درس بعد

الامر عقیب الحظر

درس قبل

الامر عقیب الحظر

درس بعد

درس قبل

موضوع: الامر عقیب الحظر


تاریخ جلسه : ١٤٠٥/٦/٢٤


شماره جلسه : ۴

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • نقد الشهيد الصدر لمبنى المحقق الخوئي

  • الجواب عن إشكال الشهيد الصدر

  • تحقيق الشهيد الصدر: التفكيك بين المدلول التصوري والمدلول التصديقي

  • تأسيس قاعدة عامة: القرينة اللبية الارتكازية وإجمال الكلام

  • المصادر

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

 
مُحصّل البحث المتقدّم

دار البحث في الدرس السابق حول بيان نظرية المحقق الخوئي في إجمال «الأمر عقيب الحظر» وتحليلها، ومناقشة الشهيد الصدر (قدس سره) لها. وقد استُعرضت في مستهلّه المباني الأربعة المطروحة في كيفية دلالة صيغة الأمر على الوجوب. وهي: الدلالة الوضعية (مسلك المشهور)، والدلالة الإطلاقية (مقدمات الحكمة)، والدلالة العقلية المبتنية على حق المولوية (مختار المحققين النائيني والخوئي)، والدلالة المستندة إلى بناء العقلاء. والمحقق الخوئي - وفاقاً للمحقق الخراساني - يذهب إلى إجمال الأمر عقيب الحظر، غير أنه يضيف إلى ذلك نكتتين: الأولى: سريان هذا الإجمال على جميع المباني الأربعة؛ إذ على مسلك العقل، إنّ صلاحية وقوع الأمر عقيب الحظر للقرينية تُخِلّ بموضوع حكم العقل، وأما على مسلك الإطلاق، فإنها تمنع من تمامية مقدمات الحكمة. الثانية: التفصيل على مبنى المشهور (الدلالة الوضعية). فبينما تدل كلّ من أصالة الظهور وأصالة الحقيقة على الوجوب في الأمر الابتدائي، ينبغي التفكيك بين هذين الأصلين في الأمر عقيب الحظر. فأصالة الظهور منتفية موضوعاً لصلاحية الموجود للقرينية؛ لأن هذا الأصل لا يُوجِد الظهور، بل يُثبت الحجية للظهور المحرَز. 

وأما أصالة الحقيقة، فجريانها منوطٌ بمبنيين: فإن أُخذت أصلاً مستقلاً تعبدياً (مبنى القدماء)، فهي لا تزال جارية، ويُحمل اللفظ على الوجوب. وإن أُرجعت إلى أصالة الظهور (مبنى المتأخرين ومختار المحقق الخوئي)، فبانتفاء الظهور تنتفي أصالة الحقيقة أيضاً، ويبقى الأمر مجملاً. ثم أُورد إشكال الشهيد الصدر على أستاذه، وحاصله: إن مجرد احتمال عدم إرادة الوجوب لا يكفي لإسقاط الظهور؛ لكون هذا الاحتمال قائماً في جميع موارد التمسك بأصالة الظهور. وهذا الإشكال - وإن كان ناظراً في تقريرات «مباحث الأصول» إلى فرض توهم الحظر - إلا أنه طُرح ببيان أعم وأشمل في «بحوث في علم الأصول». وفي الختام، وقع البحث في سعة نطاق هذا الإشكال: فهل يختص بالدلالة الوضعية أم يسري إلى الدلالتين الإطلاقية والعقلية أيضاً؟ فبملاحظة قيد «في نفسه» الوارد في «بحوث في علم الأصول»، وما نُقل في دروس آية الله الهاشمي الشاهرودي، يترجح احتمال اختصاصه بالوضع، غير أن ظاهر عبارات «بحوث في علم الأصول» و«مباحث الأصول» يُقوّي تعميم الإشكال على جميع المباني، لينتهي الأمر إلى تردد مراد الشهيد الصدر بين هذين الاحتمالين.

نقد الشهيد الصدر لمبنى المحقق الخوئي

يطرح الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) في تحليله لمسألة «الأمر عقيب الحظر» مطلبين مستقلين: الأول: مناقشةٌ لمبنى أستاذه المحقق الخوئي (قدس سره)؛ والثاني: تحقيقٌ مستقل لبيان علة عدم انعقاد الظهور لصيغة الأمر في الوجوب في أمثال هذه الموارد. ومحطّ البحث في هذا المقام هو مناقشته لمبنى المحقق الخوئي.

تحرير مبنى المحقق الخوئي

يرى المحقق الخوئي - ويرتد أساس بيانه إلى المحقق الخراساني - أن انسلاخ صيغة الأمر عن الظهور في الوجوب، في موارد وقوعه عقيب الحظر أو توهمه، أمرٌ ثابت. وهذا الحكم لا يختلف باختلاف المبنى المختار في دلالة صيغة الأمر على الوجوب، سواء أُرجعت هذه الدلالة إلى حكم العقل، أم استندت إلى الإطلاق ومقدمات الحكمة، أم إلى وضع اللفظ. والوجه في ذلك: أن موردية الحظر أو توهمه، صالحةٌ في حد نفسها للقرينية على خلاف إرادة الوجوب، ومجرد احتفاف الكلام بما يُحتمل قرينيته، يكفي لطروّ الإجمال:

لدخول الأمر حینئذ تحت نکتة الظهور المتصل بما یحتمل أن یکون قرینة علی عدم الظهور الفعلی فی الوجوب... فهذه الموردیة بنفسها تکون صالحة لإجمال ظهور الصیغة لاحتمال کون هذه الموردیة قرینة، و اتصال الکلام بما یحتمل قرینیّته، یوجب الإجمال لا محالة.[1]

وقد مَثّل (قدس سره) لذلك بلفظ «الأسد»؛ فكما أن الظهور الوضعي لهذا اللفظ في الحيوان المفترس يتزلزل ويصبح مجملاً باتصاله بكلمة يُحتمل قرينيتها على إرادة «الرجل الشجاع»، فكذلك ظهور صيغة الأمر في الوجوب يُبتلى بالإجمال لوقوعه في سياق توهم الحظر.

تقرير إشكال الشهيد الصدر

يناقش الشهيد الصدر هذا البيان، ويرى أن مجرد احتمال عدم إرادة الوجوب لا يكفي لإسقاط الظهور، ما لم تبرز نكتة تمنع من انعقاد مدلول الأمر:

و هذا الکلام بهذا المقدار یمکن النقاش فیه بأن هذا معناه مجرد احتمال عدم إرادة الوجوب، و هذا وحده لا یکفی لإسقاط ظهور الأمر فی نفسه فی الوجوب، ما لم یبرز نکتة لمنع ما هو مدلول الأمر.[2]

وقد تساءل (رضوان الله عليه) عن الوجه في كون وقوع الأمر في مورد توهم الحظر محتمَلَ القرينية على عدم إرادة الوجوب:

لماذا یکون وروده فی مورد توهم الحظر صالحاً للقرینیة علی عدم إرادة الوجوب، غایته أن یکون هذا موجباً لاحتمال عدم إرادة الوجوب، و مجرد احتمال عدم إرادة الوجوب لا یسقط الظهور، و ما أکثر الظهورات التی یحتمل عدم إرادتها.[3]

وتوضيح هذا الإشكال: أن احتمال إرادة المتكلم لخلاف الظاهر احتمالٌ قائم دائماً في مجرى أصالة الظهور. ولو انتفى هذا الاحتمال، لانتفى موضوع الشك من الأساس، ومعه لا يبقى مجال للتمسك بأصالة الظهور. وتوهم الحظر لا يوجب سوى تحقق هذا الاحتمال بعينه. وعليه، فإن مجرد وجود هذا الاحتمال - والذي انعقدت أصالة الظهور أساساً لرفعه وإلغائه - لا يصح أن يُجعل ملاكاً للإجمال.

الجواب عن إشكال الشهيد الصدر

وهذا الإشكال، وإن بدا بحسب النظرة البدوية يسيراً ووجيهاً، إلا أنه غير وارد؛ إذ إن إيراد أمثال هذه الإشكالات على كلمات أساطين الفن كالمحقق الخراساني والمحقق الخوئي يستدعي تأملاً جدياً. وبيان ذلك: أن احتمال إرادة خلاف الظاهر - في مجرى أصالة الظهور المتعارف - احتمالٌ عقلائي، وليس احتمالاً ضعيفاً ملحقاً بالعدم. ففي قوله تعالى - مثلاً -: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾،[4] يُعطى احتمالٌ لإرادته سبحانه لظاهر اللفظ، وتجري فيه أصالة الظهور أيضاً؛ غاية ما في الباب تقدم القرينة العقلية القطعية عليها. فالاحتمال المزبور عقلائيٌ وليس بضعيف؛ إذ كلما صدر كلام من المتكلم ووقع الشك في إرادته لظاهره أو عدمه، فإن هذا الاحتمال - وإن كان ضعيفاً في نفسه - يُشكّل موضوعاً لجريان أصالة الظهور. وعليه، فالسر في تفاوت حكم «ما نحن فيه» عن سائر الموارد، لا يرجع إلى قوة الاحتمال وضعفه.

وإنما النكتة الأساسية في الجواب ترجع إلى أمر آخر، وهو: وجود فارق جوهري بين الاحتمال المطروح في «ما نحن فيه» (أي الأمر عقيب الحظر) وبين الاحتمالات المطروحة في سائر موارد جريان أصالة الظهور. ففي سائر الموارد، يكون الظهور منعقداً للفظ، وإنما يقع الشك في نصب المتكلم قرينةً على إرادة خلاف هذا الظهور المنعقد من عدمه. ففي أمثال هذه الموارد تجري أصالة الظهور لتدفع هذا الاحتمال - وإن كان قوياً -؛ لتحقّق موضوع أصالة الظهور، وهو نفس انعقاده.

وأما في «ما نحن فيه»، فإن وقوع الأمر عقيب الحظر أو توهمه، يمنع من أصل انعقاد الظهور؛ بمعنى أنه مع احتفاف الكلام بهذه الخصوصية، يُشَكّ ابتداءً في انعقاد ظهورٍ لصيغة «افعل» في معناها الحقيقي ــ أي الوجوب ــ. وبعبارة أخرى، إن الشك في سائر الموارد يقع في رتبة متأخرة عن انعقاد الظهور، وأما في «ما نحن فيه» فإن خصوصية (توهم الحظر) صالحة للمنع من أصل الانعقاد، مما يترتب عليه عدم تَشَكُّل موضوع لأصالة الظهور كي تصل النوبة إلى التمسك بها.

وبناءً عليه، فإن الفارق الأساسي بين القرينة المبحوث عنها (وهي توهم الحظر) وسائر القرائن المحتملة، هو أن سائر القرائن تُحتمل بعد انعقاد الظهور، فتدفعها أصالة الظهور. أما قرينة توهم الحظر، فتقع في رتبة سابقة على انعقاد الظهور، وتمنع أساساً من تَشَكُّل موضوع أصالة الظهور. وبهذا البيان، يندفع إشكال الشهيد الصدر على مبنى المحقق الخوئي.

تحقيق الشهيد الصدر: التفكيك بين المدلول التصوري والمدلول التصديقي

وبعد الفراغ من مناقشة مبنى المحقق الخوئي، يتصدى الشهيد الصدر لطرح تحقيق مستقل يهدف إلى التخريج الفني لعلة عدم انعقاد الظهور لصيغة الأمر في الوجوب، في موارد وقوعها عقيب الحظر أو توهمه.

مبنى التحقيق: التفكيك بين المدلول التصوري والمدلول التصديقي

يبتني هذا التحقيق على أساس أن لصيغة «افعل» مرتبتين من الدلالة: مدلولاً تصورياً، ومدلولاً تصديقياً. فالمدلول التصوري - بناءً على النظرية المقررة في المعنى الحرفي لهيئات الأفعال (وهي النظرية التي يتبناها الشهيد الصدر والمحقق النائيني) - عبارة عن «النسبة الإرسالية» أو «النسبة الدفعية» أو «النسبة الإلقائية»؛ بمعنى أن المتكلم حينما يستعمل صيغة «افعل»، فإنه يُوجد نسبة بين المخاطَب ومادة الفعل، تقتضي تحريك المخاطَب وإرساله نحو الإتيان بذلك الفعل. وأما المدلول التصديقي، فهو عبارة عن الإرادة الجدية للمتكلم الكامنة وراء هذه النسبة الإنشائية:

بأنّ صیغة الأمر لها مدلولان، مدلول تصوری، و مدلول تصدیقی، و المدلول التصوری... عبارة عن النسبة الإرسالیة و الدفعیة، و المدلول التصدیقی، عبارة عن الطلب و إرادة المولی للمادة بهذا الطلب.[5]

ففي الموارد المتعارفة - أي حينما يأمر المولى ابتداءً ومجرداً عن سياق خاص فيقول: «صلّ» - يكون المدلول التصوري هو عين النسبة الإرسالية، وينحصر المدلول التصديقي في «داعي الطلب»؛ بمعنى أن المولى إنما أنشأ هذه النسبة الإرسالية بداعي طلب الفعل، ومن هذا الطلب يُستفاد الوجوب.

تطبيق المبنى على «ما نحن فيه»: تعدد الداعي في المدلول التصديقي

وأما إذا وقع الأمر عقيب الحظر أو توهمه، فإن الحال يختلف. ففي أمثال هذه الموارد، يدور المدلول التصديقي بين أمرين: إما أن يكون «داعي الطلب»، على نحو ما تقدم في الموارد المتعارفة؛ وإما أن يكون «داعي كسر التحرج». والمراد من كسر التحرج هو أن المخاطَب - لتوهمه الحرمة أو لسبقها - يعيش حالة من الضيق والتردد، ولا يدري هل يجوز له الإتيان بذلك الفعل الآن أم لا. نظير المريض الممنوع من طعام خاص لفترة، والذي وقع في التردد في ارتفاع المنع من عدمه، فيقول له الطبيب عندئذٍ: «كُلْ» أو «اشرب». فمثل هذا الأمر إنما صدر بداعي كسر هذا التردد ورفع الضيق عن نفس المخاطَب، لا بداعي طلب إنشائي مستقل.

والتخريج الفني لهذا التناسب هو أن المولى حينما يستعمل صيغة «افعل» في «النسبة الإرسالية» ويُلقي هذا المعنى في ذهن المخاطَب، فإن هذا الإلقاء ينسجم مع «داعي الطلب» (لأن طلب الشيء يستلزم إلقاء المخاطَب عليه)، وينسجم كذلك مع «داعي كسر التحرج»؛ إذ إن أفضل أسلوب لكسر تردد المخاطَب وتحرجه هو إلقاؤه على المادة المتردَّد فيها نفسها:

النسبة الإرسالیة فی هذا المورد، تناسب أحد مدلولین تصدیقیین، و کلاهما یتناسب مع النسبة الإرسالیة... فإن أفضل أسلوب لکسر تحرّج العبد، هو أن یُلقی علی المادة.[6]

النتيجة الأولى: انتفاء المجاز لبقاء المدلول التصوري

ومحط النكتة في تحقيق الشهيد الصدر: أن المدلول التصوري لصيغة الأمر لا يعتريه التبدل في أمثال هذه الموارد. ففي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾،[7] استعملت صيغة «فاصطادوا» في عين «النسبة الإرسالية» بلا أي انصراف أو تجوز. ولأجل ذلك لم يقل أحد بالمجازية في هذه الموارد؛ إذ المجاز يستبطن تبدلاً في المدلول التصوري للفظ، والحال أن التعدد والتردد فيما نحن فيه إنما وقعا في داعي الاستعمال فحسب ــ أي المدلول التصديقي ــ لا على نفس المعنى الموضوع له:

الأمر فی مورد توهّم الحظر مستعمل أیضاً فی نفس مدلوله التصوری، و لیس کاستعمال الأسد فی الرّجل الشجاع، و لهذا لا یُشعر بعنایة المجاز.[8]

ولتقريب المطلب يُنظَّر لذلك بالمثال المعروف: «زيدٌ كثير الرماد» (كناية عن جوده). ففي هذا التركيب أيضاً لم يتبدل المدلول التصوري، أعني المعنى الحقيقي المتمثل في كثرة الرماد، وإنما المدلول التصديقي ــ أي المراد الجدي للمتكلم ــ أمرٌ آخر وهو الجود، ولا يُعد هذا الاستعمال مجازياً. وما نحن فيه من هذا القبيل.

النتيجة الثانية: انحصار الإجمال في المدلول التصديقي

وبناءً على ما تقدم، فإن وقوع الأمر عقيب الحظر أو توهمه لا يوجب إجمالاً في المدلول التصوري، بل يبقى المدلول التصوري محفوظاً بقوته، وإنما يعرض الإجمال على المدلول التصديقي فحسب؛ لثبوت التردد في هذه المرتبة بين داعيين محتملين (الطلب أو كسر التحرج)، وعدم انعقاد ظهور لترجيح أحدهما على الآخر. وقد أفاد الشهيد الصدر في تقرير ذلك:

الامر فی مورد توهم الحظر أو عقیبه لا یکون له ظهورٌ فی الوجوب، لکن لا بمعنی انسلاخ مدلوله التصوری، بل بمعنی إجمال مدلوله التصدیقی، من دون أن یکسب ظهوراً فی حکم آخر غیر الوجوب.[9]

النتيجة الثالثة: لغوية النزاع في ظهور الصيغة في الإباحة

وتتفرع على ما تقدم نتيجة ثالثة صرح بها الشهيد الصدر في كلماته، وهي: لغوية النزاع الواقع بين بعض الأصوليين في انعقاد ظهور لصيغة «افعل» في الإباحة في هذه الموارد. فإنه لو كان وقوع الأمر عقيب الحظر موجباً لتبدل المدلول التصوري لكان لمثل هذا النزاع مجال، أما مع إثبات بقاء المدلول التصوري من دون أي تبدل، وانحصار الإجمال في المدلول التصديقي، فلا يبقى وجه للبحث عن كون الصيغة ظاهرة في الوجوب أو الإباحة أو الاستحباب؛ لعدم رجحان أي من هذه الاحتمالات على غيره، ما لم تقم قرينة خاصة في المورد:

لا مورد للبحث فی ظهوره فی الإباحة، لأن المدلول التصوری لم یتغیر و لم یختلف عن سائر الموارد.[10]

مقارنة مع اتجاه آخر: القرينة العامة على المجازية

ويلاحظ هنا أن ما استنتجه الشهيد الصدر يقع على طرف النقيض من الرأي المنقول سابقاً عن آية الله الفاضل اللنكراني (قدس سره)؛ إذ كان يرى أن وقوع الأمر عقيب الحظر يمثل «قرينة عامة على المجازية»، بمعنى انصراف صيغة الأمر في هذه الموارد عن معناها الحقيقي (الوجوب) واستعمالها في معنى مجازي آخر. بينما ينكر الشهيد الصدر أساساً تحقق المجاز في أمثال هذه الموارد؛ فبناءً على مسلكه لا تزال صيغة الأمر مستعملة في معناها الحقيقي ومدلولها التصوري ــ أي النسبة الإرسالية ــ وما يعرض عليها ليس انصرافاً عن المعنى الحقيقي، بل هو إجمال في تعيين الداعي الجدي للمتكلم (المدلول التصديقي). وعليه، فلا موضوعية للبحث في كون هذا الاستعمال حقيقة أو مجازاً، وإنما مدار البحث على تعين المدلول التصديقي أو إجماله.

وبهذا التحقيق، يثبت أصل مدعى الشهيد الصدر ــ المتمثل في سقوط صيغة الأمر عن الظهور في الوجوب في مورد توهم الحظر أو عقيبه، ولكن لا بمعنى المجازية في الاستعمال، بل بمعنى الإجمال في المدلول التصديقي ــ بصياغة فنية مستدلة؛ وهي النتيجة التي يوافق فيها أستاذه المحقق الخوئي وإن اختلفا في مبنى الإثبات، كما أنها تتم في غنى عن تكلف القول بالمجازية الذي ذهب إليه بعض المحققين.

تأسيس قاعدة عامة: القرينة اللبية الارتكازية وإجمال الكلام

وفي سياق عَدِّ وقوع الأمر عقيب الحظر أو توهمه قرينةً نوعية توجب الإجمال في المدلول التصديقي، أشار الشهيد الصدر إلى قرينة نوعية أخرى، صرح (قدس سره) بسعة نطاق جريانها في الاستنباطات الفقهية. ويتوقف تقرير هذه القرينة العامة على تمهيد مقدمتين:

المقدمة الأولى: عدم التفاوت بين «احتمال قرينية الموجود» و«احتمال وجود القرينة»

أفاد (قدس سره) أنه لا فرق بين الصورتين التاليتين من جهة إيجابهما للإجمال:

الصورة الأولى: أن يُعلم بوجود لفظ في الكلام، ويُشك في قرينيته على إرادة خلاف الظاهر (احتمال قرينية الموجود)؛ كأن يقول المتكلم: «رأيت أسداً يرمي»، فيقع التردد في كون كلمة «يرمي» قرينة على إرادة «الرجل الشجاع» أم لا.

الصورة الثانية: أن يُشك من الأساس في إضافة المتكلم للفظ آخر (احتمال وجود القرينة)؛ كأن يقول المتكلم: «رأيت أسداً»، ولا يُدرى هل تفوه بكلمة «يرمي» معها أم لا.

وقد ذهب مشهور الأصوليين ــ وفاقاً للمحقق الخراساني ــ إلى التفصيل بين هاتين الصورتين؛ فالتزموا بالإجمال في الصورة الأولى (الشك في قرينية الموجود)، ونفوا ذلك في الصورة الثانية (الشك في أصل وجود القرينة). بيد أن الشهيد الصدر، وعلى مبناه المحقق في مبحث الظواهر، أنكر الفرق بينهما، وحكم بكونهما معاً موجبين للإجمال:

و لکنّنا قد حقّقنا فی بحث الظواهر أن احتمال القرینة المتصلة کاحتمال قرینیة المتصل، کلاهما یوجب الإجمال و عدم انعقاد ظهور للکلام.[11]

المقدمة الثانية: تقسيم القرينة المتصلة إلى لفظية ولبية ارتكازية

تتكفل المقدمة الثانية ببيان انقسام القرائن المتصلة المحتملة إلى قسمين:

الأول: القرينة المتصلة اللفظية؛ وهي اللفظ المحتمل وجوده في كلام المتكلم، نظير كلمة «يرمي» في المثال المتقدم.

الثاني: القرينة المتصلة اللبية الارتكازية؛ وهي التي لا تكون لفظاً، بل تتمثل في ارتكاز مستقر في ذهن المتشرعة أو في الارتكاز العرفي للعقلاء. وعلى حد تعبير الشهيد الصدر، قد يعوّل المتكلم على مثل هذا الارتكاز جاعلاً إياه قرينة على مراده الواقعي، والحال أن كلامه ــ بقطع النظر عن هذا الارتكاز ــ ظاهر في معنى آخر:

أنّ القرائن المتصلة التی یحتمل وجودها علی قسمین، فتارة تکون هذه القرائن لفظیة، و أخری تکون لبیة ارتکازیة، باعتبار أن الارتکازات المتشرعیة أو العرفیة، تکون فی کثیر من الأحیان، من القرائن التی تحفّ الکلام.[12]

الفارق بين قسمي القرينة بلحاظ الشهادة السكوتية

ويتفرع على هاتين المقدمتين ثمرة مهمة أفادها الشهيد الصدر، وهي: أن احتمال وجود القرينة المتصلة اللفظية يندفع بالشهادة السكوتية للراوي، في حين لا يتأتى هذا الطريق لرفع الإجمال الناشئ عن احتمال القرينة المتصلة اللبية الارتكازية.

وبيان ذلك: أن للراوي شهادتين في عرض واحد: إحداهما شهادة فعلية بما نقله ــ أي بصدور هذا الكلام من الإمام (عليه السلام) ــ، والأخرى شهادة ضمنية بسكوته عن أية قرينة تقتضي العادة نقلها مع ذلك الكلام. وعليه، فحينما ينقل زرارة عن الإمامين الباقر أو الصادق (عليهما السلام) رواية «اغتسل للجمعة»، فإن سكوته عن قرينة لفظية تدل على الاستحباب، يكشف عن عدم وجود مثل هذه القرينة في كلام المعصوم:

فزرارة له شهادتان، الشهادة الأولی، و هی أنّ هذا الذی نقلته، قد صدر من الإمام (ع)، و الشهادة الثانیة، و هی أنّ ما سکت عنه لم یقله الإمام (ع).[13]

إلا أن هذا الطريق لا سبيل إليه لنفي احتمال القرينة اللبية الارتكازية؛ لأن شأن الراوي مقصور على نقل الألفاظ وما له دخالة في فهم المدلول اللفظي، دون نقل الملابسات والارتكازات النوعية السائدة في أذهان العقلاء أو المتشرعة. ومن هنا، لا دلالة في سكوت الراوي على نفي مثل هذا الارتكاز:

لأنّ الراوی، إنما ینقل الکلام، و کلّ ما له دخل فی فهم المطلب من اللفظ، و لا ینقل الملابسات النوعیة و الارتکازات الکلّیة الموجودة فی أذهان العقلاء و المتشرّعة، فسکوته عن هذا الارتکاز، لا یکون شهادة علی عدم هذا الارتکاز.[14]

وبذلك، يبقى احتمال وجود القرينة اللبية الارتكازية بلا دافع، فيوجب إجمال المدلول التصديقي بمقتضى المقدمة الأولى.

اشتراط عقلائية منشأ الاحتمال


غير أن الشهيد الصدر نبه على أن مجرد التجويز العقلي لوجود مثل هذا الارتكاز ــ متجرداً عن المنشأ المعتد به ــ لا يكفي لإيجاب الإجمال؛ إذ لو كان الأمر كذلك لانفتح باب الإجمال في أغلب الظواهر. وإنما المعتبر هو الاحتمال المستند إلى منشأ عقلائي، بحيث لو عُرض على العقلاء لأقروا بوجاهته.

ومن أبرز مصاديق هذا المنشأ ــ كما صرّح به الشهيد الصدر ــ هو التطابق الفتوائي لفقهاء الإمامية في مختلف الأعصار على عدم وجوب الفعل المأمور به، وإن وُجد قول شاذ بالوجوب. فمثل هذا التطابق الفتوائي يكشف بنفسه عن احتمال عقلائي بوجود ارتكاز متشرعي على عدم الوجوب، متصلٍ بزمان صدور كلام المعصوم (عليه السلام):

إذا وردت صیغة «افعل» تأمر بفعل، و کان هذا الفعل متطابقاً علی عدم وجوبه فتویً، عند علماء الإمامیة و فی مختلف العصور، و إن کان هناک قول شاذ بالوجوب، فإنّه لا یضرّ بهذا الاتّجاه العام عند الإمامیة، و حینئذ، هذا الجوّ العام و الاتّجاه العام، یکون کاشفاً عن عدم الوجوب.[15]

التطبيق الفقهي: مسألة غسل الجمعة

ومن أجلى مصاديق هذه القاعدة: مسألة «غسل الجمعة». فإن الروايات الواردة في هذا الباب ــ نظير قوله (عليه السلام): «اغتسل للجمعة» ــ ذات ظهور بدوي في الوجوب، من دون اقترانها بقرينة لفظية دالة على الاستحباب. بيد أن فقهاء الإمامية قد أطبقوا في مختلف الأعصار ــ إلا مَن ندر كالشيخ الصدوق ــ على استحباب هذا الغسل. والتخريج الصناعي لهذا التسالم العملي عند الشهيد الصدر: أن ظرف صدور الرواية كان محفوفاً بارتكاز متشرعي على عدم وجوب غسل الجمعة، وأن الإمام (عليه السلام) قد استعمل صيغة «اغتسل» معتمداً على هذا الارتكاز عينه.

ويقرّب (قدس سره) المطلب بمثال عرفي: فلو استنصح مقلِّدٌ مرجعَه، فأجابه المرجع: «صلّ صلاة الليل»، فإن هذا الكلام لا ينعقد له أي ظهور في الوجوب؛ لتعويل المرجع على الارتكاز المتشرعي القائم على استحبابها. وحكم رواية «اغتسل للجمعة» من هذا القبيل.

امتياز هذا المسلك عن مسلك الشهرة الفتوائية أو الإعراض

ويختتم الشهيد الصدر بيانه بالوقوف على الفارق بين تخريجه هذا والمسلك المعهود في معالجة أمثال هذه الموارد. فإن المسلك المعهود يبتني على التسليم بانعقاد الظهور الوجوبي للرواية، ثم التماس المعارِض له من شهرة فتوائية أو إجماع. وحينئذٍ ينجرّ البحث إلى مسألة حجية الشهرة الفتوائية أو إعراض المشهور ــ وهي مسألة خلافية في حد ذاتها ــ.

وأما المسلك الذي قرره الشهيد الصدر، فهو في غنىً عن الدخول في هذا البحث؛ إذ بناءً عليه لم ينعقد للرواية ظهور في مدلولها التصديقي من الأساس، حتى يُحتاج إلى معارِض له:

فالأمر بصلاة الجمعة أو اللیل أو غیر ذلک، مما لم یذهب الفقهاء إلی وجوبه رغم ورود الأمر به، یکون من هذا الباب؛ فإنّ عدم حمله علی الوجوب لیس بملاک تحصیل إجماع محصَّل علی عدم الوجوب، لیقال بأنّ شرائط تحصیل الإجماع لیست بالیسیرة، بل علی أساس هذا التخریج.[16]

وبذلك، يكون هذا المسلك مستغنياً عن مبنى الفقيه في حجية الشهرة الفتوائية والإجماع المنقول من عدمها؛ فحتى الفقيه الذي يُنكر حجية أمثال هذه الأدلة، يسعه ــ بناءً على هذا التحليل ــ رفع اليد عن الظهور الوجوبي لمثل هذه الروايات.

حصيلة تحقيق الشهيد الصدر

وتتلخص حصيلة ما أفاده الشهيد الصدر (قدس سره) في مسألة «الأمر عقيب الحظر» في جهات ثلاث:

الجهة الأولى: مناقشته لمبنى المحقق الخوئي؛ وحاصلها أن مجرد احتمال إرادة خلاف الظاهر ــ الناشئ في مورد توهم الحظر ــ لا يكفي لإسقاط الظهور، ما لم تُبرَز نكتة صناعية لتخريجه.

الجهة الثانية: تحقيقه المستقل المبتني على التفكيك بين المدلول التصوري والمدلول التصديقي لصيغة الأمر. وبناءً عليه، فإن وقوع الأمر عقيب الحظر لا يُخلّ بمدلوله التصوري ــ أعني النسبة الإرسالية ــ إطلاقاً، ومن هنا ينتفي القول بالمجازية رأساً، وإنما يقتصر الإجمال على المدلول التصديقي فحسب؛ نظراً لتردد الداعي المحتمل بين الطلب وكسر التحرج. ولذلك، فإن النزاع في ظهور أمثال هذه الأوامر في الإباحة وعدمه، يكون نزاعاً لا مورد له.

الجهة الثالثة: تعميم هذا التحليل لتأسيس قاعدة عامة، مفادها: أن كل احتمال عقلائي بوجود قرينة لبية ارتكازية (متشرعية كانت أم عقلائية) على خلاف ظاهر الكلام، يوجب إجمال المدلول التصديقي، وهو احتمال لا يندفع بالشهادة السكوتية للراوي. وهذه القاعدة واسعة الجريان في أبواب الفقه ــ ولا سيما العبادات ــ، وتُغني الفقيه عن التمسك بالمباني الخلافية، كحجية الشهرة الفتوائية أو إعراض المشهور.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

--------------------
[1]. ‏الصدر، محمد باقر، مؤلف، «بحوث في علم الأصول‏ ‏(عبدالساتر)‏»، مع حسن عبدالساتر، م ٤، ص 339-340.
[2]. ‏‏الصدر، محمد باقر، مؤلف، «بحوث في علم الأصول‏»، مع محمود هاشمی شاهرودی، م ٢، ص 117.‏
[3]. ‏‏الصدر، محمد باقر، مؤلف، «مباحث الأصول»، مع کاظم حسینی حائری، م ١، ص 233.‏
[4]. الفجر: 22.
[5]. ‏الصدر، بحوث في علم الأصول‏ ‏(عبدالساتر)‏، م ٤، ص 341.
[6]. ‏‏المرجع السابق، م ٤، ص 342.‏
[7]. المائدة: 2.
[8]. ‏‏الصدر، بحوث في علم الأصول‏، م ٢، ص 117.‏
[9]. ‏الصدر، بحوث في علم الأصول‏ ‏(عبدالساتر)‏، م ٤، ص 343.
[10]. ‏‏الصدر، بحوث في علم الأصول‏، م ٢، ص 118.‏
[11]. ‏الصدر، بحوث في علم الأصول‏ ‏(عبدالساتر)‏، م ٤، ص 345.
[12]. ‏‏المرجع السابق، م ٤، ص 345.‏
[13]. ‏‏المرجع السابق، م ٤، ص 346.‏
[14]. ‏‏المرجع السابق، م ٤، ص 346.‏
[15]. ‏‏المرجع السابق، م ٤، ص 347.‏
[16]. ‏‏الصدر، بحوث في علم الأصول‏، م ٢، ص 118.‏

------------------------
المصادر
- الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول‏، محمود هاشمی شاهرودی، ۷ م، طباعة ۳، قم، موسسه دائرة المعارف فقه اسلامي بر مذهب اهل بيت عليهم السلام‏، 1417.
- ———، بحوث في علم الأصول‏ (عبدالساتر)، حسن عبدالساتر، طباعة ۱، بیروت، الدار الاسلاميه‏، 1417.
- ———، مباحث الأصول، کاظم حسینی حائری، ۲ م، قم، دار البشير، 1430.


الملصقات :

الأمر عقيب الحظر الأمر عقيب توهّم الحظر الإجمال أصالة الظهور المدلول التصوري المدلول التصديقي النسبة الإرسالية القرينة المتصلة اللفظية القرينة المتصلة اللبية الارتكازية احتمال قرينية الموجود احتمال وجود القرينة ارتكاز المتشرعة

نظری ثبت نشده است .