موضوع: الامر عقیب الحظر
تاریخ جلسه : ١٤٠٥/٦/٢٢
شماره جلسه : ۲
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
أقوال القدماء
-
نظريّة المحقّق الخراسانيّ
-
المطلب الأوّل: قصور التمسّك بموارد الاستعمال
-
المطلب الثاني: مجرّد الوقوع عقيب الحظر لا يصلح للقرينيّة على الظهور الجديد
-
تحقيق مراد المشهور من «الظهور في الإباحة»
-
المطلب الثالث: إجمال الصيغة
-
مناقشة المحقّق الأصفهانيّ لِمَا أفاده صاحب (الكفاية) في المطلب الأوّل
-
دفع دخلٍ مقدَّر: بيان الفارق بين الحمل على الوجوب والحمل على الاستحباب
-
إيرادان على هذا التفصيل
-
مناقشة الإشكال الثاني: دفع احتمال الكراهة
-
مناقشة الإشكال الأوّل: التأمّل في المغايرة بين مقامي الإرادة والتخاطب
-
موافقة المحقّق الخوئيّ لِمختار الآخوند على كلا المبنيين
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
استظهر السيّد عليّ القزوينيّ في تعليقته على «المعالم» انحصارَ الأقوال بين القدماء في قولين فقط، قائلاً:
اختلفوا في مفاد الأمر إذا وقع عقيب الحظر، فقيل: بأنه الوجوب كالأمر الابتدائي... و قيل: بأنه الإباحة مطلقة... و الذي يظهر انحصار القول بين القدماء في هذين.[1]
حاول كلّ فريقٍ من أصحاب الأقوال المتقدّمة الاستدلالَ على مدّعاه بجملةٍ من موارد استعمال صيغة الأمر عقيب الحظر. فالقائل بالوجوب استند إلى مواردَ استُعملت فيها الصيغة في الوجوب، وكذا القائل بالإباحة أو الاستحباب. إلّا أنّ صاحب «الكفاية»[2] (قدس سره) ناقش في جدوى هذا المسلك؛ لاحتفاف تلك الموارد الاستعماليّة بقرائنَ تُعيّن المعنى المراد منها. ففي موردٍ قامت القرينة على إرادة الوجوب، وفي آخرَ على الاستحباب، وفي ثالثٍ على الإباحة، مطلقةً كانت أم خاصّة. قال (قدس سره) في ذلك:
لا مجال للتشبث بموارد الاستعمال، فإنه قل مورد منها يكون خاليا عن قرينة على الوجوب أو الإباحة أو التبعية.
وأمّا البحث في هذا المطلب، فيقع في أنّه: على فرض تجرّد الكلام عن أيّة قرينةٍ خاصّة، هل يصلح مجرّد وقوع الأمر عقيب الحظر ــــ أو توهّم الحظر ــــ لأن يكون قرينةً عامّةً على اكتساب الصيغة لظهورٍ جديدٍ يغاير ظهورها الأوّليّ في الوجوب؟ وقد أجاب المحقّق الخراسانيّ (قدس سره) عن ذلك بالنفي؛ إذ لم يَرَ لمجرّد الوقوع عقيب الحظر صلاحيّةً لإيجاد مثل هذا الظهور الجديد، وإن ذهب مشهور الأصوليّين إلى اكتسابها ظهوراً في الإباحة (حيث اختار مشهور العامّة الوجوب، ومشهور الخاصّة الإباحة). وقد نصّت عبارته في ذلك على أنّه:
و مع فرض التجريد عنها لم يظهر بعد كون عقيب الحظر موجباً لظهورها في غير ما تكون ظاهرة فيه.
ولا بُدّ في هذا المقام من إيراد توضيحٍ أشار إليه آية الله فاضل اللنكرانيّ (قدس سره)، وحاصله: ما هو المراد من دعوى المشهور القائلة بأنّ للأمر عقيب الحظر «ظهوراً في الإباحة»؟ هل يُقصد بذلك أنّ لصيغة الأمر معنيين حقيقيّين، فتكون ذات موضوعين: أحدهما الوجوب في الحالة الاعتياديّة، والآخر الإباحة حال وقوعها عقيب الحظر؟ من المسلَّم جدّاً أنّ هذا المعنى ليس هو المراد في كلام المشهور.
وقد انتهى المحقّق الخراسانيّ (قدس سره) إلى أنّه متى ما تجرّد موردٌ من موارد الاستعمال عن القرينة المعيِّنة للمراد، فإنّ صيغة الأمر عقيب الحظر تؤول إلى الإجمال. وهنا يقع التساؤل: هل يختصّ هذا الإجمال بالتردّد بين المعاني المجازيّة فحسب، أم يعمّ كافّة المعاني المحتملة، حقيقيّةً كانت أم مجازيّة؟ الظاهر من عبارة «الكفاية» شمول الإجمال لجميع تلك المعاني، بمعنى أنّه لا يصحّ حمل الصيغة حتّى على معناها الحقيقيّ (وهو الوجوب)، حيث نصّ (قدس سره) على أنّ:
غایة الأمر یکون موجباً لإجمالها، غیر ظاهرة فی واحد منها إلا بقرینة أخری.
وبناءً على ذلك، فلا يصحّ ــــ عند فقدان القرينة ــــ حمل الصيغة على الوجوب، ولا على الاستحباب، ولا على الإباحة، إلّا إذا قامت قرينةٌ أُخرى تقتضي التعيين.
إشارة إلى مستند القائلين بالاستحباب
وممّا ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام: أنّ بعض مَن ذهب إلى حمل الصيغة على الاستحباب قد استند في ذلك إلى قاعدة: «إذا تعذّرت الحقيقة فأقرب المجازات»؛ وبما أنّ الحمل على المعنى الحقيقيّ (وهو الوجوب) متعذّرٌ في المقام، فقد تعيّن المصير إلى أقرب المجازات إليه، وهو الاستحباب، وفقاً لمبناهم. وسيأتي تفصيل أدلّة هذا المسلك ومناقشتها في ثنايا المباحث الآتية.
مناقشة المحقّق الأصفهانيّ لِمَا أفاده صاحب (الكفاية) في المطلب الأوّل
تقدّم أنّ المحقّق الخراسانيّ (قدس سره) قد منع في مطلبه الأوّل من صحّة التمسّك بموارد الاستعمال لإثبات أيٍّ من الأقوال المذكورة، معلّلاً ذلك باحتفاف جميع تلك الموارد بالقرائن. إلّا أنّ المحقّق الأصفهانيّ (قدس سره) تصدّى في تعليقته لمناقشة هذا المقطع،[4] محاولاً اقتناص القدر المتيقّن من بين المحتملات، سالكاً في ذلك مسلكاً آخر يعتمد على التمسّك بمقدّمات الحكمة.
وتقريب ما أفاده: أنّ المورد الّذي يرد فيه الأمر عقيب الحظر ــــ أو توهّم الحظر ــــ دائرٌ أمره بين أن يكون عباديّاً أو غير عباديّ.
ففي المورد غير العباديّ، يطرح احتمال الإباحة الخاصّة، ويرى المحقّق الأصفهانيّ أنّ هذا الاحتمال يمثّل القدر المتيقّن في المقام؛ نظراً إلى أنّ إذن المولى (بمعنى الرخصة في الفعل) معلومٌ بالضرورة من مجرّد صدور الأمر بعد الحظر، والإباحة الخاصّة ليست في حقيقتها سوى هذا الإذن الساذج المجرّد عن أيّ اقتضاءٍ طلبيّ. وبما أنّ هذا القيد الزائد (أي الاقتضاء الطلبيّ) أمرٌ وجوديّ، فإنّ انتفاءه يُعدّ أمراً عدميّاً يكفي في إثباته مجرّد عدم إقامة القرينة على ثبوته.
وأمّا في المورد العباديّ، فبِما أنّ للفعل ماهيّةً عباديّة، يكون احتمال الإباحة الخاصّة منتفياً من الأساس؛ إذ العبادة لا تخلو من الوجوب أو الاستحباب، ولا يُعقل أن يكون الفعل عباديّاً ومباحاً بالإباحة الخاصّة في آنٍ واحد. وبانتفاء هذا الاحتمال، يُحرز أصل الاقتضاء (أي الطلب) بصورةٍ قطعيّة، وينحصر الشكّ في خصوصيّة الإلزام. ولـمّا كان الاستحباب ليس إلّا طلباً فاقداً للإلزام، وكان هذا الفقدان أمراً عدميّاً، كفى في إثبات الاستحباب مجرّد عدم نصب المولى قرينةً تدلّ على الإلزام. وقد نصّت عبارته في ذلك على:
وقد يُورد على هذا التقريب إشكالٌ، حاصله: أنّ المحقّق الأصفهانيّ (قدس سره) كان قد بنى سابقاً ــــ في مبحث دلالة صيغة الأمر على الوجوب ــــ على أنّ مقدّمات الحكمة تقتضي الحمل على الوجوب؛ فكيف يذهب هنا إلى أنّ مقدّمات الحكمة ذاتها تقتضي الحمل على الاستحباب؟
ويُجيب المحقّق الأصفهانيّ عن ذلك ببيان الفارق الصناعيّ بين المقامين، محصّله: أنّ صيغة الأمر في المبحث الأوّل ظاهرةٌ ــــ بحسب الوضع ــــ في الطلب، والوجوب لا يزيد على طبيعة الطلب بشيء. ومن هنا، متى ما تجرّدت الصيغة عن القرينة، استقرّت على معناها الموضوع له، وهو الطلب المساوق للوجوب. أمّا في محلّ الكلام ــــ أي الأمر عقيب الحظر ــــ فإنّ أصل الاقتضاء (الطلب) لم يُستفد من دلالة الصيغة الوضعيّة، بل أُحرز بدليلٍ خارجيّ، وهو انتفاء احتمال الإباحة الخاصّة على فرض كون المورد عباديّاً. وإنّما الشكّ في خصوصيّة الإلزام، ولـمّا كانت خصوصيّة الندب متقوّمةً بعدم الإلزام، وهو أمرٌ عدميّ، كان إثباتها غنيّاً عن إقامة القرينة. وعبارته في ذلك:
و الفرق بين ما نحن فيه و بين ما تقدم ... هو: أن الصيغة ظاهرة وضعا في الطلب، و الوجوب لا يزيد على الطلب - بما هو - بشيء، بخلاف ما نحن فيه، فإن أصل الاقتضاء علم من الخارج حسب الفرض، و خصوصية الندب - حيث كانت عدمية - لا تحتاج إلى دليل.
أورد المحقّق الأصفهانيّ (قدس سره) بنفسه ــــ بعد تقريره لهذا المبنى ــــ إشكالين عليه:
الإشكال الأوّل (وهو جارٍ في كلا الموردين): إنّ القدر المتيقّن المستفاد من هذا التحليل إنّما هو المتيقّن في مقام المراديّة، والحال أنّ المعتبر في باب مقدّمات الحكمة هو القدر المتيقّن في مقام التخاطب والمحاورة، لا مجرّد المتيقّن الّذي يُتوصّل إليه بالتحليل العقليّ.
الإشكال الثاني (وهو مختصٌّ بالمورد العباديّ): إنّ انتفاء احتمال الإباحة الخاصّة في المورد العباديّ لا يُلازم انتفاء احتمال الكراهة؛ إذ يُحتمل أن تكون العبادة المأمور بها عقيب النهي ــــ أو توهّم النهي ــــ باقيةً على المرجوحيّة والكراهة. وعليه، فلا يتعيّن المصير إلى الاستحباب بمجرّد انتفاء الإباحة الخاصّة. وقد نصّت عبارته في ذلك على أنّه:
وأمّا الإشكال الأوّل ــــ المبنيّ على التفرقة بين القدر المتيقّن في مقام الإرادة ونظيره في مقام التخاطب ــــ فهو ممّا حقيقٌ بالتأمّل. وبيان ذلك: أنّ المحقّق الأصفهانيّ إنّما توصّل إلى القدر المتيقّن المدّعى من خلال التحليل العقليّ؛ فبما أنّ احتمال الإباحة الخاصّة منتفٍ، يبقى أصل الاقتضاء (الطلب) ثابتاً، وبما أنّ خصوصيّة الإلزام أمرٌ وجوديّ زائد، كان فقدانها أمراً عدميّاً، فيتعيّن بذلك الطلب الفاقد للإلزام، وهو الاستحباب. وحاصل الإشكال: أنّ هذا القدر المتيقّن ليس إلّا وليد تحليلٍ ذهنيّ، ولا يشكّل ظهوراً مباشراً مستقرّاً في الارتكاز العرفيّ في ظرف المحاورة والتخاطب؛ والحال أنّ المعتبر في جريان مقدّمات الحكمة إنّما هو خصوص هذا الاستظهار الارتكازيّ المحاوريّ.
إلّا أنّه يُمكن أن يُقال بالتطابق وعدم الانفكاك بين القدرين المتيقّنين (المتيقّن إرادةً والمتيقّن تخاطباً) في محلّ الكلام. وتوضيحه: أنّ الدلالة على أصل الطلب والاقتضاء في صيغة الأمر جليّةٌ بدرجةٍ لا يصلح معها مجرّد الوقوع عقيب الحظر للإخلال بهذا المقدار من الدلالة، وإنّما يسري الشكّ الناشئ من ذلك الوقوع إلى خصوصيّة الإلزام فحسب، دون أصل الطلب.
ولتقريب المطلب بحسب المرتكزات العرفيّة للمخاطَب، نفترض أنّ المولى أصدر أمراً متعلّقاً بفعلٍ عباديّ عقيب الحظر أو توهّمه ــــ كأن يتوهّم المكلّف في ساحة القتال سقوطَ صلاة الليل عنه، فيخاطبه المولى قائلاً: «صلِّ صلاة اللَّيل» ــــ أفلا يكون أصل الطلب ــــ ولو بنحو الاستحباب ــــ هو القدر المتيقّن في الفهم العرفيّ وظرف المحاورة؟ الظاهر أنّه كذلك؛ نظراً إلى دلالة الأمر في حدّ ذاته على أصل الاقتضاء، ومجرّد وقوعه عقيب الحظر غيرُ صالحٍ لإسقاط هذه الدلالة الإجماليّة، بل غايته إسقاط الظهور في خصوصيّة الإلزام. وعليه، فكما كان الاستحباب هو القدر المتيقّن في التحليل العقليّ، فإنّ هذا المعنى بعينه ــــ أي أصل الطلب المجرّد عن الإلزام ــــ مستفادٌ ومستظهرٌ في الارتكاز العرفيّ لمقام المحاورة أيضاً.
حصيلة البحث
انتهى المحقّق الخوئيّ[5] (قدس سره) إلى عين النتيجة الّتي خلص إليها المحقّق الخراسانيّ (قدس سره)، إلّا أنّه أقام البرهان عليها بناءً على كلا المبنيين المطروحين في منشأ دلالة صيغة الأمر على الوجوب، سواءٌ على مبنى مَن يستكشف الوجوب بحكم العقل (كمسلك المحقّق النائينيّ والمحقّق الخوئيّ نفسه)، أم على مسلك المشهور القائل باستناد الوجوب إلى الوضع أو الإطلاق. وقد نصّت عبارته في ذلك على أنّه:
و التحقيق هو انه لا يدل على شيء من ذلك من دون فرق بين نظريتنا في مفاد الصيغة و ما شاكلها و نظرية المشهور في ذلك.»
تقرير المطلب على مبنى حكم العقل
فبناءً على مختار المحقّق الخوئيّ (قدس سره) نفسه، لا تُستفاد دلالة صيغة الأمر على الوجوب من الوضع، بل تُستكشف بحكم العقل؛ إذ يحكم العقل ــــ بمقتضى قانون المولويّة والعبوديّة ــــ بلزوم امتثال المكلّف لأمر المولى، ما لم تقم قرينةٌ على الترخيص في الترك. والحال أنّه يُحتمَل أن يكون وقوع صيغة الأمر عقيب الحظر ــــ أو توهّم الحظر ــــ قرينةً على الترخيص. وعليه، فلا ينعقد لهذه الصيغة ظهورٌ في الوجوب بحكم العقل. ونصّ عبارته في ذلك:
العقل انما يحكم بلزوم قيام المكلف بما أمر به المولى بمقتضى قانون المولوية و العبودية إذا لم تقم قرينة على الترخيص و جواز الترك، و حيث يحتمل أن يكون وقوع الصيغة أو ما شاكلها عقيب الحظر أو توهمه قرينة على الترخيص فلا ظهور لها في الوجوب بحكم العقل.
وقد أفاد في تقريب ذلك ببيانٍ آخر، محصَّله: أنّ الكلام المحفوف بما يصلح للقرينيّة ــــ وإن لم تثبت قرينيّته الفعليّة ــــ لا ينعقد له ظهورٌ من الأساس، حيث قال:
انها حيث كانت محفوفة بما يصلح للقرينية فلا ينعقد لها ظهور فيه.
وعلى هذا المبنى، يكفي مجرّد الصلاحيّة للقرينيّة ــــ وإن لم تبلغ حدّ الفعليّة ــــ في إسقاط حكم العقل بلزوم الامتثال. ومن هنا، يكون الانتهاء إلى الإجمال ــــ بناءً على هذا المبنى ــــ أوضحَ مأخذاً وأيسرَ مؤونةً من التوصّل إليه بناءً على مبنى الوضع أو مقدّمات الحكمة.
تقرير المطلب على مسلك المشهور (الوضع أو الإطلاق)
وأقام المحقّق الخوئيّ (قدس سره) البرهان لإثبات أنّه حتّى على مبنى المشهور، لا ينتهي الأمر إلّا إلى الإجمال أيضاً. وتوضيح ذلك: أنّ حمل صيغة الأمر عقيب الحظر على الوجوب ــــ وفقاً لهذا المسلك ــــ يتوقّف على تماميّة أمرين: الأوّل: أن تكون صيغة الأمر موضوعةً للوجوب بالوضع. الثاني: أن تكون «أصالة الحقيقة» أصلاً تعبّديّاً برأسه، لا مجرّد صغرى لأصالة الظهور، بمعنى أنّه متى ما وقع الشكّ في إرادة المتكلّم للمعنى الحقيقيّ أو المجازيّ، جرى الأصل لتعيين المعنى الحقيقيّ، وإن لم ينعقد للّفظ ظهورٌ فعليٌّ فيه. وهذا الركن الأخير (أي التعبّد بأصالة الحقيقة) هو ما نُسب إلى علم الهدى السيّد المرتضى (قدس سره). وقد نصّت عبارته في ذلك على أنّه:
فحمل الصيغة أو ما شاكلها في هذا الحال على الوجوب يقوم على أساس امرين: أحدهما ان تكون الصيغة موضوعة للوجوب، و ثانيهما ان تكون أصالة الحقيقة حجة من باب التعبد كما نسب إلى السيد.
إلّا أنّ المحقّق الخوئيّ (قدس سره) أفاد بمنع تماميّة الركن الثاني؛ إذ إنّ «أصالة الحقيقة» ــــ كما تقرّر لدى المتأخّرين ــــ ليست أصلاً تعبّديّاً برأسه في عَرض «أصالة الظهور»، بل هي من صغرياتها. ومعنى ذلك: أنّ حجّيّة أصالة الحقيقة متفرّعةٌ على انعقاد الظهور الفعليّ، وليست أصلاً تعبّديّاً يُتوسّل به حتّى مع انتفاء ذلك الظهور. ومن هنا، فحتّى لو سلّمنا بتماميّة الركن الأوّل (وهو وضع الصيغة للوجوب)، فإنّه نظراً لانتفاء الظهور الفعليّ في المقام ــــ بسبب الاحتفاف بما يصلح للقرينيّة ــــ ينتفي موضوع أصالة الحقيقة بالتبعيّة، حيث قال:
و من هنا يظهر انه لا مقتضى لحملها عليه على ضوء نظرية المشهور أيضاً، فان الصيغة أو ما شابهها على ضوء هذه النظرية و ان كانت موضوعة للوجوب الا انه لا دليل على حجية أصالة الحقيقة من باب التعبد و انما هي حجة من باب الظهور و لا ظهور في المقام.
وبهذا يتبرهن أنّ حمل صيغة الأمر عقيب الحظر على الوجوب ــــ سواءٌ على مبنى العقل أم على مبنى الوضع والإطلاق ــــ فاقدٌ للمقتضي. ثمّ ترقّى (قدس سره) لِبيان أنّه بهذا الملاك عينه يندفع القول بحمل الصيغة على الإباحة أو على التبعيّة لِما قبل النهي؛ إذ إنّ هذه الدعوى تبتني أيضاً على كون وقوع الأمر عقيب الحظر قرينةً عامّةً على إرادة أحد هذين المعنيين، والحال أنّ اختلاف موارد الاستعمال يحول دون انعقاد مثل هذه القرينة العامّة. وبذلك يتعيّن المصير إلى عين ما انتهى إليه صاحب «الكفاية» (قدس سره) من الإجمال. وقد نصّت عبارته في ذلك على أنّه:
فالنتيجة انها مجملة فإرادة كل واحد من تلك المعاني تحتاج إلى قرينة.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
[2]. محمد کاظم آخوند خراسانی، مؤلف، کفایة الأصول (قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1430)، م 1، 149-150.
[3]. محمد فاضل موحدی لنکرانی، اصول فقه شیعه، با محمود ملکی اصفهانی و سعید ملکی اصفهانی (قم: مرکز فقهی ائمه اطهار (ع)، 1381)، ج 3، 436-438.
[4]. محمد حسین اصفهانی، مؤلف، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة (بیروت: مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429)، م 1، 354-355.
[5]. ابوالقاسم خویی، مؤلف، محاضرات فی أصول الفقه، مع محمد اسحاق فیاض (قم: دارالهادی، 1417)، م 2، 205-206.
- اصفهانی، محمد حسین. نهایة الدرایة فی شرح الکفایة. ۶ م. بیروت: مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- خویی، ابوالقاسم. محاضرات فی أصول الفقه. مع محمد اسحاق فیاض. ۵ م. قم: دارالهادی، 1417.
- فاضل موحدی لنکرانی، محمد. اصول فقه شیعه. با محمود ملکی اصفهانی و سعید ملکی اصفهانی. ۱۰ ج. قم: مرکز فقهی ائمه اطهار (ع)، 1381.
- قزوینی، علی بن اسماعیل. تعلیقة علی معالم الأصول. ۷ م. قم: جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم. مؤسسة النشر الإسلامي، 1422.
نظری ثبت نشده است .