحته في بعض دروسه أحیاناً:
إن ما تتعامل به البنوک والمصارف الیوم،في نظرنا صحیح ولا إشکال فیه.
لکنه لا یخلو من الاشکال طبقاً لآراء کثیر من الفقهاء،إلا إذا فتحنا بحث الإیداع علی الحساب،فنقول:علیهم أن یقوموا بعملیة المحاسبة لمقدار الربح أثناء الفعل والانفعالات الناتجة عنه. 
س)هذا هو في غایة التعقید،فهم یأخذون توقیعاً في المصرف أو البانک،وهو موجود أیضاً إن استلمنا منهم الربح،ولکننا لا نری من یقوم بعملیة المحاسبة من جدید،وأکرر وأقول:
إن ما أشرتم له،بوجود أشخاص من أهل الدقة یدققون في ذلک،ویقرأون عقودهم قبل التوقیع،أن یکون کذلک.
وبالنتیجة موجود في عرف العقل والعقلاء أن یوقّع علی عقد ولم یقرأه!.
ومع هذا الحال،نحن لا نعلم حقیقة أننا نوقع مع المصارف أو البنوک عقوداً،هي حتی في مستوی المضاربة أو الجعالة،آخره أننا نعرف اسمه،ولک نجهل معناه ومفهومه،أو لا یمتلک مسئولي المصارف أو البنوک معلومات وتوضیحات عن ذلک،بأنني هل أعرف القراءة والکتابة أم لا؟خاصة وأن بعض العبارات تخصصیة وفنیة،هي بحاجة إلی حدّ ومستوی من العلم والمعرفة،فیجب أن أفهّم ذلک،إذا أردت أن أوقّّع هذا العقد.
خاصة وأن بعض العقود غیر مدعومة بالتراضي حقیقة،یعني عدم حصول رضا الطرفین،ولم یلحظ فیه ذلک.
علی کل حال،هذه مصارف وبنوک،تمتلک القدرة والثروة معاً.
وهذه حقائق ینبغي بحثها ودراستها أحیاناً.
مضافاً إلی کثرة العقود وتنوعها في عصرنا.
أرجوکم أن تبینوا لنا بعضها ، وقد کثر الحدیث عنها،وشاعت بین الناس؟ .
ج)أحد أنواعها:«المضاربة»
بمعنی أن یتواجد فیها طرفان،«المستثمر»والطرف الآخر«العامل».
فالناس الذین یدفعون المال إلی المصرف أو البانک،یسمون«بالمستثمرین»ویکون المصرف أو البانک«عاملاً».
وللمضاربة شروط أیضاً:
منها أن لا یحق للمصرف أو البانک أن یدفعها قروضاً،فتصب في هذا المسیر.
س)یعني عدم عدها من ممتلکاته لعامة؟! . 
ج)نعم،علیه أن یستثمرها في طریق التجارة،یعني إذا کانت المضاربة هي أن أدفع مبلغاً من المال إلی شخص،وأقول له:أعطیک عشرة بالمائة،ویدفع هو المال إلی شخص آخر،ویأخذ منه عشرة بالمائة،فلا فائدة في هذا أصلاً،وهذا مخالف للاسلام،وإذا تصرفت مصارفنا وبنوکنا بهذا النحو الیوم،فستکون هذه مسألة مؤلمة حقیقة،ومخالفة للشرع.فإذا تصرف المصرف أو البانک بهذا المال واستثمره،فإن أحد الشروط المذکورة في المضاربة هي أن علی العامل أن یتاجر بهذا المال،حتی لو قال سأذهب وأشتري لنفسي سیارة،ثم أدفع لک بعد ذلک الأرباح،فلیست هذه تجارة أیضاً،بل ینبغي البیع والشراء والعمل بالتجارة،لإدارة عجلة الاقتصاد،هذا هو من الشروط المهمة المذکورة في المضاربة.
تصدی السید شیباني مسئولیة رئاسة المصرف المرکزي لفترة معینة،فسألته ماذا تفعلون بالأموال التي یعطیها الناس لکم،فقال:نحن نستثمر تسعین بالمائة منها في مجالات الانماء والإعمار وبناء السدود والطرق وتعبید الشوارع،والمشاریع العمرانیة وإحداث المعامل والمصانع.
أقول:إذا کان کذلک،فجید جداً.
وعلی أي حال أرید أن أقول:
لقد أباح الاسلام المضاربة،وهذا الدین نفسه یقول:إذا أقرضت هذا المال لأحد،فیکون هذا القرض ملکاً للشخص المقترض،فلو قلت له:اعطني منه ربحاً ولو ریالاً،فهذا حرام،أما في المضاربة،فهذا هو مالک حالیاً،فأنت تودعه مالاً،وهذا العامل هو عاملک،وهذه أموالک،وأنت مالک هذا المال،وهو أمینک،ولهذا توجد هنا قوانین أیضاً،فإذا لم یکن هو مقصراً في أن لا تضیع هذه الأموال هدراً،فهو غیر ضامن،لأنه یتمثل فیه عنوان «أمینکم»،و«الأمین لا یضمن»،ولکن علیه أن یصرفها في التجارة،ویستثمرها في البیع والشراء والمعاملات،والأرباح التي یحصل علیها،یقسمها بینهم حسب الاتفاق بالتساوي.
س)هل ینبغي أن یصرح بعنوان «التجارة» و «نوع التجارة» أیضاً ؟ .
ج)کلا،لا یلزم أن یبین ذلک،إلا إذا حدد المستثمر نوع الاستثمار.
س)لماذا یقال لها«المضاربة»؟
ج)لأن علی العامل أن یسعی ویبذل جهداً،فهو ضرب في الأرض،وعلی العامل أن یبذل جهداً ویضرب في الأرض.
فإذا لم یقل شیئاً،فهو متعلق بالمالک،ویستحق العامل أجرة المثل فقط.
س)یعني لو تضررا مائة تومان مثلاً،فسیقع علی کل منهما خمسون توماناً؟أم النسبة التي یطلبانها؟.
ج)کلا،مقتضاه هو:أن یتشارکا في الربح،أما بالنسبة للضرر،فهو ما یشترطه المالک،وعلی العامل أن یعوضه الخسارة.
أما إذا اشترط،فیقول من یودع المال:إذا لم تربح،وقلّ مالي،فعلیک أن تعوضني.
وأکرر وأقول مرة أخری:
إن العقد لا یقتضي الضمان للعامل،بل هو ما یشترط،فیقول له بهذا الشرط:علیک أن تعوض الخسارة،وکأنک إذا أردت أن تدفع لشخص مالاً،وتضع شخصاً ثالثاً ضامناً،فهو الذي یعوض الخسارة،فیما إذا لم یدفع لک المدیون المال،هو الذي یعوضک.
وهنا أیضاً إذا وضع مثل هذا الشرط،فقد أجاز الکثیر من الفقهاء صحة ذلک الشرط.
س)یعني أن یلتزم العامل نفسه في أن نتشارک معاً في الربح،وإذا تضررت أحیاناً،فأتعهد لک بتعویض الخسارة.
ج)من العقود الأخری عندنا:«قرض الشرکة»،وفیه یشارک الشخص شخصاً آخر.
وللشرکة أقسام عدیدة في الفقه،لا حاجة إلی بیانها هنا.
ولهذا أیضا نفس تلک النتیجة،بأن یدفع شخص مالاً مثلاً،أو یودع اثنان مالاً.
ومثاله الواضح هو هذا:
أن یودع اثنان مالاً،فیشتریان بضاعة،ویبیعانها معاً،فهذه شراکة واضحة جداً.
وفي العرف أیضاً:
لو تشارک عشرة أشخاص مثلاً،فأودعوا مالاً،واشتریا بضاعة،فعندما یبتاعاها،فعلی ضوء التوافق والعقد بینهما،یتقاسما بینهما هذه الأرباح .
وفي الشرکة أیضاً،یتشارکان معاً الربح والضرر.
وهذا هو أحد الفوارق بین المضاربة والشرکة.
ففي المضاربة یتشارکان في  الربح،وإذا تلف المال بنفسه،دون أن یکون للعامل دوراً وقصوراً في ذلک،فهذا الضرر بعهدة المالک . أما إذا کان العامل مقصراً،فعلیه أن یضمن الخسارة للمالک.
أما الشرکة،فمقتضی العقد فیها أنهما یتشارکان في الربح والضرر،ویمکنهما أن یشترطا أن یکون الربح أو الضرر علی واحد منهما،وقد اختلف العلماء في هذه المسألة طبعاً .
س)کیف «الضرر»هنا؟.
ج)یقسم الضرر بینهما علی حسب المال الذي أودعاه .
س)هل فرقه مع المضاربة أنهما یعملان معاً؟
ج)نعم،یضع عدة أشخاص مالاً في الشرکة،لکن یضع شخص واحد مالاً في المضاربة.
ومن یودع في المضاربة مالاً،فلا یتدخل أبداً في العمل أصلاً،بل یقول:علیک أن تتاجر فقط،أما في الشرکة،فیعمل فیها عدة أشخاص،فیشترون بضاعة،ویتشارکون کلهم في الربح والضرر.
هذه،من الأمور الواضحة جداً في الاسلام،ولها أحکام وأقسام کثیرة،فعندنا أقسام مسموح بها، وأقسام محظورة أیضاً،وهذه نادرة الوقوع في المجتمع جداً،وماهو موجود هو ما بینته هنا فقط.
س)ما هي الجعالة؟
ج)الجعالة تنشأ من حاجة شخص مثلاً إلی عمل أو بضاعة لیبیعها،فأقول:کل من قام لي بهذا العمل أو جاءني بهذه البضاعة،أعطیه کذا مبلغاً من المال،فیسمی ما یعطیه«بالجعل»،یعني أن یجعل له «الجاعل»شيئاً،فیدفع له الثمن المحدد.
س)یعني أن هذا المال ضائع؟.
ج)الضیاع هو أحد مصادیق الجعالة،ففي الوقت الحاضر یعقد المصرف أو البنک عقوداً مع الأشخاص علی أنها جعالة،ویکون لهؤلاء الأشخاص مع هذه المصارف والبنوک عقوداً في الکسب والعمل ، اصطلح علیه«بقرض الجعالة».
فیقول الشخص:کل من یعطیني هذا المبلغ من المال لأشتري هذا المتاع،فسأعطیه کذا من المال،لا أن یقرضني مبلغاً من المال.
س)یعني:أنا أذهب لتأمین استثمار غرفتي مثلا،فأدفع له کذا مبلغ من المال،فکیف تتعاقد المصارف والبنوک حالیاً؟
هؤلاء یعیّنون مبلغ الربح،فیقولون ثمانیة عشر بالمائة مثلاً؟.
ج)‌لا إشکال في ذلک إذا عین في الجعالة،ولا معنی له هنا،أن أقول:أرید شراء بیت،وکل من اشتری لي بیتاً أعطیه کذا ثمن من المال،فیشتري المصرف أو البانک لي بیتاً،ویأخذ أجرة في مقابل ذلک.
س) لا علاقة لنا بکم-بفتح الکاف- اشتری ذلک؟.
ج)نعم،ستجد هذه المسألة صورة أخری،فلو شاهدت بیتاً سعره للبیع بمائة ألف تومان،فأقول:کل من اشتری لي هذا البیت،فسأعطیه أنا ثمنه المائة ألف تومان،وأدفع له کذا مبلغ أجوراً لأتعابه،فیأتي المصرف أو البانک بعد ذلک،ویشتریه له،فیسلم ذلک المال إلی المصرف أو البانک،فیأخذ منه المال بقدر ما دفعه له،لکنه یأخذ إضافة من المال بعنوان حق «الجعل»،فلا مانع في هذا.
س)القرض الذي یدفعه المصرف أو البانک علی ضوء عقد متفق علیه مسبقاً،والآخذ له غیر ملزم علی تغییره،یعني کما ذکرت عدم وجود التراضي،بل هو مکره علی التوقیع .
ج)لا إشکال في ذلک ‌إذا کان مکرهاً،یعني أني أذهب إلی المصرف أو البانک،وکأني أعلم أنک إذا أردت أن تبیعني هذه البضاعة الیوم،أن تبیعه بهذا المبلغ،ولا تغیر السعر مهما فعلت أبداً،ولا یبیعه بأقل من هذا السعر،فأکره علی شرائه بهذا السعر منه،فلا إشکال في ذلک،ویقول المصرف أو البانک:إذا أراد شخص أن یدفع لي هذا السعر،لأقول یعمل الشرکة أو عقد المضاربة،فلا إشکال في ذلک،بل علیه أن یعلم إجمالاً:ما هي هذه الشروط؟
س)کیف یکون هذا الرضا المتبادل الموصی به في العقود؟.
ج)التراضي الحاصل علی نوعین:
أحدهما:التراضي الحاصل عن میل النفس،ولیس هنا اضطرار وإکراه،فأنت تذهب لتشتري فاکهة،فتشتریها بسعر معین،ویمکنک أن لا تشتریها! فإذا لم تشتریها،فلن تحصل أي مشکلة في حیاتک،ولکن قد تضطر إلی شراء دواء بسعر غالي،فبما أنک بحاجة شدیدة لهذا الدواء،تقول:اشتریه بأي سعر کان!هنا یحصل التراضي في التعامل،یعني التراضي في باب المعاملات،یعني أن أقول حین المعاملة:یاسید،أنا راض،ولو کان الاضطرار-لا الإکراه-قد ألزمني علی شراء هذا الدواء .إذ یتواجد الاضطرار بالرضا الذي هو شرط في صحة المعاملة،غایة الأمر أن هذا الرضا یولد الاضطرار،ولکن لا رضا في الإکراه،ولا رضا في الإجبار أیضاً . فهذا هو أمر آخر . لذا تعلن المصارف والبنوک:أن هذه هي شروطنا،کل من أراد فلیتفضل،وکل من رفض،فلا یأت ، ولا إکراه في ذلک من هذه الجهة،أما إذا جاء لأمر طرأ له في غایة الأهمیة والحیویة،ووقع علی هذا العقد،فالعقد صحیح شرعاً.
نحن لا ندافع عن الفقه والقانون أو ننحاز لهما،فإذا أنتم قلتم کذا،أن لا یوجد أي عقد أصلاً،فنقول:سیقع کما هي رغبة الطرفین،فلا یقع عقد أصلاً،ولکن مهما یکن علی الطرفین أن یتراضیا علی صیغة معینة،فیقول شخص:شروطي هي کذا،فإذا أراد شخص أن یتزوج امرأة،فقالت المرأة:هکذا هو مهري،فإذا قبل شخص ذلک،فقد التزم به،وإن کان مهرها غالیاً،فإذا قبل ذلک،فعلیه أن یلتزم بذلک شرعاً.
س)یعني لجأ إلی ذلک واتفق؟.
ج)نعم . 




۴,۵۳۶ الزيارة