الامر عقیب الحظر

درس قبل

الامر عقیب الحظر

درس قبل

موضوع: الامر عقیب الحظر


تاریخ جلسه : ١٤٠٥/٦/٢٣


شماره جلسه : ۳

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • بيان المباني الأربعة في دلالة صيغة الأمر على الوجوب

  • النكتة الأولى للمحقّق الخوئي: سريان الإجمال على مبنيي العقل والإطلاق

  • النكتة الثانية للمحقّق الخوئي: التفصيل على مبنى المشهور

  • إشكال الشهيد الصدر على المحقّق الخوئيّ: قصور الاحتمال المجرّد عن إسقاط الظهور

  • نطاق إشكال الشهيد الصدر؛ اختصاصه بالدلالة الوضعيّة أم سريانه على جميع المباني

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

مُحصّل البحث المتقدّم
يقع البحث في تحديد مفاد صيغة الأمر فيما إذا وقعت عقيب الحظر أو توهّمه؛ فهل تحافظ على ظهورها الأوّليّ في الوجوب، أم ينعقد لها ظهورٌ ثانٍ في معنىً آخر، أم تصير مجملة؟ وعلى ما نقله السيّد علي القزويني، لم يُعهد بين القدماء سوى قولين: البقاء على الظهور في الوجوب، والإباحة المطلقة؛ وأمّا سائر الأقوال (كالإباحة الخاصّة، والاستحباب، والتفصيل) فمن مستحدثات المتأخّرين. 

وقد أفاد المحقّق الآخوند في «الكفاية» أموراً ثلاثة: الأوّل: سقوط تشبّث أصحاب الأقوال بموارد الاستعمال عن الاعتبار؛ لاحتفافها جميعاً بالقرينة. الثاني: أنّ مجرّد وقوع الأمر عقيب الحظر لا ينهض لتأسيس ظهورٍ جديد (نظير الإباحة)، وإن صلح لإسقاط الظهور الأوّليّ في الوجوب. الثالث: الانتهاء إلى الإجمال والتردّد بين جميع المعاني المحتملة، حتّى الوجوب. وفي مقام تحرير مراد المشهور من «الظهور في الإباحة»، تبيّن اندراجه في كبرى الظهور المجازيّ المحفوف بالقرينة العامّة، لا الدلالة بالوضع الثاني. وفي تعليقته على المطلب الأوّل، تصدّى المحقّق الأصفهاني لاقتناص قدرٍ متيقّنٍ في كلّ موردٍ بمقتضى مقدّمات الحكمة. 

فعيّن الاستحباب في الموارد العباديّة (لانتفاء احتمال الإباحة الخاصّة فيها)، والإباحة الخاصّة في الموارد غير العباديّة. كما دفع إشكالاً مقدّراً حول المفارقة بين هذا المسلك وبين حمل الصيغة على الوجوب. ثمّ أورد (قدس سره) إشكالين على هذا التفصيل: أحدهما: رجوع القدر المتيقّن الحاصل إلى مقام الإرادة لا التخاطب. والآخر: عدم اندفاع احتمال الكراهة في الموارد العباديّة. 

وفي مقام تقييم هذين الإشكالين، استبعدنا احتمال الكراهة؛ لتقوّمه الذاتيّ بالنهي الصريح. وأمّا الإشكال الأوّل فمحلّ تأمّل، وإن أمكن إثبات التطابق بين القدرين المتيقّنين مآلاً، استناداً إلى الارتكاز المحاوريّ. وبذلك يبقى باب البحث مشرعاً على تفصيلٍ جديدٍ بين الموارد العباديّة وغيرها. وأخيراً، وعطفاً على تقرير المحقّق الخوئيّ لنظريّة الآخوند، يتّضح انتهاؤه إلى الإجمال على كلا مسلكي الدلالة (العقليّ، واللفظيّ وضعاً أو إطلاقاً). كما أقام البرهان بوجهٍ خاصّ على استهجان القول بأصالة الحقيقة كأصلٍ تعبّديّ مستقلّ (في قبال المبنى الرائج القاضي باندراجها تحت أصالة الظهور).

بيان المباني الأربعة في دلالة صيغة الأمر على الوجوب

قبل الخوض في تفاصيل نظريّة المحقّق الخوئي (قدس سره) حول إجمال الأمر عقيب الحظر، ينبغي تحرير المباني المطروحة في كيفيّة دلالة صيغة الأمر على الوجوب؛ إذ يتوقّف استجلاء مدّعاه — القاضي بسريان الإجمال «على جميع المباني» — على الإحاطة بهذه المباني بخصوصها.

لقد ذهب المحقّق الخوئي، وفاقاً للآخوند، إلى إجمال الأمر عقيب الحظر، واستهلّ بحثه باستعراض الأقوال في المسألة قائلاً:

إذا وقع الأمر عقيب الخطر أو توهمه فهل يدل على الوجوب كما نسب إلى كثير من العامة، أو على الإباحة كما هو المعروف و المشهور بين الأصحاب أو هو تابع لما قبل النهي ان علق الأمر بزوال علة النهي لا مطلقا وجوه بل أقوال: و التحقيق هو انه لا يدل على شيء من ذلك من دون فرق بين فطريتنا في مفاد الصيغة و ما شاكلها و نظرية المشهور في ذلك.[1]

ومن خلال هذه العبارة، يطرح (قدس سره) ثلاثة أقوال: الوجوب (المنسوب إلى كثيرٍ من العامّة)، والإباحة (المعروف والمشهور بين أصحابنا الإماميّة)، والتبعيّة لما قبل النهي. ثمّ يقرّر مختاره في المقام، وهو عدم دلالة الأمر عقيب الحظر على أيٍّ منها، وهي نتيجةٌ مطّردةٌ بقطع النظر عن المبنى المختار في دلالة الصيغة على الوجوب.

وتجليةً لسعة هذا المدّعى، لا بدّ من استعراض المباني المتصوّرة في كيفيّة الدلالة، والتي تنتظم — بضميمة مختار المحقّق الخوئي — في أربعة مسالك:[2]

المبنى الأوّل (مسلك المشهور): ثبوت الدلالة بالوضع، أي وضع صيغة الأمر للوجوب. نعم، وينقدح هنا تساؤلٌ فنيٌّ عمّا إذا كان الواضع قد أخذ الوجوب ابتداءً جزءاً من المعنى الموضوع له، أو أنّه وضع الأمر لمعنىً يُلازم الوجوب بيّناً.

المبنى الثاني: ثبوت الدلالة بالإطلاق. وحاصله: أنّ تجرّد أمر المولى بـ «صلِّ» عن القرينة المرخّصة في الترك، يوجب استكشاف إرادته اللزوميّة ببركة مقدّمات الحكمة. وعليه، فليس الوجوب جزءاً من الموضوع له ولا لازماً بيّناً، بل يُقتنص من الإطلاق.[3]

المبنى الثالث (مختار المحقّق النائيني[4] والمحقّق الخوئي): ثبوت الدلالة بحكم العقل. إذ يحكم العقل بمناط «حقّ المولويّة»، بلزوم الانبعاث وامتثال الطلب الصادر من المولى. وعليه، لا تنبثق الدلالة من الوضع ولا الإطلاق، بل مردّها إلى حكم العقل بلزوم الطاعة، بحيث لو خُلّي العقل وإدراكَه للزوم هذه الطاعة، لانتفى الوجوب رأساً.

المبنى الرابع: لا مساغ لحكم العقل هنا، بل المدار على بناء العقلاء،[5] حيث استقرّ بناؤهم على لزوم امتثال الأمر المولويّ. وهو تأسيسٌ عقلائيٌّ مستقلّ، أجنبيٌّ عن ملاك «حقّ المولويّة». وقد أُشبع هذا المبنى تمحيصاً في مظانّه.

النكتة الأولى للمحقّق الخوئي: سريان الإجمال على مبنيي العقل والإطلاق

النكتة الأولى التي سجّلها المحقّق الخوئي — مضافاً إلى ما أفاده المحقّق الآخوند — تكمن في سريان إجمال الأمر عقيب الحظر على جميع المباني الأربعة. وقد مهّد لتقرير مدّعاه هذا بتطبيقه على مبناه المختار، أعني الدلالة العقليّة، قائلاً:

اما على ضوء نظريتنا فلان العقل انما يحكم بلزوم قيام المكلف بما أمر به المولى بمقتضى قانون المولوية و العبودية إذا لم تقم قرينة على الترخيص و جواز الترك، و حيث يحتمل أن يكون وقوع الصيغة أو ما شاكلها عقيب الحظر أو توهمه قرينة على الترخيص فلا ظهور لها في الوجوب بحكم العقل.

و ان شئت قلت: انها حيث كانت محفوفة بما يصلح للقرينية فلا فلا ينعقد لها ظهور فيه.[6]

وعلى ضوء هذا البيان، يُناط حكم العقل بالوجوب بتجرّد كلام المولى عن أيّ ترخيصٍ في الترك. ومحطّ النظر هنا أنّ مجرّد وقوع الأمر عقيب الحظر، يكون بطبعه صالحاً للقرينيّة على الترخيص في الترك، ممّا يستوجب احتفاف الصيغة بما يصلح للقرينيّة. ومع هذا الاحتفاف، يمتنع انعقاد أيّ ظهورٍ للصيغة في الوجوب، حتّى بحكم العقل. فالمتحصّل هو إجمال الأمر عقيب الحظر على مبنى الدلالة العقليّة أيضاً؛ لانتفاء موضوع حكم العقل — المتمثّل في صدور الطلب المولويّ متجرّداً عن أيّ ترخيص — بثبوت هذه الصلاحيّة للقرينيّة.

ومضافاً إلى مبنى العقل، يطّرد هذا الإجمال على مبنى الدلالة الإطلاقيّة أيضاً؛ إذ تقتضي إحدى مقدّمات الحكمة خلوّ كلام المولى من القرينة على الخلاف، بل وممّا يصلح للقرينيّة. ولمّا كان وقوع الأمر عقيب الحظر واجداً لتلك الصلاحيّة بالذات، تعذّر تماميّة مقدّمات الحكمة، وامتنع انعقاد الإطلاق المفيد للوجوب.

النكتة الثانية للمحقّق الخوئي: التفصيل على مبنى المشهور

وهنا ينقدح تساؤلٌ إثر بيان النكتة الأولى: لِمَ لا يُصار — بناءً على مبنى المشهور القاضي بالدلالة الوضعيّة، على أقلّ تقدير — إلى حمل الأمر عقيب الحظر على الوجوب كالأمر الابتدائيّ؟ ولتنقيح الإجابة عن ذلك، لا بدّ من استذكار نكتةٍ أُشير إليها في «الكفاية» أيضاً.[7]

ففي الأمر الابتدائيّ، أي حينما يوجّه المولى خطابه بـ «صلِّ» مجرّداً عن أيّ سابقة، يجري على مبنى المشهور أصلان في عرضٍ واحد بلا مانع: فمن جهةٍ، تكون صيغة الأمر «ظاهرةً في الوجوب»، فتجري أصالة الظهور؛ ومن جهةٍ أخرى، تكون «حقيقةً في الوجوب»، فتسري أصالة الحقيقة أيضاً. وحيث إنّ كلا الأصلين ينتهيان في هذا الفرض إلى نتيجةٍ واحدة — ألا وهي الحمل على الوجوب — فلا تمسّ الحاجة إلى التفكيك بينهما.

وهل يتأتّى لنا في «صَلِّ» الواردة عقيب الحظر أن نحكم بالوجوب بهذا النحو المباشر، وبمجرّد التمسّك بأصالة الظهور؟ يُجيب المحقّق الخوئيّ بالنفي. ويكمن سرّ ذلك في ضرورة التفكيك بين هذين الأصلين؛ نظراً لاحتمال افتراق مآلهما في المقام.

تمحيص أصالة الظهور

يتقوّم موضوع أصالة الظهور بخلوّ كلام المتكلّم من القرينة على الخلاف، بل وممّا يصلح للقرينيّة. وفي المقام، نجد وقوع الأمر عقيب الحظر واجداً لهذه الصلاحيّة بالذات؛ إذ يُحتمل أن تشكّل سابقة الحظر بنفسها قرينةً على الترخيص في الترك. وعليه، تنتفي أصالة الظهور في المقام موضوعاً.

ومن الجدير بالالتفات هنا، أنّ أصالة الظهور لا تتكفّل بإيجاد الظهور، بل تقتصر وظيفتها على إثبات الحجّيّة للظهور المحرز والمسلّم فحسب. أي إنّ مفاد هذا الأصل هو كبرى «الظاهر حجّةٌ»، بيد أنّ إحراز الصغرى (وهي كون اللفظ ظاهراً في معنىً ما)، متوقّفٌ بحدّ ذاته على انعدام المانع من انعقاد الظهور. فمتى ما اكتنف الكلامَ ما يصلح لمزاحمة الظهور، لامتنع القول بظهوره في الوجوب قبل أن تصل النوبة إلى التعبّد بحجّيّته. وبعبارةٍ أخرى، إنّ صغرى الظهور غير متحقّقةٍ لكي يجري عليها الأصل المزبور.

وهنا يجدر إيضاح المفارقة بين هذه الحالة وبين أصل عدم القرينة. فإنّ أصل عدم القرينة إنّما يجري في موارد الشكّ في أصل نصب القرينة على الخلاف. ففي هذا الفرض، يتكفّل الأصل العقلائيّ (أصل عدم القرينة) بإثبات العدم، فيتكوّن الظهور. أمّا في المقام، فالأمر مختلف؛ لاحتفاف الكلام بأمرٍ —وهو سابقة الحظر ذاتها — ويُشكّ في كونه قرينةً واقعيّةً على الترخيص، لاحتمال تعويل المتكلّم على هذا الأمر بالذات. ومثل هذه الحالة تأبى الاندراج في موضوع أصل عدم القرينة، بل هي بحدّ ذاتها مانعٌ عن انعقاد الظهور.

تمحيص أصالة الحقيقة

وأمّا أصالة الحقيقة فالخطب فيها أدقّ، ومردّ الأمر فيها إلى تحديد هويّتها ومكانتها في منظومة الأصول اللفظيّة. وفي هذا المضمار يُطرح مبنيان:

المبنى الأوّل (وهو المنسوب إلى قدماء الأصوليّين): إنّ أصالة الحقيقة أصلٌ مستقلٌّ وتعبّديٌّ برأسه، ولا مساس له بالظهور. وعلى هذا الأساس، فقد استقرّ بناء العقلاء على أنّه متى ما شُكّ في إرادة المتكلّم للمعنى الحقيقيّ، حُمل اللفظ عليه، ما لم يحصل القطع باحتفاف الكلام بقرينةٍ صارفة. وهذا الحمل لا يرتكز على ظهور اللفظ، بل هو تعبّدٌ عقلائيٌّ محضٌ وتأسيسٌ مستقلّ. وعليه، فإنّ ما يتمحّض شأنه في مجرّد الصلاحيّة للمنع من انعقاد الظهور، لا يقدح في حمل اللفظ على معناه الحقيقيّ.

المبنى الثاني (وهو مسلك متأخّري الأصوليّين، وعليه مختار المحقّق الخوئيّ): إنّ أصالة الحقيقة ليست أصلاً مستقلاً، بل مردّها في واقع الأمر إلى أصالة الظهور ومن صغرياتها. وذلك لأنّ المعنى الحقيقيّ هو عين المعنى الظاهر، ومعقد بناء العقلاء في حمل اللفظ على معناه الحقيقيّ ليس إلّا ظهوره فيه. وتفريعات هذا المبنى أنّه لا يوجد في قبال أصالة الظهور أصلٌ مستقلٌّ آخر يُعبّر عنه بأصالة الحقيقة. وبتعبيرٍ آخر، إنّ أصالة الحقيقة ليست تعبّداً عقلائيّاً محضاً، بل مناطها معلومٌ، وهو حجّيّة الظهور.

وتظهر ثمرة هذا الخلاف في المقام على النحو الآتي: إن بنينا على كون أصالة الحقيقة — وفقاً للمبنى الأوّل — أصلاً مستقلاً وتعبّديّاً، لجرى هذا الأصل لعدم إناطته بإحراز الظهور، ولتعيّن حمل اللفظ على معناه الحقيقيّ، أعني الوجوب. وعلى هذا المسلك بالذات يبتني ما ذهب إليه أهل السنّة وبعض المعتزلة، ومن علماء الإماميّة السيّد المرتضى، من حمل الأمر عقيب الحظر على الوجوب. وأمّا لو أسّسنا على إرجاع أصالة الحقيقة — وفقاً للمبنى الثاني — إلى أصالة الظهور، فبانثلام الظهور ينتفي موضوع أصالة الحقيقة رأساً؛ لكونها متفرّعةً رتبةً على الظهور المنعدم في المقام.[8] وقد تبنّى المحقّق الخوئيّ المبنى الثاني صريحاً، حيث أفاد:

فان الصيغة أو ما شابهها على ضوء هذه النظرية و ان كانت موضوعة للوجوب الا انه لا دليل على حجية أصالة الحقيقة من باب التعبد و انما هي حجة من باب الظهور و لا ظهور في المقام، لما عرفت من احتفافها بما يصلح للقرينية.[9]

وعليه، وإن كانت صيغة الأمر موضوعةً للوجوب على مبنى المشهور، إلّا أنّ حجّيّة أصالة الحقيقة ليست تعبّديّةً، بل هي منوطةٌ بالظهور؛ ولمّا كان الظهور منتفياً في المقام — لاحتفاف الصيغة بما يصلح للقرينيّة — امتنع جريان أصالة الحقيقة أيضاً، لتفرّعها عليه.

خلاصة الإفادتين في كلام المحقّق الخوئيّ
في ضوء ما تقدّم، تتّضح معالم النكتتين اللتين أوردهما المحقّق الخوئيّ تعليقاً على كلام المحقّق الآخوند:

النكتة الأولى: إنّ إجمال الأمر عقيب الحظر لا يختصّ بمبنىً دون آخر، بل يسري ويطّرد على جميع المباني الأربعة، سواء أُخذت صيغة الأمر موضوعةً للوجوب، أو بُني على دلالتها الإطلاقيّة، أو أُرجعت الدلالة إلى حكم العقل أو بناء العقلاء.

النكتة الثانية: إنّه على فرض التنزّل وتسلّم مبنى المشهور، أعني الدلالة الوضعيّة — وهو مبنىً ينسدّ معه باب التمسّك بالدلالة الإطلاقيّة أو حكم العقل أساساً — فإنّ الحكم بالإجمال مرهونٌ بالمبنى المختار في باب أصالة الحقيقة: فلو أُخذت أصلاً تعبّديّاً مستقلاً عن الظهور، لارتفع الإجمال من البين ولتعيّن حمل اللفظ على معناه الحقيقيّ. وأمّا لو أُرجعت — كما هو مختار المحقّق الخوئيّ ومتأخّري الأصوليّين — إلى مناط الظهور وملاكه، لانتفت أصالة الحقيقة بانتفاء موضوعها (الظهور)، ولبقي الأمر عقيب الحظر على إجماله.

إشكال الشهيد الصدر على المحقّق الخوئيّ: قصور الاحتمال المجرّد عن إسقاط الظهور

وبعد تحرير ما أفاده المحقّق الخوئيّ، تصدّى الشهيد الصدر (قدس سره) لمناقشة أستاذه بإشكالٍ حريٍّ بالتمحيص. وفي مقام تحرير هذا الإشكال، لا بدّ من الالتفات إلى تباينٍ ملحوظٍ في جلاء التعبير ودقّته بين تقريرَي أبحاثه، أعني «بحوث في علم الأصول» (بقلم آية الله الهاشمي الشاهرودي) و«مباحث الأصول» (بقلم آية الله السيّد كاظم الحائري)؛ إذ ورد بيان هذا المطلب مجملاً في تقرير «بحوث»، في حين تجلّى في تقرير «مباحث» بمزيدٍ من الدقّة واللطافة. ومن هنا، سنجعل عبارة «مباحث» هي المدار في تحرير أصل الإشكال. فبعد أن استعرض الشهيد الصدر كلام أستاذه — ومفاده أنّ احتفاف الأمر بما يصلح للقرينيّة يوجب سلب الظهور في الوجوب على جميع المباني الثلاثة — أورد عليه بما نصّه:

وهذا الكلام بهذا المقدار يمكن النقاش فيه بأ نّه لماذا يكون وروده في مورد توهّم الحظر صالحاً للقرينيّة علىٰ عدم إرادة الوجوب، غايته أن يكون هذا موجباً لاحتمال عدم إرادة الوجوب، ومجرّد احتمال عدم إرادة الوجوب لا يسقط الظهور، وما أكثر الظهورات التي يحتمل عدم إرادتها، فلماذا وعلىٰ أيّ أساس يكون ورود الأمر في مورد توهّم الحظر محتمل القرينيّة علىٰ عدم إرادة الوجوب‌؟[10]

ومحور هذا الإشكال يبتني على لزوم التفكيك بين عنوانين: أحدهما «احتمال عدم إرادة الوجوب»، والآخر «الصلاحيّة الواقعيّة للقرينيّة». فما يُستفاد من وقوع الأمر عقيب توهّم الحظر، لا يتعدّى كونه مجرّد احتمالٍ في عدم إرادة المتكلّم للوجوب، إلّا أنّ هذا الاحتمال بمجرّده قاصرٌ عن إسقاط الظهور. وبيانه: أنّ هذا الاحتمال — أعني احتمال عدم إرادة المعنى الظاهر — متحقّقٌ بطبعه في جلّ الموارد التي يُتمسّك فيها بأصالة الظهور. 

فلو كان مجرّد هذا الاحتمال مانعاً من انعقاد الظهور أو حجّيّته، لانسدّ باب التمسّك بالظواهر رأساً، والحال أنّ مورد أصالة الظهور إنّما هو هذه الموارد المشكوكة بالذات. وعليه، فلكي يكون الوقوع عقيب الحظر مانعاً من انعقاد الظهور في الوجوب، لا يُكتفى بمجرّد تولّد الاحتمال، بل لا بدّ من إحراز نكتةٍ تصلح للقرينيّة واقعاً، لا مجرّد احتمال القرينيّة. وممّا يجدر التنبيه عليه، أنّ هذا الإشكال قد خُصّ في تقرير «مباحث الأصول» بفرض «توهّم الحظر» دون فرض «الحظر» الواقعيّ، حيث صرّحت العبارة بمناط الصلاحيّة للقرينيّة في «مورد توهّم الحظر». أمّا في تقرير «بحوث في علم الأصول»، فقد سيقت العبارة على نحوٍ من العموم لا يستبين منه التفكيك بين هذين الفرضين بوضوح.

نطاق إشكال الشهيد الصدر؛ اختصاصه بالدلالة الوضعيّة أم سريانه على جميع المباني

وبعد تحرير أصل الإشكال، يقع الكلام في سعة هذه المناقشة وضيقها؛ وهل أنّ الشهيد الصدر (قده) قد وجّهها نحو مبنى المشهور فحسب (أعني الدلالة الوضعيّة لصيغة الأمر على الوجوب)، أم أرسلها شاملةً للمباني الثلاثة (الوضع، الإطلاق، حكم العقل)؟ ومنشأ هذا البحث هو التفاوت الملحوظ بين تقريري «بحوث في علم الأصول» و«مباحث الأصول» في نقل عبارةٍ واحدة؛ حيث جاء في «بحوث في علم الأصول»:

هذا وحده لا يكفي لإسقاط ظهور الأمر في نفسه في الوجوب.[11]

فهذا القيد، أعني «في نفسه»، مأخوذٌ في هذه العبارة، في حين خلت العبارة منه في تقرير «مباحث الأصول». فلو حُمل قيد «في نفسه» على الدلالة الوضعيّة للأمر (أي المعنى الموضوع له، بقطع النظر عن القرائن)، لكان احتمال اختصاص إشكال الشهيد الصدر بالدلالة الوضعيّة وجيهاً، دون الإطلاقيّة والعقليّة؛ وإن كان هذا الاستظهار لا ينهض دليلاً قاطعاً من نفس العبارة، بل يبقى مجرّد احتمالٍ في تفسير مرامه.

وفي ضوء هذا التفاوت في التعبير، نُقل في تقرير أبحاث آية الله الشاهرودي (قدس سره) أنّ الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) قد وافق أستاذه في الدلالتين الإطلاقيّة والعقليّة، وحصر مناقشته في الدلالة الوضعيّة؛ نظراً لكون مجرّد الصلاحيّة للقرينيّة موجباً للمنع من انعقاد الإطلاق (وفقاً لمقدّمات الحكمة)، وموجباً لانثلام موضوع حكم العقل، فتختصّ مناقشته بالدلالة الوضعيّة لا غير.[12]

ووجه هذا الاحتمال: أنّ مقدّمات الحكمة في الدلالة الإطلاقيّة تقتضي أنّ ما يصلح للقرينيّة — حتّى من دون إحراز فعليّته — يمنع من انعقاد الإطلاق؛ لأنّ موضوع مقدّمات الحكمة هو عدم وجود ما يصلح للقرينيّة، لا مجرّد عدم القرينة الفعليّة. وكذا الحال في حكم العقل بالوجوب؛ فإنّ موضوعه هو عدم قيام قرينةٍ على الترخيص، ومجرّد وجود ما يُحتمل قرينيّته يوجب انثلام هذا الموضوع. وهذا بخلاف الدلالة الوضعيّة؛ إذ إنّ دلالة اللفظ على معناه الموضوع له لا تنثلم بمجرّد احتمال القرينة على الخلاف، بل يتوقّف رفع اليد عن الحمل على الموضوع له على إحراز قرينةٍ واقعيّة، ولا يُكتفى بمجرّد احتمالها.

ومع ذلك كلّه، فلو اقتصرنا على تتبّع عبارات «بحوث» و«مباحث» — بل وحتّى التقرير الثالث لدروسه بقلم الشيخ عبد الساتر — لتعذّر استظهار هذا التفصيل القاضي باختصاص إشكاله بمبنىً دون آخر، بل ظاهر الإشكال سريانه واطّراده على جميع المباني. وبناءً عليه، يدور تفسير مرام الشهيد الصدر بين احتمالين:

الاحتمال الأوّل: أنّه (قده) يرى أنّ الوقوع عقيب الحظر لا يصلح للقرينيّة مطلقاً — سواء بالنسبة إلى الدلالة الوضعيّة، أو الإطلاقيّة، أو حكم العقل — فيكون إشكاله عامّاً وشاملاً لجميع المباني.

الاحتمال الثاني: أنّه يبني على قصور الوقوع عقيب الحظر عن الصلاحيّة الهادمة للدلالة الوضعيّة فحسب. وذلك لأنّ مجرّد احتمال وجود القرينة لا يفترق عن وجودها الواقعيّ من حيث لزوم دفعه بأصالة الظهور (أو أصالة الحقيقة، بناءً على المبنى المنكر لكونها أصلاً تعبّديّاً مستقلاً). أمّا بالنسبة إلى الدلالة الإطلاقيّة وحكم العقل — اللذين يرتفع موضوعهما رتبةً بمجرّد الصلاحيّة للقرينيّة — فلا يبقى مجالٌ للمناقشة فيهما.

وكيفما كان، فإنّ خلاصة إشكال الشهيد الصدر وروحه ترجع إلى أنّ وقوع الأمر عقيب الحظر، وإن أوجب احتمال عدم إرادة الوجوب، إلّا أنّ هذا الاحتمال بمجرّده قاصرٌ عن إسقاط الظهور؛ لأنّ تولّد مثل هذا الاحتمال أمرٌ قهريّ متحقّقٌ في جميع موارد التمسّك بأصالة الظهور.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

-----------------------
[1]. ‏‏خویی، ابوالقاسم، مؤلف، «محاضرات فی أصول الفقه»، مع محمد اسحاق فیاض، م ٢، ص 205.‏
[2]. للتفصيل يُراجع: ‏هاشمی، سید محمدرضا، پدیدآور، «اوامر ‏(۱)‏ ماده و صیغه امر؛ درس‌های خارج اصول آیت الله محمدجواد فاضل لنکرانی»، ج ۱، ص 155.
[3]. ‏‏عراقی، ضیاء الدین، مؤلف، «نهایة الأفکار»، م ١، ص 163.‏
[4]. ‏‏نائینی، محمدحسین، مؤلف، «أجود التقریرات»، مع ابوالقاسم خویی، م ١، ص 94-96.‏
[5]. ‏‏خمینی، روح الله، مؤلف، «مناهج الوصول إلى علم الأصول‏»، م ١، ص 256-257.‏
[6]. خویی، محاضرات فی أصول الفقه، م ٢، ص 205.‏
[7]. ‏‏آخوند خراسانی، محمد کاظم، مؤلف، «کفایة الأصول»، م ١، ص 47.‏
[8]. وعليه، فلا مجرى لأصالة الحقيقة إلّا عند الشكّ في مراد المتكلّم، دون الشكّ في الاستعمال.
[9]. ‏‏خویی، محاضرات فی أصول الفقه، م ٢، ص 205-206.‏
[10]. ‏‏الصدر، محمد باقر، مؤلف، «مباحث الأصول»، مع کاظم حسینی حائری، م ١، ص 234.‏
[11]. ‏‏الصدر، محمد باقر، مؤلف، «بحوث في علم الأصول‏»، مع محمود هاشمی شاهرودی، م ٢، ص 117.‏
[12]. ‏‏هاشمی شاهرودی، محمود، «درسنامه اصول فقه»، ج ۳، ص 230.‏

---------------------------
المصادر
هاشمی، سید محمدرضا، اوامر (۱) ماده و صیغه امر؛ درس‌های خارج اصول آیت الله محمدجواد فاضل لنکرانی، قم، مرکز فقهی ائمه اطهار (ع)، 1404.
هاشمی شاهرودی، محمود، درسنامه اصول فقه، ۸ ج، قم، بنیاد فقه و معارف اهل بیت (علیهم السلام)، 1433.
آخوند خراسانی، محمد کاظم، کفایة الأصول، عباسعلی زارعی سبزواری، ۳ م، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1430.
الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول‏، محمود هاشمی شاهرودی، ۷ م، طباعة ۳، قم، موسسه دائرة المعارف فقه اسلامي بر مذهب اهل بيت عليهم السلام‏، 1417.
———، مباحث الأصول، کاظم حسینی حائری، ۲ م، قم، دار البشير، 1430.
خمینی، روح الله، مناهج الوصول إلى علم الأصول‏، ۲ م، طباعة ۱، قم، موسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني( ره)، 1415.
خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ م، طباعة ۴، قم، دارالهادی، 1417.
عراقی، ضیاء الدین، نهایة الأفکار، ۴ م، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1417.
نائینی، محمدحسین، أجود التقریرات، ابوالقاسم خویی، ۲ م، قم، مطبعة العرفان، 1352.
- هاشمی، سید محمدرضا، با. اوامر (۱) ماده و صیغه امر؛ درس‌های خارج اصول آیت الله محمدجواد فاضل لنکرانی. قم: مرکز فقهی ائمه اطهار (ع)، 1404.
- هاشمی شاهرودی، محمود. درسنامه اصول فقه. ۸ ج. قم: بنیاد فقه و معارف اهل بیت (علیهم السلام)، 1433.

الملصقات :

الأمر عقيب الحظر الأمر عقيب توهّم الحظر الإجمال الدلالة الوضعيّة الدلالة الإطلاقيّة الدلالة العقليّة أصالة الظهور أصالة الحقيقة الأصل التعبّديّ احتمال القرينيّة

نظری ثبت نشده است .