موضوع: قاعدة لاضرر و لا ضرار
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٢/٦
شماره جلسه : ۶
خلاصة الدرس
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
٨. العهد النبويّ وموقعيّته في بحث الضرر
-
مصدر الرواية والبحث السنديّ
-
موقعيّة العهد في النظام السياسيّ الإسلاميّ
-
الفقرات المرتبطة بمنع الإضرار
-
علاقة العهد النبويّ بقاعدة «لا ضرر»
-
الأصول الأربعة عشر المستفادة من العهد النبويّ
-
المصادر
الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
كنّا قد استعرضنا في البحث السابـق المنهجَ القويمَ في دراسة قاعدة «لا ضرر»، والذي يقتضي عدم القفز مباشرةً إلى النصوص المشتملة على كبرى «لا ضرر ولا ضرار»، بل تقديم دراسةٍ استقرائيّةٍ لموارد ورود عنوان «الضرر» في الأبواب الفقهيّة المتفرّقة، من عباداتٍ ومعاملاتٍ وفقه الحكومة. ومحصّل هذا المنهج هو أن نستكشف بدقّةٍ الموارد الجزئيّة التي رفع فيها الشارع الحكم أو غيّره أو قيّده بسبب الضرر أو خوفه. وبعد تشييد هذه القاعدة الروائيّة التفصيليّة، ننتقل إلى مرحلة التقعيد من الكبرى العامّة. وقد طرحنا في سياق هذا التتبّع ثلاث جهاتٍ رئيسة: ١- مدى سريان عنوان الضرر في العبادات والمعاملات؛ ٢- التمايز بين الإضرار بالغير والإضرار بالنفس؛ ٣- وهل أنّ حرمة الإضرار تختصّ بالمسلم أم تشمل الكافر؟ وفي مقام التطبيق، تعرّضنا لعدّة طوائف من الروايات.
ففي باب الغسل، دلّت رواية «الدعائم» على أنّ خوف الضرر من الماء كافٍ لسقوط الوجوب والانتقال إلى التيمّم، جاعلةً المدار على «الخوف العقلائيّ» لا العلم. وفي باب صلاة المسافر، نصّت روايات «السفر لسعاية الضرر على قومٍ مسلمين» على أنّ هذا السفر يُعدّ معصيةً ويحرم صاحبه من رخصتي القصر والإفطار، وهو نصٌّ صريحٌ في الحرمة التكليفيّة للإضرار بالمسلمين. وفي باب صوم المريض، أناطت روايات عليّ بن جعفر وبكر الحضرمي سقوط الصوم بـ «إضرار الصوم» أو العجز المتعارف، لا بمجرّد عنوان المرض. كما استشهدنا برواياتٍ أخرى دالّةٍ على سقوط الاستحباب أو الوجوب عند طروّ الضرر، كرواية حجامة الصائم في نهار شهر رمضان المصرّحة بـ «فلا يضرّ بنفسه»، الدالّة على تقييد الاستحباب بعدم الضرر. وروايات «فقه الرضا» الآمرة بإفطار الشيخ والشابّ المعلول والحامل عند خوف الضرر على النفس أو الجنين وجوباً. وقد عزّزت مرسلة «كلّ ما أضرّ بالصوم فالإفطار له واجب» هذا المعنى بصياغة كبرى كلّيّة، مرجّحةً كفّة القول بـ «العزيمة» في ترك الصوم الضرريّ. وختاماً، كشفت رواية الأراضي المفتوحة عنوةً بقيدها «ولا يضرّهم»، عن تقييد صلاحيّات الحاكم الإسلاميّ في السياسات الماليّة بعدم الإضرار بالرعيّة. وهكذا تشكّلت لدينا منظومةٌ روائيّةٌ متكاملةٌ في العبادات والعلاقات الاجتماعيّة والحكوميّة، تؤسّس الأرضيّة الصلبة لفهم قاعدة «لا ضرر» قبل الخوض في نصوصها المباشرة.
٨. العهد النبويّ وموقعيّته في بحث الضرر
بعد استقصاء الروايات المتفرّقة، ننتقل الآن إلى نصٍّ تاريخيٍّ ـ تشريعيٍّ ذي طابعٍ خاصّ، وهو «كتاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار»، المعروف بـ «العهد النبويّ» أو «الصحيفة». وتكمن الأهمّيّة الاستثنائيّة لهذه الوثيقة في طرحها لمبدأ منع الإضرار، لا كحكمٍ فرديٍّ جزئيّ، بل كأصلٍ أساسيٍّ في صلب ميثاقٍ سياسيٍّ ـ اجتماعيٍّ نظّم أركان الدولة الإسلاميّة الفتيّة في المدينة. وهذا ينهض شاهداً قويّاً على أنّ قاعدة نفي الضرر تتجاوز حدود المعاملات الفرديّة والعبادات، لتتغلغل في عمق البنيان الحقوقيّ العامّ والعلاقات الاجتماعيّة.
وقد سار الإمام الخميني (قدّس سرّه) في «بدائع الدرر»[1] على هذا النهج، جامعاً ومحلّلاً لهذه النصوص قبل الخوض في حديث القاعدة المباشر، إيماناً منه بأنّ استيعاب روح القاعدة يفتقر إلى تتبّع موارد استعمال عنوان «الضرر» في شتّى السياقات.
مصدر الرواية والبحث السنديّ
روى هذا الخبر ثقة الإسلام الكلينيّ في «الكافي»[2] وشيخ الطائفة في «التهذيب».[3] ومتن الكافي كما يلي:
«مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)، عَنْ أَبِيهِ (عليه السلام) قَالَ:
قَرَأْتُ فِي كِتَابٍ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله) كَتَبَ كِتَاباً بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ لَحِقَ بِهِمْ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ...
أَنَّ كُلَّ غَازِيَةٍ غَزَتْ بِمَا يُعَقِّبُ بَعْضُهَا بَعْضاً بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حَرْبٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا. وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٍ. وَحُرْمَةَ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ أُمِّهِ وَأَبِيهِ...».
الوقفة السنديّة
يتألّف سند الكافي من محمّد بن يحيى العطّار (الثقة الجليل)، عن أحمد بن محمّد بن عيسى الأشعري (شيخ القمّيّين الثقة)، عن محمّد بن يحيى الخزّاز (الإماميّ الثقة)، عن طلحة بن زيد. ومحلّ الكلام في «طلحة بن زيد». فقد وُصف بأنّه عامّيٌّ بتريٌّ[4] وضُعّف في بعض الكلمات، إلا أنّه نُصّ على أنّ كتابه معتمد،[5] وقد استند الفقهاء إلى رواياته في موارد شتّى. بل عبّر عنه بعض الرجاليّين بأنّه «ضعيفٌ كالموثّق».[6] وعليه، فالرواية ـ بملاحظة الاعتبار النسبيّ وعمل الأصحاب ـ صالحةٌ للاعتماد في مقام التأييد والاستظهار.
موقعيّة العهد في النظام السياسيّ الإسلاميّ
تعكس الرواية وثيقةً دستوريّةً أبرمها النبيّ (صلى الله عليه وآله) عقب الهجرة، لتنظيم العلاقة بين المهاجرين والأنصار ومن التحق بهم من أهل يثرب، وقد فصّلتها المصادر التاريخيّة كسيرة ابن هشام وكتاب الأموال.[7]
وقد أسّست هذه الوثيقة لمبادئ مفصليّة:
1. وحدة الأمّة الإسلاميّة وتماسكها رغم التنوّع القبليّ.
2. تنظيم نظام الديات وفداء الأسرى والحماية المتبادلة وفق معايير «المعروف والقسط».
3. دمج اليهود في إطار العهد مع ضمان حريّة دينهم وأموالهم.
4. حصر مرجعيّة فضّ النزاعات بالله ورسوله.
وقد عدّها بعض المحقّقين المعاصرين «أقدم عهدٍ سياسيّ» و«حجر الزاوية للدولة الإسلاميّة»، لكونها تجسّد البعد القياديّ والسياسيّ للنبيّ (صلى الله عليه وآله) إلى جانب مقامه النبوّيّ.[8] ومحطّ النظر في مقامنا هو الفقرات التي نصّت على منع الإضرار وإرساء العدالة في العلاقات الاجتماعيّة والعسكريّة.
الفقرات المرتبطة بمنع الإضرار
١. مبدأ التناوب العادل في الجهاد
ورد في العهد: «أَنَّ كُلَّ غَازِيَةٍ غَزَتْ... يُعَقِّبُ بَعْضُهَا بَعْضاً بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ». والمقصود بـ «التعقيب» ـ كما في «النهاية» ـ هو التناوب،[9] أي أن تتناوب الطوائف على الجهاد، فلا يُلقى عبء القتال على كاهل فئةٍ دون أخرى. وقد قيّد النبيّ (صلى الله عليه وآله) هذا التناوب بـ «المعروف والقسط»، ممّا يدلّ على لزوم رعاية العدالة والاعتدال حتّى في التكاليف الجهاديّة الشاقّة، ومنع التحميل المجحف على طائفةٍ بعينها، وهو مصداقٌ جليٌّ لنفي الإضرار الاجتماعيّ.
٢. اشتراط الإذن في الحرب
وقوله: «فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ حَرْبٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا»، استُدلّ به في فقه الإماميّة على اشتراط إذن الإمام المعصوم (عليه السلام) في الجهاد الابتدائيّ. ووجه الشاهد فيه أنّ قرار الحرب والسلم ليس متروكاً للأفراد أو الفئات، بل هو مقيّدٌ بالمصلحة العامّة ومنع الفوضى والضرر المترتّب على التصرّف الفرديّ في شؤون الأمّة المصيريّة.
٣. «الْجَارُ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٍ»
وهي الفقرة المحوريّة في بحثنا.
أ) تحديد المراد بالجار:
يدور احتمال «الجار» بين معنيين: الجار المتعارف في السكنى، أو المُجار (المستأمَن). والظاهر، بمقتضى إطلاق التشبيه بالنفس وعطف حرمة الأم والأب، هو الحمل على الجار العرفيّ.
ب) دلالة الفقرة على حرمة الإضرار:
إنّ تنزيل الجار منزلة النفس يمثّل الذروة في التأكيد على رعاية حقوقه. وقيد «غَيْرَ مُضَارٍّ» يطلق العنان لنفي كافّة أشكال الإضرار، ماليّاً كان أو معنويّاً أو أمنيّاً، وسلب الراحة وتضييع الحقوق. وقد استند صاحب الجواهر (قدّس سرّه) في بحث حريم الأملاك إلى هذه الرواية، مقرّراً أنّها تشهد ـ بضميمة نصوص سمرة ـ لتقديم النهي عن الإضرار بالجار على إباحة تصرّف المالك في ملكه عند التعارض.[10] وهذا التوظيف الفقهيّ يكشف عن أنّ الرواية تُعدّ مستنداً معتمداً في ترجيح كفّة «نفي الضرر» على قاعدة «السلطنة» في موارد التزاحم.
علاقة العهد النبويّ بقاعدة «لا ضرر»
وإن خلت هذه الرواية من لفظ القاعدة الصريح، إلا أنّها ترفد البحث من جهاتٍ عدّة:
1. التأصيل الاجتماعيّ: ترسيخ مبدأ منع الإضرار كقاعدةٍ حاكمةٍ على العلاقات العامّة في وثيقةٍ دستوريّة.
2. شموليّة الموضوع: إطلاق «غَيْرَ مُضَارٍّ» يتجاوز الحدود الماليّة ليشمل كافّة أبعاد الحياة.
3. البعد الحكوميّ: حضور مبدأ نفي الضرر والظلم كركيزةٍ في إدارة الدولة (التناوب في الجهاد، شرط الإذن، القسط).
4. الدعم والإسناد: تشكّل الرواية، بضميمة النصوص الخاصّة السابقة، ظهيراً قويّاً للدعوى القائلة بأنّ روح الشريعة قائمةٌ على نفي الإضرار، وأنّ حديث «لا ضرر ولا ضرار» هو الصياغة الكبرويّة لهذا الروح الساري.
النتيجة النهائيّة
وصفوة القول هي أنّ عهد النبويّ، بفقرته المركزيّة «الجار كالنفس غير مضارٍّ ولا آثم»، ينهض دليلاً ناصعاً على حرمة الإضرار بالغير، سواءٌ في الجوار الخاصّ أم في الاجتماع العامّ. واستناد الأعلام كصاحب الجواهر إليه في حسم مادة التعارض، يثبّت موقعه في المنظومة الاستدلاليّة. وبهذا، يكتمل عقد التتبّع المورديّ لروايات الضرر، ممهّداً السبيل للدخول في صلب البحث، و هو التحليل المباشر لروايات «لا ضرر ولا ضرار» وتحديد دلالتها النهائيّة وسعة انطباقها.
الأصول الأربعة عشر المستفادة من العهد النبويّ
استنبط صاحب «دراسات في ولاية الفقيه» من وثيقة العهد النبويّ ـ التي عقدها الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) عقب الهجرة بين مكوّنات المجتمع المدنيّ ـ أربعة عشر أصلاً تأسيسيّاً في الفقه السياسيّ والاجتماعيّ للإسلام. وفيما يلي عرضٌ مهذّبٌ لهذه الأصول:
الأصل الأوّل: وحدة الأمّة الإسلاميّة
نصّت الوثيقة في مستهلّها على أنّ المؤمنين والمسلمين من قريشٍ ويثرب ومن تبعهم، «أمّةٌ واحدةٌ من دون الناس». وهذا الأصل يرسخ الهويّة الجامعة للمسلمين على أساس العقيدة، متجاوزاً العصبيّات القبليّة والعرقيّة، ومعتبراً المسلمين كياناً سياسيّاً واجتماعيّاً موحّداً في قبال سائر الأمم.
الأصل الثاني: الإقرار المرحليّ للأعراف في الديات
أقرّت الوثيقة القبائلَ على عاداتها (رِبعَتها) في الديات وفداء الأسرى، قائلةً: «المهاجرون من قريش على ربعتهم... وهم يفدون عانيهم...». وهذا الإقرار يكشف عن سياسة التدرّج في التشريع، حيث أُمضيت الأعراف غير المنافية للأصول، ريثما تستقرّ المنظومة الجنائيّة الإسلاميّة (القصاص والديات) لاحقاً.
الأصل الثالث: لزوم الفداء بالمعروف والقسط
ألزم العهد كلّ طائفةٍ بفداء أسيرها (عانيها) «بالمعروف والقسط». وهذا يؤسّس لمبدأ العدالة والمعايير العقلائيّة في أداء الحقوق الماليّة والاجتماعيّة، نافياً التحيّز والتعسّف.
الأصل الرابع: التكافل الاجتماعيّ ونصرة «المُفرَح»
نصّت الوثيقة: «وإنّ المؤمنين لا يتركون مُفرَحاً بينهم أن يعطوه بالمعروف...». و«المُفرَح» هو المثقل بالديون أو الديات. وهذا النصّ يؤسّس لأصل التكافل الاجتماعيّ، موجباً على المجتمع نصرة العاجزين ماليّاً، وعدم تركهم يرزحون تحت الأعباء.
الأصل الخامس: الاصطفاف ضدّ الظلم والفساد
أكّدت الوثيقة على أنّ يد المؤمنين جميعاً على من بغى أو ابتغى ظلماً أو فساداً، ولو كان أقرب المقرّبين. وهذا الأصل يهدم العصبيّات القبليّة، ويرسي قاعدة المواجهة الجماعيّة للفساد الداخليّ.
الأصل السادس: أحكام القصاص والنصرة بين المؤمن والكافر
ورد في العهد: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا يُنْصَرُ كَافِرٌ عَلَى مُؤْمِنٍ». وهذا الفقرة يشكّل مستنداً فقهيّاً لعدم قصاص المسلم بالكافر، ولحرمة مظاهرة الكفّار على المؤمنين، مبرزاً الأثر الحقوقيّ للإيمان في النظام الإسلاميّ.
الأصل السابع: سريان أمان «أدنى المسلمين»
نصّت الوثيقة: «إنّ ذمّة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم». ومفاده أنّ الأمان الذي يعطيه أيّ فردٍ مسلمٍ ـ ولو كان وضيع الشأن اجتماعيّاً ـ لمحارب، يسري حكمه على الأمّة جمعاء ويجب احترامه. وهذا يكرّس الشخصيّة الحقوقيّة المعتبرة لكلّ فردٍ في المجتمع الإسلاميّ.
الأصل الثامن: منع المشرك من إجارة العدو
قضى العهد بأنّه: «لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْشٍ وَلَا نَفْسًا». وهذا التقييد يهدف إلى سدّ الثغرات الأمنيّة، بمنع المشركين المعاهدين في المدينة من تقديم المدد أو الحماية لعدوّ الأمّة، حفاظاً على الأمن العامّ.
الأصل التاسع: القصاص والمسؤوليّة الجماعيّة
قرّرت الوثيقة حقّ القصاص لوليّ الدم من قاتل المؤمن عمداً، ما لم يرضَ بالدية. كما ألزمت المؤمنين كافّة بالقيام ضدّ القاتل، مكرّسةً بذلك مبدأ القصاص، ومحمّلةً المجتمع مسؤوليّةً تضامنيّةً في إنفاذ العدالة الجنائيّة.
الأصل العاشر: حظر إيواء المحدثين
حرّم العهد نصرة «المُحْدِث» وإيواءه. والمحدث هو المبتدع أو المخلّ بالنظام العامّ. وهذا الأصل يوجب على المجتمع نبذ العناصر المفسدة ورفع الحصانة عنهم.
الأصل الحادي عشر: حقوق أهل الكتاب في ظلّ العهد
اعترفت الوثيقة بيهود بني عوف وغيرهم كـ «أمّة مع المؤمنين»، مقرّرةً لهم حريّتهم الدينيّة (لليهود دينهم وللمسلمين دينهم) وحقوقهم المدنيّة، مقابل التزامهم بالدفاع المشترك وعدم الخيانة. وهذا يؤسّس لمبدأ التعايش السلميّ وحقوق المواطنة لأهل الذمّة في الدولة الإسلاميّة، ضمن ضوابط العهد.
الأصل الثاني عشر: الدفاع المشترك عن المدينة
ألزم العهد كافّة الأطراف بالدفاع عن المدينة (يثرب) ضدّ أيّ عدوانٍ خارجيّ. وهذا يرسّخ مبدأ الدفاع المشترك والمسؤوليّة الأمنيّة الموحّدة للمجتمع.
الأصل الثالث عشر: حرمة الجار ومنع الإضرار
وهو بيت القصيد في بحثنا، حيث نصّ العهد: «وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارٍّ وَلَا آثِمٍ، وَحُرْمَةَ الْجَارِ عَلَى الْجَارِ كَحُرْمَةِ أُمِّهِ وَأَبِيهِ». وهذا الأصل ينزّل الجار منزلة النفس في الحرمة والاحترام، ويطلق النهي عن الإضرار به في كافّة شؤونه، ماليّةً كانت أو معنويّة. وهو بذلك يمثّل شاهداً قويّاً على سريان قاعدة نفي الضرر في الشريعة.
الأصل الرابع عشر: المرجعيّة العليا لفضّ النزاع
اختتمت الوثيقة بتقرير المبدأ الحاسم: «وَإِنَّكُمْ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى مُحَمَّدٍ». وهذا يثبّت المرجعيّة النهائيّة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في الفصل في الخصومات، سواءٌ بين المسلمين أنفسهم أم بينهم وبين اليهود، مكرّساً مركزيّة القيادة السياسيّة والدينيّة في شخصه الشريف.
النتيجة النهائيّة
والمتحصّل أنّ العهد النبويّ يزخر بمنظومةٍ متكاملةٍ من الأصول التأسيسيّة للفقه السياسيّ والاجتماعيّ في الإسلام، بدءاً من وحدة الأمّة والتكافل، مروراً بمنع الإضرار والعدالة في الجهاد، وانتهاءً بحقوق الأقليّات ومرجعيّة الحاكم. ويبرز فقرة «الجار كالنفس غير مضارّ» كشاهدٍ في بحث قاعدة «لا ضرر»؛ إذ يكشف عن أنّ نفي الإضرار ليس مجرّد حكمٍ فرعيّ، بل هو ركيزةٌ بنيويّةٌ في النظام الاجتماعيّ الإسلاميّ. وجديرٌ بهذه الوثيقة أن تُفرد بالبحث المستقلّ، باعتبارها مصدراً غنيّاً للتنظير في فقه الدولة والاجتماع.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
-----------------------
[1]. خمینی، روح الله، «بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر»، ص 27-44.
[2]. کلینی، محمد بن یعقوب، «الکافي»، ج 5، ص 31؛ حرّ عاملی، محمد بن حسن، «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة»، ج 15، ص 68.
[3]. طوسی، محمد بن حسن، «تهذيب الأحكام»، ج 6، ص 140.
[4]. طوسی، محمد بن حسن، «رجال الطوسي»، ص 138؛ نجاشی، احمد بن علی، «رجال النجاشي»، ص 207.
[5]. طوسی، محمد بن حسن، «فهرست کتب الشیعة و أصولهم و أسماء المصنفین و أصحاب الأصول»، ص 256.
[6]. مجلسی، محمدباقر، «ملاذ الأخيار»، ج 9، ص 372.
[7]. سيرة ابن هشام 147/2-150؛ الأموال/ 260-264، الرقم 518. نقلاً عن: (منتظری، حسینعلی، «دراسات في ولایة الفقیه و فقه الدولة الإسلامیة»، ج 2، ص 747-748.)
[8]. المصدر نفسه، ج 2، ص 748.
[9]. المصدر نفسه.
[10]. نجفی صاحب الجواهر، محمد حسن، «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، ج 38، ص 51.
-----------------------
المصادر
- حرّ عاملی، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ۳۰ ج، قم، مؤسسه آل البيت عليهم السلام، 1409.
- خمینی، روح الله، بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، قم، مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خمينی (س)، 1415.
- طوسی، محمد بن حسن، تهذيب الأحكام، 10 ج، تهران، دار الكتب الإسلاميه، 1407.
- ———، فهرست کتب الشیعة و أصولهم و أسماء المصنفین و أصحاب الأصول، قم، مکتبة المحقق الطباطبائي، 1420.
- ———، رجال الطوسي، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم. مؤسسة النشر الإسلامي، 1427.
- کلینی، محمد بن یعقوب، الکافي، ۸ ج، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
- مجلسی، محمدباقر، ملاذ الأخيار، ۱۶ ج، قم، کتابخانه عمومی حضرت آيت الله العظمی مرعشی نجفی (ره)، 1406.
- منتظری، حسینعلی، دراسات في ولایة الفقیه و فقه الدولة الإسلامیة، ۴ ج، قم، المرکز العالمي للدراسات الاسلامیة، 1409.
- نجاشی، احمد بن علی، رجال النجاشي، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم. مؤسسة النشر الإسلامي، 1365.
- نجفی صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ۴۳ ج، بیروت، دار إحياء التراث العربي، 1981.
نظری ثبت نشده است .