موضوع: قاعدة لاضرر و لا ضرار
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٢/٣
شماره جلسه : ۳
خلاصة الدرس
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
قصور آية ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ عن تأسيس قاعدة «لا ضرر» العامّة
-
صحيحة البزنطي وتعيين مصداق «هذا الضرار»
-
دراسة آية ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ ودلالتها على حرمة الإضرار بالغير
-
النهي المباشر عن الإضرار بالغير
-
تأكيد شأن النزول لمعنى الإضرار بالغير
-
دراسة آية ﴿وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾
-
آية ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾
-
﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ في آية الميراث
-
حصيلة البحث في الآيات: من الموارد الخاصّة إلى القاعدة العامّة
-
المصادر
الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
كنّا قد استعرضنا في البحث السابـق بالدرس والتحليل المبنى الأصوليّ القاضي بعدم صحّة التمسّك بالإطلاقات القرآنيّة في تأسيس قاعدة «لا ضرر». وقد أرجعنا جذور هذا البحث إلى ثمرة مسألة «الصحيح والأعمّ» في باب الإطلاق. واستناداً إلى ما حقّقه الشيخ الأعظم في «مطارح الأنظار»، فقد خرجت غالب إطلاقات الكتاب والسنّة عن دائرة الحجّيّة، لكونها إمّا في مقام الإهمال ومحض تشريع أصل الحكم، كقوله تعالى: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، و﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، و﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. وإمّا في مقام بيان الآثار والخواصّ المترتّبة على الحكم، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾. وفي كلا الحالين، ليس الشارع في مقام استيفاء جميع الأجزاء والشرائط، فلا يصحّ التمسّك بإطلاقها لنفي القيود المشكوك فيها. وتفريعا على ذلك، اتّضح أنّ الآيات المتضمّنة لألفاظ «الضرر» و«الضرار» واردةٌ في سياقاتٍ جزئيّةٍ خاصّة، وقاصرةٌ عن لسان التقعيد العامّ بمفاد «لا ضرر في الإسلام». وهو ما فصّله المحقّق النائيني في «فوائد الأصول»، معتبراً ألفاظ الصلاة والزكاة والحجّ من المخترعات الشرعيّة التي تتكفّل الآيات ببيان أصل تشريعها فقط، بينما أُوكل تبيين حقائقها وقيودها إلى السنّة الشريفة. وأمّا المحقّق العراقيّ، فقد عدّ في «نهاية الأفكار» فرضيّةَ ورودِ مثلِ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ في مقام البيان من جهة الأجزاء والشرائط «مجرّد فرضٍ لا واقع له»، منيطاً الآيات بـ «محض التشريع». وفي المقابل، رفض الإمام الخميني والسيّد الخوئي (قدّس سرّهما) النفي المطلق للإطلاقات، مؤكّدين على وفور العمومات والإطلاقات القابلة للاحتجاج، كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ و﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. والتحقيق يقتضي الجمع بين الرأيين. فمع التسليم بوجود إطلاقاتٍ كثيرةٍ في الكتاب والسنّة، إلا أنّ الغالب في آيات العبادات وكثيرٍ من المعاملات هو الاقتصار على أصل التشريع وإيكال التفصيل للسنّة. وبميزان «مقام البيان» هذا، تبيّن أنّ آيات الضرر ـ ومنها ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ ـ ليست في مقام التأسيس لقاعدةٍ عامّة، بل هي ناظرةٌ إلى موارد خاصّة، كالإمساك الضرريّ بالمطلّقة الرجعيّة قبيل انقضاء العدّة. وقد كشف التحليل النحويّ والدلاليّ لـ «ضراراً» و«لتعتدوا» عن عدم ثبوت العلّيّة العامّة لعنوان «الضرار» بنحوٍ يسوّغ استنباط كبرى «كلّ ضررٍ حرام». وعليه، فإنّ هذه الآيات لا تعدو كونها شواهد ومؤيّداتٍ للاتّجاه العامّ في نفي الضرر والإضرار، بينما يبقى حديث «لا ضرر ولا ضرار» هو الركن الركين في تشييد بنيان القاعدة.
استعرضنا في الأبحاث السابقة تحليلاً مفصّلاً لسياق الآية ٢٣١ من سورة البقرة، وتحديداً قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾، وتبيّن أنّها واردةٌ في فضاء حكم المطلّقة الرجعيّة قبيل انقضاء العدّة، تالياً للأمر بـ ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾. وقد انتهى التحليل إلى أنّ موضوع النهي هو «الإمساك الضرريّ» بالمطلّقة الرجعيّة، في فرضٍ وجب فيه الإمساك بالمعروف. وهذا الإمساك ـ لما يستلزمه من تضييعٍ لحقّ الزوجة وتطويلٍ للعدّة وإيذاء ـ يعدّ مصداقاً جليّاً لـ «الاعتداء» و«الظلم».
وتأسيساً على ذلك، تدلّ الآية بوضوح على أنّه كلّما وجب على الزوج في أيّام العدّة الإمساكُ بالمعروف (مع ما يستتبعه من حقوقٍ كالنفقة والسكنى)، وانقلب إمساكه إلى «إمساكٍ ضرريّ» ـ كالرجوع المتكرّر لتطويل العدّة وإبقاء المرأة معلّقةً في ضيق ـ فإنّ هذا الإمساك محرّمٌ شرعاً، وفاعله ظالمٌ لنفسه: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.
محدوديّة النطاق الدلاليّ
بيد أنّ النقطة الجوهريّة التي ينبغي التأكيد عليها هي انحصار النطاق الدلاليّ للآية في هذا الإطار الخاصّ، أي في الموارد التي تفترض وجود علاقة زوجيّة، وحقٍّ ثابتٍ للزوجة، ووجوبٍ للإمساك بالمعروف، فيعمد الزوج إلى الإمساك الضرريّ لتضييع الحقّ والإيذاء. ومن هذه الدائرة المضيّقة، لا يصحّ الانطلاق لاستنتاج قاعدةٍ كلّيّةٍ مطلقةٍ بمفاد «أنّ كلّ ضررٍ وكلّ ضرارٍ محرّمٌ شرعاً في كافّة الروابط والأبواب». فالآية تتحدّث عن انتهاك حقٍّ شرعيٍّ وعقلائيٍّ ثابتٍ للزوجة عبر التوظيف التعسّفيّ لحقّ الرجوع والإمساك، جاعلاً إيّاه أداةً للأذى. وهذا النحو من الضرار هو المنهيّ عنه والموصوف بالاعتداء. وهذا يغاير تأسيس قاعدةٍ عامّةٍ بمفاد «كلّ ضررٍ وضرارٍ حرام» يمكن تطبيقها على الشريعة بأسرها بمعزلٍ عن سياق الزوجيّة وسبق الأمر بالإمساك بالمعروف.
وفي ذيل الآية الشريفة، وردت صحيحة البزنطي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) لتكشف عن مصداق النهي. فقد روى الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) بإسناده عن البزنطي، عن عبد الكريم بن عمرو، عن الحسن بن زياد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
«لَا يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعَهَا وَلَيْسَ لَهُ فِيهَا حَاجَةٌ، ثُمَّ يُطَلِّقَهَا؛ فَهَذَا الضِّرَارُ الَّذِي نَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُ، إِلاَّ أَنْ يُطَلِّقَ ثُمَّ يُرَاجِعَ وَهُوَ يَنْوِي الْإِمْسَاكَ».[1]
ومفاد الرواية أنّه لا يجوز للرجل أن يعتمد آليّة الطلاق ثمّ الرجوع في العدّة من دون رغبةٍ حقيقيّةٍ في المعاشرة، بهدف تطويل العدّة وإبقاء المرأة معلّقةً وفي ضيق. وقد نصّ الإمام (عليه السلام) على أنّ هذا السلوك هو عين «الضرار» المنهيّ عنه قرآنيّاً.
وقد حاول البعض التمسّك بهذا التعبير لتعميم حرمة «كلّ ضرار» في جميع الأبواب، بيد أنّ التأمّل في سياق الرواية يكشف أنّ الإشارة بـ «هذا الضرار» ناظرةٌ إلى المورد الخاصّ المذكور. فالرواية لم تكن بصدد تأسيس قاعدةٍ عامّةٍ بمفاد «كلّ ضرارٍ حرام»، بل كانت بصدد تطبيق النهي القرآنيّ وتعيين مصداقه في الرجوع الكيديّ المنافي للإمساك بالمعروف. وعليه، لا تنهض الآية ولا الصحيحة المفسّرة لها لإثبات الكبرى الكلّيّة «كلّ ضررٍ وضرارٍ حرام» على إطلاقها، بل تثبتان حرمة حصّةٍ خاصّةٍ من الضرار، تقع في سياق العلاقة الزوجيّة وتضييع حقوق الزوجة.
الآية الثانية التي تقع مورداً للبحث هي الآية ٢٣٣ من سورة البقرة، ونصّها:
﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ… لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ…﴾.
السياق والتركيب
استهلت الآية ببيان أحكام الرضاع، مثبتةً حقّ الرضاع لمدة حولين كاملين لمن شاء الإتمام، ومقرّرةً وجوب النفقة والكسوة للمرضعة على الأب (المولود له). ثمّ عقّبت بذكر الكبرى الكلّيّة: ﴿لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا﴾، إشارةً إلى شرطيّة القدرة في التكليف. وتلا ذلك المقطعُ محلّ الشاهد: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.
وقد تعدّدت الوجوه في قراءة «لا تُضارَّ»،[2] إلا أنّ المشهور يدور بين احتمالين رئيسين:
1. البناء للمعلوم: فيكون المعنى أن لا تضرّ الوالدةُ ولدَها، ولا يضرّ المولودُ له ولدَه. ووفقاً للسياق، يندرج تحته مصاديق كترك الإرضاع، والامتناع غير المبرّر، والتهاون في حفظ سلامة الطفل.
2. البناء للمجهول: فيكون المعنى عدمَ لحوق الضرر بالوالدة بسبب ولدها، ولا بالمولود له بسببه. ومثاله أن ينتزع الأب الولد من أمّه ليسلّمه لظئرٍ نكايةً بها، أو أن تتعنّت الأم بترك الرضاع لتوقِع الأب في حرجٍ ماليٍّ أو اجتماعيّ.
وعلى كلا التقديرين، يتمحور البحث حول الضرر والإضرار في النطاق الأسريّ، سواءٌ كان المتضرّر هو الطفل، أو أحد الوالدين بسبب الآخر عبر الطفل.
ويمتاز هذا المورد عن سابقه (آية الإمساك الضرريّ) بخصوصيّةٍ هامّة. ففي تلك الآية كان المنهيّ عنه هو «الإمساك» المقيّد بالضرار، بينما في هذه الآية يقع عنوان «الإضرار» نفسه متعلّقاً للنهي مباشرةً، سواءٌ بنينا الفعل للمعلوم أم للمجهول. فمفادها الصريح تحريم إلحاق الضرر بالطفل، أو تحريم إلحاق الضرر بالوالدين بسببه. ومن هنا، يصحّ القول بأنّ الآية تنهى عن «الإضرار بالغير».
ويمكن للعرف ـ بملاحظة عدم خصوصيّة الوالد والمولود تعبّداً ـ أن يلغي الخصوصيّة، ويستظهر مناطاً عامّاً مفاده «حرمة الإضرار بالغير في سياق الحقوق والواجبات العقلائيّة». بيد أنّ دلالة الآية تقف عند هذا الحدّ، ولا تتعدّاه لتشمل «الإضرار بالنفس»، لقصور المورد والسياق.
قصور الآية عن شمول الضرر بالنفس
وعليه، لا تنهض الآية لإثبات قاعدةٍ كلّيّةٍ بمفاد «حرمة كلّ ضررٍ، للنفس كان أو للغير». فالمستفاد منها قدرٌ متيقّنٌ هو حرمة الإضرار بالغير. وأمّا مسألة «الإضرار بالنفس» (كقطع العضو، وبيع الكلية، والتدخين المضرّ)، فهي مبحثٌ مستقلٌّ يفتقر إلى أدلّةٍ تخصّه، كأدلّة وجوب حفظ النفس، وقوله تعالى ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ﴾.[3] نعم، لو بلغ الضرر بالنفس حدّ الإتلاف أو تفويت النفس، حرم بمقتضى أدلّة حفظ النفس، لا بمقتضى هذه الآية الخاصّة.
ويعضد هذا التفسير ما رواه الكلينيّ في «الكافي» عن أبي الصباح الكنانيّ، حيث سأل الإمام الصادق (عليه السلام) عن تفسير الآية، فأجابه (عليه السلام) كاشفاً عن خلفيّتها التاريخيّة:
«كَانَتِ الْمَرَاضِعُ مِمَّا تَدْفَعُ إِحْدَاهُنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ الْجِمَاعَ، تَقُولُ: لَا أَدَعُكَ؛ إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَحْبَلَ فَأَقْتُلَ وَلَدِي هَذَا الَّذِي أُرْضِعُهُ. وَكَانَ الرَّجُلُ تَدْعُوهُ الْمَرْأَةُ، فَیَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ أُجَامِعَكِ فَأَقْتُلَ وَلَدِي؛ فَیَدْفَعُهَا فَلَا یُجَامِعُهَا. فَنَهَی اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ ذَلِكَ أَنْ یُضَارَّ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ وَالْمَرْأَةُ الرَّجُلَ».[4]
وتكمن دلالة الرواية في نقطتين: ١- أنّ النهي القرآنيّ منصبٌّ على الإضرار بالغير (الزوج أو الزوجة) ضمن شبكة العلاقات والحقوق الأسريّة، متّخذاً من ذريعة «الخوف على الولد» وسيلةً للإضرار بالطرف الآخر ومنعه حقّه الشرعيّ. ٢- أنّ المورد، وإن كان خاصّاً، إلا أنّه يمثّل مصداقاً للإضرار في المحيط العائليّ، ممّا يسوّغ للعرف الغاء الخصوصيّة وتعميم الحرمة لكلّ إضرارٍ مماثلٍ بالغير في سياق الحقوق المتبادلة.
النتيجة النهائيّة
وصفوة القول أنّ آية ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ...﴾ تدلّ بوضوحٍ على حرمة الإضرار في النطاق الأسريّ، ويمكن بتنقيح المناط تمديد الحرمة إلى مطلق الإضرار بالغير في الموارد المشابهة. إلا أنّها قاصرةٌ عن شمول الضرر بالنفس، وعن التأسيس لقاعدةٍ عامّةٍ حاكمةٍ على سائر الأدلّة. وعليه، وإن صحّ الاستناد إليها لإثبات حرمة الإضرار بالغير في الجملة، إلا أنّ تشييد قاعدة «نفي الحكم الضرريّ» بسعتها الأصوليّة وسمتها الحاكمة، يفتقر إلى لسانٍ أوسع وأصرح، وهو ما يوفّره حديث «لا ضرر ولا ضرار». فتبقى الآيات في موقع الشواهد والمؤيّدات للاتّجاه التشريعيّ العامّ، دون أن ترقى إلى مستوى المستند الاستقلاليّ للقاعدة.
استكملنا في الأبحاث السالفة تحليل الآيات المرتبطة بالإمساك الضرريّ والإضرار بالوالدة والمولود له، وانتهينا إلى قصورها عن تأسيس قاعدة «نفي الضرر» بمعناها العامّ، واقتصار دلالتها على حرمة الإضرار بالغير في النطاق الأسريّ. وفي هذا المقام، نستعرض ثلاث آياتٍ أخرى طرحت مسألة الضرر والضرار في سياقاتٍ مغايرة، تكشف كلٌّ منها عن بُعدٍ جديدٍ من أبعاد النهي عن الإضرار بالغير.
قال تعالى في ختام آية الدَّيْن، بعد الأمر بالكتابة والإشهاد: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ﴾.[5] وكما مرّ في آية الرضاع، يحتمل قوله: «لَا يُضَارَّ» وجهين من القراءة والدلالة:
1. البناء للمعلوم: فيكون المعنى نهيَ الكاتب والشاهد عن الإضرار بالمتعاملين. وعليه، يكون الكاتبُ فاعلاً للضرر، منهيّاً عن التلاعب في الوثيقة بالزيادة أو النقصان، أو إدراج شروطٍ لم يتّفق عليها، أو إغفال بعض التعهّدات عمداً. وكذا الشاهدُ، يُنهى عن الشهادة بخلاف الواقع، أو صياغة الشهادة بنحوٍ مغرضٍ يضرّ بأحد الطرفين. فالمفاد بناءً على هذا الوجه هو النهي عن كلّ إضرارٍ يصدر من الكاتب والشاهد تجاه الغير.
2. البناء للمجهول: فيكون المعنى عدمَ لحوق الضرر بالكاتب ولا بالشهيد. وعليه، يقع الكاتبُ والشاهدُ مورداً للإضرار، فيُنهى المتعاملون عن إكراه الكاتب على كتابة ما يخالف الواقع، أو تكليفه بما لا يطاق، أو بَخسه حقّه. وكذا الشاهد، يُمنع إجباره على شهادة الزور، أو تعريضه للتبعات السلبيّة المترتّبة على أداء الشهادة.
دلالة الآية على حرمة الإضرار بالغير
ومحصّل الوجهين أنّ الآية الكريمة، سواءٌ قرئت بالبناء للمعلوم أم للمجهول، تتمحور حول عنوان «الإضرار»، إمّا الصادر من الكاتب والشهيد، وإمّا الواقع عليهما. والمستفاد عرفاً من هذا السياق هو نهي الشريعة عن كون الكاتب والشاهد أداةً للإضرار أو هدفاً له في نظام التوثيق والشهادة. وهذه الآية، بضميمة آية الرضاع، تؤكّد مرّةً أخرى على حرمة الإضرار بالغير، ولكن هذه المرّة في ساحة المعاملات والحقوق.
ويمكن بتنقيح المناط تعميم هذا النهي ليشمل مطلق الإضرار في العلاقات الحقوقيّة. بيد أنّها ـ كسابقاتها ـ لا ترقى بلسانها الخاصّ إلى مستوى تأسيس قاعدةٍ عامّةٍ حاكمةٍ بمفاد «لا ضرر في الإسلام».
في سياق أحكام الطلاق، يقول تعالى في الآية السادسة من سورة الطلاق: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. وقد استهلّت الآية بالأمر بالإسكان، أي وفّروا لهنّ السكنى بحسب طاقتكم وبما يتناسب مع مستواكم المعيشيّ. وقد وقع الخلاف بين المذاهب الفقهيّة في شمول هذا الحكم.[6] فبينما ذهب بعض العامّة إلى شموله للمطلّقات كافّة (الرجعيّة والبائنة)، خصّه فقهاء الإماميّة بالمطلّقة الرجعيّة، استناداً إلى القرائن الدالّة على بقاء علقة الزوجيّة وثبوت النفقة والسكنى لها، بخلاف البائن.
النهي عن الإضرار التضييقيّ
ثمّ أردف الأمر بالإسكان بنهيٍ صريح: ﴿وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾. واللام في ﴿لِتُضَيِّقُوا﴾ تحمل على الغاية أو العاقبة، لا العلّيّة الحصريّة. ومفاد النهي هو عدم تعريض المطلّقات للضرر بنحوٍ يؤدّي ـ غايةً أو عاقبةً ـ إلى التضييق عليهنّ وإيقاعهنّ في العنت والمشقّة. وعليه، يندرج تحت هذا العنوان المحرّم كلّ سلوكٍ يصدر من الزوج يسلب المرأة سكنها اللائق، أو يلجئها إلى الخروج، أو يضيّق عليها في النفقة وشؤون المعيشة بنحوٍ يوقعها في الحرج. فهذا كلّه مصداقٌ لقوله: ﴿تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾.
إلغاء الخصوصيّة وتعميم المناط
وههنا أيضاً، ورغم انصباب النهي ظاهراً على المطلّقات، إلا أنّ العرف لا يجد عناءً في إلغاء الخصوصيّة واستظهار مناطٍ عامٍّ فحواه «النهي عن الإضرار بمن لك عليه ولايةٌ أو حقّ، استغلالاً للموقع وتضييعاً للحقوق». فالآية تمثّل صورةً تطبيقيّةً لحرمة الإضرار بالغير في سياق العلاقات الحقوقيّة المحدّدة. وهي بذلك تنضمّ إلى ركب الشواهد القرآنيّة الدالّة على مبغوضيّة الإضرار في المحيط الأسريّ. بيد أنّها ـ كسابقاتها ـ تبقى محدودةً بلسانها الخاصّ وموردها الجزئيّ، ولا تنهض لتأسيس قاعدةٍ عامّةٍ ساريةٍ بمفاد «لا ضرر في الإسلام» في جميع أبواب الفقه، إذ تلك المهمّة موكولةٌ إلى الحديث الشريف.
﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ في آية الميراث
ورد في الآية ١٢ من سورة النساء، بعد تفصيل سهام الإرث، قوله تعالى: ﴿… مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ…﴾. وهذا القيد «غَيْرَ مُضَارٍّ» يشكّل مفصلاً هامّاً في ضبط تصرّفات المورّث وحماية حقوق الورثة.
الوصيّة والدَّيْن الضرريّان
والمقصود بكون الوصيّة أو الدَّيْن «غير مضارّ» هو أن لا يعمد الموصي إلى الإيصاء أو الإقرار بدينٍ بنحوٍ يلحق الضرر الفاحش بالورثة، كأن يوصي بجميع ماله لأجنبيٍّ ليحرم أولاده، أو يقرّ بدينٍ صوريٍّ لاستغراق التركة وإخراجها عن ملك الورثة. فمثل هذه التصرّفات الكيديّة تعدّ «مضارّةً» بالورثة، ويدلّ سياق الآية على عدم إمضاء الشارع لها. والقدر المتيقّن من دلالة الآية هو الحرمة التكليفيّة للوصيّة والدَّيْن الصادرين بداعي الإضرار. أمّا دلالتها الوضعيّة على بطلان الوصيّة الضرريّة، فهو بحثٌ آخر يستدعي ضميمة أدلّةٍ أخرى (كأدلّة نفوذ الوصيّة في الثلث وتوقّف الزائد على إجازة الورثة).
تعدية الحكم إلى سائر التصرّفات
ومع أنّ قيد «غير مضارّ» قد أُخذ في سياق الوصيّة والدَّيْن، إلا أنّ العرف ـ بتنقيح المناط ـ يرى أنّ المدار هو عنوان «الإضرار»، لا خصوصيّة القالب الحقوقيّ. وعليه، يمكن تعميم الحكم ليشمل سائر التصرّفات الماليّة التي تهدف إلى حرمان الورثة والإضرار بهم (كالهبات الصوريّة والأوقاف الكيديّة)، ما دامت منطبقةً تحت عنوان الإضرار.
نعم، يبقى تشخيص مصداق الإضرار منوطاً بالقرائن الخارجيّة، إذ ليس كلّ تصرّفٍ ماليٍّ قبل الموت يعدّ إضراراً بالورثة. فلو كان الموصي قد كفى ورثته وأغناهم في حياته، ثمّ أراد صرف ما تبقّى في وجوه البرّ، لم يصدق عليه عرفاً عنوان «المضارّ للورثة».
النتيجة
والمتحصّل من مجموع ما تقدّم هو أنّ حرمة الإضرار بالورثة ـ في إطار الوصيّة والدَّيْن على الأقلّ ـ ممّا لا ريب فيه بمقتضى الآية. ويمكن سحب الحكم إلى التصرّفات المماثلة بإلغاء الخصوصيّة. بيد أنّ هذه الآية، شأنها شأن سابقاتها، واردةٌ لبيان حكمٍ في موردٍ خاصّ، وقاصرةٌ عن النهوض بتأسيس قاعدة «لا ضرر» العامّة الحاكمة على جميع أبواب الفقه؛ إذ تفتقر إلى الإطلاق والشمول اللازمين لهذا الغرض.
حصيلة البحث في الآيات: من الموارد الخاصّة إلى القاعدة العامّة
وخلاصة المسار التحليليّ للآيات القرآنيّة هي أنّ الكتاب العزيز قد حفل، في مجالاتٍ شتّى ـ كالعلاقات الأسريّة (الطلاق، والرضاع، وإسكان المطلّقات)، وتنظيم المعاملات (الكتابة والشهادة)، وتقسيم التركات (الوصيّة والدَّيْن) ـ بنصوصٍ صريحةٍ أو ملوّحةٍ بذمّ الإضرار بالغير والنهي عنه. والعرف، بما يمتلكه من قدرةٍ على إلغاء الخصوصيّة، يستلهم من هذا المجموع المتضافر مبدأً عامّاً مفاده حرمة الإضرار بالآخرين في إطار الحقوق والواجبات الشرعيّة والعقلائيّة. بيد أنّ أيّاً من هذه الآيات، لو لوحظت مستقلّةً، لا تملك لسان التأسيس لقاعدةٍ عامّةٍ حاكمةٍ بمثابة «لا ضرر في الإسلام». فكلّ آيةٍ تدور في فلكها الخاصّ وتثبت حكماً نسبيّاً ومورديّاً. وللانتقال من هذه الأحكام الجزئيّة إلى مستوى القاعدة الكبرى، لا بدّ من الاستعانة بنصٍّ آخر سيق خصيصاً لهذا الغرض التأسيسيّ.
موقعيّة الحديث النبويّ
وهذا الدور التأسيسيّ هو الذي يضطلع به الحديث النبويّ الشريف: «لا ضرر ولا ضرار». فهو، لا سيّما مع ملاحظة قيد «في الإسلام»، ينهض بتشريع أصلٍ كلّيٍّ ينفي الأحكام الضرريّة ويحرّم الإضرار في عموم الشريعة. وعليه، فإنّ الآيات المبحوثة تلعب دوراً مزدوجاً؛ فهي من جهةٍ تكشف عن المذاق التشريعيّ العامّ في رفض الإضرار، ومن جهةٍ أخرى تكتسب عمقاً دلاليّاً أكبر في ظلّ قاعدة «لا ضرر». ولكن يبقى تشييد صرح القاعدة مهمّةً منوطةً بالحديث الشريف، لا بهذه الآيات المحكومة بسياقاتها الخاصّة.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
---------------------
[1]. حرّ عاملی، محمد بن حسن، «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، ج 22، ص 172.
[2]. طبرسی، فضل بن حسن، «مجمع البيان»، ج 2، ص 584.
[3]. النساء: 29.
[4]. کلینی، محمد بن یعقوب، «الکافي»، ج 6، ص 41؛ طوسی، محمد بن حسن، «تهذيب الأحكام»، ج 8، ص 107.
[5]. البقرة: 282.
[6]. فاضل مقداد، مقداد بن عبد الله، «کنز العرفان في فقه القرآن»، ج 2، ص 217.
---------------------
المصادر
- حرّ عاملی، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ۳۰ ج، قم، مؤسسه آل البيت عليهم السلام، 1409.
- طبرسی، فضل بن حسن، مجمع البيان، ۱۰ ج، بیروت، دار المعرفة، 1408.
- طوسی، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، 10 ج، تهران، دار الكتب الإسلاميه، 1407.
- فاضل مقداد، مقداد بن عبد الله، کنز العرفان في فقه القرآن، ۲ ج، قم، مرتضوی، 1373.
- کلینی، محمد بن یعقوب، الکافي، ۸ ج، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
المصادر
- حرّ عاملی، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ۳۰ ج، قم، مؤسسه آل البيت عليهم السلام، 1409.
- طبرسی، فضل بن حسن، مجمع البيان، ۱۰ ج، بیروت، دار المعرفة، 1408.
- طوسی، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، 10 ج، تهران، دار الكتب الإسلاميه، 1407.
- فاضل مقداد، مقداد بن عبد الله، کنز العرفان في فقه القرآن، ۲ ج، قم، مرتضوی، 1373.
- کلینی، محمد بن یعقوب، الکافي، ۸ ج، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
نظری ثبت نشده است .