موضوع: قاعدة لاضرر و لا ضرار
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/٣٠
شماره جلسه : ۱
خلاصة الدرس
-
مدخل: موقعيّة قاعدة «لا ضرر» في الهندسة الفقهيّة
-
المسار التاريخيّ لقاعدة «لا ضرر» في فقه الإماميّة
-
سعة جريان قاعدة «لا ضرر» في الأبواب الفقهيّة
-
مسائل منحصرة المستند بقاعدة «لا ضرر»
-
مدوّنة فقهيّة مستقلّة حول قاعدة «لا ضرر»
-
مستند القاعدة
-
١. الآيات القرآنيّة
-
المصادر
الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
قاعدة لا ضرر
مدخل: موقعيّة قاعدة «لا ضرر» في الهندسة الفقهيّة
تحتلّ قاعدة «لا ضرر» موقعاً متميّزاً ضمن القواعد التأسيسيّة في فقه الإماميّة، نظراً لرحابة دائرة انطباقها في مختلف الأبواب الفقهيّة، والدور المحوريّ الذي تضطلع به في عمليّة استنباط كثيرٍ من الأحكام، ممّا يمنحها امتيازاً خاصّاً وتأثيراً بالغاً. وقد جرت العادة في الأبحاث الأصوليّة على طرح هذه القاعدة في خواتيم مبحث «أصالة البراءة».[1]
ويتمحور البحث في هذه القاعدة حول الحديث النبويّ المشهور: «لا ضرر ولا ضرار».[2] وكما سيتّضح في مطاوي البحث، فإنّ هذا الحديث الشريف قد ارتقى تدريجيّاً من كونه مستنداً لحكمٍ جزئيٍّ في موارد محدودة، ليتحوّل إلى «قاعدةٍ عامّة» حاكمةٍ تهيمن بظلالها على طيفٍ واسعٍ من الأحكام الفقهيّة.
تكتسب دراسة التطوّر التاريخيّ للقاعدة أهميّةً قصوى لاستيعاب موقعيّتها الفقهيّة وكيفيّة الاستدلال بها. ويمكننا، على نحو الإجمال، رصد مراحل متعدّدة في سيرورتها التاريخيّة:
المرحلة الأولى: حقبة المتقدّمين والاستناد المورديّ للحديث
إنّ الاستدلال بحديث «لا ضرر» في فقه الإماميّة يمتدّ جذره التاريخيّ إلى ما قبل عصر الشيخ الطوسي (رضوان الله عليه). وقد سلك فقهاء هذه الحقبة ـ كما في قاعدة «لا حرج» ـ منهجاً يعتمد الاستناد إلى نصّ الحديث في موارد جزئيّة محدّدة، من دون تأطيره كقاعدةٍ عامّةٍ مستقلّة. ونجد مصاديق لهذا المنهج في كلمات الشيخ الصدوق[3] وابن الجنيد[4] (قدّس سرّهما)، حيث استندا في بعض الفروع الفقهيّة إلى الحديث النبويّ الشريف، ولكن لم يرقَ الاستدلال بهما في تلك المرحلة إلى مستوى صياغة «القاعدة الكلّيّة».
المرحلة الثانية: الشيخ الطوسي والتوسّع النسبيّ في التطبيق
ثمّ خطى شيخ الطائفة الطوسي (قدّس سرّه) خطوةً أكثر تقدّماً في هذا المسار، حيث وظّف الحديث في أبوابٍ فقهيّةٍ متنوّعة ـ كالشفعة، وإحياء الموات، والمياه المباحة، والأراضي، وغيرها ـ وذلك في كتابيه «الخلاف»[5] و«المبسوط».[6] بيد أنّ ذلك كلّه لم يبلغ بعدُ مرتبة «التقعيد» بالمعنى الاصطلاحيّ الرائج اليوم، إذ بقي الحديث يدور في فلك الاستدلال على أحكامٍ خاصّةٍ وموارد معيّنة.
المرحلة الثالثة: ابن إدريس الحلّي وتوظيف الحديث كـ «قاعدة»
والمحطّة الجوهريّة التي شكّلت منعطفاً في هذا المسار، هي تلك التي تمثّلت في عبارة ابن إدريس الحلّي (رضوان الله عليه) في «السرائر»، حيث صرّح قائلاً:
وهذا أصل كبير يُرجع إليه في كثير من أبواب الفقه.[7]
وبهذا النصّ، ارتقى الحديث النبويّ «لا ضرر» إلى رتبة «الأصل الكبير» الذي يعدّ مرجعاً أساسيّاً في أبواب الفقه المتعدّدة، وهو تعبيرٌ كاشفٌ عن النظرة التقعيديّة للحديث، متجاوزاً بذلك كونه مجرّد روايةٍ تقع في عرض سائر الروايات.
المرحلة الرابعة: الشهيد الأوّل وصياغة القاعدة
وفي خطوةٍ حاسمةٍ أخرى، انتقل الشهيد الأوّل (قدّس سرّه) في «القواعد والفوائد» إلى مرحلةٍ جديدةٍ من التبلور. فقد طرح الحديث في المجلّد الأوّل من كتابه بوصفه «قاعدةً عامّةً» صريحةً، مفرّعاً عليه جملةً من الأحكام والفروع الفقهيّة.[8] وهنا بالذات، يمكن القول بتحقّق المعنى الدقيق لـ «صياغة القاعدة» اصطلاحاً.
المرحلة الخامسة: تقدّم القاعدة عند المتأخّرين من باب «الحكومة»
وفي الحقبة المتأخّرة، يبرز صاحب «الجواهر» (قدّس سرّه) في استشهاده المكثّف بالحديث الشريف في شتّى الأبواب، واصفاً إيّاه بـ «المستفيض» ومسجّلاً إيّاه عمليّاً في عداد كبار القواعد الفقهيّة.[9] ثمّ جاء دور الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) ليحدث نقلةً نوعيّةً في تقريب دلالة القاعدة، مؤسّساً لـ «حكومة لا ضرر» على الأدلّة الأوّليّة.[10] وبهذا التأطير الجديد، دخلت القاعدة الفقهيّة ضمن المفاهيم الأصوليّة الراقية، وغدت حاكمةً على سائر الأدلّة، وهو الرأي الذي ارتضاه مشهور المتأخّرين إلى يومنا هذا، وإن كنّا سنتعرّض للآراء الأخرى في مطاوي البحث.
إنّ هذا المسار التاريخيّ لقاعدة «لا ضرر» يتماهى إلى حدٍّ بعيدٍ مع تطوّر قاعدة «لا حرج»، مع فارقٍ يتمثّل في كون المستند في الأخيرة هو الآية القرآنيّة الصريحة: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.[11] ومع ذلك، فقد خضعا معاً لمسارٍ واحدٍ يبدأ بـ «الاستناد المحدود»، ليتّسع نطاق التطبيق تدريجيّاً، وصولاً إلى «صياغة القاعدة العامّة».
تكمن الأهمّيّة الخاصّة لقاعدة «لا ضرر» في مدى سعتها وشمولها. فبالنظر إلى طبيعة القواعد الفقهيّة، يمكن تقسيمها إلى صنفين رئيسين:
1. القواعد الخاصّة: وهي التي تنحصر دائرة جريانها ببابٍ أو أبوابٍ معيّنة، كالقواعد المختصّة بالمعاملات، أو العبادات، أو الطهارة.
2. القواعد العامّة: وهي التي تتّسم بالشمول والسيولة في مختلف الأبواب الفقهيّة، وتجري في كافّة المستويات (العبادات والمعاملات، الفقه الفرديّ والاجتماعيّ).
لا ريب في اندماج قاعدة «لا ضرر» ضمن الصنف الثاني بامتياز. ففي العبادات، نجدها حاضرةً في الوضوء والغسل والصوم والحجّ وغيرها. وفي المعاملات، تلعب دوراً حيويّاً، لا سيّما في العقود والإيقاعات والخيارات والضمانات. وعلى مستوى الفقه الفرديّ، تضبط علاقة الفرد بنفسه وبغيره. وفي الفقه الاجتماعيّ، تشكّل معياراً حاكماً لنفي الأحكام والتشريعات المستلزِمة للضرر النوعيّ أو الشخصيّ في مجال الحقوق العامّة والنظم الاجتماعيّة والأحكام السلطانيّة. وهذه العموميّة تضفي على القاعدة موقعيّةً استثنائيّةً في البنيان الفقهيّ العامّ.[12]
تتجلّى القيمة الخاصّة لقاعدة «لا ضرر» بشكلٍ أوضح حين نلحظ وجود فروعٍ فقهيّةٍ ومسائلَ أساسيّة، لا تنهض عليها أدلّةٌ خاصّةٌ واضحة، وينحصر مدركها الشرعيّ في تطبيق هذه القاعدة. فبينما تتظافر الأدلّة في كثيرٍ من الفروع (آياتٍ ورواياتٍ خاصّة) لتساند القاعدةَ وتوضّح حدودها، نجد في المقابل مواردَ فقهيّة، لا سيّما في باب الخيارات، يفتقر فيها الفقه إلى نصٍّ خاصّ، وتصبح القاعدة هي المستند الوحيد للفتوى.
ومثال ذلك البارز خيار الغبن. إذ لا يوجد نصٌّ خاصٌّ يثبت هذا الحقّ للمغبون استقلالاً، وإنّما شاده الفقهاء (رضوان الله عليهم) على أساس قاعدة «نفي الضرر» حصراً.[13] وكذا الحال في بعض الخيارات الأخرى، ممّا يكشف بوضوحٍ عن محوريّة هذه القاعدة في تشييد الصرح الفقهيّ، لا سيّما في باب المعاملات، بحيث لولاها لاختلّ جزءٌ هامٌّ من المنظومة الحقوقيّة فيها.
ومن الشواهدِ الأخرى على المكانةِ الساميةِ لقاعدة «لا ضرر»، ما نراه من كثرةِ المؤلّفات والرسائل المستقلّة التي خصّها بها الأعلام (رضوان الله عليهم). وفيما يلي قائمةٌ مختارةٌ ببعض هذه الآثار:
1. رسالة مستقلّة للمحقّق النائيني (قدّس سرّه) في قاعدة «لا ضرر»، والتي طبعت حديثاً. مضافاً إلى تقريرات بحثه (قدّس سرّه) بقلم مقرّر «فوائد الأصول»، والتي أُدرجت ضمن هذا الكتاب. كما ضُمّت إليها حواشي المرحوم الشيخ حسين الحلّي (قدّس سرّه) على كلا المتنين. وقد جُمعت هذه الآثار الأربعة في مجلّدٍ واحدٍ ضمن سلسلة إصدارات المؤتمر العالميّ لتكريم المحقّق النائيني.
2. رسالة مستقلّة للمحقّق العراقي (قدّس سرّه) في قاعدة «لا ضرر»، بقلم أحد تلامذته الأجلّاء.
3. رسالة «بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر» للإمام الخميني (قدّس سرّه)، وهي من الآثار الفقهيّة المتمحورة حول القاعدة.
4. تقريرات بحث المحقق السيّد محمّد الداماد (قدّس سرّه) في قاعدة «لا ضرر»، بقلم المرحوم آية الله العلوي الجرجاني (رضوان الله تعالى عليه).
5. رسالة مستقلّة لشيخ الشريعة الأصفهاني (قدّس سرّه)، وفيها طَرح رأياً خاصّاً ومهمّاً في تفسير القاعدة، وقد كُتبت في رسالةٍ مستقلّةٍ عنه (قدّس سرّه).
6. البحوث المفصّلة المبثوثة في ثنايا الآثار الأصوليّة للأعلام الآخرين، كالمحقّق الأنصاري والمحقّق الخراساني وسائر المتأخّرين. فإنّهم وإن لم يخصّصوا لها رسالةً مستقلّة، إلا أنّهم خاضوا في غمار تحليلها بدقّةٍ وعمقٍ ضمن مباحثهم الأصوليّة.
وهذه القائمة المتنوّعة من الآثار تشهد بوضوح على أنّ قاعدة «لا ضرر» تتربّع على قمّة القواعد الفقهيّة، وتعدّ من الطراز الأوّل في الفقه من حيث عمق البحث وسعة الامتداد.
١. الآيات القرآنيّة
وفي مستهلّ البحث، لا بدّ من التوقّف مليّاً عند نقطةٍ محوريّة، وهي السرّ في إعراض أعلام الإماميّة عن ابتناء القاعدة على الآيات القرآنيّة، وتمركزهم في الاستدلال على الحديث النبويّ الشريف. فمع وجود بعض المحاولات لدى الفقهاء المعاصرين لاستظهار القاعدة من آياتٍ قرآنيّةٍ صدّروا بها رسائلهم في الباب،[14] نجد إعراضاً ملحوظاً عن هذا النهج في كلمات أساطين الفنّ ـ كالمحقّقین النائيني والعراقي والإمام الخميني (قدّس سرّهم)، ومن قبلهم الشيخ الأعظم والآخوند ـ إذ لم يعتمدوا الاستناد القرآنيّ في مقام تأسيس القاعدة، بل انصبّت جهودهم على تحليل السنّة الشريفة.
إشكال: غياب الاستناد القرآنيّ
وقد أثير من هذه الزاوية إشكالٌ مفاده «أنّ ثمّة غياباً للقرآن الكريم في فقه الإماميّة. إذ مع وجود مصطلحات قرآنيّة صريحة كالضرر، والضرار، والمضارّة، وتضارّ، نجد الفقهاء يميلون إلى الاستدلال بروايةٍ اختلفت عباراتها وقيودها في المصادر الحديثيّة، معرضين عن النصّ القرآنيّ».
الجواب التحقيقيّ
والجواب عن هذا الإشكال يبتني على نكتةٍ أصوليّةٍ واضحةٍ تكرّر التأكيد عليها في كلمات الأعلام، وهي أنّ آيات الأحكام غالباً ما تكون في مقام أصل التشريع وتأسيس الحكم، لا في مقام البيان من جميع الجهات واستيفاء القيود والشروط. وقد نبّه على هذه النكتة الدقيقة الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) في ثنايا كلماته،[15] وهو كلامٌ متين.
ومثال ذلك البارز آية ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾. إذ إنّ الآية الكريمة، وإن دلّت على أصل تشريع حلّيّة البيع في الإسلام، إلا أنّها ليست في مقام البيان من جميع الجهات واستيعاب كافّة القيود والشروط. وعليه، لا يصحّ التمسّك بإطلاقها لإثبات صحّة بيوعٍ معيّنة، كبيع الصبيّ غير البالغ أو كافّة أنواع المعاطاة، لمجرّد صدق عنوان البيع عليها. فإنّ بيان الخصوصيّات والشروط قد أُوكل في الغالب إلى الروايات الشريفة وسائر الأدلّة.
وكذا الحال في آية ﴿حَرَّمَ الرِّبَا﴾. فإنّها دالّةٌ على أصلِ تحريمِ الربا في الإسلام، لكنّ تعيين مصاديق الربا، وتحديد الهيكليّات التي تندرج تحت هذا العنوان وتخضع للحرمة، ممّا يفتقر إلى قرائن ونصوصٍ أخرى. وعليه، لا يمكن الركون إلى مجرّد إطلاق اللفظ في الآية لتعميم الحرمة لكافّة صور الربا ـ كالربا الإنتاجيّ والاستهلاكيّ، أو ما بين الدولة والمواطن ـ من دون الرجوع إلى الروايات الشريفة المفسّرة. وهكذا، فإنّ كثيراً من آيات الأحكام تندرج في هذا الصنف، أي التأسيس لأصل الحكم، من دون التعرّض لتفصيل جميع القيود والجزئيّات.
وعلى المنوال نفسه، يندرج ما ورد في القرآن الكريم من آياتٍ متضمّنةٍ لعناوين الضرر والضرار والمضارّة وتضارّ. فغالباً ما تأتي هذه الآيات في سياقاتٍ خاصّة (كحقوق الزوجيّة، والميراث، والرضاع، ومسجد الضرار)، وضمن أهدافٍ جزئيّة، ومجالاتٍ محدودة. وإن أمكن استفادة الذمّ والنهي عن بعض مصاديق الضرر والإضرار منها في الجملة، إلا أنّها ليست بصدد تأسيس قاعدةٍ عامّةٍ بمفاد «لا ضرر في الإسلام». كما أنّها ليست في مقام البيان لتعيين حدود الضرر الممنوع، هل هو مطلق الضرر أم خصوص الفاحش والنوعيّ؟ وهل يشمل الضرر التدريجيّ أم الدفعيّ؟ وفي أيّ المجالات يسري؟ وعليه، فإنّ محاولة استنباط قاعدةٍ عامّةٍ مطلقةٍ بمفاد «كلّ ضررٍ منفيٌّ في الشريعة» بالاستناد إلى الآيات القرآنيّة فحسب، تعدّ أمراً عسيراً ومفتقراً إلى الضابطة العلميّة.
ولا يصحّ لنا أن ندّعي ـ ببساطةٍ ـ أنّ «كلّ ضررٍ منفيٌّ في الشريعة ومحرّمٌ شرعاً». إذ قد ورد في الروايات ما ينافي هذا الإطلاق. ففي قضيّة المرأة التي رفعت أمرها إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) شاكيةً من امتناع زوجها عن الإنفاق عليها ـ وهو ممّا يعدّ ضرراً بلا ريب ـ أجابها الإمام (عليه السلام) بقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، وأمرها بالصبر.[16] وهذا التوجيه العلويّ يكشف بوضوح عن عدم المسارعة إلى الحكم بالطلاق أو الفسخ أو الإلزام الفوريّ في كافّة موارد الضرر الزوجيّ. وعليه، لا يمكننا الاستناد إلى قاعدةٍ عامّةٍ بمفاد «نفي الضرر» لإجراء الحكم في جميع الموارد الضرريّة، والحكم ببطلان العقد أو ثبوت حقّ الفسخ أو الطلاق بمجرّد تحقّق عنوان الضرر.
وفي المقابل، نلحظ أنّ الحديث الشريف «لا ضرر ولا ضرار» ـ لا سيّما على فرض ثبوت قيد «في الإسلام» في المتن ـ ينهض بدلالةٍ تأسيسيّةٍ واضحةٍ لإرساء أصلٍ كلّيٍّ في الشريعة. ومفاد هذا الحديث نفيُ كلّ حكمٍ ضرريٍّ وإلغاءُ مشروعيّة كلّ نوعٍ من أنواع الإضرار في المنظومة الإسلاميّة. وهذا الإطلاق المفهوميّ والدلاليّ في الحديث الشريف يمتلك قوّةً وقابليّةً فائقةً لـ «تأسيس القاعدة» تفوق بكثيرٍ دلالة الآيات المتفرّقة. وبعبارةٍ أدقّ، إنّ لسان «لا ضرر» ينطق بوضوح «أنّ الضرر غير مقبولٍ في الإسلام كملاكٍ لجعل الحكم أو بقائه»، إلا ما خرج بدليلٍ مخصّص.
ومن هذا المنطلق، اتّكأ أعلام الفقه والأصول ـ كالشيخ الأنصاري، والآخوند الخراساني، والمحققین النائيني، و العراقي، والإمام الخميني، وسائر الأعاظم (رضوان الله عليهم) ـ في مقام تأسيس القاعدة الكلّيّة، على الحديث النبويّ «لا ضرر ولا ضرار» بالدرجة الأولى، وجعلوا الآيات الكريمة مؤيّداً أو في الرتبة اللاحقة. وهذا الاتّكاء المنهجيّ لا ينمّ عن إعراضٍ عن القرآن الكريم، بل هو منبثقٌ من الدقّة الأصوليّة في تشخيص «مقام البيان» في الأدلّة اللفظيّة.
وتأسيساً على هذا التحليل، تتّضح الإجابة النهائيّة عن شبهة «إعراض فقهاء الإماميّة عن القرآن في تأسيس القاعدة». فلو أنّ الفقهاء (رضوان الله عليهم) قد ظفروا بآيةٍ تنهض بتأسيس قاعدةٍ عامّةٍ صريحةٍ في نفي الضرر، لما تردّدوا لحظةً في اعتمادها كركيزةٍ أساسيّة. بيد أنّهم ـ بعد استظهار سياق الآيات الكريمة ومقام بيانها ـ قد خلصوا إلى أنّ تلك الآيات ناظرةٌ إلى «تشريعاتٍ مورديّة» ضمن أطرٍ محدّدة. وفي المقابل، وجدوا في حديث «لا ضرر ولا ضرار» إطلاقاً وشموليّةً تجعله أهلاً للابتناء عليه كقاعدةٍ كبروىّ، تنفي الحكم الضرريّ وتلغي مشروعيّة الإضرار في الإسلام.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
-------------------
[1]. أنظر: آخوند خراسانی، محمد کاظم، «کفایة الأصول»، ج 3، ص 158.[2]. کلینی، محمد بن یعقوب، «الکافي»، ج 5، ص 229؛ طوسی، محمد بن حسن، «تهذيب الأحكام»، ج 7، ص 174؛ حرّ عاملی، محمد بن حسن، «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، ج 17، ص 341.
[3]. ابنبابویه، محمد بن علی، «المقنع»، ص 537.
[4]. ابنجنید اسکافی، محمد بن احمد، «مجموعة فتاوی إبن الجنید»، با علی پناه اشتهاردی، ص 223.
[5]. أنظر: طوسی، محمد بن حسن، «الخلاف»، ج 3، ص 32.
[6]. أنظر: طوسی، محمد بن حسن، «المبسوط في فقه الإمامية»، ج 2، ص 338.
[7]. ولم أعثر على مثل هذا التعبير أو ما يقاربه في كلماته (قدّس سرّه)، ولا في كلمات أحدٍ من علماء الإماميّة.
[8]. شهید اول، محمد بن مکی، «القواعد و الفوائد في الفقه و الأصول و العربیة»، ج 1، ص 141.
[9]. أنظر: نجفی صاحب الجواهر، محمد حسن، «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، ج 38، ص 50.
[10]. انصاری، مرتضی، «فرائد الأصول»، ج 2، ص 462.
مصطلح «الحكومة» و«الورود» لم يكن رائجاً ومنقّحاً بين القدماء، وإن ظهرت إرهاصاته في كلمات الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه). ثمّ جاء الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ليؤسّسه ويثبّته في علم الأصول. (انظر: مقدّمة باب «التعادل والتراجيح» في «فرائد الأصول»).
[11]. الحج: 78.
[12]. أنظر: حرّ عاملی، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة. أحكام الهبات (ج13، ص339)، و بيع الحيوان (همان، ص49)، و أبواب الشفعة (ج17، ص319)، و أبواب إحياء الموات (همان، ص333 و 341 و 343)، و أبواب موجبات الضمان (ج19، ص179 و 181).
[13]. علامه حلی، حسن بن یوسف، «تذکرة الفقهاء»، ج 11، ص 68.
[14]. سبحانی تبریزی، جعفر، «نیل الوطر من قاعدة لا ضرر»، با سعید سبحانی، ص 7.
[15]. في نظري القاصر فإنّ استظهار هذا المطلب من كلام الشيخ الأنصاري (قدس سره) لا يمكن المساعدة عليه بسهولة.
أنظر: انصاری، فرائد الأصول، ج 1، ص 155-156.
[16]. حرّ عاملی، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج 18، ص 418.
---------------------
المصادر- آخوند خراسانی، محمد کاظم، کفایة الأصول، ۳ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1430.
- ابنبابویه، محمد بن علی، المقنع، قم، پيام امام هادی (عليه السلام)، 1415.
- ابنجنید اسکافی، محمد بن احمد، مجموعة فتاوی إبن الجنید، علی پناه اشتهاردی، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم. مؤسسة النشر الإسلامي، 1416.
- انصاری، مرتضی، فرائد الأصول، ۴ ج، قم، مجمع الفكر الاسلامي، 1428.
- حرّ عاملی، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ۳۰ ج، قم، مؤسسه آل البيت عليهم السلام، 1409.
- سبحانی تبریزی، جعفر، نیل الوطر من قاعدة لا ضرر، سعید سبحانی، قم، مؤسسه امام صادق علیه السلام، 1420.
- شهید اول، محمد بن مکی، القواعد و الفوائد في الفقه و الأصول و العربیة، ۲ ج، قم، مکتبة المفید، بیتا.
- طوسی، محمد بن حسن، المبسوط في فقه الإمامية، ۸ ج، تهران، المكتبة المرتضوية لإحياء الآثار الجعفرية، 1387.
- ———، الخلاف، ۶ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم. مؤسسة النشر الإسلامي، 1407.
- ———، تهذيب الأحكام، 10 ج، تهران، دار الكتب الإسلاميه، 1407.
- علامه حلی، حسن بن یوسف، تذکرة الفقهاء، ۲۲ ج، قم، مؤسسة آل البیت (علیهم السلام) لإحیاء التراث، 1414.
- کلینی، محمد بن یعقوب، الکافي، ۸ ج، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
- نجفی صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ۴۳ ج، بیروت، دار إحياء التراث العربي، 1981.
نظری ثبت نشده است .