موضوع: قاعدة لاضرر و لا ضرار
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٢/٧
شماره جلسه : ۷
خلاصة الدرس
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
٩. روايات الزكاة: التزاحم بين حقّ الله وحقّ الورثة
-
رواية عليّ بن يقطين
-
رواية «الدعائم»: عدم نفوذ الوصيّة الإضراريّة
-
تنبيه أصوليّ: بين الإرشادية والمولويّة في نهي الإضرار
-
معيارُ الاعتبار: العرضُ على الكتاب
-
١٠. سقوط حرمة الكحل في الإحرام للضرر
-
١١. التظليل في الإحرام: رفع التكليف وبقاء الوضع
-
١٢. منع الإضرار بالحيوان: رواية البَدَنة
-
المصادر
الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
تناولنا في البحث السابـق بالدراسة والتحليل روايةَ «كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار» ـ المعروف بالعهد النبويّ ـ بوصفه وثيقةً محوريّةً في الفقه الاجتماعيّ والحكوميّ لمنع الإضرار، وإن خلا نصّه من عبارة «لا ضرر ولا ضرار» الصريحة. وقد روى هذا الخبر الشيخان، الكلينيّ في «الكافي» والطوسيّ في «التهذيب». ومن حيث السند، فرجاله ثقاتٌ، باستثناء طلحة بن زيد الذي وُصف بأنّه عامّيٌّ بتريّ، بيد أنّ النصّ على اعتماد كتابه واستناد الفقهاء إلى مرويّاته يرفع الرواية ـ على أقلّ تقدير ـ إلى مستوى الصلاحيّة للتأييد والاستظهار.
وتمثّل هذه الوثيقة الميثاقَ الدستوريّ الذي أرساه النبيّ (صلى الله عليه وآله) في المدينة، متضمّناً أصولاً تأسيسيّة، كوحدة الأمّة الإسلاميّة، وتنظيم العلاقات القبليّة، وتحديد وضعيّة اليهود، وحصر المرجعيّة القضائيّة والسياسيّة في الله ورسوله. وقد تركّز البحث حول الفقرات المرتبطة بمنع الضرر، وهي: ١- التناوب العادل في الجهاد: «يُعَقِّبُ بَعْضُهَا بَعْضاً بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ»، وهو قيدٌ مانعٌ من الإضرار الاجتماعيّ عبر تحميل فئةٍ واحدةٍ أعباء الحرب. ٢- اشتراط الإذن في الحرب: «لَا يَجُوزُ حَرْبٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا»، والذي استُفيد منه اشتراط إذن الإمام في الجهاد الابتدائيّ، تقييداً لقرار الحرب بالمصلحة العامّة ومنعاً للفوضى والضرر. ٣- حرمة الجار: «إِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٍ...». وقد رجّحنا حمل «الجار» على معناه العرفيّ، فدّل إطلاق «غير مضارّ» على حرمة كافّة أشكال الإضرار (الماليّ والمعنويّ والأمنيّ) به.
وقد اعتمد صاحب الجواهر على هذه الفقرة لتقديم نفي الضرر على قاعدة السلطنة في التزاحم. وفي الختام، استعرضنا أربعة عشر أصلاً استنبطها صاحب «دراسات في ولاية الفقيه» من العهد، شملت وحدة الأمّة، والتكافل الاجتماعيّ، ومواجهة الظلم، وحقوق الأقليّات، والدفاع المشترك، وصولاً إلى أصل «الجار كالنفس» والمرجعيّة النبويّة. وهذه المنظومة المتكاملة تؤكّد أنّ منع الإضرار ليس حكماً فرعيّاً، بل هو قاعدةٌ بنيويّةٌ في النظام الإسلاميّ، وأنّ حديث «لا ضرر» هو الصياغة الكبرويّة لهذا الروح الساري في الشريعة.
رواية عليّ بن يقطين
ومن النصوص الهامّة التي تسلّط الضوء على موقعيّة «الضرر» في الأحكام الماليّة وحقوق الورثة، ما رواه المشايخ الثلاثة (الكلينيّ والصدوق)[1] في جوامعهم الحديثيّة عن عليّ بن يقطين. ونصّ الرواية كما في «الكافي»:
«عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ (عليه السلام): رَجُلٌ مَاتَ وَعَلَيْهِ زَكَاةٌ، وَأَوْصَى أَنْ تُقْضَى عَنْهُ الزَّكَاةُ، وَوُلْدُهُ مَحَاوِيجُ، إِنْ دَفَعُوهَا أَضَرَّ ذَلِكَ بِهِمْ ضَرَرًا شَدِيدًا.
فَقَالَ: يُخْرِجُونَهَا فَيَعُودُونَ بِهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَيُخْرِجُونَ مِنْهَا شَيْئًا فَيُدْفَعُ إِلَى غَيْرِهِمْ».
الوقفة السنديّة
سند الرواية في الكافي: «عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ». ورجاله كلّهم من أعيان الثقات، فالرواية صحيحةٌ سنداً ومعتمدة.
تحليل الدلالة
يدور السؤال حول رجلٍ مات وذمّته مشغولةٌ بالزكاة، وقد أوصى بأدائها، إلا أنّ ورثته فقراء (محاويج)، بحيث لو أخرجوا الزكاة من التركة، لوقعوا في «ضررٍ شديد». وقدّم الإمام (عليه السلام) حلاًّ فقهيّاً يجمع بين الحقّين، یتمثّل في أن يُخرِجوا الزكاة (امتثالاً للوصيّة وبراءةً للذمّة)، ثمّ يستردّوها لأنفسهم (باعتبار استحقاقهم للزكاة لفقرهم)، مع دفع نزرٍ يسيرٍ لغيرهم.
نقاطٌ تحليليّة
1. قيد «الضرر الشديد»: ورد هذا القيد في كلام السائل، لا في جواب الإمام (عليه السلام). وعليه، لا يصحّ التمسّك به لحصر الحكم في خصوص الضرر الشديد، بل المدار على مطلق الضرر العرفيّ المعتدّ به.
2. تأثير الضرر في كيفيّة الامتثال: تكشف الرواية عن أنّ عنوان «الضرر» له مدخليّةٌ في توجيه كيفيّة تنفيذ الأحكام الماليّة. فرغم أنّ الزكاة دَيْنٌ واجب الأداء من أصل التركة، إلا أنّ الشارع راعى حالة الورثة وتضرّرهم، فشرّع طريقةً مخفّفةً للأداء تحفظ الحقّ الشرعيّ وتدفع الضرر المعيشيّ عنهم.
3. الموازنة بين الحقوق: يُستفاد من الرواية أنّ الشارع، في مقام التزاحم بين أداء الديون وحفظ قوام معيشة الورثة المحتاجين، يميل إلى الحلول التي تمنع الإضرار، ولا يقرّ بتنفيذ الدَيْن بنحوٍ يسحق الورثة.
رواية «الدعائم»: عدم نفوذ الوصيّة الإضراريّة
وفي السياق ذاته، روى صاحب «دعائم الإسلام» خبراً نقله المجلسيّ في «البحار»،[2] ونصّه:
«وَعَنْهُ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ: فِي الرَّجُلِ يَجِبُ عَلَيْهِ زَكَاةٌ فِي مَالِهِ فَلَمْ يُخْرِجْهَا حَتَّى حَضَرَ الْمَوْتُ، فَأَوْصَى أَنْ تُخْرَجَ عَنْهُ؛ إِنَّهَا تُخْرَجُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ، إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِإِخْرَاجِهَا مِنْ ثُلُثِهِ.
وَإِنْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُضِرَّ بِوَرَثَتِهِ وَيُتْلِفَ مِيرَاثَهُمْ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ ثُلُثِهِ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ».
والرواية، وإن كانت مرسلةً سنداً كغالب مرويّات «الدعائم»، إلا أنّ متنها يعضده الكتاب والسنّة، ممّا يمنحها الاعتبار الدلاليّ.
تحليل الدلالة: تفصّل الرواية بين حالتين:
1. إذا كانت الزكاة واجبةً في ذمّته واقعاً وأوصى بها، أُخرجت من أصل التركة (جميع المال)، إلا إذا قيّدها هو بالثلث.
2. إذا عُلم أنّه قصد من الوصيّة الإضرار بالورثة وإتلاف نصيبهم، حُكم بعدم نفوذ الوصيّة إلا في حدود الثلث، وتوقّف الزائد على إجازة الورثة.
التطابق مع الدليل القرآنيّ: وينسجم هذا المضمون تماماً مع الآية الكريمة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.[3] فالآية اشترطت انتفاء «المضارّة» في الوصيّة والدَّيْن، والرواية طبّقت هذه الكبرى على مورد الوصيّة بالزكاة بقصد الإضرار.
تعدية الحكم: وبتنقيح المناط، يسري هذا الحكم إلى كلّ تصرّفٍ ماليٍّ يصدر من المورّث بداعي الإضرار بالورثة (كالهبة والوقف الاستغراقيّ الكيديّ). فالمعيار هو صدق عنوان «الإضرار»، فمتى تحقّق ثبتت الحرمة التكليفيّة، ومتى انتفى عرفاً انتفت الحرمة. أمّا الصحّة الوضعيّة، فهي تابعةٌ لمقتضى القواعد الخاصّة بكلّ باب، وقد قيّدتها الرواية هنا بالثلث في فرض الإضرار.
وهنا يُطرح تساؤلٌ أصوليّ عَمّا إِذا كان النهي الشرعيّ عن الظلم والضرر إرشادٌ إلى حكم العقل بقبح ذلك، أم هو نهيٌ مولويٌّ تأسيسيّ؟ ذهب المشهور ـ استناداً إلى قاعدة الملازمة القائلة بأنّ «كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع» ـ إلى حمل الأوامر والنواهي في المستقلّات العقليّة على الإرشاد.
بيد أنّ التحقيق يقتضي خلاف ذلك. فإدراك العقل لقبح الظلم والإضرار، لا يمنع من أن ينشئ الشارع حكماً مولويّاً على طبقه، بقوله: «الظلم حرام» أو «لا ضرر». والفارق الجوهريّ هو أنّ العقل يدرك القبح واستحقاق الذمّ، أمّا ترتّب العقاب الأخرويّ وتحقّق عنوان «مخالفة المولى» و«المعصية»، فهو من شؤون الحكم المولويّ. وعليه، فالنهي عن الإضرار نهيٌ مولويّ، وإن وافق حكم العقل. ومخالفته توجب استحقاق المؤاخذة من جهتين: التمرّد العقليّ، ومعصية الأمر المولويّ.
ومن القواعد المنهجيّة الراسخة في الاستنباط، اعتماد معيار «موافقة الكتاب» في تقييم الروايات. فقد تواترت النصوص الآمرة بعرض الأخبار على القرآن، كقولهم (عليهم السلام): «ما وافق كتاب الله فخذوه، و ما خالف كتاب الله فردّوه».[4] وهذا المعيار يكتسب أهمّيّةً قصوى، قد تغني أحياناً عن التدقيق السنديّ في الموارد التي يتطابق فيها مضمون الرواية مع نصوص الكتاب والروح العامّة للشريعة، وتتضافر عليها الشواهد.
وروايات باب الزکاة والوصيّة الإضراريّة تندرج ضمن هذا السياق؛ إذ هي متطابقةٌ مع آية ﴿غَيْر مُضَارٍّ﴾، ومنسجمةٌ مع الاتجاه التشريعيّ العامّ لنفي الضرر. وعليه، فإنّ هذه المنظومة الروائيّة تشكّل مستنداً معتبراً لتأصيل قاعدة منع الإضرار في المعاملات الماليّة.
النتيجة النهائيّة
1. أنّ الإضرار بالورثة عبر الوصيّة أو تنفيذ الديون منهيٌّ عنه شرعاً.
2. أنّ عنوان الضرر يؤثّر في كيفيّة امتثال الأحكام الماليّة، وقد يوجب التعديل والتخفيف.
3. أنّ النهي عن الإضرار حكمٌ مولويٌّ يستتبع العقاب، لا إرشاديٌّ محض.
4. أنّ آية ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ والروايات المؤيّدة لها تؤسّس قاعدةً متينةً لمنع الإضرار في الفقه الماليّ.
وبهذا، تكتمل حلقةٌ أخرى من حلقات البحث في موقعيّة «الضرر» في النظام الفقهيّ، ممهّدةً الطريق لدراسة حديث «لا ضرر ولا ضرار» بوصفه الكبرى الحاكمة.
ومن النصوص الدالّة على فاعليّة الضرر في رفع الأحكام التكليفيّة في الحجّ، صحيحة الكاهليّ التي رواها الكلينيّ في «الكافي»،[5] ونصّها:
«عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْكَاهِلِيِّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ:
سَأَلَهُ رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ وَأَنَا حَاضِرٌ، فَقَالَ: أَكْتَحِلُ إِذَا أَحْرَمْتُ؟
قَالَ: لَا.
قَالَ: إِنِّي ضَرِيرُ الْبَصَرِ، فَإِذَا أَنَا اكْتَحَلْتُ نَفَعَنِي، وَإِذَا لَمْ أَكْتَحِلْ ضَرَّنِي.
قَالَ: فَاكْتَحِلْ… فَقَالَ: فَاصْنَعْهُ».
الوقفة السنديّة: السند موثّقٌ ومعتبر. فالعدّة من مشايخ الكلينيّ الثقات، ورجال السند (أحمد بن محمّد، وعليّ بن الحكم، والكاهليّ) كلّهم من الثقات الأجلاء.
تحليل الدلالة: يكشف الحوار عن أنّ الاكتحال في الإحرام محرّمٌ في الأصل («قَالَ: لَا»). بيد أنّ السائل علّل حاجته بأنّ تركه يضرّه («وَإِذَا لَمْ أَكْتَحِلْ ضَرَّنِي»). وعندئذٍ، ارتفع حكم الحرمة وأباح الإمام (عليه السلام) الفعل بقوله: «فَاكْتَحِلْ». وهذا يثبت بوضوحٍ أنّ الضرر المعتدّ به يرفع الحكم الإلزاميّ التحريميّ كما يرفع الوجوب. فالقاعدة حاكمةٌ على المحرّمات أيضاً، فمتى استلزم الامتثالُ (الترك) ضرراً، سقطت الحرمة وجاز الفعل.
وفي السياق نفسه، روى الكلينيّ في «الكافي»[6] صحيحة إبراهيم بن أبي محمود عن الرضا (عليه السلام):
«قُلْتُ لِلرِّضَا (عليه السلام): الْمُحْرِمُ يُظَلِّلُ عَلَى مَحْمِلِهِ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتِ الشَّمْسُ وَالْمَطَرُ يُضِرَّانِ بِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: كَمِ الْفِدَاءُ؟
قَالَ: شَاةٌ».
السند صحيحٌ ومعتبر.
تحليل الدلالة: تتضمّن الرواية نكاتٍ مفصليّة:
1. أصل الحرمة: التظليل محرّمٌ تكليفاً على المحرم في الحال الاختياريّ («قَالَ: لَا»).
2. رافعيّة الضرر: عند طروّ الضرر من الشمس أو المطر، يرتفع حكم الحرمة التكليفيّ ويجوز التظليل («قَالَ: نَعَمْ»).
3. بقاء الحكم الوضعيّ: رغم ارتفاع الإثم وجواز الفعل، إلا أنّ الحكم الوضعيّ (وجوب الفدية) يظلّ ثابتاً، كما نصّ الإمام (عليه السلام) بوجوب الشاة.
استنتاجٌ أصوليّ: حدود حكومة القاعدة
ويُستفاد من هذه الرواية تفكيكٌ جوهريٌّ في آليّة عمل قاعدة «لا ضرر». فالقاعدة حاكمةٌ على «الحكم التكليفيّ»، رافعةً للإلزام (الحرمة أو الوجوب) عند الضرر. بيد أنّها ليست بالضرورة رافعةً لـ «الحكم الوضعيّ» والآثار المترتّبة عليه (كالفدية أو الضمان). فالضرر يبيح المحظور تكليفاً، لكنّه لا يلغي تبعاته الوضعيّة المقرّرة. وهذا التفكيك يضيء جانباً هامّاً من حدود حكومة القاعدة؛ إذ يثبت أنّ نفي الضرر ليس مطلقاً في رفع كافّة الآثار، بل هو منصرفٌ بالدرجة الأولى إلى الأحكام التكليفيّة الضرريّة. ونظير هذا يجري في قاعدة «لا حرج» أيضاً.
ومن الشواهد الملفتة في سعة نطاق القاعدة، ما رواه الصدوق في «الفقيه»:[7]
«رَوَى حَمَّادٌ، عَنْ حَرِيزٍ، أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ:
كَانَ عَلِيٌّ (عليه السلام) إِذَا سَاقَ الْبَدَنَةَ وَمَرَّ عَلَى الْمُشَاةِ حَمَلَهُمْ عَلَى بَدَنَةٍ. وَإِنْ ضَلَّتْ رَاحِلَةُ رَجُلٍ وَمَعَهُ بَدَنَةٌ، رَكِبَهَا غَيْرَ مُضِرٍّ وَلَا مُثْقِلٍ».
تحليل الدلالة: البَدَنة هي الإبل المهداة للكعبة، والتي يجب أن تصل سليمةً للمنحر. وقد أجاز أمير المؤمنين (عليه السلام) ركوبها عند الحاجة، ولكنّه قيّد الجواز بـ «غَيْرَ مُضِرٍّ وَلَا مُثْقِلٍ». وهذا القيد يكشف عن أنّ حرمة الإضرار لا تقف عند حدود البشر، بل تطال الحيوان أيضاً. وإن كان للبَدَنة خصوصيّة كونها هديّاً لله تعالى، إلا أنّ إطلاق «غير مضرّ» يوحي بمبدأ عامٍّ في التعامل مع الحيوان. وهذا يوسّع أفق قاعدة «لا ضرر» لتشمل البعد البيئيّ والأخلاقيّ في التعامل مع الكائنات الحيّة.
النتيجة النهائيّة
وصفوة القول أنّ استقراء هذه المنظومة الروائيّة المتنوّعة (في الزكاة، والوصيّة، والإحرام، والبَدَنة) يرسم معالم واضحةً لموقعيّة «الضرر» في الفقه:
1. الضرر رافعٌ للحكم التكليفيّ الإلزاميّ (كالحرمة في التظليل والكحل).
2. الضرر لا يستلزم بالضرورة رفع الآثار الوضعيّة (كالفدية).
3. حرمة الإضرار تتجاوز الإنسان لتشمل الحيوان.
4. الإضرار بالورثة تصرّفٌ مبغوضٌ شرعاً.
وبهذا، تكتمل الأرضيّة الروائيّة اللازمة، وينكشف أنّ نفي الضرر ليس حكماً جزئيّاً طارئاً، بل هو روحٌ ساريةٌ في مفاصل الشريعة. وهذا ما يدعونا في المرحلة القادمة إلى الولوج في صلب البحث الأصوليّ و هي دراسة الروايات المؤسّسة لكبرى «لا ضرر ولا ضرار» وتحليلها لغةً وفقهاً، لاستنباط القاعدة العامّة وضوابطها.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
----------------------
[1]. کلینی، محمد بن یعقوب، مؤلف، «الکافي»، م ٣، ص 547؛ ابن بابويه، محمد بن على، مؤلف، «من لا يحضره الفقيه»، م ٢، ص 38؛ حرّ عاملی، محمد بن حسن، مؤلف، «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، م ٩، ص 244.[2]. مجلسی، محمدباقر، مؤلف، «بحار الأنوار»، م ٩٣، ص 44.
[3]. نساء: 12.
[4]. سَعِيدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ الرَّاوَنْدِيُّ فِي رِسَالَتِهِ الَّتِي أَلَّفَهَا فِي أَحْوَالِ أَحَادِيثِ أَصْحَابِنَا وَ إِثْبَاتِ صِحَّتِهَا عَنْ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ ابْنَيْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ عَنْ أَبِيهِمَا عَنْ أَبِي الْبَرَكَاتِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ بَابَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ اَلصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ : إِذَا وَرَدَ عَلَيْكُمْ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ فَاعْرِضُوهُمَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَمَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ فَخُذُوهُ وَ مَا خَالَفَ كِتَابَ اللَّهِ فَرُدُّوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، فَاعْرِضُوهُمَا عَلَى أَخْبَارِ اَلْعَامَّةِ ، فَمَا وَافَقَ أَخْبَارَهُمْ فَذَرُوهُ وَ مَا خَالَفَ أَخْبَارَهُمْ فَخُذُوهُ. (حرّ عاملی، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، م ٢٧، ص 118.)
[5]. کلینی، الکافي، م ٤، ص 358.
[6]. المرجع السابق، م ٤، ص 351.
[7]. ابن بابويه، من لا يحضره الفقيه، م ٢، ص 504.
---------------------------
المصادر
- ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه، علی اکبر غفاری، ۴ م، طباعة ۲، قم، دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، 1413.
- حرّ عاملی، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ۳۰ م، قم، مؤسسه آل البيت عليهم السلام، 1409.
- کلینی، محمد بن یعقوب، الکافي، علیاکبر غفاری، ۸ م، طباعة ۵، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
- مجلسی، محمدباقر، بحار الأنوار، ۱۱۱ م، طباعة ۲، بیروت، دار إحياء التراث العربي، 1403.
المصادر
- ابن بابويه، محمد بن على، من لا يحضره الفقيه، علی اکبر غفاری، ۴ م، طباعة ۲، قم، دفتر انتشارات اسلامى وابسته به جامعه مدرسين حوزه علميه قم، 1413.
- حرّ عاملی، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ۳۰ م، قم، مؤسسه آل البيت عليهم السلام، 1409.
- کلینی، محمد بن یعقوب، الکافي، علیاکبر غفاری، ۸ م، طباعة ۵، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
- مجلسی، محمدباقر، بحار الأنوار، ۱۱۱ م، طباعة ۲، بیروت، دار إحياء التراث العربي، 1403.
نظری ثبت نشده است .