درس بعد

قاعدة لاضرر و لاضرار

درس قبل

قاعدة لاضرر و لاضرار

درس بعد

درس قبل

موضوع: قاعدة لاضرر و لا ضرار


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٢/٥


شماره جلسه : ۵

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • المنهجيّة القويمة في مقاربة روايات «الضرر» قبل الولوج في القاعدة

  • سعة نطاق القاعدة

  • المنهج الاجتهاديّ: من الموارد الخاصّة إلى القاعدة الكلّيّة

  • روايات «الضرر» في العبادات والأحكام السلطانيّة

  • ١. كفاية خوف الضرر في سقوط الغسل

  • ٢. حرمة السفر بقصد الإضرار

  • ٣. روايات الضرر في صوم المريض

  • ٤. حجامة الصائم وسقوط الاستحباب للضرر

  • ٥. إفطار ذوي الأعذار لخوف الضرر

  • ٦. العزيمة في الإفطار عند الضرر

  • ٧. حرمة إضرار الحاكم بالرعيّة في الخراج

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

مُحصّل البحث المتقدّم
واصلنا في البحث السابـق دراسة «آيات الضرر» وتحديد موقعيّتها بالنسبة إلى قاعدة «لا ضرر». واستهللنا بتحليل قوله تعالى في آية الميراث: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾. وقد استظهرنا من قيد ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ النهي التكليفيّ عن الوصيّة والدَّيْن المتّسمين بالإضرار بالورثة. فالموصي ممنوعٌ شرعاً من التصرّف بنحوٍ يُجحف بحقّ الورثة ويحرمهم من نصيبهم المتعارف. وقد عضدت هذا المعنى روايات «عدم جواز الجور في الوصيّة»، كقوله (عليه السلام): «مَنْ جَارَ فِي وَصِيَّتِهِ...» و«إِنَّ الضِّرَارَ فِي الْوَصِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ». 
وبضميمة أدلّة تحديد نفوذ الوصيّة بالثلث، وتوقّف الزائد على إجازة الورثة، خلصنا إلى أنّ الوصيّة الضرريّة محرّمةٌ تكليفاً، وغير نافذةٍ وضعاً في الزائد على الثلث إلا بالإجازة. كما أنّ العرف يتعدّى بملاك «الإضرار» ليشمل سائر التصرّفات الماليّة الكيديّة، كالوقف والهبة الصوريّة الهادفة لحرمان الورثة. ثمّ انتقلنا إلى دراسة آية: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ…﴾. فتبيّن أنّ «أولي الضرر» هم أصحاب الأعذار والعاهات البدنيّة العاجزون عن الجهاد، والخارجون عن دائرة وجوبه، قبالاً للقاعدين «غير أولي الضرر» الذين يُذمّ تخلّفهم ويُحرمون فضيلة الجهاد. واستفيد من هذا الاستثناء أنّ الضرر المعتدّ به في نفس المكلّف يمنع من توجّه الوجوب في مثل الجهاد، وبطريق أولى في سائر التكاليف، فيرتفع الوجوب أو ينتقل إلى البدل. 
وفي هذا السياق، فُسّر كلام السيّد الخوئي حول كفاية «الاحتمال العقلائيّ للضرر» في سقوط التكليف. ثمّ أوضحنا التمايز بين «مقام أصل التشريع» في آياتٍ كـ ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ و﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾، وبين «مقام الإطلاق» وبيان الكبريات في آياتٍ كـ ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ و﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾. لقد أثبتت الآيات من جهةٍ حرمةَ الإضرار بالغير (في الطلاق والرضاع والوصيّة والمعاملات)، ومن جهةٍ أخرى سقوطَ التكليف الضرريّ في النفس. بيد أنّ مهمّة تأسيس قاعدة «لا ضرر» كأصلٍ حاكمٍ تبقى منوطةً بالحديث الشريف. وختاماً، مهّدنا للدخول في الدليل الثاني (السنّة)، مقسّمين الروايات إلى فئتين: «روايات رفع الحكم للضرر»، و«الروايات المصرّحة بلفظ لا ضرر ولا ضرار».

المنهجيّة القويمة في مقاربة روايات «الضرر» قبل الولوج في القاعدة
بعد الفراغ من البحث في الدلالة القرآنيّة، تصل النوبة إلى استقصاء الدليل الروائيّ لقاعدة «لا ضرر». والمنهج القويم الذي نرتضيه في هذا المقام، يقتضي التأنّي قبل القفز المباشر إلى الروايات المتضمّنة لكبرى «لا ضرر ولا ضرار»، والبدء أوّلاً بتتبّع موقعيّة عنوان «الضرر» في النصوص الروائيّة بنحوٍ مورديّ. وبعبارةٍ أدقّ، قبل أن نبحث «قاعدة لا ضرر» كأصلٍ كلّيٍّ حاكم، يلزمنا سبر أغوار الروايات للإجابة عن تساؤلاتٍ محوريّة:

في أيّ الأبواب والمجالات الفقهيّة ورد عنوان «الضرر»؟ هل انحصر وروده في المعاملات وحقوق الأملاك، أم تسرّب إلى العبادات وسائر الأبواب؟ وهل اختصّت الروايات بموارد الإضرار بالغير، أم شملت الإضرار بالنفس؟ وفي فرض الإضرار بالغير، هل دائرة «الغير» تشمل المسلم والكافر، أم تختصّ بالمسلم؟ إنّ هذا الاستقراء المورديّ، وإن لم يدّعِ الاستيعاب الشامل، إلا أنّه كفيلٌ بتوضيح معالم المسألة، وتمهيد الأرضيّة لفهمٍ أعمق وأدقّ للقاعدة الكلّيّة.

سعة نطاق القاعدة
من العبادات إلى المعاملات

ومع أنّ مورد صدور حديث «لا ضرر ولا ضرار» في قضيّة سمرة بن جندب يتّصل بباب المعاملات وحقوق الأملاك، إلا أنّ مشهور الفقهاء قد أجروا القاعدة في العبادات والمعاملات على حدّ سواء. والتتبّع في الروايات الخاصّة المتضمّنة لعنوان الضرر أو خوفه في مختلف الأبواب، يعزّز القول بأنّ «الضرر» في السنّة الشريفة ليس حبيس بابٍ بعينه، بل هو حاضرٌ في طيفٍ واسعٍ من الفقه، يمتدّ من العبادات إلى المعاملات والحقوق، وحتّى فقه الحكومة. وهذا الحضور الواسع يشكّل قرينةً قويّةً على أنّ قاعدة «لا ضرر» ليست من سنخ القواعد الخاصّة المحدودة، بل شأنها شأن القواعد العامّة الحاكمة.

ثنائيّة الإضرار بالغير والنفس

والمحور الآخر في هذا التتبّع الروائيّ هو تنقيح شمول الروايات لموارد الإضرار بالنفس، بعد أن استظهرنا في البحث القرآنيّ حرمة الإضرار بالغير بوضوح، بينما بقيت دلالة الآيات على حرمة الإضرار بالنفس قاصرةً أو غير صريحة (وإن كان باب التتبّع في القرآن مفتوحاً دائماً). ومن المأمول أن تنهض الروايات الخاصّة بتجلية الموقف في هذا الجانب: هل حرّم الشارع الإضرار بالنفس استقلالاً؟ وإذا ثبتت الحرمة، فما هي حدودها وضوابطها؟ هل تشمل كلّ مخاطرةٍ وضررٍ ولو كان يسيراً ومتعارفاً، أم تنصرف إلى الإضرار المعتدّ بها الخارجة عن الحدود العقلائيّة المتعارفة؟ إنّ الروايات المورديّة المبثوثة في أبواب العبادات والمعاملات تتكفّل بتقديم إجاباتٍ عمليّةٍ لهذه التساؤلات.

شمولُ الحرمةِ للكافر

والجهة الثالثة ـ التي كان حريّاً التعرّض لها في ذيل الآيات ـ تتعلّق بنطاق حرمة الإضرار بالغير: هل هي عامّةٌ للمسلم والكافر، أم تختصّ بالمسلم؟ فالظاهر الأوّلي للقرآن الكريم، لعدم تقييده بـ «المسلم»، هو الإطلاق والشمول. بيد أنّ بعض الروايات قد وردت مقيّدةً بـ «المسلم» أو «قومٍ مسلمين»، ممّا يثير تساؤلاً حول ثبوت الحرمة التكليفيّة للإضرار بالكافر (لا سيّما الحربيّ) على حدّ ثبوتها في المسلم.

ونؤكّد هنا أنّ البحث منصبٌّ على «الحكم التكليفيّ» (الحرمة)، لا الوضعيّ (الضمان) الذي قد يختلف باختلاف حال المتضرّر (مسلماً، ذمّيّاً، أو حربيّاً). وعليه، فإنّ الاستنطاق الدقيق للروايات، وتحديداً تلك المشتملة على قيودٍ كـ «على قومٍ مسلمين»، كفيلٌ بحسم الموقف في هذه المسألة، وتبيين ما إذا كان الشارع قد فصّل في الحرمة التكليفيّة بين المسلم والكافر، أم أطلق المنع.

المنهج الاجتهاديّ: من الموارد الخاصّة إلى القاعدة الكلّيّة
وتأسيساً على ما تقدّم، يتّضح أنّ المسار الاجتهاديّ السليم في استنباط قاعدة «لا ضرر» يمرّ عبر مرحلتين:

1. دراسة الروايات الخاصّة والمورديّة: وذلك بأن نُخضع كلّ روايةٍ للتحليل المستقلّ والمفصّل، فنعين بدقّةٍ الحكمَ الشرعيَّ الذي رُفع أو تغيّر بسبب عروض الضرر. ثمّ نبحث في إمكانيّة «إلغاء الخصوصيّة» عرفاً عن المورد. فلو ثبت مثلاً سقوط وجوب الصوم عن المريض لتضرّره، هل يسري الحكم إلى سائر موارد الضرر، أم يختصّ بمورده؟ كما يلزم تحديد نطاق كلّ حكمٍ وشموله، ونسبته إلى سائر الأدلّة في الباب.

2. الانتقال إلى روايات الكبرى العامّة: وبعد الفراغ من التأسيس الروائيّ التفصيليّ، ننتقل إلى دراسة الروايات المتضمّنة لكبرى «لا ضرر ولا ضرار». وفي هذه المرحلة، تتضافر الدلالتان ـ الخاصّة والعامّة ـ لتحديد سعة دائرة القاعدة ومستوى حكومتها على الأحكام، وتزداد القاعدة استحكاماً بفضل الشواهد المتنوّعة في الأبواب المختلفة.[1]

وعلى هذا المنوال، وكما تتبّعنا الآيات القرآنيّة واحدةً تلو الأخرى، سنسلك المنهج ذاته في السنّة الشريفة. وسنعتمد في العرض والتحليل ـ في المقام الأوّل ـ على الروايات التي جمعها المحقّق العراقي (قدّس سرّه) في مقدّمة رسالته، مضافاً إلى ما طرحناه في أبحاثنا الفقهيّة (ككتاب الحجّ). وسنخصّص الفصل القادم ـ بمشيئة الله ـ لاستعراض هذه الموارد الخاصّة وتحليلها في أبوابها، توطئةً للبحث المباشر في روايات «لا ضرر ولا ضرار».

روايات «الضرر» في العبادات والأحكام السلطانيّة
استكمالاً للمنهج المقرّر، نستعرض طائفةً من النصوص الجزئيّة المتناثرة في أبواب الفقه، والمشتركة في تضمّنها لعنوان الضرر أو خوفه. وهذه الروايات تساهم في رسم خارطة «الضرر» في الشريعة، وتدعم مبانيَ أساسيّة، ككفاية الاحتمال العقلائيّ للضرر، وسقوط الأحكام الضرريّة (وجوباً واستحباباً).

١. كفاية خوف الضرر في سقوط الغسل
الرواية الأولى: ما رواه المحدّث النوري في «مستدرك الوسائل» نقلاً عن كتاب «دعائم الإسلام»، ونصّها:

«وَقَالُوا عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ: وَيُحَرَّكُ الدُّمْلُجُ وَالْخَاتَمُ وَقْتَ الْغُسْلِ لِيَصِلَ الْمَاءُ إِلَى مَا تَحْتَهَا. وَقَالُوا عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ فِيمَنْ كَانَتْ بِهِ قُرُوحٌ أَوْ جِرَاحٌ أَوْ جُدَرِيٌّ وَاحْتَاجَ إِلَى الْغُسْلِ، وَلَمْ يَخَفْ مِنْ ضَرَرِ الْمَاءِ اغْتَسَلَ. وَإِنْ قَدَرَ أَنْ يُمِرَّ يَدَيْهِ وَإِلَّا وَضَعَهَا قَلِيلًا قَلِيلًا. وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَجْزَأَهُ مَرُّ الْمَاءِ عَلَى جَسَدِهِ. وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ الصَّعِيدَ».[2]

دلالة الرواية

بيّنت الرواية في صدرها كيفيّة التعامل مع الحائل (كالدملج والخاتم). ثمّ تعرّضت لحكم من ابتلي بالقروح أو الجراح أو الجدريّ واحتاج إلى الغسل، مقرّرةً: «وَاحْتَاجَ إِلَى الْغُسْلِ، وَلَمْ يَخَفْ مِنْ ضَرَرِ الْمَاءِ اغْتَسَلَ». وظاهر العبارة اشتراط وجوب الغسل بعدم الخوف من ضرر الماء. ومفهومه الواضح أنّه مع تحقّق الخوف من الضرر، يسقط الوجوب وينتقل التكليف إلى التيمّم، بقرينة الذيل: «وَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الْمَاءَ تَيَمَّمَ الصَّعِيدَ».

وترتكز الدلالة في هذا النصّ على قوله (عليه السلام): «لَمْ يَخَفْ مِنْ ضَرَرِ الْمَاءِ». حيث جعل المعيار هو «عدم الخوف»، لا «عدم العلم» بالضرر. ومقتضاه أنّ موضوع سقوط وجوب الغسل هو تحقّق خوف الضرر، لا إحرازه اليقينيّ. فالمكلّف، بمجرّد خوفه العقلائيّ من ضرر الماء، يسقط عنه تكليف الغسل ويشرع في حقّه العدول إلى التيمّم، من دون توقّفٍ على القطع بالضرر. وهذا يكشف عن أنّ عنوان «خوف الضرر» ليس مختصّاً بباب الصوم، بل هو مسوّغٌ عامٌّ للعدول من الوظيفة الأوّليّة إلى البدل الاضطراريّ. ومن هنا يمكن استظهار كبرى مفادها أنّ الشارع قد نزّل الاحتمال العقلائيّ للضرر منزلة العلم به.

تنبيه سنديّ

نعم، لا يخفى أنّ روايات «دعائم الإسلام» غالباً ما تكون مرسلة، ممّا يثير النقاش حول حجّيّتها المستقلّة. ولكنّها تبقى ذات قيمةٍ شاهديّةٍ ومؤيّدة، لا سيّما عند انضمامها إلى الروايات الصحيحة الأخرى.

٢. حرمة السفر بقصد الإضرار
الرواية الثانية ما رواه الكليني في «الكافي» والصدوق في «الفقيه» في باب صلاة المسافر. وسند الكافي: «عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام)...». ومتنها:

«قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ سَافَرَ قَصَّرَ وَأَفْطَرَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلًا سَفَرُهُ إِلَى صَيْدٍ، أَوْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، أَوْ رَسُولًا لِمَنْ يَعْصِي اللَّهَ، أَوْ فِي طَلَبِ شَحْنَاءَ، أَوْ سِعَايَةِ ضَرَرٍ عَلَى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ».[3]

وفي «الفقيه» بتفاوتٍ يسير: «...أَوْ فِي طَلَبِ عَدُوٍّ، أَوْ شَحْنَاءَ، أَوْ سِعَايَةٍ، أَوْ ضَرَرٍ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ».[4]

الدلالة

تتّفق الروايتان في المضمون الأساسي وهو أنّ حكم القصر والإفطار عامٌّ لكلّ مسافر، باستثناء حالاتٍ خاصّةٍ يكون فيها السفر محرّماً أو غير مشروع، منها السفر في معصية الله، أو لطلب الشحناء، أو لـ «سِعَايَةِ ضَرَرٍ عَلَى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ».

نقاطٌ تحليليّةٌ في الرواية:

١. دلالة الحرمان على الحرمة: إنّ استثناء هذه الأسفار من رخصة القصر والإفطار يكشف عن كونها مصداقاً لـ «سفر المعصية» ومبغوضةً للشارع. فوقوع «سعاية الضرر على قومٍ مسلمين» في سياق «معصية الله» يدلّ بوضوحٍ على الحرمة التكليفيّة للإضرار بالمسلمين.

٢. دلالة القيد: يظهر من التقييد بـ «عَلَى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ» أنّ الأثر الخاصّ (حرمان القصر والإفطار) مترتّبٌ على الإضرار بهذه الفئة. وهذا الظهور البدويّ قد يوحي بالتحديد، أي أنّ الإضرار بغير المسلمين لا يستتبع هذا الأثر في باب صلاة المسافر. ولكنّ هذا لا يعني بالضرورة نفي الحرمة التكليفيّة للإضرار بالكافر مطلقاً، بل يحتاج البتّ في ذلك إلى ملاحظة سائر الأدلّة.

٣. الاعتبار السنديّ: ورغم النقاش المعروف في وثاقة سهل بن زياد، إلا أنّ تعدّد الطرق، ووجود المؤيّدات، وعمل المشهور بمضمون الرواية في باب «سفر المعصية»، يورث الاطمئنان بصدور المضمون إجمالاً، وهو كافٍ لإثبات الحرمة التكليفيّة للإضرار بالمسلمين في هذا السياق.

٣. روايات الضرر في صوم المريض
وتعدّ الروايات الواردة في صوم المريض من أجلى مصاديق تطبيق عنوان الضرر في العبادات.

رواية عليّ بن جعفر

سأل عليّ بن جعفر أخاه الإمام الكاظم (عليه السلام):

«سَأَلْتُهُ عَنْ حَدِّ مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرِيضِ تَرْكُ الصَّوْمِ؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَرَضِ أَضَرَّ بِهِ الصَّوْمُ، فَهُوَ يَسَعُهُ تَرْكُ الصَّوْمِ».[5]

فالسؤال متوجّهٌ إلى «الحدّ» الموجب لترك الصوم. وقد أجاب الإمام (عليه السلام) بكبرى كلّيّة و هو أنّ كلّ مرضٍ يكون الصوم مضرّاً به، فإنّ المكلّف في سعةٍ من تركه. وظاهر الرواية أنّ مطلق المرض لا يكفي مسوّغاً للإفطار، بل المدار على المرض الذي يترتّب الضرر على الصوم معه.[6]

رواية بكر بن أبي بكر الحضرمي

وفي نصٍّ آخر، يسأل والد بكر الحضرمي الإمام الصادق (عليه السلام):

«مَا حَدُّ الْمَرَضِ الَّذِي يُتْرَكُ مِنْهُ الصَّوْمُ؟ قَالَ: إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَتَسَحَّرَ».[7]

فجعل (عليه السلام) المعيار عدم استطاعة التسحّر، وهو كاشفٌ نوعيٌّ عن العجز عن الصوم؛ إذ من يعجز عن تناول السحور، يعجز عادةً عن تحمّل مشقّة الصوم. وبالجمع بين الروايتين، نستفيد:

- أوّلاً: أنّ مناط سقوط الوجوب هو تحقّق «الضرر» أو «العجز المتعارف»، لا مجرّد عنوان المرض.

- ثانياً: أنّ تشخيص هذا الضرر موكولٌ إلى الفهم العرفيّ والتشخيص العقلائيّ، ولا يُشترط فيه القطع.

- ثالثاً: أنّ هذا المنطق يتناغم تماماً مع قاعدتي «لا حرج» و«لا ضرر».

٤. حجامة الصائم وسقوط الاستحباب للضرر
ومن الشواهد اللطيفة في الباب، ما رواه الشيخ الطبرسي في «مكارم الأخلاق» عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حجامة الصائم:

«قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ (عليه السلام): يَحْتَجِمُ الصَّائِمُ فِي غَيْرِ شَهْرِ رَمَضَانَ مَتَى شَاءَ. فَأَمَّا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَلاَ يُضِرَّ بِنَفْسِهِ، وَلاَ يُخْرِجِ الدَّمَ إِلاَّ أَنْ يَتَبَيَّغَ بِهِ...».[8]

فرغم أنّ الحجامة مستحبّةٌ مؤكّدة، إلا أنّ الإمام (عليه السلام) قيّد مشروعيّتها في نهار رمضان بعدم الإضرار بالنفس، وقصرها على حالات الضرورة (كتبيّغ الدم). وهذا النصّ يثبت:

- أوّلاً: أنّ الاستحباب أيضاً مشروطٌ بعدم الضرر المعتدّ به على النفس.

- ثانياً: أنّ قاعدة نفي الضرر حاكمةٌ حتّى على الأحكام الاستحبابيّة. فمتى استلزم المستحبّ ضرراً، سقط رجحانه وتقدّم عليه وجوب حفظ النفس.

٥. إفطار ذوي الأعذار لخوف الضرر
وفي «فقه الرضا (عليه السلام)» ما نصّه:

«وَإِذَا لَمْ يَتَهَيَّأْ لِلشَّيْخِ، أَوِ الشَّابِّ الْمَعْلُولِ، أَوِ الْمَرْأَةِ الْحَامِلِ أَنْ يَصُومَ مِنَ الْعَطَشِ وَالْجُوعِ، أَوْ خَافَتْ أَنْ يُضِرَّ بِوَلَدِهَا، فَعَلَيْهِمْ جَمِيعاً الْإِفْطَارُ، وَيُتَصَدَّقُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ لِكُلِّ يَوْمٍ بِمُدٍّ مِنْ طَعَامٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ».[9]

وقد أناطت الرواية وجوب الإفطار بمعيارين:

1. العجز العمليّ عن تحمّل الصوم لشدّة العطش والجوع (للشيخ والشابّ المعلول والحامل).

2. خوف الضرر على الجنين للحامل.

وتدلّ الرواية بوضوح على أنّ خوف الضرر العقلائيّ على الجنين كافٍ في وجوب الإفطار، من دون حاجةٍ إلى اليقين. كما أنّها تؤكّد حساسيّة الشارع تجاه الضرر الواقع على الجنين، واعتباره سبباً مستقلاً لرفع وجوب الصوم وتشريع وجوب الإفطار.

٦. العزيمة في الإفطار عند الضرر
ومن أهمّ الروايات في الباب، ما أرسله الصدوق في «الفقيه» جازماً:

«كُلُّ مَا أَضَرَّ بِه الصَّوْمِ فَالْإِفْطَارُ لَهُ وَاجِبٌ».[10]

وبناءً على المختار في حجيّة مراسيل الصدوق التي يفتي بها، فإنّ هذه الرواية تنهض حجّةً معتبرة. ومفادها تأسيس كبرى كلّيّة تقضي بأنّ كلّ ما يورث ضرراً في الصوم يستلزم وجوب الإفطار. وهذا التعبير الصريح (واجب) ينقل الحكم من دائرة «الرخصة» والجواز إلى دائرة «العزيمة» والإلزام. ففي فرض الضرر، لا يخيّر المكلّف بين الصوم والإفطار، بل يتعيّن عليه الإفطار، ويكون صومه حينئذٍ مخالفاً للمشروع. وهذا المضمون ينسجم تماماً مع ما تقدّم في حقّ الشيخ والحامل (فَعَلَيْهِمُ الْإِفْطَارُ جَمِيعًا). وبالجمع بين هذه النصوص، نخلص إلى نتيجةٍ فقهيّةٍ هامّة و هي أنّ الحكم الأوّليّ بالوجوب في الصوم الضرريّ ينقلب إلى «وجوب الإفطار»، ممّا يعزّز القول بأنّ مقتضى قاعدتي «لا ضرر» و«لا حرج» هو العزيمة لا مجرّد الرخصة.

٧. حرمة إضرار الحاكم بالرعيّة في الخراج
وفي سياق الأحكام السلطانيّة، روى الكلينيّ في «الكافي» عن الإمام الكاظم (عليه السلام) في حكم الأرض المفتوحة عنوةً:

«...وَالْأَرَضُونَ الَّتِي أُخِذَتْ عَنْوَةً بِخَيْلٍ وَرِجَالٍ، فَهِيَ مَوْقُوفَةٌ مَتْرُوكَةٌ فِي يَدِ مَنْ يَعْمُرُهَا وَيُحْيِيهَا... عَلَى مَا يُصَالِحُهُمُ الْوَالِي عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ مِنَ الْحَقِّ: النِّصْفِ، أَوِ الثُّلُثِ، أَوِ الثُّلُثَيْنِ، وَعَلَى قَدْرِ مَا يَكُونُ لَهُمْ صَلاَحاً، وَلاَ يَضُرُّهُمْ».[11]

فقد قيد الإمام (عليه السلام) سلطة الوالي في تحديد الخراج والمصالحة بقيدين:

1. مراعاة الطاقة والمصلحة (عَلَى قَدْرِ طَاقَتِهِمْ... وَمَا يَكُونُ لَهُمْ صَلاَحاً).

2. عدم الإضرار (وَلاَ يَضُرُّهُمْ).

وهذا القيد الأخير يكشف بوضوحٍ عن أنّ السياسات الماليّة والعقود العامّة التي يبرمها الحاكم مع الرعيّة، مشروطةٌ بعدم الإضرار بهم. فأيّ تكليفٍ ماليٍّ يتجاوز حدود القدرة المتعارفة ويضرّ بمعاش الناس، فهو مرفوضٌ شرعاً. وبذلك، يتّسع نطاق قاعدة «لا ضرر» ليشمل «فقه الحكومة» والحقوق العامّة، مقيّداً صلاحيّات الحاكم الإسلاميّ بعدم الإضرار بالرعيّة.

الخلاصة: البنيان الروائيّ للقاعدة

ومحصل ما تقدّم أنّ هذه المنظومة من الروايات ـ المبثوثة في أبواب الغسل، وصوم المريض، والحجامة، وإفطار ذوي الأعذار، وسفر المعصية، والأراضي المفتوحة عنوةً ـ تشكّل قاعدةً روائيّةً صلبةً لفهم قاعدة «لا ضرر». ففي العبادات، ثبت أنّ الضرر (أو خوفه العقلائيّ) يرفع الوجوب، بل يوجب الإفطار (عزيمةً) في مثل الصوم. وفي المستحبّات، يسقط الاستحباب عند طروّ الضرر. وفي العلاقات الاجتماعيّة والحكوميّة، يحرم الإضرار بالمسلمين، سواءٌ من الأفراد (كالساعي بالضرر) أم من الحاكم (في الجبايات). وتأسيساً على هذه الشواهد الجزئيّة، ننتقل في البحث القادم ـ إن شاء الله ـ إلى دراسة الروايات المتضمّنة لكبرى «لا ضرر ولا ضرار» مباشرةً، لاستنباط حدود هذه القاعدة العامّة وثغورها.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

--------------------
[1]. ممّا لا شكّ فيه أنّ المتانة الأصوليّة والقدرة على تحليل المباني ركنٌ ركينٌ في عمليّة الاجتهاد، بل شرطٌ لا غنى عنه. بيد أنّ الفقاهة التامّة لا تتحصّل بمجرّد البراعة الأصوليّة، بل تفتقر إلى جناحٍ آخر لا يقلّ أهمّيّةً، وهو الإحاطة الواسعة بالفقه تتبّعاً واستقراءً، والإلمام الدقيق بالموارد والنصوص الروائيّة المبثوثة في الأبواب المختلفة. ولو دار الأمر بين مجتهدين، أحدهما يمتاز بحدة الذهن الأصوليّ وعمق التحليل، لكنّه محدود الاطّلاع على الفروع والنصوص، والآخر متوسّط القوّة في الأصول، إلا أنّه واسع الاطّلاع، غزير التتبّع، ومشرفٌ على شتات الفقه وأطرافه، فالتحقيق يقضي بتقديم الثاني، ووصفه بأنّه «أفقه» وأجدر بمهمّة الاستنباط؛ إذ الاجتهاد القويم هو نتاج التزاوج بين قوّة التحليل الأصوليّ وعمق المعرفة الفقهيّة الميدانيّة.
وقد جسّد الشيخ الأعظم الأنصاري (أعلى الله مقامه) النموذج الأمثل لهذا الجمع الفريد؛ حيث اجتمعت فيه عبقريّةٌ أصوليّةٌ فذّة، إلى جانب تتبّعٍ مذهلٍ وإحاطةٍ شاملةٍ بالنصوص والفروع الفقهيّة. وهذا النهج يرسم خارطة طريقٍ واضحةً للفقيه، مقتضاها: أنّه لا ينبغي الاكتفاء في استنباط القواعد الكبرى ـ كقاعدة «لا ضرر» ـ بالاتّكاء على بضع رواياتٍ مشهورة، بل يلزم التشمير عن ساعد الجدّ لاستقصاء موارد تطبيق عنوان «الضرر» في مختلف الأبواب، برويّةٍ ودقّة.
[2]. ‏ابن‌حیون، نعمان بن محمد، «دعائم الإسلام»، ج 1، ص 115؛ نورى، حسين بن محمد تقى، «مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل‏»، ج 1، ص 483.
[3]. ‏کلینی، محمد بن یعقوب، «الکافي»، ج 4، ص 129.
[4]. ‏حرّ عاملی، محمد بن حسن، «تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة‌»، ج 8، ص 476.
[5]. ‏المصدر نفسه، ج 10، ص 222.
[6]. وينبغي الالتفات هنا إلى نكتةٍ دقيقة وهي أنّ تعبير الإمام (عليه السلام): «يَسَعُهُ تَرْكُ الصَّوْمِ» ظاهرٌ في نفسه في «جواز الترك» و«الرخصة»، لا في «وجوب الإفطار» و«العزيمة». وعليه، فإنّ إثبات وجوب الإفطار على المريض المتضرّر، لا يتمّ بالاستناد إلى هذه الرواية وحدها، بل يفتقر إلى ضميمة رواياتٍ أخرى صرّحت بالوجوب، كقوله(عليه السلام): «فَعَلَيْهِ الْإِفْطَارُ» أو «فَالْإِفْطَارُ لَهُ وَاجِبٌ».
[7]. ‏کلینی، الکافي، ج 4، ص 118؛ حرّ عاملی، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة‌، ج 10، ص 221.
[8]. ‏حرّ عاملی، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة‌، ج 10، ص 81.
[9]. ‏نورى، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل‏، ج 7، ص 387؛ مجلسی، محمدباقر، «بحار الأنوار»، ج 96، ص 320.
[10]. ‏حرّ عاملی، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة‌، ج 10، ص 219.
[11]. ‏کلینی، الکافي، ج 1، ص 541؛ حرّ عاملی، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة‌، ج 15، ص 111.

------------------------
المصادر
- ابن‌حیون، نعمان بن محمد، دعائم الإسلام، ۲ ج، قاهرة، دار المعارف، 1383.
- حرّ عاملی، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة‌، ۳۰ ج، قم، مؤسسه آل البيت عليهم السلام‌، 1409.
- کلینی، محمد بن یعقوب، الکافي، ۸ ج، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
- مجلسی، محمدباقر، بحار الأنوار، ۱۱۱ ج، بیروت، دار إحياء التراث العربي‏، 1403.
- نورى، حسين بن محمد تقى، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل‏، 28 ج، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام‏، 1408.


الملصقات :

قاعدة لا ضرر لا ضرر ولا ضرار القواعد الفقهيّة الإضرار بالغير الإضرار بالنفس روايات الضرر خوف الضرر الغسل الضرريّ صوم المريض حجامت الصائم إفطار الشيخ والحامل العزيمة الرخصة

نظری ثبت نشده است .