pic
pic

حجية الكتابة في الفقه الإسلامي (عربي)

چکیده:
في أنّ الكتابة هل هي حجّة شرعيّة في عداد سائر الحجج الشرعية كالبيّنة والحلف والإقرار؟ وهل كلّ ما هو مكتوب الذي قد يعبّر عنه في هذه الأزمنة بالأسناد حجّة شرعية أم لا؟ ودائرة هذا البحث لا تختصّ بمسألة القضاء، بل يجري في جميع أبواب الفقه ويتفرّع عليه فروع كثيرة مثلاً:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين وأمّا بعد فمن التوفيقات الإلهية أنّه تعالى جعلنا في طريق استكشاف الأحكام الدينية واستنباط ما أوجبه على المكلّفين في هذه الدنيا الدنيّة وهذا من أشدّ الوظائف وأهمّ التكاليف الشرعية التي لا يقدر على امتثاله إلاّ من كان له نورٌ في قلبه.

ومن تلك التوفيقات تدوين رسالة جامعة بمناسبة تشكيل المؤتمر العلمي لذكرى المحقّق الأردبيلي للبحث عن مسألة الكتابة واعتبارها.

فاعلم أنّه من المسائل المطروحة في هذا الزمان التي هي موردة للابتلاء بين الناس مسألة حجّية الكتابة وأنّها هل هي حجّة شرعية مستقلّة وهل الشهادة والبيّنة بطريق الكتابة صحيحة أم لا؟ فيقع البحث في مقامين:

المقام الأوّل حجيّة الكتابة:

في أنّ الكتابة هل هي حجّة شرعيّة في عداد سائر الحجج الشرعية كالبيّنة والحلف والإقرار؟ وهل كلّ ما هو مكتوب الذي قد يعبّر عنه في هذه الأزمنة بالأسناد حجّة شرعية أم لا؟ ودائرة هذا البحث لا تختصّ بمسألة القضاء، بل يجري في جميع أبواب الفقه ويتفرّع عليه فروع كثيرة مثلاً:

هل العقود والمعاملات المنشأة على نحو الكتابة صحيحة كسائر المعاملات التي تجري فيها الألفاظ؟ وبعبارة أُخرى ما هو مقتضى القاعدة الأوّلية في الكتابة في جميع ما يمكن أن يقع بطريق الألفاظ أو الأفعال؟

فهل في الكتابة قصور أو فتور عن الدلالة والإنشاء على ما هو المقصود بين الأشخاص؟ وهل الدلالة فيها أضعف من دلالة الألفاظ؟ وما هو موضع الشارع المقدّس والشريعة السمحة السهلة في قبال هذا الأمر المهمّ المتعارف بين الناس؟ فهل الشارع قد منع في شريعته عن صحّة الكتابة وكفايتها أم لا؟

وهل البيع على نحو الكتابة صحيحة لازمة أم لا؟ وهل البيّنة الكتبية حجّة لدى القاضي ويجب عليه الأخذ بها أم لا؟ وهل الحلف بصورة الكتابة كافية أم لا؟

وهكذا هل الإجازة أو الردّ في العقد الفضولي تتحقّقان بنحو الكتابة أم لا؟ وهل حكم القاضي بنحو الكتابة نافذ يجب الأخذ به أم لا؟

ومن الواضح أنّ محلّ البحث والكلام إنّما هو فيما إذا لم يشترط اللفظ في موضوع شيء كالصلاة فإنّ القراءة أو اللفظ معتبرة في موضوعها ومتعلّقها عند التيسّر وأيضاً محلّ النزاع فيما إذا لم يشترط فيه فعل خاصّ كالقبض في النقدين وإجراء الحدود والتعزيرات والضمان، فمن الواضح عدم اعتبار الكتابة في هذه الاُمور بل إمّا أن تتحقّق بالألفاظ المعتبرة كالصلاة، أو بالأفعال المشخّصة المعيّنة، ففي سوى ذلك ما هو شأن الكتابة واعتبارها عند الشارع المقدّس؟

وبما أنّ المسألة حادثة لم يبحث عنها في كتب القوم مستقلّة ومبسوطة على حسب ما تفحّصت في هذه المسألة فطبعاً يكون من اللاّزم ابحث عن جميع أبعادها وما يمكن أن يقال في اعتبارها وما يتوهّم في عدم اعتبارها.

وقبل الورود في البحث لابدّ من ذكر مقدّمة وهي:

إنّهم قد اختلفوا في اعتبار اللفظ الخاصّ أو مطلق اللفظ في العقود اللازمة وعدمه.

فقال العلاّمة: لابدّ في العقد من اللفظ ولا يكفي الإشارة ولا الكتابة مع القدرة وإن كان غائباً(1).

فإنّه صريح في عدم اعتبار الكتابة، والإشارة مع القدرة على التلفّظ.

وتبعه ولده فخر المحقّقين فقال: إنّ كلّ عقد لازم، وضع الشارع له صيغة مخصوصة بالاستقراء(2).

وقال الشهيد الثاني: يجب الاقتصار في العقود اللازمة على الألفاظ المنقولة شرعاً المعهودة لغةً(3).

بل قد ادّعى السيّد ابن زهرة(4) الإجماع على عدم كفاية غير اللفظ فيما إذا كان قادراً على التلفّظ. وذهب الشيخ الأعظم الأنصاري إلى اعتبار اللفظ فقال: إنّ اعتبار اللفظ في البيع بل في جميع العقود ممّا نقل عليه الإجماع وتحقّق فيه الشهرة العظيمة مع الإشارة إليه في بعض النصوص(5).

ثمّ اعلم أنّه لو قلنا باعتبار اللفظ في إنشاء العقود والإيقاعات فلا مجال للبحث عن حجّية الكتابة فيهما وتجري مسألة الكتابة في غيرهما فالبحث عن حجّية الكتابة فيهما إنّما هو بعد الفراغ عن عدم خصوصية اللفظ.

وقال العاملي في مفتاح الكرامة:

وأمّا الكتابة فكالإشارة كما في التحرير وغيره وفي نهاية الأحكام لا تنعقد بالكتابة سواء كان المشتري حاضراً أو غائباً. نعم، لو عجز عن النطق وكتبا أو أحدهما وانضمّ إليه قرينة إشارة دالّة على الرضا صحّ ونحوه قوله في الدروس: ولا الكتابة حاضراً كان أو غائباً وتكفي لو تعذّر النطق مع الأمارة وفي التذكرة لا تكفي الكتابة لإمكان العبث(6).

والمستفاد من هذه العبارات عدم اعتبار غير اللفظ، بل قد عرفت ادّعاء الإجماع على ذلك.

وأوّل من خالفهم في ذلك فيمن أعلم المحقّق النراقي في المستند فإنّه قال:

قد ظهر ممّا ذكرنا أنّه يكفي الإشارة المفهمة للنقل بعنوان البيع اذا أفادت القطع وكذا الكتابة سواء تيسّر التكلّم أو تعذّر، وأمّا على المشهور فلا يكفي على الأوّل، وأمّا على الثاني كالأخرس فصرّحوا بالكفاية ووجهه عند من يعمّم البيع ويثبت اشتراط الصيغة أو يقول بعدم دلالة الإشارة على المنتقل إلاّ أن يدّعى الإجماع على عدم الاشتراط حينئذ والقول بأنّها يدلّ ظنّاً فيكتفي بها عند عدم إمكان العلم مردود، بعدم دليل على قيام الظنّ مقام العلم عند تعذّره مطلقاً سيّما مع إمكان التوكيل واحتياجه إلى الصيغة عند المشهور ممنوع لعدم كونه من العقود اللازمة وأصالة عدم وجوبه مندفعة بأنّها إنّما يكون لو أردنا الوجوب الشرعي وأمّا الشرطي كما هو المقصود فلا معنى لأصالة عدمه بل هو مقتضى الأصل.

وقال في موضع آخر من كتابه:

إذا عرفت حصول نقل الملك عن البائع وحصول التملّك للمشتري بحصول البيع العرفي مطلقاً، فلزوم ذلك هل يتوقّف على صيغة خاصّة أو على مطلق اللفظ أو يحصل بحصول البيع عرفاً ولو بالمعاطاة أو مثلها؟ المشهور هو الأوّل بل ك اد أن يكون إجماعاً كما في الروضة والمسالك في موضعين، بل ظاهر الأخير كصريح الغنية انعقاده ونقل في المسالك الثاني من بعض معاصريه والثالث ظاهر المفيد وجمع من المتأخِّرين وهو الحقّ(7). ثمّ استدلّ على مختاره بأدلّة ثلاثة فراجع.

واستدلّ المشهور بوجوه كلّها مخدوشة:

الوجه الأوّل: الإجماع المنقول كما ادّعاه السيّد ابن زهرة.

وفيه مع المنع من حجّيته، لا مجال للاستدلال به فيما نحن فيه لوجود الروايات المعتبرة التي هي مستندة للحكم فالإجماع مدركيّ مضافاً إلى عدم تعرّض جمع لاختصاص العقود بالألفاظ فكيف يتحقّق الإجماع.

الوجه الثاني: التمسّك بأصالة عدم الملك أو الانتقال فيما إذا تحقّق البيع بغير اللفظ.

وفيه: إنّا سنقيم أدلّة على اعتبار غير اللفظ ومع إقامة الدليل لا وجه للتمسّك بالأُصول.

الوجه الثالث: إنّ اللزوم في البيع إنّما يتحقّق بتحقّق ما يدلّ على نقل الملك به أي إنشائه صريحاً والدالّ صريحاً على ذلك منحصر في الصيغة المخصوصة.

وأجاب عنه المحقّق النراقي بأنّه لو أُريد بالدال صريحاً، الدالّ بحسب الوضع الحقيقي فمع تحكّم التخصيص، ليست الصيغة المخصوصة أيضاً كذلك وإن أُريد مطلقاً فالانحصار ممنوع.

والأولى في الجواب أن يقال: إنّه لا شكّ في أنّ اللفظ من الدوال الصريحة ولكن البحث والنزاع إنّما هو في الكبرى وهي أنّه هل اللازم وجود الدالّ الصريح أم لا بل يكفي كلّ ما يدلّ على المقصود عرفاً ولو بالكناية والمجاز والكتابة. فهذا الدليل مصادرة على المطلوب.

الوجه الرابع: بعض الظواهر والأحاديث الدالّة على اعتبار اللفظ كما ورد في الحديث:

الرجل يجيئني فيقول: اشتر هذا الثوب واُربحك كذا وكذا، فقال: أليس إن شاء أخذ وإن شاء ترك؟ قلت: بلى! قال: لا بأس إنّما يحلّل الكلام ويحرم الكلام(8).

والشيخ الأنصاري بعد أن احتمل وجوهاً في معنى الحديث قال:

فلا يخلو الرواية عن إشعار أو ظهور(9). والمراد الظهور أو الإشعار على اعتبار اللفظ والكلام في المحلّلية والمحرّمية.

ولا يخفى أنّ الاستدلال يتوقّف على أن يراد بالكلام في الموردين، اللفظ الدالّ على التحريم والتحليل بمعنى أنّ تحريم شيء وتحليله لا يكون إلاّ بالنطق بهما، فلا يتحقّق بالقصد المجرّد عن الكلام ولا بغيره من أنواع الدلالات غير اللفظية.

ويرد عليه أوّلاً: أنّ هذا المعنى مستلزم لتخصيص الأكثر لعدم انحصار التحليل والتحريم في كثير من الموارد باللفظ.

وثانياً: أنّ هذا المعنى غير مرتبط بالسؤال الوارد في الحديث مع كون العبارة تعليلاً له فإنّ مورد السؤال هو أنّ المسمسار يشتري ثوباً لشخص الآمر وهو إن شاء أخذ وإن لم يشأ لم يأخذ، وبعبارة أُخرى لم يوجب شراع المتاع من مالكه على الشخص الآمر ولا دخل لاشتراط النطق بهذا الحكم.

وقال النراقي ردّاً على الاستدلال: بأنّه ليس ظاهراً في مطلوبهم ولا محتملاً له لأنّه لا يلائم جعل قوله إنّما يحرم تعليلاً لسابقه، بل المراد أنّه كان بحيث إن شاء أخذ وإن شاء ترك ولم يدلّ ما يوجب البيع فلا بأس وإلاّ ففيه بأس لأنّه يحرم ويحلّل بكلام فإن أوجب البيع فيحرم وإلاّ فيحلّل.

فظهر من جميع ذلك عدم تمامية مستند المشهور فلا دليل على خصوصية اللفظ فضلاً عن اللفظ الخاص في العقود والإيقاعات إلاّ في الموارد التي دلّت النصوص على اعتبار اللفظ كالطلاق، ثمّ إنّه بعد ذلك يقع البحث في أنّه بعد عدم الخصوصية للّفظ فهل الكتابة أيضاً معتبرة أم لا؟ ولنذكر أوّلاً كلمات الفقهاء.

فاعلم أنّهم قد تعرّضوا لذلك في بعض الأبواب كالطلاق والوصية والعتق، ونحن نشير إلى بعض المواضع المبحوثة عن الكتابة في الأبواب المختلفة الفقهية:

1 ـ وقوع الطلاق بالكتابة وعدمه:

فاختلفوا في أنّ الطلاق هل يقع بالكتابة أم لا؟ وعلى تقدير وقوعه بها هل هو مختصّ بصورة الاضطرار والعجز عن النطق وهل هو مختصّ بصورة غيبة الزوج أم لا؟ فذهب الشيخ في الخلاف إلى عدم وقوع الطلاق بالكتابة مع قصده لها فقال:

إذا كتب بطلاق زوجته ولم يقصد بذلك الطلاق لا يقع بلا خلاف وإن قصد به الطلاق فعندنا أنّه لا يقع به شيء، وللشافعي فيه قولان: أحدهما يقع على كلّ حال وبه قال أبو حنيفة، والآخر لا يقع وهو مثل ما قلناه دليلنا إجماع الفرقة وأيضاً الأصل بقاء العقد ولا دليل على وقوع الطلاق بالكتابة(10).

وهذه العبارة مطلقة من دون فرق بين صورة العجز عن التلفّظ وعدمه.

وذهب في المسبوط إلى أنّ الطلاق لا يقع بها إذا كان قادراً على التلفّظ فقال:

إذا كتب بطلاقها ولا يتلفّظ ولا ينويه فلا يقع به شيء بلا خلاف وإذا تلفّظ به وكتبه وقع باللفظ فإذا كتب ونوى ولم يتلفّظ به فعندنا لا يقع به شيء إذا كان قادراً على اللفظ فإن لم يكن قادراً وقع واحدة إذا نواها لا أكثر منه ولهم فيه قولان أحدهما يقع والثاني أنّه لا يقع، وروى أصحابنا أنّه إن كان مع الغيبة فإنّه يقع وإن كان مع الحضور فلا يقع(11).

وكلامه في هذه العبارة مقيّد بصورة القدرة على التكلّم، وأمّا مع العجز فهي معتبرة، وأيضاً يستفاد من ظاهر العبارة التفصيل بين الحضور والغيبة في الطلاق، لأنّه نقل كلام الأصحاب من دون ردٍّ.

وقال في النهاية:

ولا يقع الطلاق إلاّ باللسان فإن كتب بيده أنّه طالق امرأته وهو حاضر ليس بغائب ولم يقع الطلاق، وإن كان غائباً وكتب بخطّه إنّ فلانة طالق وقع الطلاق، وإن قال لغيره: اكتب إلى فلانة امرأتي بطلاقها لم يقع الطلاق(12).

وهذا الكلام صريح في التفصيل بين الحضور والغياب في الطلاق.

وقال السيّد المرتضى:

وممّا انفردت الإمامية به أنّ الطلاق لا يقع إلاّ بلفظ واحد وهو قوله: أنت طالق(13). وقال العلاّمة في شرائط الطلاق: والنطق بالصيغة الصريحة المجرّدة عن الشرط إلى أن قال: ولو كتب العاجز ونوى صحّ(14).

وذهب الشهيد الأوّل إلى عدم وقوع الطلاق بالكتابة سواء كان الزوج حاضراً أو غائباً واستدلّ له بحسنة محمّد بن مسلم عن الباقر(عليه السلام): إنّما الطلاق أن يقول: أنت طالق(15). وحسنة زرارة عنه(عليه السلام) في رجل كتب بطلاق امرأته قال: ليس ذلك بطلاق(16). وللشيخ قول بوقوعه به للغائب دون الحاضر لصحيحة أبي حمزة الثمالي عن الصادق(عليه السلام): «في الغائب لا يكون طلاق حتّى ينطق به لسانه أو يخطّه بيده وهو يريد به الطلاق»(17). وحملها على حالة الاضطرار جمعاً(18). وذهب الشهيد الثاني في المسالك إلى صحّة وقوع الطلاق بالكتابة إذا كان غائباً استناداً إلى هذه الصحيحة وقد درّه في الجواهر وطعنه بما لا يناسب مقام الشهيد فقال: فمن الغريب ما في المسالك من الأطناب في ترجيح مضمون الخبر المزبور لمكان صحّة سنده وكونه مقيّداً والمعارض له مطلق، لكن لا عجب بعد أن كان منشأ ذلك اختلاف طريقة الاستنباط كما وقع له وتسمع مثل ذلك غير مرّة ونسأل الله العفو لنا وله في أمثال ذلك. ثمّ قال في ردّ الرواية: المعلوم قصوره عن مقاومة ما تقدّم أوّلاً: لموافقة الصحيح المزبور للعامّة الذين أوقعوا الطلاق بالكتابة كالكناية لأنّها أحد الخطابين وأحد اللسانين المعربين عمّا في الضمير ونحو ذلك من الاعتبارات التي لا توافق أُصول الإمامية(19)، وثانياً للشذوذ حتّى من القائل به لعدم اعتباره الكتابة بيده على وجه لا يجوز له التوكيل بل قد سمعت دعوى الإجماع في مقابله مؤيّداً بالتتبّع لكلمات الأصحاب قديماً وحديثاً، بل لا يخلو ذيله عن تشويش ما أيضاً مضافاً إلى ما سمعته من النصوص فكيف يحكم بمثله على غيره وإن كان هو مقيّداً والأوّل مطلقاً إلاّ أنّ المعلوم اعتبار المقاومة فيه من غير جهتي الإطلاق والتقييد كما تحرّر في الاُصول ولا ريب في فقدها. انتهى كلامه.

والظاهر أنّ مراده من اعتبار المقاومة، عدم كون الخبر شاذّاً وعدم إعراض المشهور عنه.

وقال صاحب الجواهر:

وكيف كان فلا يقع الطلاق بالكتابة من الحاضر وهو قادر على التلفّظ قولاً واحداً للأصل والنصوص السابقة الحاصرة للطلاق بالقول المخصوص وغيرها كقوله(عليه السلام): إنّما يحرم الكلام ويحلل الكلام. مضافاً إلى معلومية عدم وقوع الطلاق بالأفعال بل ربّما ادّعى أنّه اسم للألفاظ المخصوصة المؤثِّرة للطلاق وإلى صحيح زرارة قلت لأبي جعفر(عليه السلام): رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه ثمّ بدا له فمحاه قال: ليس ذلك بطلاق واعتاق حتّى يتكلّم به ومضمر ابن اُذينة سألت عن رجل كتب إلى امرأته بطلاقها أو كتب بعتق مملوكه ولم ينطق به لسانه؟ قال: ليس بشيء حتّى ينطق به. من غير فرق في ذلك بين الحاضر والغائب لإطلاق الأدلّة، بل في الخلاف والمبسوط الإجماع على ذلك على أنّ مقتضى قاعدة السببية عدم الفرق فيها بين الجميع في العقود والإيقاعات. نعم، لو عجز عن النطق ولو لعارض في لسانه فكتب ناوياً به الطلاق صحّ بلا خلاف لما سمعته في الأخرس نصّاً وفتوىً(20).

أقول: قد عرفت أنّ الاستدلال بحديث إنّما يحرم الكلام غير تامّ وكذلك لا مجال للاستدلال بأصالة عدم الوقوع أيضاً لوجود الأمارات المعتبرة، وما ذكره أيضاً من عدم تحقّق الطلاق بالأفعال فكيف بالكتابة غير صحيح لما هو ثابت من أقوائية الكتابة من الأفعال فإنّ الإجمال في الأفعال موجود بخلاف الكتابة اللّهمَّ إلاّ أن يقال: إنّ الاعتماد على الأفعال هو المتعارف في الإنشاء بخلاف الكتابة وهو كما ترى لأنّ الإنشاء متقوّم بالقصد ولا فرق بينهما من جهة أنّ كلاًّ منها محتاج إلى القرينة في ذلك، فالإنصاف عدم دلالة هذه الأدلّة على عدم كفاية الكتابة في الطلاق إلاّ مع العجز عن النطق، وإنّما الدليل وجود الروايات الخاصّة في المقام، ومن الواضح أنّ التعدّي عن موردها إلى سائر الموارد غير صحيح.

2 ـ صحّة الوصية بالكتابة وعدمها:

واختلفوا أيضاً في صحّة الوصية بالكتابة وعدمها فذهب الشهيد إلى عدم صحّة الوصيّة بالكتابة في حال الاختيار فقال:

وتكفي الإشارة الدالّة على المراد قطعاً في إيجاب الوصية مع تعذّر اللفظ لخرس أو اعتقال لسان بمرض ونحوه، وكذا تكفي الكتابة كذلك مع القرينة الدالّة قطعاً على قصد الوصية بها لا مطلقاً لأنّها أعمّ ولا تكفيان مع الاختيار وإن شوهد كاتباً أو علم خطّه أو علم الورثة ببعضها خلافاً للشيخ في الأخير(21).

والظاهر أنّ صحّة الوصية بالكتابة مع العجز عن النطق والقرينة الدالّة على إرادة الوصية منها ليست محلاًّ للخلاف كما عن التنقيح والعلاّمة وولده والشهيدين والمحقّق الثاني والحلّي بل عن الإيضاح الإجماع على ذلك.

وذهب في الرياض والنافع إلى صحّة الوصيّة بالكتابة مع القرينة القطعية حتّى مع الاختيار كما احتملها في التذكرة في أوّل كلامه.

والظاهر أنّ مراد المانعين من صحّة الوصية بالكتابة في حال الاختيار، هو عدم صدق العقد على الوصية الكتبية لا عدم إجراء حكم الوصية عليها لوضوح أنّ إطلاق الأدلّة شامل للوصية الكتبية أيضاً، وعلى ذلك المعنى حمل صاحب الجواهر(22) كلمات المانعين.

ويستفاد من كلماته أنّه اختار صحّة الوصية بالكتابة حتّى في حال الاختيار كما صرّح بصحّة الكتابة في الإقرار فقال: لا يبعد في النظر الاكتفاء بالكتابة في الإقرار والوصية مع ظهور إرادة ذلك، فضلاً عن العلم ضرورة حجّية ظواهر الأفعال كالأقوال في الجملة(23).

وكيف كان فالظاهر عدم وجود نصّ خاصّ دالّ على اشتراط النطق في الوصية وإطلاق أدلّة الوصية شامل للكتابة أيضاً مع ما عرفت من أنّها مطابقة للقاعدة الأوّلية فالكتابة في الوصية مع القرينة الدالّة على إرادة الوصية معتبرة تجب العمل بها والله العالم.

3 ـ التحية على وجه الكتابة:

وقد اختلفوا في أنّ التحيّة على وجه الكتابة هل هي موجبة لوجوب ردّها والجواب عليها أم لا؟ فذهب العلاّمة في التذكرة إلى عدم تحقّق التحية بالكتابة وانحصرها بالنداء فقال: لو ناداه من وراء ستر أو حائط فقال: السلام عليك أو كتب وسلّم فيه أو أرسل رسولاً فقال: سلّم على فلان فبلغه الكتاب والرسالة فقال بعض الشافعية: يجب عليه الجواب والوجه أنّه إن سمع النداء وجب الجواب وإلاّ فلا وقد استحسنه صاحب الجواهر(24) فقال بعد ذكر هذا الكلام: وهو جيّد ضرورة عدم صدق التحية على الكتابة التي هي النقوش بل ولا على الرسالة التي هي نقل السلام لا الاستنابة من الرسول في التحية إذ الثانية لا ريب في أنّها تحية بخلاف الاُولى انتهى كلامه.

ولا يبعد عدم الفرق بينا لتحية على وجه النداء والتحية على وجه الكتابة كما يظهر من مراجعة اللغة فإنّها عبارة عن دعاء السلام ونحوه من البرّ قال في القاموس: التحية السلام من دون تقييد بالقول. وقال في المغرب حيّاه بمعنى أحياه تحية كبقّاه بمعنى أبقاه بقيّة هذا أصلها ثمّ سمّى ما يحيى به من سلام ونحوه تحية وقيل: يشمل كلّ برّ من القول والفعل كما يظهر من عليّ بن إبراهيم في تفسيره(25) حيث قال: السلام وغيره من البرّ. فظهر عدم اختصاص التحية لغةً بالقول هذا مضافاً إلى إطلاق الآية الشريفة: (إذا حييتم بتحيّة فحيّوا بأحسن منها)(26) وأنّ قوله: بتحية يشمل جميع أنواع التحية من القول والفعل والكتابة، ويؤيّد ذلك ما في بعض الروايات من أنّ جارية جاءت للحسن(عليه السلام) بطاق ريحان فقال لها: أنت حرّة لوجه الله فقيل له في ذلك فقال: أدّبنا الله تعالى فقال: (إذا حييتم) الآية وكان الأحسن منها إعتاقها(27).

ومع ذلك كلّه إنّا لا نطمئن بشمول التحية للسلام على نحو الكتابة لاحتمال خصوصية المخاطبة في السلام والأحوط وجوب الردّ فيها.

4 ـ 5 ـ وقد وقع الخلاف في باب المفطرات من كتاب الصيام في أنّ الكذب على الأئمّة(عليهم السلام) والأنبياء الذي هو من المفطرات هل يتحقّق بالكتابة أم لا؟ وهل يتحقّق موضوع الغيبة بالكتابة أم لا؟ فذهب صاحب الجواهر إلى تحقّق الغيبة بالكتابة فقال: بل المعلوم أنّ حرمتها بالقول باعتبار إفادته السامع ما ينقصه ويعيبه وتفهيمه ذلك وحينئذ فيعمّ الحكم كلّ ما يفيد ذلك من الكتابة التي هي إحدى اللسانين والحكاية التي هي أبلغ في التفهيم من القول والتعريض والتلويح وغيرها(28). وتفصيل الموردين يحتاج إلى بحث موسّع موكول إلى محلّه.

فتحصّل ممّا ذكرنا إلى هنا عدم اختصاص للّفظ سيّما في الاخباريات إلاّ بدليل خاصّ في مورد خاصّ وبعد هذه المقدّمة يمكن أن يستدلّ لكفاية الكتابة بوجوه:

الوجه الأوّل:

قوله تعالى: (يا أيّها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمّىً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علّمه الله...)(29).

فقد استدلّ المحقّق الأردبيلي(قدس سره) بهذه الآية المباركة على اعتبار الكتابة فقال:

ثمّ اعلم أنّ هذه التأكيدات في أمر الكتابة تدلّ ظاهراً على أنّها معتبرة وحجّة شرعية مع أنّهم يقولون بعدم اعتبارها فكأنّه للإجماع والأخبار فتكون للتذكرة وهو بعيد ويمكن أن تكون حجّة مع ثبوت أنّه إملاء من عليه الدين وأنّه مكتوب بالعدل وما دخل عليه التغيير والتزوير بإقراره أو بالشهود ولهذا شرط الإملاء منه فدلّت على اعتبار الكتابة في الجملة، ومثلها معتبرة عندهم فيخصّص عدم اعتبار الكتابة ودليله إن كان بغير ذلك فإذا قال شخص هذه وصيّتي وأعلم بجميع ما فيها مشيراً إلى صكّه، ينبغي قبوله والشهادة عليه والعمل به والذي يظهر من القواعد خلافه وهكذا ينبغي قبول قول أمثاله فافهم(30) انتهى كلامه رفع مقامه.

والمستفاد من هذه العبارات أنّه قال:

أوّلاً: إنّ التأكيدات في الآية الشريفة على الكتابة وكيفيّتها وشرائطها، تدلّ على أنّها حجّة معتبرة مستقلّة عند الشارع المقدّس.

ثانياً: إنّ فتوى الفقهاء وعدولهم عن ظاهر الآية الشريفة والذهاب إلى عدم اعتبارها إنّما هو من جهة الإجماع ووجود الأخبار وبناءً على ذلك تكون الكتابة تذكرة لمن كتب وليست دليلاً وحجّة.

ثالثاً: يحتمل أن تكون الكتابة حجّة في الجملة لا بالجملة، وقد مال الفقهاء إلى اعتبار هذا النوع من الكتابة وهو خارج من أدلّة عدم اعتبار الكتابة بالخروج التخصيصي.

واللازم هنا البحث عن الآية الشريفة ومدى دلالتها وأنّها هل تدلّ على اعتبار الكتابة وحجّيتها مستقلاًّ أم لا؟

اختلف المفسِّرون في أنّ الآية الشريفة هل هي دالّة على الحكم المولوي الشرعي أم لا بل يدلّ على الحكم العقلائي الإرشادي؟ وعلى تقدير كون الحكم مولوياً هل هي دالّة على الحكم الوجوبي أو الاستحبابي؟ وعلى فرض الوجوب هل هو على نحو الوجوب الكفائي أم لا؟

ذهب جمع من الخاصّة والعامّة إلى أنّ الأمر بالكتابة دالّ على الوجوب استناداً إلى ظاهر الأمر وهو مذهب عطاء وابن جريح والنخعي من العامّة.

وقال آخرون: إنّ هذا الأمر محمول على الندب ذهب إليه المحقّق الأردبيلي وجمع من المفسّرين كالفخر الرازي في تفسيره على ما يستظهر من كلامه(31) واستدلّ عليه بوجهين:

الوجه الأوّل: الإجماع العملي على عدم وجوبها وذلك انّا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجّلة من غير كتابة ولا إشهاد.

الوجه الثاني: إنّ في إيجاب الكتابة التشديد العظيم على المسلمين مع أنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) يقول بعثت بالحنيفية السهلة السمحة.

وقال الآلوسي: والجمهور على استحبابه لقوله سبحانه: (فإن أمن بعضكم بعضاً فليؤدّ الذي اؤتُمن أمانته).

وذهب بعض كالحسن والشعبي والحكم بن عيينة إلى أنّ الكتابة كانت واجبة إلاّ أنّ ذلك صار منسوخاً بقوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً)(32).

وقال أمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان:

واختلف في هذا الأمر فقيل هو مندوب إليه وهو الأصحّ ويدلّ عليه قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً)(33).

وأورد عليه المحقّق الأردبيلي بأنّ هذه الآية تدلّ على عدم وجوب الكتابة في فرض الإيتمان لا بصورة مستقلّة وبعبارة اُخرى لا تدلّ على عدم الوجوب مطلقاً(34).

وقال الحائري الطهراني في تفسيره:

واختلف في الكتابة هل هي فرض أم لا؟ فقيل: هي فرض على الكفاية كالجهاد ونحوه عن الشعبي وجماعة من المفسِّرين والرّماني وجوّز الجبائي أن يأخذ الكاتب والشاهد الاُخرة على ذلك، وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي: وعندنا لا يجوز ذلك، وأمّا الورق الذي يكتب فيه على صاحب الدين من عليه الدين ويكون الكتاب في يده لأنّه له، وقيل واجب على الكاتب يكتب حال فراغه، وقيل واجب عليه أن يكتب إذا أمر، إلى أن قال: وقيل كان واجباً ثمّ نسخ بقوله ولا يضارّ كاتب ولا شهيد(35).

وذهب القرطبي إلى أنّ المقصود من الآية الشريفة ليس مجرّد الكتابة، بل الكتابة منضمّاً بالاشهاد فقال: أمر بالكتابة ولكن المراد الكتابة والإشهاد لأنّ الكتابة بغير شهود لا تكون حجّة(36).

وفيه:

أوّلاً: إنّ هذا خلاف الظاهر، بل الصريح في الآية الشريفة.

ثانياً: إنّ الله تبارك وتعالى في هذه الآية الشريفة أمر في المداينة بأمرين أحدهما الكتابة والثاني الاشهاد وهو قوله تعالى: (فاستشهدوا شهيدين من رجالكم) والظاهر أنّ كلاًّ منهما مستقلّ عن الآخر ولا يكون الإشهاد شرطاً للكتابة.

وقال الشيخ أحمد الجزائري:

الأمر بكتابة الدين لئلاّ يذهب المال بطول المدّة وعند عروض النسيان أو الموت ويكون قاطعاً لسبيل النزاع في الزيادة والنقصان فالأمر حينئذ يكون للإرشاد وعند بعضهم وعند آخرين أنّه للوجوب والأخير ضعيف لأصالة عدمه ولاستمرار السلف على تركه غالباً ولعموم قوله(عليه السلام): الناس مسلّطون على أموالهم يفعلون بها كيف شاءوا وهذا ظاهر(37).

أقول: كلامه في إرشادية الأمر جيّد إلاّ أنّ الاستدلال لعدم الوجوب بأصالة العدم غير صحيح لأنّه يقال في مقابله الأصل عدم الاستحباب مع أنّ ظاهر صيغة الأمر يدلّ على الوجوب ومع وجود هذا الظاهر لا وجه للاستدلال بالأصل وكذلك الاستدلال بحديث السلطنة غير تامّ لما ثبت في محلّه من أنّ الحديث ليس مشرعاً والسلطنة إنّما هي على الأموال لا على الأحكام على ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري وهو الحقّ وإن خالفه في ذلك بعض كالسيّد اليزدي على ما هو ببالي في حاشيته فراجع.

وقال بعض أهل العصر: إنّ القرآن قد أتى بأرقى مبادئ الإثبات في العصر الحديث وهو الكتابة على ما نصّ به في آية التداين ولكن لمّا كانت حضارة العصر تقصر دون ذلك لغلبة الأُميّة لم يستطع الفقهاء إلاّ أن يسايروا حضارة عصرهم، فإذا بالفقه الإسلامي يرتفع بالشهادة إلى مقام تنزل عنه الكتابة نزولاً بيّناً. ومن العجب أنّ عصر التقليد في الفقه الإسلامي لم يدرك العوامل التي كانت وراء تقديم الشهادة على الكتابة فظلّ يردّد ما قاله الفقهاء الأوّلون في تقديم الشهادة(38).

وقال المحقّق الحائري في الردّ على ذلك:

إنّ الآية المباركة لا دلالة فيها على كون الكتابة مصدراً للإثبات في القضاء عند المرافعة وأنّ البيّنة مصدر ثانوي للإثبات وإنّما الآية أكّدت على ضرورة الكتابة وقد يكون ذلك للتذكير والمنع عن النزواع ثمّ الكتابة حينما تفيد العلم خصوصاً القريب من الحسّ فإغفالها إنّما هو صادق بشأن الفقه السنّي، أمّا الفقه الشيعي فقد اعترف بحجّية علم القاضي وتقدّمه على البيّنة وحينما لا تفيد العلم، فالعلم الحسّي للبيّنة كان أقرب إلى الواقع من ظنّ القاضي الناشئ من الكتابة لدى الشارع(39).

والتحقيق أنّ المستفاد من الآية الشريفة اُمور والله العالم:

الأوّل: إنّ الآية الشريفة ليست بصدد بيان حكم شرعي مولوي حتّى يقع الخلاف في دلالتها على الوجوب الشرعي أو الاستحباب بل الآية الشريفة في مقام إرشاد الناس إلى طريق صحيح مانع عن ظهور الاختلاف وعن الزيادة والنقصان ويؤيّد ذلك قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضاً).

الثاني: إنّ الشارع قد أمضى في هذه الآية المباركة اعتبار الكتابة عند العقلاء وإن كان بينهما فرق من جهة الشرائط والخصوصيات المعتبرة في كيفية الكتابة.

الثالث: إنّ الآية لا تختصّ بمورد السلم حسب ما تخيّله بعض المفسِّرين، بل الحكم عام جار في جميع المعاملات والعقود، بل في جميع ما اعتبر العقلاء فيه الكتابة فإنّها حجّة معتبرة شرعية كما هي حجّة معتبرة عقلائية.

وبعبارة اُخرى أنّ الأمر بالكتابة بما أنّه أمر إرشادي وهو في العمومية والخصوصية تابع للمرشد إليه ومن الواضح أنّ اعتبار الكتابة عند العقلاء لا يختصّ بمورد خاصّ.

إن قلت: إنّ الشارع قد أمضى هذا العمل العقلائي في مورد خاصّ وهو الدين وبيع السلم ولا يجوز التعدّي عن هذا المورد.

قلت: هذا صحيح لو كان بصدد الإمضاء في خصوص المورد مع أنّ الظاهر أنّ الشارع في مقام تطبيق الأمر العقلائي على هذا المورد وهذا يكفي في إمضاء الشارع بالنسبة إلى جميع ما اعتبر العقلاء فيه الكتابة فتدبّر.

الرابع: إنّ الآية لا تدلّ على إنشاء الدين بالكتابة، يعني أنّها لم تستعمل في إنشاء عقد الدين، بل هي دالّة وصريحة في أنّه بعد تحقّق الدين يجب الكتابة للاحتجاج بها في مقام الاختلاف بالنسبة إلى الزيادة والنقيصة.

الخامس: بناء على كون الأمر في الآية إرشادياً لا مجال للبحث عن تحقّق النسخ فيها وعدمه; لأنّ النسخ إنّما هو في الأحكام الشرعية المولوية، وأمّا الأحكام الإرشادية فلا يعقل النسخ فيها.

السادس: المستفاد من الآية الشريفة حجّية الكتابة في الاُمور غير الإنشائية، وبعبارة اُخرى حجّية الكتابة بعنوان الطريق لإثبات الادّعاء في مقام الخلاف ولا تدلّ على اعتبار الكتابة في الاُمور الإنشائية.

الوجه الثاني:

السيرة الموجودة بين العقلاء من اعتبار الكتابة بينهم وهذا ممّا لا يقبل الإنكار فإنّه لا فرق عندهم بين اللفظ والكتابة فالبيع كما ينعقد عندهم بطريق الألفاظ كذلك ينعقد عندهم بطريق الكتابة كالأفعال، فالعقلاء يعاملون معها معاملة البيع اللفظي والإجارة اللفظية وهكذا ولم يدلّ دليل في الشريعة على ردع هذا العمل إلاّ في بعض الموارد الخاصّة، بل الدليل على الإمضاء موجود كما عرفت في الوجه الأوّل.

قال صاحب الجواهر: إذا كانت قرائن الحالية وغيرها على إرادة الكاتب بكتابته مدلول اللفظ المستفاد من رسمها فالظاهر جواز العمل بها، للسيرة المستمرّة في الأعصار والأمصار على ذلك، بل يمكن دعوى الضرورة على ذلك، خصوصاً مع ملاحظة عمل العلماء وفي نسبتهم الخلاف والوفاق ونقلهم الإجماع وغيره في كتبهم المعمول عليها بين العلماء ودعوى أنّ ذلك كلّه من جهة فتح باب الظنّ في الأحكام الشرعية وموضوعاتها واضحة الفساد، ضرورة كون السيرة المزبورة على الأعمّ من ذلك كالوكالة والإقرار والوصايا والأوقاف وتصنيفهم كتب الفتوى للأطراف وعمل الناس بها ونحو ذلك(40).

إن قلت: إنّ هذه السيرة مستحدثة ولم تكن موجودة في زمن الشارع حتّى تمضى أو تردّ.

قلت: إنّا قد حقّقنا في محلّه في مباحث الأُصول أنّه لا يجب أن تكون السيرة موجودة في زمن الشارع، بل الشارع يجب عليه الردع عن السير التي لم تكن ممضاة عنده، وبعبارة أُخرى الشارع بما أنّه شارع يجب عليه البيان ولو بنحو عام بالنسبة إلى السيرة الموجودة في زمنه والتي تتحقّق بعداً إذا كان في مقام ردعها.

فهذه السيرة في ما نحن فيه بما أنّها لم يدلّ دليل على الردع عنها فهي حجّة شرعية أيضاً ولكن يجب أن تعلم أنّ إطلاق هذه السيرة محلّ تأمّل وإشكال ولا ندري أنّ العقلاء يكتفون بالكتابة في جميع اُمورهم أم لا؟ فجريان السيرة العقلائية مثلاً غير معلوم في الشهادة على طريق الكتابة وبما أنّ الأدلّة اللبّية يجب الأخذ بالقدر المتيقّن منها فتنتج أنّ الكتابة حجّة في الجملة عند العقلاء.

إن قلت: إنّ الكتابة ليست بصراحة كالألفاظ فالاعتماد عليها في العقود والإيقاعات وغيرهما غير تامّ.

قلت: إنّها ليست بأقلّ من الأفعال، بل ربما يدّعي أنّها في الدلالة على المراد تكون في عرض الألفاظ من دون تفاوت بينهما فإنّ الإجمال الموجود في الأفعال غير متحقّق في الكتابة. وبالجملة كما أنّ الألفاظ تستعمل في مقام الإنساء كذلك الكتابة تستعمل في الإنشاء وفي كلا المقامين يحتاج الإنشاء إلى القرينة وهذا المقدار ليس بمضرٍّ ويستفاد من كلمات الشيخ الأعظم أنّ الصراحة في نفس تحقّق عنوان العقد معتبرة والصراحة في الدلالة غير معتبرة فراجع(41). فالإنشاء لا يتقوّم باللفظ كما أنّ الأخبار كذلك فتدبّر.

كلام السيّد الإمام الخميني(قدس سره)

وقد مال السيّد الإمام رحمة الله عليه في ابتداء كلامه إلى تحقّق البيع بالإشارة والكتابة وغيرهما من المظهرات بدعوى أنّ البيع ليس إلاّ المبادلة بين المالين أو تمليك عين بعوض حسب ما اختاره الشيخ الأنصاري، فالإشارة المفهمة والكتابة وغيرهما آلات لإنشاء المعنى الاعتباري وليس للّفظ ولا لعمل خاصّ، خصوصية في ذلك.

ثمّ عدل عن ذلك وقال: إلاّ أن يقال إنّ ماهية البيع وإن كانت المبادلة لكن لابدّ في تحقّقها من سبب عقلائي واللفظ والتعاطي سببان عقلائيّان بلا شبهة، وأمّا سائر المبرزات فليست من الأسباب العقلائية لإيجاد الطبيعة وإن كانت بواسطة القرائن مفهمة للمقصود فهل ترى أنّ المتعاملين لو تقاولا بأنّ إيجابي هو العطسة مثلاً وقبولك وضع الكفّ على الكفّ صدق على ما فعلا البيع ونحوه؟

فالإشارة وأمثالها ليست أسباباً عقلائيّة ولا تتحقّق الماهية بها عند العقلاء(42).

ونلاحظ في ذلك أنّ قياس الكتابة بالعطسة غير صحيح فإنّ الكتابة سيّما اليوم من المظهرات والمبرزات العقلائية، بل هو أقوى من الإشارة.

وهنا خلاف بين الأعلام في تقديم الإشارة على الكتابة أو ترجيح الكتابة عليها فيما إذا كان الشخص أخرس. فقيل بتقديم الإشارة على الكتابة لأنّها أصرح فإنّ الكتابة قد يكون لأجل التعليم والتمرين بخلاف الإشارة، وقيل بتقديم الكتابة على الإشارة لكونها أضبط. وأورد على كلا القولين السيّد الخوئي(43): بأنّه لو سلّمنا الصغرى فلا ريب في أنّ الكبرى ممنوعة إذ لا دليل على الترجيح بالأرجحية أو الأضبطية وإلاّ لزم ترجيح الكتابة على الإنشاء اللفظي أيضاً لأضبطية الكتابة على اللفظ. ثمّ اختار صحّة الإنشاء لكلّ ما يكون مصداقاً له عرفاً سواء كان لفظاً أو كتابة أو إشارة أو تعاطياً من الطرفين أو إعطاء من طرف واحد أو غير ذلك من غير ترتيب بينها إلاّ في الطلاق، فيستفاد الترتيب بين الكتابة والإشارة من النصّ يعني رواية الصدوق بإسناده عن البزنطي قال: سألت أبا الحسن الرضا(عليه السلام) عن الرجل تكون عنده المرأة يصمت ولا يتكلّم قال: أخرس هو؟ قلت: نعم ويعلم نه بغض لامرأته وكراهة لها أيجوز أن يطلق عنه وليّه؟ قال: لا ولكن يكتب ويشهد على ذلك قلت: فإنّه لا يكتب ولا يسمع كيف يطلّقها؟ قال: بالذي يعرف به من حاله مثل ما ذكرت من كراهته وبغضه لها(44).

وذهب السيّد في حاشيته إلى أنّ الترتيب المذكور في النصّ إنّما هو من باب بيان طبيع المطلب، وأورد عليه السيّد الخوئي(45) بأنّ ظهور النصّ في التعيين بحسب التعبّد الشرعي غير قابل للإنكار.

وفيه أنّ النصّ لا ظهور فيه في الترتيب وإنّما هو بيان للمطلب على حسب سؤال السائل بحسب المورد ولا يستفاد منه الترتيب.

الكتابة والمباني المختلفة في حقيقة الإنشاء

ولا بأس هنا بالإشارة إلى المباني المختلفة في الإنشاء والبحث عن الكتابة بالنسبة إلى كلّ واحد منها:

فاعلم أنّ في حقيقة الإنشاء خلافاً شديداً بين الأكابر.

فذهب المشهور إلى أنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى الاعتباري بسبب اللفظ كإيجد علقة الزوجية بلفظ «أنكحت» وإيجاد الملكية بصيغة «بعتُ» ولا شك أنّ الكتابة صالحة لإيجاد المعنى الاعتباري ولا خصوصية للّفظ في ذلك الإيجاد.

وذهب المحقّق الاصفهاني(46) إلى أنّ الإنشاء عبارة عن إيجاد المعنى بالوجود الجعلي وهو اللفظ مثلاً يعني أنّ للملكية وجودين الأوّل الوجود المضاف إلى نفسها حقيقةً وهذا هو الوجود الحقيقي لها، والثاني الوجود الذي يكون مضافاً حقيقةً إلى الطبيعة الاُخرى ويضاف إلى الملكية بالمسامحة والعناية وهو لفظ بعتُ أو ملكت، وبناءً على هذا المسلك لا إشكال في صلاحية الكتابة للإنشاء لأنّها أيضاً من نوع الوجود الجعلي كاللفظ.

وذهب السيّد الخوئي(47) إلى أنّ الإنشاء عبارة عن إبراز الاعتبار النفساني ومن الواضح أنّ الكتابة صالحة لإبراز الاعتبار النفساني كما لا يخفى.

فتبيّن أنّ الكتابة على جميع المسالك في حقيقة الإنشاء صالحة للإنشاء إلاّ أنّها ليست بحدّ الألفاظ.

المقام الثاني:

بعد إثبات حجّية الكتابة فهل تجري في مسألة الشهادة والبيّنة أم لا؟ وبعبارة أُخرى أنّه لو قلنا بعدم جريان الكتابة في مطلق الاُمور الخبرية والإنشائية، فلا مجال لهذا البحث أمّا إذا قلنا باعتبارها ولو إجمالاً، فهل الصحيح للشاهد أن يكتب ما يعلمه ويرسله إلى القاضي أم لا يصحّ بل المعتبر النطق والحضور في المحكمة أمام القاضي والشهادة باللفظ عنده؟ وبعبارة اُخرى هل الكتابة كافية في طريق الإثبات أم لا يكفي؟ وهل في مسألة القضاء خصوصية تمنع عن قبول الشهادة الكتبية أم لا؟

ولابدّ قبل بيان الحقّ من التعرّض للكلمات والأقوال والتفحّص للشروط التي ذكرها الفقهاء للشهادة حتّى يظهر أنّ النطق والحضور أمام الحاكم هل هو شرط لصحّة الشهادة أم لا يشترط النطق بل يكفي تحقّقها بالكتابة مثلاً؟

ومحلّ الكلام فيما إذا كتب الكاتب ما يعلمه ويرسله إلى القاضي فهل هو حجّة للحاكم أم لا؟ أمّا البحث في أنّه هل يجوز للشخص أن يكتب ما يعلمه ويرسله إلى القاضي فليس بمهمّ إلاّ أنّه في معرض التهمة على الحرص على الأداء وهو خارج عن محلّ البحث.

والشيخ(رحمه الله) في الخلاف لم يتعرّض لهذا الفرع بل إنّما تعرّض لفروع أُخر شبيهة أو قريبة إلى هذا الفرع فذكر في آداب القضاء:

إذا ارتفع إليه خصمان فذكر المدّعي أنّ حجّته في ديوان الحكم فأخرجها الحاكم من ديوان الحكم مختومة بختمه، فإن ذكر أنّه حكم بذلك حكم له، وإن لم يذكر ذلك لم يحكم له به وبه قال أبو حنيفة ومحمّد والشافعي. وقال ابن أبي ليلى وأبو يوسف: يعمل عليه ويحكم به، وإن لم يذكره لأنّه إذا كان بخطّه مختوماً بختمه فلا يكون إلاّ حكمه. دليلنا قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) فإذا لم يذكره لم يعلم ولأنّ الحكم أعلى من الشهادة، بدلالة أنّ الحاكم يلزم والشاهد يشهد، ثمّ ثبت أنّ الشاهد لو وجد شهادته تحت ختمه مكتوبة بخطّه لم يشهد بها ما لم يذكر، فبأن لا يحكم بها إذا لم يذكر أولى ولأنّ الخطّ يشبه الخطّ ومعناه أنّه قد يكتب مثل خطّه ويحتال عليه ويتركه في ديوانه فلا يجوز قبول ذلك إلاّ مع العلم(48).

ويستفاد من هذه العبارة، أنّ نفس الكتابة غير حجّة لدى القاضي بمعنى أنّ ما كتبه القاضي ولو ختم بختمه ما لم يذكر أنّه حكم بذلك الحكم، فليس بحجّة خلافاً لابن أبي ليلى وأبو يوسف، واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم). وذهب في هذه العبارة إلى أنّ الشاهد لو وجد شهادته مكتوبة بخطّه، لا يجوز الشهادة بسببها ما لم يذكر. فيستفاد من كلامه(قدس سره) عدم اعتبار الكتابة ما لم يصل إلى حدّ الذكر والعلم، فليست حجّة شرعية تعبّدية مستقلّة، لأنّ الخطّ يشبه الخطّ والكاتب قد يكتب مثل خطّه ويحتال عليه.

وقد ذكرنا أنّ محلّ الكلام فيما إذا أمن من التزوير والاحتيال أمّا في صورة الأمن فلا وجه لعدم اعتبار الكتابة.

وقال أيضاً في الخلاف في كتاب الشهادات:

الظاهر من المذهب أنّه لا تقبل شهادة الفرع مع تمكّن حضور شاهد الأصل وإنّما يجوز مع تعذّره إمّا بالموت أو بالمرض المانع من الحضور أو الغيبة وبه قال الفقهاء إلاّ أنّهم اختلفوا في حدّ الغيبة...(49).

أقول: يستفاد من عبارته أنّ الشخص لو تمكّن من الحضور أمام الحاكم، لم يصحّ الشهادة على الشهادة فكيف بالكتابة، وبعبارة اُخرى أنّ شهادة الفرع تصحّ في صورة العذر فلا تصحّ الكتابة فيما لم يكن الشاهد معذوراً.

وقال في المبسوط:

روى أصحابنا أنّه لا يقبل كتاب قاض إلى قاض ولا يعمل به وأجاز المخالفون ذلك، قالوا: يقبل كتاب قاض إلى قاض وإلى الأمين وكتاب الأمين إلى القاضي والأمين لقوله تعالى في قصّة سليمان وبلقيس: (قالت يا أيّها الملأُ إنّي أُلقي إليَّ كتابٌ كريم* إنّه من سليمان وإنّه بسمِ الله الرّحمن الرحيم) فكتب إليها سليمان وكانت كافرة يدعوها إلى الإيمان.

ثمّ قال بعد ردّ أدلّة المخالفين: أمّا التحمّل فإذا كتب القاضي كتابه استدعى بالشهود وقرأه عليهم أو دفعه إلى ثقة يقرأ عليهم، فإذا قرأه الغير عليها فالأولى أن يطّلعا فيما يقرأه لئلاّ يقع فيه تصحيف أو غلط وتغيير، وليس بشرط لأنّه لا يقرأه إلاّ ثقة فإذا قرأه عليها أو قرأه الآخر فعليه أن يقول لهما: هذا كتابي إلى فلان(50).

والمستفاد من هذه العبارة عدم اعتبار نفس الكتابة.

وقال العلاّمة في بيان صفات الشاهد:

وهي ستّة: البلوغ وكمال العقل والإيمان والعدالة وانتفاء التهمة وطهارة المولد(51).

وهذه العبارة كما رأيت لا تدلّ على اعتبار النطق ولم يذكر في عداد صفات الشاهد حضوره والتنطّق بما يعلمه فلا يستفاد شرطية الحضور.

وقال في الفصل السادس من التبصرة في بقيّة مسائل الشهادات: لا يحلّ للشاهد أن يشهد إلاّ مع العلم ولا يكفي رؤية الخطّ مع عدم الذكر وإن أقام غيره. والظاهر من هذه العبارة عدم اعتبار الكتابة، وبعبارة أُخرى الظاهر من العبارة أنّ حضور الشاهد عند الحاكم والتنطّق بما يعلمه أمرٌ مفروغ عنه عنده فتدبّر.

وقال في الإرشاد في كيفية الحكم:

ويحرم عليه أن يتعتع الشاهد بأن يداخله في التلفّظ بالشهادة أو يتعقّبه، بل يكف حتّى يشهد فإن تلعثم صبر عليه، ولو توقّف لم يجز له ترغيبه في الإقامة(52).

وهذه العبارة تدلّ على كيفية سماع الشهادة وهي مختصّة بصورة النطق فيستفاد منها مفروغية النطق والحضور أمام الحاكم.

وظاهر عبارة التبصرة والإرشاد وتلخيص المرام أنّ النطق والحضور ليس من شروط الشاهد فراجع(53).

وقال الشهيد:

قد يستفاد من كلام بعض أنّ العقود والإيقاعات التي تعتبر فيها الألفاظ الخاصّة، لا تقوم مقامها شيء من الإشارة والكتابة ونحوهما، وأمّا الموارد التي لا تعتبر فيها الألفاظ الخاصّة كالإقرار والشهادة فتقبل النيابة وبناءً على ذلك لا يصحّ لعان الأخرس بالإشارة المعقولة، لأنّه مشروط بالألفاظ الخاصّة دون الإقرار والشهادة فإنّهما يقعان بأيّ عبارة اتّفقت إلاّ أن يقال: إنّ الألفاظ الخاصّة تعتبر مع الإمكان وعليه فصحّة الإشارة أو الكتابة متفرّعة على عدم إمكان النطق(54).

والإنصاف اعتبار حضور الشاهد في مجلس الحكم فإنّ المحصّل من مجموع الكلمات في الموارد المختلفة اعتبار حضور الشاهد وعدم حجّية الكتابة في طريق الشهادة وذلك بالقرائن الآتية:

القرينة الاُولى: إنّهم قد اشترطوا في حجّية شهادة الفرع، عدم إمكان حضور الأصل لمرض أو غيبة، ونفس هذا الاشتراط يدلّ على لزوم حضور الشاهد في مجلس القضاء وعدم اعتبار الكتابة بل لو كانت الكتابة كافية لكانت حجّية شهادة الفرع لغواً.

القرينة الثانية: إنّ الفقهاء قد صرّحوا في اليمين بلزوم إقامته في مجلس الحكم كما صرّح به الشهيد الأوّل فإنّه قال في شرائط اليمين في الشرط الأوّل: إنّ محلّها مجلس الحكم إلاّ مع العذر كالمريض وغير البرزه(55).

القرينة الثالثة: إنّ الشهادة على طريق الكتابة، لا تصدق عليها الأداء والموجود في كلمات الفقهاء لزوم أداء الشهادة.

وقال بعض في تعريف الأداء: أمّا أداء الشهادة فهو أن يشهد الشاهد بما تحمله أمام القضاء في مجلس الحكم وهذا واجب وحتم إذا ما دعاه صاحب الحقّ للأداء(56).

القرينة الرابعة: قد وردت في الروايات الواردة في حجّية البيّنة التعبير بكلمة عندك أو عندكم الظاهرة في لزوم حضور الشاهد عند القاضي مثلاً.

ألف: في رواية عبدالله بن سليمان عن الصادق(عليه السلام): كلّ شيء حلال حتّى يجيئك شاهدان أن يشهدان عندك أنّ فيه ميتة(57).

ب: في صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله(عليه السلام): فإن شهد عندكم شاهدان مرضيان(58).

ج: الروايات التي وردت في لزوم تصديق المسلم إذا شهد نحو: إذا شهد عندك المسلمون فصدّقهم(59).

ومن الواضح أنّ الشهادة الكتبية ليست من مصاديق الشهادة عند الحاكم.

لا يقال: إنّ هذا مبني على حجّية مفهوم الوصف والتحقيق عدمها لأنّا نقول: إنّهم في هذه الروايات بصدد بيان المفهوم وهذا ظاهر.

القرينة الخامسة: إنّ كلمة الشهادة تدلّ لغةً على اعتبار الحضور فمعنى شهده أي حضره واشهدني الملائكة بمعنى أحضرني الملائكة، فالإشهاد طلب تحمّل الشهادة بالمعاينة أو طلب أداء الشهادة عند القاضي.

وبعبارة أُخرى أنّه كما يعتبر في تحمّل الشهادة، الحضور والحسّ والمعاينة، كذلك يعتبر في أدائها والظاهر عدم الفرق بين معنى الشهادة لغةً ومعناها شرعاً.

مذهب الحنفية:

إنّهم ذكروا في الشرط الرابع من شروط وجوب الأداء في حقوق العباد، قرب مكان الشاهد في مجلس القضاء بحيث يمكنه أن يؤدّي الشهادة ويرجع إلى أهله في نفس اليوم. ثمّ فرّعوا على ذلك بأنّه بعد تحقّق شروط الشهادة لو أخّرها من دون عذر ظاهر فهل الشهادة بعد التأخير صحيحة أم لا؟(60)

والظاهر من هذا الكلام اعتبار الحضور في مجلس الحكم مع أنّ مسألة الكتابة لا تلائم مع تأخير الشهادة فإنّ التأخير يناسب شرطية الحضور في مجلس القضاء.

وقد صرّحوا في شروط العامّة للشاهد، أنّه من شرائط الشاهد النطق فلا تقبل شهادة الأخرس لأنّه لا عبارة له وإشارته مشتبهة وغير قاطعة ولابدّ في الشهادة أن تكون واضحة جلية حتّى يصحّ الحكم بها لاُناس على آخرين(61).

أقول: لو كان النطق في قبال خصوص الأخرس فلا يدلّ على عدم اعتبار الكتابة، وأمّا لو كان النطق في قبال عدم النطق حتّى يشمل الكتابة فيدلّ على عدم صحّة الكتابة، ويؤيّد ذلك قولهم بعد هذه العبارة: وأيضاً من شروط صحّة الشهادة أو ركنها على الخلاف أن يقول (اشهد) وهذا لا يتأتّى منه إلاّ إذا كان ناطقاً(62). وقولهم في بيان شروط مكان الشاهد: يشترط في المكان أن يكون مجلس القضاء.

فاعتبار التنطّق في مجلس القضاء واضح عند الحنفية.

مذهب الشافعية:

إنّهم أيضاً اعتبروا من شرائط الشاهد، أن يكون ناطقاً فلا تقبل شهادة الأخرس وإن فهمت إشارته(63).

وقالوا أيضاً: واختلف أصحابنا في شهادة الأخرس فمنهم من قال تقبل، لأنّ إشارته كعبارة الناطق في نكاحه وطلاقه فكذلك في الشهادة ومنهم من قال لا تقبل، لأنّ إشارته أُقيمت مقام العبارة في موضع الضرورة وهو في النكاح والطلاق لأنّها لا تستفاد إلاّ من جهة ولا ضرورة بنا إلى شهادته لأنّها لا تصحّ من غيره بالنطق فلا تجوز بإشارته(64).

مذهب الزيديّة:

ذهبوا إلى لزوم أداء الشهادة عند الحاكم والظاهر من بين المذاهب أنّهم قد صرّحوا بذلك فقط ولم تصرّح المذاهب الاُخر بذلك فقالوا:

يشترط لصحّة الشهادة أن يكون أداؤها عند حاكم فلا يصحّ أداؤها إلاّ عند الحاكم المعيّن من قبل من له حقّ تعيينه. ثمّ صرّحوا أيضاً في ضمن الشرائط أن يقول الشاهد بلفظ أشهد والصيغة التي حدّدها الشارع للأداء فلا تصحّ الشهادة بالرسالة والكتابة لعدم اللفظ(65). وقد صرّحوا في موضع آخر من أنّ حقّ الشهادة أن يأتي بلفظها.

فهذه المذاهب الثلاثة يعتبرون النطق والحضور للشهادة، وأمّا مذهب المالكية والظاهرية والحنابلة فإنّهم لم يذكروا النطق من شرائط الشاهد. وعباراتهم ساكتة عن ذلك.

نظرية الفقه الوضعي:

قالوا: يجب أن تؤدّى الشهادة شفهاً أمام المحكمة أو القاضي مباشرةً وجهاً لوجه لأنّه إذا كذب اللسان أو سكت حيث يجب الكلام، فإنّ هيئة المرء وحالته وطريقة شهادته قد تنمّ عن الحقيقة أو تساعد على اكتشافها أو تساعد على تقدير الشهادة(66).

وقالوا أيضاً: يجب أداء الشهادة في حضور الخصوم فسحاً لباب السؤال والمناقشة(67).

وأورد عليهم المحقّق الحائري: هذه الاُمور في نظر الفقه الإسلامي ليست شروطاً بمعنى عدم نفوذ شهادة الشاهد بدونها وهي احتياطات اتّخذها الفقه الوضعي بعد إغفال شرط العدالة ولكن لا يبعد القول بأنّ من حقّ الحاكم فرض أمر من هذا القبيل أو غيره مقدّمة للحكم لأجل تقصّي الحقيقة ممّا هو ليس واجباً بحدّ ذاته في نفوذ الحكم(68).

وفيه أنّه قد عرفت ممّا ذكرنا أنّ حضور الشاهد والنطق في المحكمة من الشروط التي يستفاد من فتاوى الفقهاء خاصّة وعامّة فراجع.

الفرق بين البيّنة والشهادة:

يمكن أن يقال: إنّ لحجّية الشهادة في الأدلّة تعبيرين:

الأوّل: التعبير بلفظ الشهادة كما ورد في الآية الشريفة: (فاستشهدوا شهيدين من رجالكم) وفي بعض الروايات، وهذا التعبير كما عرفت لا يشمل الكتابة.

الثاني: التعبير بلفظ البيّنة كما ورد في رواية مسعدة بن صدقة الموثّقة: والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيّنة(69). وهي في اللغة بمعنى الحجّة وما به البيان والظهور وهذا المعنى شامل للكتابة.

قال السنهوري: البيّنة لها معنيان: معنى عام وهو الديل أيّاً كان كتابة أو شهادة أو قرائن، فإذا قلنا البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر فإنّما نقصد هنا البيّنة بهذا المعنى العام ومعنى خاصّ وهو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلّة وقد كانت الشهادة في الماضي هي الدليل الغالب، وكانت الاُخرى من الندرة إلى حدّ أنّها لا تذكر إلى جانب الشهادة فانصرف لفظ البيّنة إلى الشهادة دون غيرها. ثمّ قال: الأصل في الشهادة أن تكون شهادة مباشرة فيقول الشاهد: ما وقع تحت بصره أو سمعه... وتكون الشهادة عادة شفوية، يدلِ بها الشاهد في مجلس القضاء مستمدّاً إيّاها من ذاكرته، وقد نصّت المادّة (216» من تقنين المرافعات على أن تؤدّى الشهادة شفاهاً ولا تجوز الاستعانة بمفكّرات مكتوبة إلاّ بإذن المحكمة أو القاضي المندب، ومع ذلك فقد نصّت المادّة «205» من تقنين المرافعات على أنّ من لا قدرة له على الكلام يؤدّي الشهادة إذا أمكن أن يبيّن مراده بالكتابة أو بالإشارة، ويدعى الشاهد عادةً إلى مجلس القضاء ليقول ما رآه أو سمعه من الوقائع المتعلّقة بالدعوى، ومع ذلك قد يكتفى في ظروف استثنائية بتلاوة شهادة المكتوبة. انتهى كلامه(70).

فالمستفاد من كلماته أنّ الكتابة من طرق البيّنة كما أنّ الشهادة من طرقها، مضافاً إلى عدم ثبوت حقيقة شرعية ولا متشرّعية لها واستعمالها في الكتاب والأخبار بمعناها اللغوي كقوله تعالى: (قد جئتكم ببيّنة من ربّكم)(71) وقيل قد استعملت في الكتاب في خمسة عشر موضعاً منه بمعناها اللغوي وهو الظهور والبيان. هذا ولكن الإنصاف أنّ كلمة البيّنة في روايات القضاء ظاهرة في خصوص الشهادة بقرينة مقابلتها مع الإيمان فقول الرسول(صلى الله عليه وآله): البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر ظاهر في المعنى الاصطلاحي وهو الشهادة بقرينة المقابلة، وأيضاً قوله(صلى الله عليه وآله): إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان(72).

مضافاً إلى ما ذكره الوالد المحقّق من(73) أنّه لو كان المراد منها المعنى اللغوي أي الحجّة لكان المنكر أيضاً واجداً للحجّة ولا يبقى فرق بينه وبين المدّعي ولا وجه لتقديم المدّعي على المنكر بعد الاشتراك في وجود الحجّة عندهما.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا في هذا المقام عدم كفاية الكتابة في البيّنة والشهادة وإن أثبتنا اعتبار الكتابة إجمالاً في المقام الأوّل. نعم، قد تكون سبباً لعلم القاضي وطريقاً له وهذا أمرٌ آخر لا ربط له بالبحث.

هذا كلّه بعض ما خطر ببالي في هذه المسألة

وقد تمّ الفراغ منها في شهر شعبان المعظّم من سنة 1416 من الهجرة النبوية

على مهاجرها آلاف التحية والثناء

والحمد لله ربّ العالمين



(1) ـ تحرير الأحكام ، كتاب البيع ، ص164 .
(2) ـ إيضاح الفوائد ، ج3 ، ص12 .
(3) ـ مسالك الافهام ، ج1 ، ص320 .
(4) ـ غنية النزوع (الجوامع الفقهية) ، ص524 .
(5) ـ المكاسب للشيخ الأنصاري ، ص93 . والمراد من بعض النصوص حديث «إنّما يحلّل الكلام ويحرّم الكلام» وسيأتي البحث فيه .
(6) ـ مفتاح الكرامة: 4 / 163 ، كتاب المتاجر .
(7) ـ مستند الشيعة ، كتاب البيع ، الفصل الأوّل من المقصد الأوّل ، المسألة الثانية .
(8) ـ الوسائل ، الباب الثامن من أبواب أحكام العقود ، ح4 ، كتاب التجارة .
(9) ـ المكاسب ، ص86 .
(10) ـ الخلاف ، كتاب الطلاق ، مسألة 29 .
(11) ـ سلسلة الينابيع الفقهية: 39 / 56 .
(12) ـ نفس المصدر: 20 / 101 .
(13) ـ نفس المصدر: 20 / 44 .
(14) ـ إرشاد الأذهان ، كتاب الفراق .
(15) ـ الوسائل ، كتاب الطلاق ج15 ، باب 16 ، ح3 .
(16) ـ نفس المصدر ، باب 14 ، ح1 .
(17) ـ نفس المصدر ، باب 14 ، ح3 .
(18) ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية: 6 / 14 .
(19) ـ والعجب منه(قدس سره) كيف يقول بأنّ هذه اعتبارات لا توافق أُصول الإمامية مع أنّه قد استشهد بهذه التعبيرات في بحث الغيبة فقال: فيعمّ الحكم كلّ ما يفيد ذلك من الكتابة التي هي إحدى اللسانين فراجع ج22 ، ص64 .
(20) ـ جواهر الكلام ، كتاب الطلاق: 32 / 62 .
(21) ـ الروضة البهية: 5 / 18 .
(22) ـ جواهر الكلام ، كتاب الوصايا: 28 / 249 .
(23) ـ نفس المصدر ، ص250 .
(24) ـ جواهر الكلام 11 / 110 .
(25) ـ تفسير القمّي ص133 .
(26) ـ النساء / 86 .
(27) ـ مناقب آل أبي طالب ج4 ص18 .
(28) ـ جواهر الكلام 22 / 64 .
(29) ـ البقرة / 282 .
(30) ـ زبدة البيان في أحكام القرآن ، ص445 .
(31) ـ التفسير الكبير: 7 / 118.
(32) ـ روح المعاني: 3 / 48 .
(33) ـ مجمع البيان .
(34) ـ زبدة البيان ، ص442 .
(35) ـ مقتنيات الدرر: 2 / 144 .
(36) ـ الجامع لأحكام القرآن: 3 / 382 .
(37) ـ قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام ، ص206 .
(38) ـ الوسيط ، ج2 ، بهامش الفقرة 189 .
(39) ـ القضاء في الفقه الإسلامي ، ص524 .
(40) ـ جواهر الكلام 40 / 303 و 305 .
(41) ـ المكاسب ، ص96 .
(42) ـ البيع للإمام الخميني ، الجزء الأوّل: 204 .
(43) ـ محاضرات في الفقه الجعفري: 2 / 118 .
(44) ـ الوسائل: 3 / 149 ، باب 18 ، كتاب الطلاق .
(45) ـ محاضرات في الفقه: 2 / 118 .
(46) ـ نهاية الدراية ، الجزء الأوّل .
(47) ـ محاضرات في الاُصول .
(48) ـ سلسلة الينابيع الفقهية ، ج33 ، ص10 (كتاب الخلاف ، مسألة 17) .
(49) ـ الخلاف ، كتاب الشهادات ، مسألة 65 .
(50) ـ المبسوط ، آداب القضاء ، فصل في كتاب قاض إلى قاض .
(51) ـ تبصرة المتعلِّمين ، الفصل الخامس .
(52) ـ إرشاد الأذهان ، المقصد الثاني في كيفية الحكم .
(53) ـ سلسلة الينابيع الفقهية: 33 / 339 و341 و347 و368 .
(54) ـ الروضة البهية في شرح اللمعة الدمشقية ، كتاب اللعان: 6 / 189 .
(55) ـ نفس المصدر ، ص399 نقلاً عن الدروس .
(56) ـ موسوعة الفقه الإسلامي المقارن: 12 / 273 .
(57) ـ الكافي: 6 / 339 ، ح2 .
(58) ـ الوسائل ، كتاب الصوم ، أبواب أحكام شهر رمضان ، الباب الحادي عشر .
(59) ـ الوسائل: 13 / 230 ، ب6 من أحكام الوديعة ، ح1 .
(60) ـ موسوعة الفقه الإسلامي المقارن: 12 / 275 .
(61) ـ نفس المصدر ، ص280 .
(62) ـ نفس المصدر .
(63) ـ مغني المحتاج: 4 / 392 .
(64) ـ المهذّب: 2 / 324 .
(65) ـ التاج المذهّب لأحكام المذهب: 4 / 71 و 67 .
(66) ـ رسالة الإثبات ، ج1 ، الفقرة 379 .
(67) ـ نفس المصدر .
(68) ـ القضاء في الفقه الإسلامي ، ص547 .
(69) ـ الوسائل: 12 ، باب4 من أبواب ما يكتسب به ، ح4 .
(70) ـ الوسيط ، ج2 ، ص311 و 312 .
(71) ـ الأعراف: 105 .
(72) ـ الوسائل: 18 / 169 ، ب2 ، أبواب كيفية الحكم ، ح1 .
(73) ـ القواعد الفقهية ، قاعدة حجّية البيّنة .


نظر شما

کد امنیتی
مطالب بیشتر...