موضوع: قاعدة لاضرر و لا ضرار
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٢/٤
شماره جلسه : ۴
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
آيات الضرر ونسبتها إلى قاعدة «لا ضرر»
-
حرمة الإضرار في الوصيّة ودلالة ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾
-
روايات «عدم جواز الجور في الوصيّة»
-
ظهور ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ في الحكم التكليفيّ واستظهار الوضعيّ بالالتزام
-
تعدية الملاك إلى الوقف والهبة
-
دراسة آية ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ والتكليف الضرريّ في النفس
-
دلالة «أُولِي الضَّرَر» وجهة البحث
-
الضررُ مانعاً للوجوب واستظهار الأولويّة
-
دفعُ إشكالٍ حول سياق الآية
-
سعةُ مفهومِ الضرر
-
حصيلة البحث القرآنيّ: بين أصل التشريع والتفصيل
-
٢. الاستناد إلى السنّة الشريفة
-
تصنيف الروايات الدالّة على القاعدة
-
المصادر
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
وقد عقد الحرّ العاملي (قدّس سرّه) في «وسائل الشيعة»، كتاب الوصايا، باباً تحت عنوان: «بَابُ عَدَمِ جَوَازِ الْجَوْرِ فِي الْوَصِيَّةِ وَالْحَيْفِ فِيهَا بِتَجَاوُزِ الثُّلُثِ وَوُجُوبِ رَدِّهَا إِلَى الْعَدْلِ وَالْمَعْرُوفِ».[1] وقد حفل الباب برواياتٍ ذاتِ لسانٍ شديد، نذكر منها نموذجين بارزين:
1. رواية مسندة عن الإمام الباقر (عليه السلام): «مَنْ جَارَ فِي وَصِيَّتِهِ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ عَنْهُ مُعْرِضٌ». وهذه الرواية، المعتبرة سنداً، تدلّ صراحةً على عظم العقوبة الأخرويّة لمن يجور في وصيّته، والمتمثّلة في إعراض الله تعالى عنه يوم اللقاء.
وينعقد الظهور الأوّليّ لقيد ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ في إفادة الحكم التكليفيّ، ومفاده: «عدم الجواز والإباحة الشرعيّة للوصيّة والدَّيْن المشتملين على الإضرار بالورثة». وهذا النحو من الدلالة يضاهي دلالة قوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾،[2] حيث ذهب مشهور الفقهاء إلى أنّ الحلّيّة المستفادة ابتداءً هي الحلّيّة التكليفيّة، وأمّا الصحّة والنفوذ (الحكم الوضعيّ) فيُستفادان بالدلالة الالتزاميّة وبضميمة القرائن. وكذا في مقامنا، فإنّ ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ينهى تكليفاً عن الوصيّة الضرريّة. وأمّا الحكم الوضعيّ بنفوذ الوصيّة، فيتمّ استظهاره بضميمة سائر الأدلّة، كأدلّة تحديد نفوذ الوصيّة في الثلث، وتوقّف الزائد على إمضاء الورثة.
وبالجمع بين هذه الأدلّة، نخلص إلى أنّ نفوذ الوصيّة محدودٌ بسقف الثلث، وما زاد عليه موقوفٌ على إجازة الورثة. فالوصيّة التي تتّسم عرفاً بالإضرار بالورثة، هي أوّلاً محرّمةٌ تكليفاً، وثانياً غير نافذةٍ وضعاً في الزائد على الثلث، ولا تولّد حقّاً لازماً للموصى له إلا بإجازة الورثة. وإلى هذا المعنى تشير بعض عبائر الفقهاء، كقول العلاّمة الحلّي (قدّس سرّه) في «القواعد»: «لا تجوز الوصيّة...»،[3] حيث يظهر منه إرادة عدم الجواز التكليفيّ، المستلزم لعدم النفوذ الوضعيّ في الجملة. وهو ما يؤكّده عنوان صاحب الوسائل: «باب عدم جواز الجور في الوصيّة».
وإن كانت الآية نصّاً في الوصيّة والدَّيْن، إلا أنّ العرف يستنبط من قيد ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ ملاكاً عامّاً مفاده «اشتراط عدم الإضرار بالورثة في مشروعيّة التصرّفات الماليّة للمورّث». وعليه، لو استبدل الشخصُ الوصيّةَ بوقفٍ أو هبةٍ منجّزةٍ في حياته، قاصداً بذلك حرمان الورثة من حقوقهم، كان عمله محرّماً تكليفاً، لانطباق عنوان «الإضرار» ومناط «منع الحقّ» عليه، وإن اختلف القالب الصوريّ.
نعم، لو كان المورّث قد أدّى حقوق ورثته في حياته، ثمّ أراد صرف الفاضل في وجوه البرّ من غير قصد الحرمان الكيديّ، انتفى عنه عنوان «المضارّ» وخرج عن دائرة النهي. وصفوة القول، إنّنا نستخلص من مجموع الآية والروايات النقاط التالية:
1. الحرمة التكليفيّة: يحرم الإضرار بالورثة في الوصيّة، بدلالة ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ والروايات العادّة له من الكبائر.
2. الحكم الوضعيّ: لا تنفذ الوصيّة الضرريّة في الزائد على الثلث إلا بإجازة الورثة.
3. التعميم: يسري الملاك عرفاً إلى سائر التصرّفات الماليّة الكيديّة (كالوقف والهبة) الهادفة إلى حرمان الورثة.
4. منهج الاستدلال: يدلّ لفظ «مضارّ» ظاهراً على الحكم التكليفيّ، ويُستفاد الحكم الوضعيّ (النفوذ وعدمه) بضميمة أدلّة الثلث، على غرار استفادة الصحّة من آية حلّ البيع.
في الآية ٩٥ من سورة النساء، يقول تعالى:
﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾.
والمقصود بـ «الضرر» في الآية هو النقصان والعلّة البدنيّة، من عمىً أو عرجٍ أو مرضٍ مزمنٍ مانع.[4] فـ «أُولُو الضَّرَر» هم العاجزون عن الجهاد بسبب هذه العاهات. وقد ورد في بعض مصادر العامّة أنّ الآية نزلت أوّلاً خاليةً من قيد ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾، فلمّا سأل عبد الله بن أمّ مكتوم ـ وكان ضريراً ـ عن حاله، نزل الاستثناء.[5] وبغضّ النظر عن سند الرواية، فإنّ الظهور العرفيّ للآية يقضي بأنّ القاعدين الذين فُضّل عليهم المجاهدون هم الأصحّاء القادرون (غير أولي الضرر) الذين تخلّفوا بلا عذر.
ومقتضى الاستثناء بـ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ هو أنّ المكلَّف المتّصف بـ «ذي الضرر» ـ بالحدّ المانع عرفاً من الجهاد ـ يسقط عنه وجوب الجهاد، ويندرج في زمرة القاعدين المعذورين، خارجاً عن دائرة الخطاب الإلزاميّ، مع بقاء استحقاقه للمثوبة وحسن العاقبة. ومن هنا، ينهض العرف باستنباط أولويّةٍ واضحة. فإذا كان الجهاد ـ وهو ذروة سنام الإسلام وأعظم الواجبات ـ يسقط عن المكلّف عند تحقّق الضرر (بمعنى العجز أو الحرج الشديد)، فما بالك بسائر التكاليف العباديّة والماليّة؟
وقد يُورد على هذا الاستظهار بأنّ الآية مسوقةٌ لبيان تفاوت مراتب الثواب والفضل، لا لبيان أصل الوجوب وسقوطه.
والجواب هو أنّه وإن كان سياق الآية ناظراً إلى التفضيل والمثوبة (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ...)، إلا أنّ تقييد القاعدين بـ ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ لا يستقيم إلا بملاحظة البُعد التكليفيّ. فلو كان الجهاد واجباً على «أولي الضرر» أيضاً، لما امتازوا في حال الترك عن سائر القاعدين، ولَغَا القيد. فذكر القيد كاشفٌ عن انقسام القاعدين إلى طائفتين: معذورين (أولي الضرر) سقط عنهم الوجوب، وغير معذورين حُرموا الفضيلة العظمى بتركهم الواجب. وعليه، تدلّ الآية بالالتزام على خروج «أولي الضرر» عن دائرة الإلزام بالجهاد.
إشارةٌ تحقيقيّةٌ للسيّد الخوئي: كفاية احتمال الضرر
وفي سياقٍ متّصل، يطرح السيّد الخوئي (رضوان الله عليه) في مباحث الحجّ نكتةً دقيقةً تتناغم مع هذا المنطق، حيث يقول:
لا يلزم أن يكون الضرر معلوماً جزماً، بل جرت سيرة العقلاء على الاجتناب عن محتمل الضرر.[6]
ومفاد كلامه هو أنّ الشارع المقدّس قد أولى مسألة الضرر عنايةً بالغة، بحيث نزّل «الاحتمال العقلائيّ للضرر» منزلة «العلم به» في التأثير على التكليف. وتطبيقا لذلك في الصوم مثلاً، لا يُشترط الجزم بوقوع الضرر لرفع الوجوب، بل يكفي أن يحتمل المكلّف احتمالاً معتدّاً به عند العقلاء أنّ الصوم يورثه ضرراً أو نقصاً جدّيّاً (كتلف عضوٍ أو تفاقم مرض)، ليرتفع عنه الوجوب.
وهذه القاعدة تبرهن على أمرين:
1. أنّ «الضرر المحقّق» رافعٌ لأصل الوجوب (كما استفدنا من آية الجهاد في حقّ أولي الضرر).
ولا يختصّ مفهوم «الضرر» في الآية بالعاهات المذكورة في شأن النزول كالعمى، بل يشمل كلّ نقصانٍ بدنيٍّ أو نفسيٍّ معتدٍّ به، يوجب عرفاً العجز عن الامتثال أو المشقّة البالغة، سواءٌ كان نقص عضوٍ أو مرضاً شديداً أو أيّ عارضٍ يراه العرف عذراً مسوّغاً للتخلّف عن الجهاد. وعليه، يمكن تعميم الحكم في سائر أبواب الفقه. فكلّما تحقّقت حالةٌ تضاهي «أولي الضرر» في العذر، أمكن ـ بإلغاء الخصوصيّة وبالأولويّة ـ استظهار سقوط التكليف أو انتقاله إلى البدل في حقّ المعذور.
ومحصّل دلالة آية ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ هو أنّ تحقّق الضرر والعجز البدنيّ المعتدّ به يمنع من شمول وجوب الجهاد ـ وهو من عزائم الأمور ـ للمكلّف. وبطريق الأولويّة العرفيّة، ينسحب هذا الحكم على سائر التكاليف. فكلّما استلزم الامتثال ضرراً معتبراً، ارتفع الوجوب أو تحوّل إلى بدله. وإن كانت هذه الآية ـ خلافاً لسابقاتها الناظرة إلى الإضرار بالغير ـ لا تتصدّى مباشرةً لتأسيس قاعدة «لا ضرر» بمعناها الأصوليّ الشامل، إلا أنّها تقف إلى جانب تلك الآيات وإلى صفّ الحديث الشريف، كشاهدٍ ناطقٍ بأنّ الشارع المقدّس لم يجعل التكاليف الضرريّة في عهدة المكلّفين.
حصيلة البحث القرآنيّ: بين أصل التشريع والتفصيل
لقد صرّح أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) بأنّ كلّ ما يفتون به له أصلٌ ومستندٌ في كتاب الله، يعرفونه ويستندون إليه.[7] وعلى هذا النهج، نجد أنّ كثيراً من الأحكام الفقهيّة المتسالم عليها اليوم، تستند في جذورها إلى القرآن الكريم، وإن أُوكل تفصيلها إلى السنّة. وَمِن أمثلة ذلك الحكم المشهور بسقوط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا استلزم ضرراً معتدّاً به على الآمر أو الناهي. فإنّ جذر هذا الحكم يعود إلى هذه المنظومة القرآنيّة النافية للضرر، وإن تكفّلت الروايات ببيان تفاصيله.
وقد أشرنا في مطاوي البحث إلى أنّ كثيراً من آيات الأحكام تقتصر على مقام «أصل التشريع»، دون استيفاء القيود. وقد استشكل البعض في هذا التعبير، موهماً منافاته لشأن القرآن الكريم. والحقّ أنّنا لا ندّعي أنّ «جميع الآيات» كذلك، بل المراد أنّ «طائفةً منها» تكتفي بأصل التشريع، بينما توجد آياتٌ أخرى تجمع بين التأسيس وبين الإطلاق وسعة الدلالة القابلة للاحتجاج.
فآياتٌ كقوله تعالى: ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، و﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾،[8] و﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ...﴾،[9] و﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾،[10] تقع في المرتبة الأولى في مقام إثبات أصل الحكم. فـ ﴿أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ تُثبت أصل مشروعيّة البيع، لا تفاصيل الشروط والأقسام. و﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ تُثبت أصل الوجوب، لا جزئيّات السورة والاستعاذة وكيفيّة الصلاة بالتيمّم. و﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ تُثبت أصل الوجوب على المستطيع، لا تفاصيل الاستطاعة والمناسك. و﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا﴾ تُثبت أصل مشروعيّة القصر، لا تحديد المسافة وشروط السفر. والقول بأنّها في مقام أصل التشريع، لا يعني نفي الدقّة القرآنيّة، بل هو تحديدٌ منهجيٌّ لـ «مقام البيان»، حيث تكفّل القرآن بالأصل، وأوكل التفصيل للسنّة.
وفي المقابل، تزخر الآيات بنصوصٍ تجمع بين التأسيس والإطلاق، كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾،[11] و﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾،[12] و﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾.[13] فآية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ...﴾ مثلاً، لا تكتفي ببيان أصل الوجوب، بل يستنبط الفقيه من دلالة «الإتمام لله» فروعاً جمّةً في النيّة، ولزوم الإتمام، وأحكام الإحصار والإفساد، وغيرها.[14]
وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، الوارد في تحديد قنوات الاستمتاع المشروع (الأزواج وملك اليمين). فقد عُدّ كلّ طلبٍ للشهوة خارج هذا الإطار عدواناً. وقد استُفيد من إطلاق هذه الآية في مسائل مستحدثة كالتلقيح الصناعيّ بنطفة الأجنبيّ، وفي حرمة الاستمناء. ففي روايةٍ عن الإمام الصادق (عليه السلام) حين سُئل عن حكم الخضخضة (الاستمناء)، أفتى بحرمتها. وحين طُولب بالدليل القرآنيّ، تلا هذه الآية، معتبراً الاستمناء مصداقاً لـ «الابتغاء وراء ذلك».[15] ومن هذا القبيل أيضاً آية ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، التي أسّست لكبرى نفي الحرج في الشريعة، وغدت مرجعاً للفقهاء في شتّى الأبواب.
النتيجة النهائيّة
وصفوة القول، إنّنا نخلص من مجموع البحث إلى النتائج التالية:
1. ينقسم البيان القرآنيّ إلى قسمين: آياتٌ تكتفي بـ «أصل التشريع»، فلا يصحّ فيها التمسّك بالإطلاق لاستيفاء القيود. وآياتٌ تجمع بين التأسيس و«الإطلاق» في الكبريّات، وهي التي تنهض دليلاً لاستنباط الفروع.
2. إنّ توصيف آيةٍ بأنّها في «مقام أصل التشريع» ليس تنقيصاً من شأنها، بل هو تحديدٌ دقيقٌ لمنهجيّة الجعل فيها.
3. استفدنا من منظومة آيات الضرر قاعدةً كلّيّةً مفادها «حرمة الإضرار بالغير» في سائر العلاقات الحقوقيّة، وذلك بإلغاء الخصوصيّة.
4. استظهرنا من آية ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ قاعدةً أخرى مفادها أنّ الضرر المعتدّ به في نفس المكلّف يمنع من توجّه الخطاب الإلزاميّ، بالأولويّة القطعيّة.
وبهذا البيان، نكون قد استوفينا البحث في البُعد القرآنيّ لقاعدة «لا ضرر»، ممهّدين الطريق للانتقال إلى دراسة الروايات الشريفة الدالّة عليها.
٢. الاستناد إلى السنّة الشريفة
تصنيف الروايات الدالّة على القاعدة
ينتظم الدليل الروائيّ في هذا الباب ضمن فئتين رئيستين، تنقسم الثانية منهما بدورها إلى فرعين:
الفئة الأولى: روايات رفع الحكم الطارئ للضرر
تنتشر هذه الروايات في ثنايا الأبواب الفقهيّة المختلفة، ويجمعها جامعٌ واحدٌ هو تدخّل الشارع لرفع حكمٍ أو تغييره بسبب عروض الضرر. فحيثما تحقّق الضرر، كشفت الرواية عن كونه مانعاً من استمرار الحكم السابق أو من أصل جعله.[16] وقد أحصى المحقّق العراقي (أعلى الله مقامه) هذه الموارد بدقّةٍ بالغةٍ في مطلع رسالته في قاعدة «لا ضرر»، مشيراً إلى سعة انتشارها في أبوابٍ شتّى. وسنتعرّض لذكر عناوينها ونماذجها البارزة في محلّها. وهذه الطائفة، وإن خلت من اللفظ الصريح لـ «لا ضرر ولا ضرار»، إلا أنّ روح القاعدة ساريةٌ فيها، ويؤدّي تضافرها إلى تعزيز الاتّجاه التشريعيّ العامّ نحو نفی الحكم الضرريّ.
الفئة الثانية: الروايات المصرّحة بـ «لا ضرر ولا ضرار»
وتشمل هذه الفئة النصوص التي تضمنت العبارة النبويّة الصريحة: «لا ضرر ولا ضرار»، مشفوعةً أحياناً بقيودٍ كـ «في الإسلام» أو «على مؤمن». وتنقسم إلى شعبتين:
الشعبة الأولى: الروايات المقترنة بقضيةٍ خاصّة
وهي التي ورد فيها الحديث الشريف ضمن سياق واقعةٍ خارجيّةٍ محدّدةٍ أو شأن صدورٍ خاصّ، كقضيّة سمرة بن جندب الشهيرة وغيرها. وفي هذه الموارد، ساق النبيّ (صلى الله عليه وآله) هذه الجملة كـ «كبرى حاكمة» لفصل النزاع أو لرفع حكمٍ معيّن.
الشعبة الثانية: الروايات المطلقة المجرّدة
وهي التي نقلت العبارة النبويّة بشكلٍ مطلقٍ ومجرّدٍ عن أيّ قضيّةٍ خارجيّة، كقوله (صلى الله عليه وآله): «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ فِي الْإِسْلَامِ»، أو «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ عَلَى مُؤْمِنٍ». وتكمن الأهمّيّة الاستثنائيّة لهذه الشعبة في تجرّدها عن قيود الوقائع الشخصيّة وشأن الصدور الخاصّ، ممّا يمنح لسانها ظهوراً قويّاً في «التأسيس لقاعدةٍ عامّةٍ وكلّيّة». وسيأتي في الفصول اللاحقة البحثُ المفصّل في أسناد هاتين الفئتين ودلالاتهما، وتبيين نوع الحكومة التي تمارسها جملة «لا ضرر ولا ضرار» على الأدلّة الأوّليّة للأحكام.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
[2]. البقرة: ۲۷۵.
[3]. حسینی عاملی، محمدجواد بن محمد، «مفتاح الکرامة في شرح قواعد العلامة»، ج 23، ص 253-255.
[4]. طباطبایی، سید محمد حسین، «المیزان في تفسیر القرآن»، ج 5، ص 45.
[5]. طبرسی، فضل بن حسن، «مجمع البيان»، ج 3، ص 147.
[6]. خویی، ابوالقاسم، «موسوعة الإمام الخوئي»، ج 26، ص 171.
[7]. كما رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «اِذا حَدَّثْتُـكُمْ بِشَىْ ءٍ فَاسْاَلونى عَنْ كِتابِ اللّه». (کلینی، محمد بن یعقوب، «الکافي»، ج 5، ص 300.)
[8]. البقرة: ۴۳.
[9]. آلعمران: ۹۷.
[10]. النساء: ۱۰۱.
[11]. البقرة: ۱۹۶.
[12]. المؤمنون: ۷.
[13]. الحج: ۷۸.
[14]. وكان المرحوم الوالد المعظّم (رحمة الله عليه) يقول: إنّه قد استخرج من هذه الآية الواحدة ما يربو على مائة فرعٍ فقهيّ. وهذا خير شاهدٍ على أنّ الآية تتجاوز مقام أصل التشريع، وتمتلك إطلاقاً وقابليّةً استنباطيّةً واسعة.
[15]. حرّ عاملی، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ج 28، ص 364.
[16]. عراقی، ضياءالدين، «مقالات الأصول»، ج 2، ص 302.
المصادر
- حرّ عاملی، محمد بن حسن، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، ۳۰ ج، قم، مؤسسه آل البيت عليهم السلام، 1409.
- حسینی عاملی، محمدجواد بن محمد، مفتاح الکرامة في شرح قواعد العلامة، ۲۶ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم. مؤسسة النشر الإسلامي، 1419.
- خویی، ابوالقاسم، موسوعة الإمام الخوئي، ۵۰ ج، قم، مؤسسة إحياء آثار الامام الخوئي، 1418.
- طباطبایی، سید محمد حسین، المیزان في تفسیر القرآن، ۲۰ ج، بیروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1352.
- طبرسی، فضل بن حسن، مجمع البيان، ۱۰ ج، بیروت، دار المعرفة، 1408.
- عراقی، ضياءالدين، مقالات الأصول، قم، مجمع الفكر الاسلامي، 1420.
- کلینی، محمد بن یعقوب، الکافي، ۸ ج، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
نظری ثبت نشده است .