موضوع: قاعدة لاضرر و لا ضرار
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٢/٩
شماره جلسه : ۸
خلاصة الدرس
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
ثمرة التتبّع في روايات «الضرر»
-
١٣. روايات «نتاج البَدَنة» وتقييد الانتفاع بـ «عدم الإضرار»
-
شاهدٌ تفسيريّ: «تعظيم البدن جودتها» و«غير مُضِرٍّ بها ولا مُعنّف عليها»
-
١٤. رواية العيون: نفي مشروعيّة التصرّف الضرريّ في الملك
-
١٥. مكاتبات الإمام العسكريّ (عليه السلام): تقييد «قاعدة السلطنة» بعدم الإضرار
-
مناقشة تقريب المجلسيّ في «مرآة العقول»
-
المصادر
الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
مُحصّل البحث المتقدّم
كنّا قد استعرضنا في البحث السابـق مدى حضور عنوان «الضرر» في جملةٍ من الأبواب الفقهيّة الهامّة ـ كالزكاة، والوصيّة، والإرث، وأحكام الإحرام ـ توطئةً لرسم الخارطة الروائيّة النافية للضرر قبل الولوج في صلب حديث «لا ضرر ولا ضرار». واستهللنا البحث بصحيحة عليّ بن يقطين في باب الزكاة، فيمن مات وعليه زكاة، فأوصى بأدائها وحالُ ورثته الحاجةُ والفقر، بحيث يوجب إخراج الزكاة إيقاعهم في «ضررٍ شديد». فأجاب الإمام (عليه السلام) بمشروعيّة إخراج الزكاة من التركة، ثمّ ردّها إلى الورثة أنفسهم بوصفهم مستحقّين لها، مع دفع نزرٍ يسيرٍ لغيرهم. وقد كشفت هذه الرواية عن مدى اعتناء الشارع في مقام إنفاذ الأحكام الماليّة بدفع الضرر عن الورثة، وتكييفه لآليّة أداء الدّين بنحوٍ يَحُول دون الإضرار الشديد بهم. ثمّ أردفناها بمرسلة «دعائم الإسلام» القاضية بأنّ الزكاة إن كانت دَيناً ثابتاً واقعاً، أُخرجت من أصل المال ما لم يقيّدها الموصي بالثلث. بيد أنّه لو عُلم من حاله قصد الإضرار بالورثة وإتلاف ميراثهم، لم تنفذ وصيّته فيما زاد على الثلث إلا بإمضائهم.
وهذا المضمون يتطابق تماماً مع مفاد قوله تعالى: ﴿غَيْر مُضَارٍّ﴾، ويمثّل مصداقاً جليّاً لمنع الوصيّة الإضراريّة. وتأسيساً على ذلك، استنتجنا الحرمة التكليفيّة لكلّ تصرّفٍ ماليٍّ إضراريٍّ بحقّ الورثة (كالوقف والهبة الصوريّة). وفي هذا السياق، نُبّه على أنّ النهي عن الإضرار يُعدّ حكماً مولويّاً تأسيسيّاً لا مجرّد إرشادٍ لحكم العقل، وأنّ مناط قبول هذه الطائفة من الروايات ـ مضافاً إلى السند ـ يكمن في موافقتها الصريحة للكتاب العزيز. وفي سياقٍ متّصل، عُرضت طائفةٌ من روايات الحجّ. ففي «رواية الكحل» للمُحرم الضرير الذي يتضرّر بتركه، رخّص الإمام (عليه السلام) بقوله: «فَاكْتَحِلْ»؛ ممّا يثبت أنّ الضرر رافعٌ لحرمة الاكتحال. وفي «رواية التظليل»، ثبتت الحرمة الأوّليّة، بيد أنّها ترتفع عند طروّ الضرر (كالشمس والمطر)، مع بقاء وجوب الفدية (شاة). وقد استُفيد من هذه الرواية تفكيكٌ أصوليٌّ دقيقٌ بين سقوط الحكم التكليفيّ وبقاء الحكم الوضعيّ في موارد الضرر.
وختاماً، دلّت «رواية البَدَنة» على جواز ركوب هدي الحاجّ بقيد «غَيْر مُضَارٍّ وَلَا مُثْقِلٍ»، ممّا يوسّع أفق القاعدة لتشمل منع الإضرار بالحيوان أيضاً. لقد رسمت هذه المنظومة الروائيّة بأبعادها المتعدّدة صورةً جليّةً لسعة نطاق «الضرر» وعمق نفوذه في النسيج الفقهيّ، ممهّدةً الأرضيّة الصلبة لاستنباط القاعدة العامّة من حديث «لا ضرر ولا ضرار».
ثمرة التتبّع في روايات «الضرر»
قد يُثار التساؤل عن الداعي إلى هذا التتبّع الاستقرائيّ في الروايات المتفرّقة المتضمّنة لعنوان «الضرر»؟ والجواب هو أنّ هذا التتبّع ليس مجرّد حشدٍ لشواهد فقهيّةٍ متناثرة، بل هو خطوةٌ منهجيّةٌ ضروريّةٌ لولوج باب قاعدة «لا ضرر» بدقّةٍ وعمق. وتتجلّى ثمرة هذا التتبّع في مسارين أساسيّين:
1. استكشاف سعة النطاق: رسم الخارطة الدقيقة لانتشار عنوان «الضرر» في شتّى الأبواب الفقهيّة، بدءاً من العبادات (كالحجّ)، مروراً بالمعاملات والوصايا، وصولاً إلى الحقوق العامّة.
2. التمهيد لتقييم النظريّات التفسيريّة: تهيئة الأرضيّة الخصبة لفهم ومحاكمة النظريّات المطروحة في تفسير حديث «لا ضرر». فثمّة مبانٍ جوهريّةٌ لا يتسنّى إدراك كنهها إلا عبر استقراء هذه التطبيقات الروائيّة.
ومن أبرز الأمثلة في هذا الصدد، النظريّة التي شيّدها الإمام الخميني (قدّس سرّه) في تفسير حديث «لا ضرر»، حيث ذهب إلى أنّه من سنخ «الأحكام السلطانيّة» (الولائيّة) الصادرة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) بوصفه وليّاً للأمر. وتفريعا على ذلك، نفى أن تكون لـ «لا ضرر» ـ كقاعدةٍ أصوليّة ـ حاكميّةٌ على سائر الأدلّة الأوّليّة للأحكام. وهو مسلكٌ ارتضاه جمعٌ من تلامذته الأجلّاء. ومن الواضح أنّه كلّما ازددنا إحاطةً بالموارد التي تدخّل فيها الشارع لتنظيم الحكم أو تحجيمه بداعي الضرر، زادت الرؤية جلاءً، وصار التحليل النهائيّ لنسبة «لا ضرر» إلى الأحكام الأوّليّة أكثر دقّةً وشفافيّة.
١٣. روايات «نتاج البَدَنة» وتقييد الانتفاع بـ «عدم الإضرار»
رواية سليمان بن خالد
ومن النصوص البارزة في باب الحجّ، والتي تورد قيد «الضرر» كضابطةٍ في كيفيّة التصرّف في الهدي (البَدَنة)، ما رواه الكلينيّ في «الكافي»[1] بإسناده:
«...عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ:
إِنْ نُتِجَتْ بَدَنَتُكَ فَاحْلُبْهَا مَا لَا يُضِرُّ بِوَلَدِهَا، ثُمَّ انْحَرْهُمَا جَمِيعاً.
قُلْتُ: أَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا وَأَسْقِي؟ قَالَ: نَعَمْ...».
مفاد الرواية في غاية الجلاء؛ فلو وضعت بَدَنةُ الحاجّ (ناقته المهداة) حملها في الطريق، جاز له الانتفاع بلبنها، بيد أنّ هذا الجواز مقيّدٌ نصّاً بـ «مَا لَا يُضِرُّ بِوَلَدِهَا». أي يجب أن يكون الحلب وحجم الانتفاع ضمن الحدّ الذي لا يلحق ضرراً بفصيلها. ثمّ أمر بنحرهما معاً. والنكتة الجوهريّة هنا هي أنّ قيد «لا يضرّ» لم يُسق مساق الإرشاد الأخلاقيّ المحض، بل جاء في سياق التقنين والتأسيس لضابطةٍ فقهيّةٍ تضبط حدود التصرّف المباح. فالمعيار هو الانتفاع إلى حدّ انتفاء الإضرار.
رواية محمّد بن مسلم
وفي المصدر نفسه،[2] وردت صحيحةٌ أخرى تحمل المضمون ذاته بصياغةٍ أدقّ:
«...عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْبَدَنَةِ تُنْتَجُ أَنَحْلُبُهَا؟
قَالَ: احْلُبْهَا حَلْباً غَيْرَ مُضِرٍّ بِالْوَلَدِ، ثُمَّ انْحَرْهُمَا جَمِيعاً.
قُلْتُ: يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا؟ قَالَ: نَعَمْ وَيَسْقِي إِنْ شَاءَ».
وهذه الرواية، مضافاً إلى تقريرها لأصل جواز الانتفاع، تتكفّل برسم حدوده عبر قيد «حَلْباً غَيْرَ مُضِرٍّ». وهي تتطابق في مؤدّاها مع رواية سليمان بن خالد، وتمتاز عليها بالتصريح بكيفيّة الحلب، وإقحام عنوان «الإضرار» مباشرةً كميزانٍ فاصلٍ في حدود الانتفاع المشروع.
شاهدٌ تفسيريّ: «تعظيم البدن جودتها» و«غير مُضِرٍّ بها ولا مُعنّف عليها»
ومن الشواهد البارزة في الباب، ما رُوي[3] في «تفسير القمّيّ» في بيان آيات الشعائر ومنافع البَدَنة:
«...عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قَالَ: تَعْظِيمُ الْبُدْنِ جَوْدَتُهَا. ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ قَالَ: الْبُدْنُ يَرْكَبُهَا الْمُحْرِمُ... غَيْرَ مُضِرٍّ بِهَا وَلَا مُعَنِّفٍ عَلَيْهَا...».
وتتجلّى دلالة هذا الشاهد في جهتين:
1. تفسير التعظيم: إنّ تفسيره (عليه السلام) لتعظيم الشعائر بـ «تعظيم البدن جودتها» يكشف عن لزوم العناية باختيار الهدي النفيس ذي الجودة العالية، ممّا يؤكّد استحباب جودة الهدي شرعاً.
2. تحديد المنافع: إنّ الآية الكريمة ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ قد أسّست لأصل مشروعيّة الانتفاع، ثمّ تولّت السنّة المطهّرة رسم حدوده وقيوده بعباراتٍ من قبيلِ «غير مضرّ بها» و«لا معنّف عليها». وهذا يعزّز ما قرّرناه سابقاً من أنّ الآيات غالباً ما تكون في مقام التأسيس والأصل، بينما تتكفّل الروايات بالتفصيل. وروايات «نتاج البَدَنة» تقع في هذا السياق عبر أخذها لقيد «غير مضرّ بالولد».
تثبت هذه الطائفة من الروايات أنّ الشارع، وإن أباح أصل الانتفاع، إلا أنّه لم يرسله على عواهنه، بل قيّده منذ البدء بضابطة «عدم الإضرار». وهذه النكتة تُسهم بقوّةٍ في إضاءة حدود عنوان «الضرر» وسريانه في مفاصل الشريعة.
١٤. رواية العيون: نفي مشروعيّة التصرّف الضرريّ في الملك
ومن الشواهد في أبواب المعاملات وحقوق الأملاك، روايةٌ ناظرةٌ إلى أحكام المياه، تتكفّل بتقييد التصرّفات المالكيّة بشرط عدم الإضرار. وقد رُويت عن الإمام الصادق (عليه السلام) بقوله:
«...عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْمٍ كَانَتْ لَهُمْ عُيُونٌ فِي أَرْضٍ قَرِيبَةٍ...
وَبَعْضُ الْعُيُونِ إِذَا فُعِلَ ذَلِكَ أَضَرَّ بِالْبَقِيَّةِ...
فَقَالَ: مَا كَانَ فِي مَكَانٍ شَدِيدٍ فَلَا يُضِرُّ، وَمَا كَانَ فِي أَرْضٍ رِخْوَةٍ بَطْحَاءَ فَإِنَّهُ يُضِرُّ...
...وَقَالَ: يَكُونُ بَيْنَ الْعَيْنَيْنِ أَلْفُ ذِرَاعٍ».[4]
الوقفة السنديّة: تعاني الرواية من ضعفٍ سنديٍّ ظاهر، لاشتمالها على الإرسال (عن رجل)، وللجهالة المحيطة بـ «محمّد بن حفص». فهي ساقطةٌ عن الاعتبار الاستقلاليّ.
تحليل الدلالة: بيد أنّ المتن يشتمل على نكاتٍ فقهيّةٍ دقيقة تصلح للتأييد:
1. المعيار هو الإضرار: أناط الإمام (عليه السلام) المنع والجواز بصدق عنوان الإضرار (أَضَرَّ بِالْبَقِيَّةِ).
2. المدخليّة التكوينيّة للأرض: فرّق (عليه السلام) بين الأرض الصلبة والرخوة. لأنّ تعميق الحفر في الرخوة يؤدّي غالباً إلى سحب مياه العيون المجاورة والإضرار بها.
3. تحديد حريم الضرر: لم يكتفِ بالنفي الكلّيّ، بل حدّد مسافةً معيّنةً كحريمٍ لدرء الضرر (أَلْفُ ذِرَاعٍ).
وهذه الرواية، وإن قصرت سنداً، إلا أنّها تعتضد بالمرتكزات لتؤكّد مبدأً هامّاً هو أنّ سلطنة المالك على أرضه ومائه ليست مطلقة، بل هي مقيّدةٌ ومحدّدةٌ بعدم الإضرار بالغير.
١٥. مكاتبات الإمام العسكريّ(عليه السلام): تقييد «قاعدة السلطنة» بعدم الإضرار
ومن أنصع الشواهد الروائيّة في باب تقييد التصرّفات المالكيّة بمنع الإضرار، مكاتبتان في غاية الأهمّيّة رواهما الكلينيّ في «الكافي».[5] وتبرز قيمتهما في تصريح الإمام العسكريّ (عليه السلام) بضابطة «عدم الإضرار» ضمن جوابٍ مكتوب.
المكاتبة الأولى: ضابطة المسافة في القنوات
«كَتَبْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ (عليه السلام): رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ قَنَاةٌ... كَمْ يَكُونُ بَيْنَهُمَا فِي الْبُعْدِ حَتَّى لَا يُضِرَّ بِالْأُخْرَى... إِذَا كَانَتْ صُلْبَةً أَوْ رِخْوَةً؟
فَوَقَّعَ (عليه السلام): عَلَى حَسَبِ أَنْ لَا يَضُرَّ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ».
ومفاد الجواب هو أنّ الإمام (عليه السلام) عدل عن تحديد مسافةٍ رقميّةٍ ثابتة، وأرجع الأمر إلى الضابطة العامّة المرنة: «على حسب أن لا يضرّ...». وعليه، تفقد خصوصيّة نوعيّة الأرض (الصلبة والرخوة) موضوعيّتها المستقلّة، ليصبح المناط الأوحد والمحوريّ هو تحقّق عنوان «الضرر» وعدمه.
المكاتبة الثانية: قضيّة الرحى والتقوى في التصرّف
«وَكَتَبْتُ إِلَيْهِ: رَجُلٌ كَانَتْ لَهُ رَحًى عَلَى نَهَرِ قَرْيَةٍ... فَأَرَادَ صَاحِبُ الْقَرْيَةِ أَنْ يَسُوقَ إِلَى قَرْيَتِهِ الْمَاءَ فِي غَيْرِ هَذَا النَّهَرِ وَيُعَطِّلَ هَذِهِ الرَّحَى، أَلَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
فَوَقَّعَ (عليه السلام): يَتَّقِي اللَّهَ وَيَعْمَلُ فِي ذَلِكَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يَضُرُّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ».
وهذا التوقيع الشريف، إلى جانب إرسائه لقيمةٍ أخلاقيّةٍـاجتماعيّةٍ عليا (يَعْمَلُ بِالْمَعْرُوفِ)، قد أسّس لضابطةٍ فقهيّةٍ حاسمة: «وَلَا يَضُرُّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ». ومفادها تحريم تصرّف مالك النهر بنحوٍ يؤدّي إلى الإضرار بأخيه المؤمن (صاحب الرحى) وتعطيل منافعه.
ثمرةٌ اجتهاديّة: تقييد «قاعدة السلطنة» بعدم الإضرار
ويُستنتج من الجمع بين هاتين المكاتبتين نتيجةٌ محوريّةٌ في فقه المعاملات، وهي أنّ سلطنة المالك على أمواله ليست سلطنةً مطلقةً ومرسلة، بل هي مقيّدةٌ شرعاً. فمشروعيّة التصرّف في الملك منوطةٌ ومحدّدةٌ بدفع الضرر عن الغير. ومن هنا، يمتنع التمسّك بإطلاق قاعدة «الناس مسلّطون على أموالهم» لتسويغ التصرّفات الإضراريّة؛ إذ ينهض عنوان «الضرر» كقيدٍ حاكمٍ يضيّق من مساحة السلطنة المالكيّة.
مناقشة تقريب المجلسيّ في «مرآة العقول»
تصدّى العلاّمة المجلسيّ (قدّس سرّه) في «مرآة العقول»[6] لتحليل فقرة النهي عن الإضرار، طارحاً جملةً من الاحتمالات، حيث قال:
قوله (عليه السلام): "ولا يضرّ أخاه المسلم" حُمل على ما إذا كان بناء الرحى بوجهٍ لازمٍ، وإلاّ فالظاهر أنّ يد صاحب النهر أقوى، أو على الكراهة... .
ومحصّل مرامه أنّه يمتنع الأخذ بإطلاق قول الإمام (عليه السلام): «وَلَا يَضُرُّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ» للحكم بالمنع المطلق لتصرّف مالك النهر، بل لا بدّ من توجيهه بأحد وجهين: إمّا تقييده بفرض كون بناء الرحى قد تمّ «بوجهٍ لازمٍ» ومستنداً إلى حقٍّ مستقرّ (كأن يكون بإذنٍ أو عدم منعٍ ابتدائيٍّ من المالك، بحيث يُعدّ سلب الماء لاحقاً إضراراً مجحفاً عرفاً). وأمّا لو انتفى هذا الحقّ، فمقتضى قاعدة السلطنة أنّ «يد صاحب النهر أقوى»، فيجوز له تحويل مسار الماء. وإمّا حمل النهي المذكور على الكراهة والموعظة الأخلاقيّة، لا الحرمة الفقهيّة. وإن كان (قدّس سرّه) قد ذيّل كلامه بقوله: «وفيه إشكال»، مشيراً إلى عدم خلوّ هذه التوجيهات من الخدشة والنظر.
وفي مقام النقد، يُسجّل على هذا البيان أنّ متن التوقيع الشريف قد جاء مطلقاً (وَلَا يَضُرُّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ)، خالياً من أيّ قيدٍ يشترط «اللزوم» أو «عموميّة المنفعة». وعليه، فإنّ تقييد الحكم بفرضٍ خاصٍّ من دون قرينةٍ معتبرة، يُعدّ تصرّفاً بلا مسوّغٍ في الظهور. كما أنّ حمل النهي على محض الكراهة أو الموعظة الأخلاقيّة يتنافى مع سياق التوقيع، لا سيّما وأنّ الإمام (عليه السلام) قد صدّر كلامه بالأمر بالتقوى: «يَتَّقِي اللَّهَ»، قبل أن يردفه بالنهي عن الإضرار. وهذا اللسان ـ في العرف التشريعيّ ـ غالباً ما يُساق مساق الإلزام والتحذير من اقتراف المحرّمات، لا مجرّد النصح والإرشاد المندوب. وبناءً على ذلك، يستقرّ ظهور فقرة «وَلَا يَضُرُّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ» في الحرمة التكليفيّة للإضرار بالغير، ويبقى إطلاقها عصيّاً على الخدشة والتقييد.
النتيجة النهائيّة
والمتحصّل أنّ منظومة الروايات الواردة في (البَدَنة) والمكاتبات العسكريّة ونظائرها، تبرهن بجلاءٍ على مبدأٍ تشريعيٍّ راسخ، و هو أنّ أصل الانتفاع ـ وإن كان ممضىً شرعاً (كما في «لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ») ـ إلا أنّه محدود بقيد عدم الإضرار (كـ «مَا لَا يُضِرُّ بِوَلَدِهَا» و«غَيْرَ مُضِرٍّ بِهَا»). وفي دائرة التصرّفات المالكيّة، لا تعدّ «المالكيّة» مسوّغاً مطلقاً للمشروعيّة، بل يُشترط فيها بالضرورة «انتفاء الإضرار» (كـ «عَلَى حَسَبِ أَنْ لَا يَضُرَّ...» و«وَلَا يَضُرُّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ»). وتؤسّس هذه النصوص قاعدةً صلبةً لبيان النسبة بين عنوان «الضرر» والقواعد الكبرى كـ «سلطنة الناس على أموالهم»، كاشفةً عن الدور التنظيميّ والمقيِّد للضرر في الفقه الإسلاميّ. وسيكون لهذه الشواهد أثرٌ حاسمٌ ـ في المرحلة القادمة ـ عند الولوج المباشر في تحليل حديث «لا ضرر ولا ضرار»، لرسم قیود القاعدة وتحديد مدى حاكميّتها على الأدلّة الأوّليّة والقواعد العامّة.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
---------------------------
[1]. کلینی، محمد بن یعقوب، مؤلف، «الکافي»، م ٤، ص 493.
[2]. المرجع السابق، م ٤، ص 493.
[3]. نورى، حسين بن محمد تقى، مؤلف، «مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل»، م ١٠، ص 103.
[4]. کلینی، الکافي، م ٥، ص 293.
[5]. المرجع السابق، م ٥، ص 293.
[6]. مجلسی، محمدباقر، مؤلف، «مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول»، م ١٩، ص 397.
---------------------------
المصادر
- کلینی، محمد بن یعقوب، الکافي، علیاکبر غفاری، ۸ م، طباعة ۵، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
- مجلسی، محمدباقر، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، هاشم رسولی، ۲۶ م، تهران، دار الکتب الإسلامیة، 1363.
- نورى، حسين بن محمد تقى، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، ٢٨ م، قم، مؤسسة آل البيت عليهم السلام، 1408.
نظری ثبت نشده است .