درس بعد

قاعدة لاضرر و لاضرار

درس قبل

قاعدة لاضرر و لاضرار

درس بعد

درس قبل

موضوع: قاعدة لاضرر و لا ضرار


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٢/٢


شماره جلسه : ۲

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • المرتكز الفلسفيّ ـ الأصوليّ للمحقّق الأصفهاني في الواجب الكفائيّ

  • تحليل حقيقة البعث والإرادة التشريعيّة

  • حصر الاحتمالات في تعيين المكلَّف الكفائيّ

  • الاحتمال الأوّل: الواحد المعيّن

  • الاحتمال الثاني: الواحد المردَّد (أحد الأفراد)

  • الاحتمال الثالث: «صرف الوجود» بوصفه مكلَّفاً

  • التمييز بين المعنيين الفلسفيّ والأصوليّ

  • الاحتمالات الثلاثة في المعنى الأصوليّ

  • مناقشة المعنى الأوّل: ناقض العدم المطلق

  • مناقشة المعنى الثاني: الوجود المبهم المهمل

  • مناقشة المعنى الثالث: اللابشرط القسميّ

  • الاحتمال الرابع: «المجموع من حيث المجموع»

  • التفريق بين تعلّق الأمر بمجموع الأفعال وبمجموع الأشخاص

  • تحليلُ مثالِ «رفع الحجر الثقيل» ومباينتُه للواجب الكفائيّ

  • تنافر «الأمر المجموعيّ» مع ماهيّة الواجب الكفائيّ

  • المصادر

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

 
مُحصّل البحث المتقدّم

تناولنا في البحث السابـق بالدرس والتحليل العلاقةَ القائمةَ بين مبنى المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) في ضرورة تعيّن المكلَّف، وبين نظريّة «الخطابات القانونيّة» للإمام الخميني (قدّس سرّه). فقد ذهب الأصفهاني، مستنداً إلى التحليل العقليّ لحقيقة الشوق والبعث، إلى استحالة وجود «شوقٍ مطلق»، بل لا بدّ من تعلّقه بفعلٍ متعيّن. وعلى هذا الغرار، رأى امتناع تحقّق البعث من دون تعيين «المبعوث»، مرتّباً على ذلك أنّه لا يصحّ في الواجب الكفائيّ القول بأنّ المولى يطلب ذات الفعل مع الغفلة عن الفاعل، بل يتحتّم توجّه الخطاب إلى فردٍ أو جماعةٍ محدّدة (ولو بنحو صرف الوجود). وبناءً عليه، اعتبر أنّ قوام الواجب الكفائيّ رهنٌ بوجود مكلَّفٍ مشخّصٍ ثبوتاً. وفي المقابل، نوقش هذا الاستدلال بالاستناد إلى الطبيعة الاعتباريّة للأحكام الشرعيّة، وضرورة التفكيك بين وعائي التكوين والتشريع. فبرهان الأصفهاني يبتني على قياس الشوق التشريعيّ بالشوق التكوينيّ، وهو قياسٌ لا ينهض حجّةً في الأمور الاعتباريّة. إذ لا مانع في عالم الاعتبار من تصوير جعل الحكم وإبراز مطلوبيّة الفعل، من دون أن يُلحظ في مقام التشريع مكلَّفٌ خاصٌّ ابتداءً. ومقتضى التحقيق أنّ عمليّة التقنين تجري نوعاً في مستوى «بيان القانون» المجرّد، وأمّا تحديد نسبته إلى الأفراد فهو شأنٌ يتّضح في مرحلة الانطباق والامتثال. وقد استشهدنا بباب الجعالة وببعض الواجبات التوصّليّة (كتطهير الثوب بالكرّ أو تحقّق بعض الكفائيّات بالآلات) كشواهد حيّة على إمكانيّة «اعتبار الفعل من دون لحاظ فاعلٍ متعيّن». وفي ضوء ذلك، تبلور موقع نظريّة «الخطابات القانونيّة» للإمام الخميني، حيث يكون متعلَّق الجعل عند الشارع هو «نفس القانون» لا ذوات الأشخاص، فيكون الخطاب قانونيّاً لا شخصيّاً. نعم، لو خلا الخارج من المكلّفين رأساً، لكان جعل القانون لغواً، بيد أنّ منشأ اللغويّة حينئذٍ هو عدم المحلّ، لا أنّ حقيقة الجعل تتقوّم ذاتاً بلحاظ الفرد المعيّن. وختاماً، اقترحنا ضرورة إعادة قراءة واجب الكفائيّ ومسألة تعيين «المكلّف» (أهو الفرد، أم المجتمع، أم صرف الوجود؟) في ضوء هذه النظريّة، ومحاكمة مبنى الأصفهاني ضمن أطر المنطق الاعتباريّ، بعيداً عن أقيسة التكوين.

المرتكز الفلسفيّ ـ الأصوليّ للمحقّق الأصفهاني في الواجب الكفائيّ

يقوم البنيان التحليليّ للمحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) في باب التكاليف ـ ومنها الواجب الكفائيّ ـ على أصلٍ موضوعيٍّ مفاده أنّ التكليف يتقوّم بالضرورة بأركانٍ ثلاثة: «المكلِّف»، و«المكلَّف به»، و«المكلَّف بالخصوص». وتفريعا على ذلك، يرى امتناع جعل الحكم من دون لحاظ مكلّفٍ متعيّن. وقد أسلفنا المناقشة في أصل هذه الكبرى، وسجّلنا عليها ملاحظتين جوهريّتين، بحيث لو تمّتا، لانتفت الحاجة إلى الخوض في تفاصيل تعيين المكلّف في الواجب الكفائيّ، لإمكان تصوير جعل التكليف ـ في بعض الموارد ـ مع عدم لحاظ مكلّفٍ بالخصوص. بيد أنّنا في هذا المقام، سنجاري المحقّق الأصفهاني ونتابع البحث وفقاً لمبناه الخاصّ وضمن إطار قاعدته المقرّرة.

وعلى ضوء قاعدة «ضرورة المكلَّف بالخصوص»، يطرح السؤال نفسه: من هو مصداق المكلَّف في الواجب الكفائيّ؟ يستقصي المحقّق الأصفهاني الاحتمالات العقليّة المتصوّرة في المقام، ويحصرها في خمسة وجوه. وبعد التمحيص، يُسقط أربعةً منها، ولا يرى صلاحيّة الالتزام إلا بواحد. والملفت أنّ هذا الاحتمال المختار لم يسلم هو الآخر من إشكالٍ أساسيٍّ أورده (قدّس سرّه) على نفسه، ثمّ تصدّى لدفعه، مستدركاً في النهاية بأنّ الجواب المطروح قد لا يحسم الإشكال في جميع الفروض بشكلٍ تامّ. ويشفّ مجموع عباراته عن نوعٍ من التردّد وعدم الاطمئنان الكامل بالوصول إلى حلٍّ نهائيٍّ خالٍ من الشوائب، وإن سعى عبر تعابير من قبيل «لا ينافي» إلى تقديم جمعٍ إجماليٍّ بين مبناه والإشكال العالق.

وقبل استعراض هذه الاحتمالات، يحسن بنا التذكير الموجز بمبناه الفلسفيّ ـ الأصوليّ في حقيقة التكليف والإرادة التشريعيّة؛ إذ عليه يرتكز رفضه القاطع لكون الواجب الكفائيّ طلباً لـ «صرف الفعل» من دون لحاظ الفاعل.

تحليل حقيقة البعث والإرادة التشريعيّة

في سياق بحثه عن الواجب الكفائيّ في «نهاية الدراية»،[1] يؤصّل المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) لحقيقة البعث والإرادة التشريعيّة، مرجعاً إيّاها إلى مقولة الإضافة والنسبة التي تتقوّم بطرفين:

1. المبعوث إليه: وهو الفعل المتعلَّق للأمر (المكلَّف به).

2. المبعوث: وهو المكلَّف الذي يقع موضوعاً للحكم.

وكما يستحيل تصوّر «البعث» مجرّداً عن فعلٍ يُبعث نحوه، فكذلك يستحيل تحقّق بعثٍ متعلّقٍ بفعلٍ ما، مع خلوّه من لحاظ مبعوثٍ ومكلّف. وهذا نظير حقيقة الحركة في العالم التكوينيّ، إذ لا تعقل الحركة من دون «متحرّك»، فلا بدّ في تحليلها من افتراض المحرّك، والمتحرّك، وما فيه الحركة، وما إليه الحركة، جميعاً.

ويسري (قدّس سرّه) بهذا المنطق التكوينيّ إلى ساحة الإرادة التشريعيّة. فالشوق المطلق العاري عن المتعلّق ممتنعٌ عقلاً. فإن تعلّق الشوق بـ «فعل النفس»، كان مبدأً لتحريك العضلات وانتهى إلى الإرادة التكوينيّة. وإن تعلّق بـ «فعل الغير»، كان ذلك الغير هو «المشتاق منه» ومحلّ صدور الفعل لا محالة، بمعنى أنّ المولى يريد صدور ذلك الفعل من ذلك الشخص المعيّن. وتأسيساً على ذلك، سواءٌ صوّرنا التكليف من سنخ البعث أم من سنخ الإرادة التشريعيّة، فإنّه يتقوّم رتبةً بركنين لا غنى عنهما: الفعل المتعلّق للتكليف (المكلَّف به)، والفاعل المخاطَب (المكلَّف).

ومن هذا المنطلق، يرفض المحقّق الأصفهاني النظريّة القائلة بأنّ «الواجب الكفائيّ هو طلب صرف الفعل. فالشارع أراد ذات الفعل، وهذا المقدار كافٍ في اشتغال الذمّة، من دون حاجةٍ إلى لحاظ فاعلٍ معيّنٍ في مقام الجعل». إذ يرى (قدّس سرّه) أنّ هذا التصوير يصادم التحليل المتقدّم. فجعل التكليف على «الفعل الصرف» بمعزلٍ عن صدوره من فاعلٍ (أو سنخٍ معيّن من المكلّفين) ممتنعٌ عقلاً، لانتفاء حقيقة البعث والإرادة التشريعيّة المتقوّمة بالمكلّف في هذا الفرض.

ولا ينجع في حلّ الإشكال القول بأنّ: «لمّا كان الفعل محبوباً للشارع، حكم العقل بوجوب تحصيل مراده على المكلّفين». ذلك أنّ هذا «اللزوم العقليّ لتحصيل الغرض» يؤول في التحليل الدقيق إلى تكليفٍ متعلّقٍ بمكلّفٍ ما، وإلا بقي الأمر مجرّد محبوبيّةٍ للفعل وشوقٍ عارٍ عن البعث الإلزاميّ. وعليه، لا مناص في الواجب الكفائيّ ـ كسائر الواجبات ـ من تعيين «موضوع التكليف» (المكلَّف) ولحاظه بدقّةٍ في مقام الجعل. وإنّما الكلام في كيفيّة تصوير هذا المكلَّف بالخصوص في الواجب الكفائيّ.

حصر الاحتمالات في تعيين المكلَّف الكفائيّ

تفريعا على كبرى «ضرورة المكلَّف بالخصوص»، عمد المحقّق الأصفهاني إلى استقصاء الاحتمالات العقليّة المتصوّرة لتعيين المكلَّف في الواجب الكفائيّ، وحصرها في خمس صورٍ لا سادس لها في عالم الإمكان الثبوتيّ. وقد أبطل أربعةً منها، وحصر القول في واحدٍ فقط، رغم ما يشوبه من إشكالٍ سيأتي بيانه. وفيما يلي، نستعرض بالتفصيل الاحتمالين الأوّلين المرتبطين بـ «الواحد المعيّن» و«الواحد المردّد».

الاحتمال الأوّل: الواحد المعيّن

وحاصله أن يكون المكلَّف في الواجب الكفائيّ فرداً واحداً متعيّناً في الواقع (كزيدٍ مثلاً)، وإن كان مجهولاً عندنا إثباتاً. وقد أسقط المحقّق الأصفهاني هذا الفرض من حساباته ابتداءً، مقرّراً أنّه «مفروض العدم هنا». وبيان ذلك أنّ البحث في الواجب الكفائيّ ينطلق أساساً من فرضيّة عدم تعيين مكلّفٍ بالخصوص في مقام الجعل. فلو كان بناء المولى على توجيه الخطاب إلى شخصٍ بعينه، لخرج الواجب عن سنخ الكفائيّ واندرج في عداد الواجبات العينيّة الخاصّة، وإن خفي المكلَّف على الآخرين. وعليه، فإنّ احتمال «الواحد المعيّن» أجنبيٌّ عن حقيقة الواجب الكفائيّ وخارجٌ عن محلّ النزاع.

الاحتمال الثاني: الواحد المردَّد (أحد الأفراد)

وحاصله أن يكون المكلَّف هو «الواحد المردَّد» أو «أحد هؤلاء» على نحو الإبهام والترديد، لا زيدٌ بخصوصه ولا عمرو، بل فردٌ مبهمٌ سارٍ بين الجمع. وقد استند المحقّق الأصفهاني في إبطال هذا الاحتمال إلى ما حقّقه سابقاً في بحث «الفرد المردَّد»، حيث قال:

وأمّا الواحد المردَّد، فقد عرفت سابقاً[2] استحالته من حيث نفسه؛ حيث لا ثبوت له ماهيّةً وهويّةً ذاتاً وحقيقةً. ومن حيث لازمه؛ حيث إنّ المردَّد لا يتّحد مع المعيّن، وإلاّ لزم إمّا تعيّن المردَّد، أو تردّد المعيّن، وكلاهما خلف.

ويمكن تحليل برهانه على الاستحالة في بُعدين:

١. الاستحالة الذاتيّة: إنّ المفهوم المردَّد بما هو مردَّد ـ الفاقد للماهيّة المتعيّنة والهويّة الشخصيّة المشخّصة ـ لا موطن له في عالم الثبوت والوجود الخارجيّ؛ إذ لا يصدق عليه وجودٌ ولا تنطبق عليه ماهيّةٌ بالفعل. وما لا ثبوت له واقعاً، يستحيل أن يقع موضوعاً للتكليف ومصبّاً للخطاب.

٢. الاستحالة باللوازم: لو افترضنا اتّحاد هذا «الفرد المردَّد» مع فردٍ معيّنٍ في الخارج (كزيد)، للزم أحد المحذورين: إمّا صيرورة المردَّد متعيّناً، فينتفي الترديد من أساسه. وإمّا صيرورة المعيّن (زيد) متّصفاً بالترديد، فينتفي تعيّنه. وكلا اللازمين خلفٌ ومحال.

وبهذا البيان، يغلق المحقّق الأصفهاني الباب أمام فرضيّة «الواحد المردَّد»، مقرّراً أنّه لا يملك أيّ نحوٍ من الثبوت الحقيقيّ والمعقول الذي يؤهّله لشغل الذمّة وحمل التكليف. وعليه، فإنّ الالتزام بتعلّق الوجوب الكفائيّ بـ «أحد الأفراد» على نحو الترديد باطلٌ ثبوتاً.

نعم، قد يتسنّى في مقام التحقيق المستقلّ لمسألة «الفرد المردَّد» ـ كما أشرنا سابقاً ـ اختيارُ مسلكٍ آخر، وتصويرُ نحوٍ من الوجود الاعتباريّ للفرد المردَّد في وعاء الاعتبار. بيد أنّنا في هذا الموضع، وجرياً على مبنى المحقّق الأصفهاني والتزاماً بقواعده، نرتّب النتيجة وفقه، ونحكم ببطلان احتمال «الواحد المردَّد» في تعيين المكلَّف بالواجب الكفائيّ.

الاحتمال الثالث: «صرف الوجود» بوصفه مكلَّفاً

والاحتمال الثالث في هذا المضمار أن يكون متعلَّق التكليف في الواجب الكفائيّ هو «صرف وجود المكلَّف»، أي الطبيعة المرسلة من عنوان المكلّفين، لا الفرد المتعيّن ولا المجموع بما هو مجموع. وهذا التقريب هو الذي يلوح من بعض كلمات الميرزا النائيني (قدّس سرّه).[3] بيد أنّ المحقّق الأصفهاني يتصدّى لإبطال هذا الاحتمال عبر تفكيكٍ دقيقٍ لمفهوم «صرف الوجود» بين المعنى الفلسفيّ والمعنى الأصوليّ، ثمّ يناقش المعاني الأصوليّة المحتملة ويردّها.
التمييز بين المعنيين الفلسفيّ والأصوليّ

يشرع (قدّس سرّه) في بيان المراد بقوله:

وأمّا صرف الوجود: فتوضيح الحال أنّ صرف الوجود ـ بمعناه المصطلح عليه في المعقول[4] ـ لا مطابق له إلاّ الواجب ـ تعالى ـ وفعله الإطلاقيّ؛ حيث إنّه لا حدّ عدميَّ لهما، وإن كان الثاني محدوداً بحدّ الإمكان.

ففي الاصطلاح الفلسفيّ الدقيق، يُطلق «صرف الوجود» على الوجود العاري عن كلّ حدٍّ عدميّ، والمنسلخ عن كافّة القيود الماهويّة. وهذا المعنى السامي لا ينطبق حقيقةً إلا على موردين: ١- الذات الواجبة (سبحانه وتعالى)؛ ٢- الفعل الإطلاقيّ للواجب (الوجود المنبسط)، الذي لا يحدّه قيدٌ عدميّ، وإن كان محدوداً بحدّ الإمكان في مرتبة ذاته. ومن البديهيّ أنّ هذا المعنى الفلسفيّ العالي أجنبيٌّ عن سياق الواجب الكفائيّ والبحث عن تكليف المكلّفين. وعليه، ينتقل المحقّق الأصفهاني إلى البحث في المعنى المصطلح عليه في علم الأصول.

الاحتمالات الثلاثة في المعنى الأصوليّ

يحدّد المحقّق الأصفهاني ثلاثة استعمالاتٍ اصطلاحيّةٍ لـ «صرف الوجود» في علم الأصول، كما يلي:

وبمعناه المصطلح عليه في الأصول: إمّا أن يراد منه ناقض العدم المطلق وناقض العدم الكلّي، كما في لسان بعض أجلّة العصر.[5] وإمّا أن يراد المبهم المهمل من حيث الخصوصيّات. وإمّا أن يراد منه اللابشرط القسميّ المساوق لكونه متعيّناً بالتعيّن الإطلاقيّ اللازم منه انطباقه على كلّ فرد.

فالاحتمالات الأصوليّة تنحصر في:

1. ما ينقض العدم المطلق والكلّي.

2. الوجود المبهم المهمل من جهة الخصوصيّات الفرديّة.

3. الطبيعة الملحوظة بنحو «اللابشرط القسميّ»، التي تساوق التعيّن الإطلاقيّ والسريان في كافّة الأفراد.

وفي سياق تحليله، يبادر (قدّس سرّه) إلى نقد المعنيين الأوّلين صراحةً، كما يرفض تطبيق العنوان على «أوّل من قام بالفعل». وفي تتمّة بحثه، ينتهي إلى إبطال المعنى الثالث أيضاً في المقام.

مناقشة المعنى الأوّل: ناقض العدم المطلق

أمّا التفسير الأوّل ـ الذي يرى أنّ «صرف الوجود» هو الوجود الناقض للعدم المطلق والكلّي، كما ذهب إليه بعض المتأخّرين كالمحقّق النائيني ـ فقد ناقشه الأصفهاني بقوله:

فإن أُريد منه ناقض العدم المطلق والعدم الكلّي، ففيه: أنّ كلّ وجودٍ ناقضُ عدمه البديل له، وليس شيءٌ من موجودات العالم ناقضَ كلّ عدمٍ يُفرض في طبيعته المضاف إليها الوجود.

ومفاد نقده أنّ الوجود الخارجيّ الجزئيّ لا يقوى إلا على رفع «العدم البديل له»، أي العدم الخاصّ بحصّته، ولا يملك القدرة على رفع تمام الأعدام الممكنة المفروضة لتلك الطبيعة. فلا يوجد فردٌ في العالم يصحّ وصفه بأنّه «ناقضٌ لكلّ عدمٍ» يتعلّق بالطبيعة. نعم، حاول البعض توجيه هذا المعنى بحمله على «أوّل الوجودات»، بدعوى أنّ الطبيعة ما لم يتحقّق منها فردٌ ما، فهي محكومةٌ بالعدم الأزليّ المستمرّ، وبمجرّد تحقّق الفرد الأوّل، ينتقض ذلك العدم الأزليّ للطبيعة.

النقد الأوّل: قصور «أوّل الوجود» عن عنوان «الصرافة»

ويسجّل المحقّق الأصفهاني ملاحظتين على هذا التوجيه. أمّا الملاحظة الأولى، فمفادها أنّ الفرد الأوّل، وإن كان ناقضاً للعدم الأزليّ المطلق (بمعنى أنّ عدمه يلازم بقاء سائر الأعدام)، إلا أنّه لا يستحقّ وصف «صرف الوجود»، لكونه مقيّداً بخصوصيّة «الأوّليّة». حيث يقول (قدّس سرّه):

وإرجاعه إلى أوّل الوجودات باعتبار أنّ عدمه يلازم بقاء سائر الأعدام على حاله، فوجوده ناقضٌ للعدم الأزلي المطلق، لا كلّ عدم، فهو لا يستحقّ إطلاق الصّرف عليه؛ فإنّه وجودٌ خاصٌّ من الطبيعة بخصوصيّة الأوّليّة.

فبما أنّه وجودٌ مشوبٌ بالقيد والتعيّن، فهو أجنبيٌّ عن معنى «الصرافة» التي تقتضي الانسلاخ عن القيود.

النقد الثاني: عدم ملاءمة التفسير لمقام البحث

والملاحظة الثانية أنّ هذا التفسير لا ينسجم مع طبيعة البحث في الواجب الكفائيّ. يقول (قدّس سرّه):

مع أنّه غير لائقٍ بالمقام؛ فإنّه من المعقول إرادة أوّل وجودٍ من الفعل، ولا تصحّ إرادته من أوّل وجودٍ من عنوان المكلّف؛ فإنّ مقتضاه انطباقه على أسنّ المكلّفين.

وبيان ذلك أنّه إذا أمكن ـ جدلاً ـ تصوير تعلّق الغرض بـ «أوّل وجودٍ للفعل» في ناحية المكلَّف به، فإنّه لا يعقل في ناحية «المكلَّف» أن يكون المراد بـ «صرف وجود المكلّف» هو «أوّل فردٍ يتحقّق منه الوجود»؛ إذ لازم ذلك انحصار التكليف في «أسنّ المكلّفين» (أي الأقدم وجوداً)، وهو تخصيصٌ بلا مخصّص ومنافٍ لمرتكزات الواجب الكفائيّ. وعليه، فإنّ تفسير «ناقض العدم المطلق» بـ «أوّل الوجودات» مردودٌ لسببين: قصوره المفهوميّ عن معنى الصرافة، ومباينته لواقع المسألة المبحوثة.

مناقشة تطبيق «صرف الوجود» على «أوّل مَن قام بالفعل»

وثمّة فرعٌ آخر لهذا التفسير، يذهب إلى أنّ المقصود بـ «صرف وجود المكلّف» في الواجب الكفائيّ هو «أوّل مَن يبادر إلى إتيان الفعل» في الخارج. بيد أنّ المحقّق الأصفهاني يرفض هذا التطبيق أيضاً، مستنداً إلى قاعدةٍ أصوليّةٍ راسخةٍ في باب التكاليف، وهي أنّ «الموضوع يجب أن يكون مفروض الوجود»، ولا يُعقل أن يكون تحصيله مطلوباً بالأمر نفسه. حيث يقول (قدّس سرّه):

كما لا يصحّ إرجاعه إلى أوّل من قام بالفعل؛ فإنّ موضوع التكليف لا بدّ من أن يكون مفروض الثبوت ولا يُطلب تحصيله، فمقتضاه فرض حصول الفعل لا طلب تحصيله.

ومفاد الإشكال أنّ أخذ قيد «القيام بالفعل» في موضوع التكليف، يستلزم أن يكون تحقّق الفعل مفروغاً عنه في رتبةٍ سابقةٍ على الأمر، والحال أنّ الأمر إنّما سيق لطلب إيجاد الفعل، لا لطلب تحقّق موضوعه. فجعل المكلَّف هو «القائم بالفعل» يؤول إلى تحصيل الحاصل أو الخلف.

تفصيلُ إشكالِ «مفروضِ الوجود»: وإيضاحاً لجوهر الإشكال، من المقرّر أنّ رتبة موضوع الحكم (وهو المكلَّف ههنا) متقدّمةٌ على رتبة الحكم، ويجب أن يلحظه المولى في مقام الجعل «مفروضَ الوجود»، ليرتّب الحكم عليه. ولا يصحّ إناطة تحقّق الموضوع بالفعل الاختياريّ المترتّب على نفس التكليف. فلو قلنا: «إنّ المكلَّف بالواجب الكفائيّ هو خصوص مَن يبادر أوّلاً إلى الفعل»، لكان مآل ذلك إلى أنّه قبل صدور الفعل، لا وجود للمكلَّف ولا تعيّن للمخاطَب. وإنّما يتخلّق الموضوع ويُعرف ببركة الامتثال نفسه. وهذا يعني قلب المعادلة. فيصبح الموضوع (المكلّف) مطلوبَ التحصيل، والحال أنّ شأن الموضوع أن يكون مفروضَ التحقّق، لا مطلوبَ الإيجاد.

الخلط بين «موضوع الحكم» و«مطلوب الحكم»: وتفريعا على ما سلف، فإنّ الالتزام بهذا التفسير يقتضي إدخال نفس الفعل المأمور به في قوام موضوع الحكم، بحيث لا يتحقّق الموضوع إلا بعد تحقّق الامتثال خارجاً. وهذا ينافي حقيقة الجعل التكليفيّ المتقوّم بـ «طلب إيجاد الفعل من مكلّفٍ موجود». إذ لو كان الفعل دخيلاً في الموضوع، لوجب فرضه متحقّقاً قبل توجّه الطلب، وحينئذٍ يكون طلبه تحصيلاً للحاصل ولغواً.

النتيجة النهائيّة: وعلى ضوء ذلك، يحكم المحقّق الأصفهاني بفساد إرجاع «صرف الوجود» إلى «أوّل مَن قام بالفعل»، لاستلزامه جعل حكمٍ يظلّ موضوعه مجهولاً ومعدوماً إلى حين الامتثال، وهو ما يباين ماهيّة التكليف والبعث الاعتباريّ.

مناقشة المعنى الثاني: الوجود المبهم المهمل

وأمّا التفسير الثاني، فيحمل «صرف الوجود» على «الوجود المبهم المهمل من جهة الخصوصيّات»، أي أنّ المكلَّف في مقام الجعل قد لوحظ على نحو الإبهام المحض، متجرّداً عن كافّة المشخّصات الفرديّة والزمانيّة والمكانيّة. بيد أنّ المحقّق الأصفهاني يبطل هذا الاحتمال استناداً إلى قاعدةٍ فلسفيّةٍ راسخةٍ، وهي استحالة الإهمال في عالم الواقع ونفس الأمر. يقول (قدّس سرّه):

وإن أُريد المبهم المهمل، فلا إهمال في الواقعيّات، وقد مرّ وجهه مراراً.

وبيانه أنّ كلّ ما يتحقّق في الخارج، فهو بالضرورة متعيّنٌ بحدوده وخصوصيّاته، فإمّا هو هذا الفرد، وإمّا هو ذاك. ولا موطن لـ «الوجود المبهم المهمل» في عالم الأعيان، وإنّما يطرأ الإبهام والإهمال في عالم المفاهيم الذهنيّة أو دلالات الألفاظ. ولمّا كان الجعل الشرعيّ أمراً واقعيّاً في وعاء الاعتبار، استحال أن يتعلّق بموضوعٍ مبهمٍ في نفس الأمر. وعليه، لا يصحّ القول بأنّ «الشارع قد جعل الوجوب الكفائيّ في ذمّة مكلّفٍ مهملٍ واقعاً»؛ إذ لا وجود لمثل هذا المكلّف خارجاً كي يتسنّى له حمل عبء التكليف واشغال الذمّة به.

مناقشة المعنى الثالث: اللابشرط القسميّ

وأمّا الاحتمال الثالث، فهو حمل «صرف الوجود» على «اللابشرط القِسميّ». ويعرّفه (قدّس سرّه) بأنّه الماهيّة الملحوظة بنحوٍ يساوق تعيّنها بالتعيّن الإطلاقيّ، ممّا يستلزم سريانها وانطباقها على كافّة الأفراد. وقد فصّل المحقّق الأصفهاني القول في تحليل هذا المعنى ونقده في «نهاية الدراية»، حيث قال:

وإن أُريد اللابشرط القسميّ ـ وهي الماهيّة الملحوظة بحيث لا تكون مقترنةً بخصوصيّةٍ ولا مقترنةً بعدمها، ومع لحاظ المكلَّف بهذا الاعتبار الإطلاقيّ، فيستحيل شخصيّة الحكم والبعث؛ إذ لا يعقل شخصيّة الحكم ونوعيّة الموضوع وسعته ـ فلا بدّ من انحلال الحكم حسب انطباقات الموضوع المطلق على مطابقاته ومصاديقه، فيتوجّه ـ حينئذٍ ـ السؤال عن كيفيّة هذا الوجوب الوسيع على الجميع مع سقوطه بفعل البعض، وسيأتي ـ إن شاء اللّه تعالى ـ توضيح الجواب عنه.[6]

تحليل المفهوم والتطبيق: إنّ «اللابشرط القسميّ» في المصطلح المنطقيّ والفلسفيّ يعني لحاظ الماهيّة مجرّدةً عن كافّة القيود الإثباتيّة والسلبيّة. فلا هي مشروطةٌ بوجود قيدٍ، ولا مشروطةٌ بعدمه، بل ملحوظةٌ على نحو الإطلاق. وعند تطبيق هذا المفهوم على ركن «المكلَّف»، تكون النتيجة أنّ المولى قد جعل موضوع حكمه «طبيعة المكلَّف بما هي» مطلقةً من كلّ قيدٍ شخصيٍّ أو زمانيٍّ أو مكانيّ. وهذا يعني أنّ موضوع التكليف صار عنواناً نوعيّاً كلّيّاً ذا سعةٍ وانطباقٍ على أفرادٍ كثيرين. فكلّ فردٍ من المكلّفين هو مصداقٌ لهذا الموضوع الكلّيّ.

استحالة الجمع بين شخصيّة الحكم وسعة الموضوع: وهنا يثير المحقّق الأصفهاني إشكالاً عقليّاً دقيقاً، مفاده أنّ لحاظ المكلّف بهذا الاعتبار الإطلاقيّ النوعيّ يتنافى مع «شخصيّة الحكم والبعث». فالفرض في الواجب الكفائيّ هو وحدة الوجوب والبعث، إذ ليس لدينا في مقام الجعل إلا حكمٌ واحدٌ متعيّن. ومن جهةٍ أخرى، إذا كان موضوع هذا الحكم هو الطبيعة المطلقة (اللابشرط القسميّ)، فهو عنوانٌ نوعيٌّ واسعٌ ينطبق على ما لا يُحصى من الأفراد. والجمع بين «وحدة الحكم وشخصيّته» وبين «نوعيّة الموضوع وسعته» ممتنعٌ عقلاً. وبيان ذلك أنّ الحكم يتقوّم بجعل الداعي في نفس المكلّف. فإذا كان الحكم واحداً شخصيّاً، وجب أن تتوجّه داعويّته نحو مكلّفٍ خاصّ. أمّا أن ينهض بعثٌ شخصيٌّ واحدٌ بإيجاد الداعي دفعةً واحدةً في نفوس آلاف المكلّفين المستقلّين، فهو أمرٌ غير معقول، إلا إذا التزمنا بانحلال الحكم وتعدّده.

ضرورة الانحلال: ومن هنا يرتّب (قدّس سرّه) النتيجة القائلة بأنّ جعل الموضوع هو الطبيعة المطلقة للمكلّف (اللابشرط القسميّ) يستلزم بالضرورة «انحلال الحكم» ظاهراً بحسب انطباقات الموضوع على أفراده ومصاديقه. فيؤول الأمر في التحليل إلى تعدّد الحكم في مقام الداعويّة والتأثير بعدد الأفراد.

وخلاصة الاستدلال أنّ حمل «صرف الوجود» على اللابشرط القسميّ وجعله موضوعاً للتكليف يضعنا أمام خيارين أحلاهما مرّ: إمّا أن نصرّ على وحدة الحكم وشخصيّته، وهو ما برهنّا على استحالته مع سعة الموضوع ونوعيّته. وإمّا أن نلتزم بانحلال الحكم الواحد في مقام الانطباق إلى أحكامٍ متعدّدةٍ بتعدّد أفراد المكلّفين. وفي هذا الشقّ الثاني، تنتفي حقيقة الحكم البسيط الواحد، ونواجه الإشكال الجوهريّ في الواجب الكفائيّ وجهاً لوجه. فكيف يمكن تبرير وجوبٍ منحلٍّ و«واسعٍ على الجميع» ـ يقتضي عقلاً ثبوته في ذمّة كلّ فرد ـ مع الالتزام بخصيصة الواجب الكفائيّ القاضية بـ «سقوطه عن الجميع بفعل البعض»؟! وهذا التساؤل الملحّ هو الذي وعد المحقّق الأصفهاني ببيان جوابه وتوضيحه في مطاوي بحثه لاحقاً.

حصيلة الموقف من «صرف الوجود»

ومحصّل البحث أنّ تفسير «صرف وجود المكلَّف» بـ «اللابشرط القسميّ» واعتبار الطبيعة المطلقة المنطبقة على الكثيرين موضوعاً للواجب الكفائيّ، يوقعنا في محذور استحالة تعلّق الحكم الشخصيّ الواحد بموضوعٍ كلّيٍّ سارٍ. وهذا يضطرّنا إلى القول بـ «انحلال الحكم» وتعدّده بتعدّد الأفراد. وبمجرّد المصير إلى الانحلال، تعود المعضلة الأساسيّة للواجب الكفائيّ لتطلّ برأسها من جديد. كيف يسقط التكليفُ الثابتُ في ذمّة الجميع (بمقتضى الانحلال) بمجرّد قيام البعض بالفعل؟

وعليه، فإنّ اللجوء إلى تفسير «صرف الوجود» باللابشرط القسميّ كمخرجٍ من المأزق التحليليّ للواجب الكفائيّ، لم يجدِ نفعاً، إذ انتهى بنا المطاف إلى نفس الإشكال القديم في كيفيّة السقوط. ومن هنا، يتحتّم البحث عن الحلّ في مبنىً آخر، وهو ما سيتكفّل المحقّق الأصفهاني ببيانه في تتمّة كلامه.

الاحتمال الرابع: «المجموع من حيث المجموع»

وأمّا الاحتمال الرابع في تعيين المكلَّف، فهو القول بأنّ الخطاب في الواجب الكفائيّ يتوجّه إلى «مجموع المكلّفين من حيث المجموع»، بمعنى أنّ الهيئة الاجتماعيّة للمكلّفين، بما هي وحدةٌ اعتباريّةٌ مؤتلفة، هي التي تقع موضوعاً للحكم ومصبّاً للوجوب. وقد تصدّى المحقّق الأصفهاني (أعلى الله مقامه) في «نهاية الدراية» لمناقشة هذا الاحتمال وإبطاله، مميّزاً في ثنايا بحثه بدقّةٍ بين «مجموع الأفعال» و«مجموع الأشخاص».

التفريق بين تعلّق الأمر بمجموع الأفعال وبمجموع الأشخاص

يشرع (قدّس سرّه) في بيانه بقوله:

وأمّا المجموع من حيث المجموع، فنقول: تعلّق الأمر الواحد الشخصيّ بمجموع أفعالٍ بحيث يترتّب الغرض على مجموعها ـ وعدم ترتّبه رأساً بفقد بعضها ـ أمرٌ معقول. وأمّا تعلّق الحكم بمجموع أشخاص ـ مع أنّه لجعل الداعي ـ فهو غير معقول؛ إذ ليس مجموع الأشخاص شخصاً ينقدح الداعي في نفسه، بل لا بدّ من انقداح الداعي في نفس كلّ واحد، وهو مع شخصيّة البعث محال، فلا بدّ من تعدّده، فيؤول الأمر إلى تعلّق أفرادٍ من طبيعيّ البعث بأفرادٍ من عنوان المكلّف.

ومفاد كلامه أنّ تعلّق الأمر الواحد بمجموع أفعالٍ مترابطة (كأجزاء الصلاة) بحيث يتوقّف حصول الغرض على تمامها وينتفي بانتفاء بعضها، هو أمرٌ معقولٌ ومتداول. ولكنّ الأمر يختلف جذريّاً عند تعلّق الحكم بـ «مجموع الأشخاص». فإنّ الغاية من الحكم هي «جعل الداعي» في نفس المكلّف. ولمّا كان «المجموع» هيئةً اعتباريّةً لا تملك نفساً خارجيّةً واحدةً ينقدح فيها الداعي، بل انقداحه لا يكون إلا في نفس كلّ فردٍ على حدة. فإنّ ذلك يستحيل مع فرض «وحدة البعث وشخصيّته»؛ إذ لا يمكن لبعثٍ شخصيٍّ واحدٍ أن يحرّك نفوساً متعدّدةً مستقلّةً في آنٍ واحد. وعليه، لا مناص من الالتزام بتعدّد البعث وانحلاله إلى أوامر متكثّرةٍ بتعدّد أفراد المكلّفين. وهذا يعني في التحليل النهائيّ خروج الفرض عن كونه تكليفاً للمجموع بما هو مجموع، ورجوعه إلى تكليف الأفراد استغراقاً.

النتيجة أنّ القول بأنّ المكلَّف هو «المجموع من حيث المجموع» يستلزم أحد أمرين: إمّا افتراض انقداح الداعي في نفسٍ موهومةٍ للمجموع (وهو محال)، وإمّا الاعتراف بانحلال الأمر إلى أوامر متعدّدة (وهو خلاف الفرض ومصادرةٌ لعنوان المجموع).

تحليلُ مثالِ «رفع الحجر الثقيل» ومباينتُه للواجب الكفائيّ

وتأكيداً لمرامه، يضرب المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) المثال المعروف بـ «رفع الحجر الثقيل»، قائلاً:

وأمّا أمر مجموع أشخاصٍ برفع الحجر الواحد الذي لا يرفعه إلاّ مجموع العشرة ـ مثلاً ـ فمرجعه إلى أمر كلّ واحدٍ بإعمال قدرته في ما له المدخليّة في رفع الحجر بشرط الانضمام؛ حيث إنّ أثر قدرة كلّ واحدٍ لا يتبيّن إلاّ بالانضمام.

بيان ذلك أنّه لو أمر المولى عشرة أشخاصٍ برفع صخرةٍ يعجز كلّ فردٍ عن رفعها منفرداً، فقد يتوهّم الناظر أنّ الأمر هنا متوجّهٌ إلى «مجموع الأشخاص» كهيئةٍ واحدة. بيد أنّ التحليل الدقيق يكشف عن خلاف ذلك. فحقيقة الأمر ترجع إلى تكليف كلّ فردٍ منهم بـ «إعمال قدرته الخاصّة» بالمقدار الدخيل في رفع الحجر، ولكن بنحوٍ مشروطٍ بانضمام قوى الآخرين؛ إذ لا يظهر أثر القدرة الفرديّة إلا في ظرف الاجتماع. وعليه، فإنّ المآل الثبوتيّ للتكليف في هذا المثال هو تعدّد الأوامر بتعدّد الأفراد (مع قيد الانضمام)، لا توجّه خطابٍ واحدٍ إلى «المجموع بما هو مجموع».

تنافر «الأمر المجموعيّ» مع ماهيّة الواجب الكفائيّ

ثمّ يعقّب (قدّس سرّه) ببيان الفارق الجوهريّ بين هذا النمط من الأمر وبين الواجب الكفائيّ، قائلاً:

مع أنّ الواجب الكفائيّ يحصل بفعل البعض، ويسقط عن الباقين؛ فلا معنى لأمر المجموع الذي لازمه عدم حصول الامتثال بترك البعض.

ومفاده أنّ قوام الواجب الكفائيّ بحصول الغرض بفعل البعض وسقوط التكليف عن الباقين. ولو بنينا على تعلّق الوجوب بـ «مجموع المكلّفين»، لكان مقتضاه العقليّ توقّف الامتثال على مشاركة الجميع، بحيث يوجب تخلّف البعض عدمَ تحقّق الامتثال وفواتَ الغرض. وهذا اللازم يناقض بوضوحٍ حقيقة الواجب الكفائيّ.

ففي مثال رفع الصخرة، لو تخلّف بعض العشرة، انتفى الامتثال، لتعليق الغرض على مجموع القوى. أمّا في الواجبات الكفائيّة (كدفن الميّت والصلاة عليه)، فمن المسلّمات شرعاً وعرفاً أنّ مبادرة البعض كافيةٌ في تحصيل الغرض وإسقاط التكليف عن الباقين. وعليه، يمتنع قياس الواجب الكفائيّ على الأوامر المجموعيّة.

خلاصة الرأي في الاحتمال الرابع

والمتحصّل من تحليل المحقّق الأصفهاني أنّ تعلّق الأمر الواحد بمجموع أفعالٍ مترابطة أمرٌ ممكنٌ في حدّ ذاته. أمّا تعلّق الحكم بـ «مجموع الأشخاص من حيث المجموع»، فهو أوّلاً: ممتنعٌ ثبوتاً، لمنافاته لحقيقة جعل الداعي المتقوّم بانقداحه في النفوس المتعدّدة. وثانياً: منافٍ لخصيصة الواجب الكفائيّ (الاكتفاء بفعل البعض)، لاستلزامه مشاركة الجميع في الامتثال. وبذلك، يسقط هذا الاحتمال أيضاً من دائرة الاعتبار.

التمهيد للمختار: ضرورة الانحلال

وبسقوط الاحتمال الرابع (المجموع من حيث المجموع)، ينسدّ هذا الباب أيضاً في وجه تفسير الواجب الكفائيّ. ولم يبقَ أمام المحقّق الأصفهاني إلا المصير إلى مسلكٍ آخر يبتني على «انحلال الحكم الواحد ظاهراً إلى أحكامٍ متعدّدةٍ واقعاً بعدد المكلّفين». وهو المسلك الذي سيعكف (قدّس سرّه) في المراحل القادمة من بحثه على تقريره كالصورة المعقولة الوحيدة للواجب الكفائيّ، متصدّياً في ضوئه لمعالجة الإشكال العويص المتمثّل في «سقوط التكليف عن الجميع بفعل البعض».

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

----------------------
[1]- ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 277-280، پانویس 2.

[2]- و ذلك في آخر التعليقة: 59 و 139.

[3]- ‏نائینی، محمدحسین، «أجود التقریرات»، با ابوالقاسم خویی، ج 1، ص 187.

[4]- كما في الشواهد الربوبية - المشهد الأوّل: فيما يفتقر إليه في جميع العلوم من المعاني العامّة: 7.

[5]- هو الميرزا النائيني (قده) كما في فوائد الاصول - مؤسسة النشر الإسلامي - 313:1 عند قوله: (و حاصل ما يمكن....)، و في المقصد الثاني في النواهي: 395 عند قوله: (و مقتضى مقابلة النهي للأمر...)، و كذا في أجود التقريرات 187:1 /المبحث السادس في الوجوب الكفائي.

[6]- و ذلك في نفس هذه الحاشية.

----------------------
المصادر
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- نائینی، محمدحسین، أجود التقریرات، ابوالقاسم خویی، ۲ ج، قم، مطبعة العرفان، 1352.

الملصقات :

صرف الوجود الفرد المردّد الواجب العيني الواجب الكفائي البعث الشوق انحلال الحكم المكلَّف الإرادة التشريعيّة المكلَّف به المحقّق الأصفهاني أوّل الوجود اللابشرط القسميّ المجموع من حيث المجموع

نظری ثبت نشده است .