درس بعد

الامر عقیب الحظر

درس قبل

الامر عقیب الحظر

درس بعد

درس قبل

موضوع: الامر عقیب الحظر


تاریخ جلسه : ١٤٠٥/٧/٥


شماره جلسه : ۸

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث السابق

  • دعوى صاحب الفصول اختصاص النزاع بالهيئة

  • مناقشة المحقق الخراساني

  • دفاع الإمام الخميني عن صاحب الفصول

  • مناقشة آية الله التبريزي لاستدلال الإمام الخميني

  • نقد مناقشة المحقق التبريزي

  • دعوى الإمام الخميني المبتكرة: عدم معقولية جريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة

  • الاستثناء المحتمل من برهان الإمام الخميني

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین


مُحصّل البحث السابق

يتعرض المحقق الخراساني في سياق مبحث المرة والتكرار لدعوى صاحب الفصول اختصاص النزاع بهيئة صيغة الأمر، استناداً إلى أمرين: أحدهما نص جماعة من الأصوليين، وثانيهما الإجماع المنقول عن السكاكي على أن المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا يدل إلا على الماهية من حيث هي. أما الأمر الأول فمردود لعدم حجية الإجماع المنقول في الأصول. وأما الأمر الثاني فقد ناقش فيه المحقق الخراساني أيضاً، ببيان أن المصدر في نفسه أحد المشتقات وليس مادة لها، ومن هنا لا يمكن تعميم دلالة المصدر على الماهية وتسريتها إلى مادة الصيغة مطلقاً. وقد ذبّ الإمام الخميني عن صاحب الفصول، مبيناً عدم تمامية مناقشة المحقق الخراساني، بدعوى أن مادة المصدر متحدة مع مادة سائر المشتقات، وإن لم يكن المصدر في نفسه مادة لها. 
إلا أن الإمام أورد إشكالاً مستقلاً على صاحب الفصول، وحاصله: أن دعوى اختصاص النزاع بالهيئة لا تتم إلا بإثبات أحد إجماعين: أحدهما الإجماع على كون المصدر أصلاً للمشتقات، وثانيهما الإجماع على اتحاد مادة المصدر مع مادة المشتقات، والحال أنه لم يثبت شيء منهما. ثم أفاد الإمام بدعوى مبتكرة تباين مسلك صاحب الفصول، مفادها عدم معقولية جريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة رأساً. ولإثبات هذه الدعوى، تصدى لدراسة احتمالين متصورين في مدلول هيئة الأمر: أحدهما الوضع للبعث، وثانيهما الوضع لطلب الإيجاد. فبناءً على الاحتمال الأول، ولما كان تعدد الإرادة التأسيسية بالنسبة إلى المراد الواحد محالاً، امتنع تعدد الإيجاد التأسيسي أيضاً. وبناءً على الاحتمال الثاني، فإنه وإن تراءى بدواً إمكان النزاع في طلب الإيجاد الواحد أو الإيجادات المتعددة، إلا أنه لما كانت الهيئة معنى حرفياً، والمعنى الحرفي غير قابل للتقييد في استعمال واحد لمكان لحاظه الآلي، انتفى هذا النزاع من الأساس أيضاً. والمتحصل: عدم معقولية جريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة على كلا الاحتمالين، وهذا الإشكال وارد على المحقق الخراساني أيضاً.

دعوى صاحب الفصول اختصاص النزاع بالهيئة

يقع البحث في أن صيغة «افعل» هل تدل على المرة أو التكرار بمادتها، أم بهيئتها، أم بمجموعهما، أم أنها لا تدل على شيء منهما أصلاً؟

ذهب صاحب الفصول إلى أن جريان هذا النزاع في المادة مما لا وجه له أساساً، وأن محط اختلاف الأصوليين ينحصر في هيئة الصيغة. ومستنده في ذلك الإجماعُ الذي نقله السكاكي على أن المادة «اذا کانت مصدراً مجرداً عن اللام والتنوین، لا تدلّ إلَّا علی الماهيَّة»، بمعنى خلو المادة عن أي خصوصية من الخصائص، واقتصار دلالتها على الماهية المهملة. وما يفيد الخصوصية في الكلام إنما هو الهيئة، وعليه يتعين إرجاع نزاع المرة والتكرار إلى الهيئة.

مناقشة المحقق الخراساني

وقد أورد المحقق الخراساني إشكالاً على هذا الاستدلال، حاصله أن هذه الدعوى إنما تتم لو بنينا على كون المصدر أصلاً لجميع المشتقات، والحال أن المصدر في نفسه أحد المشتقات، والمسألة خلافية بين الأصوليين في كون الأصل هو الفعل أم المصدر. وعليه، فإن الإجماع المنقول عن السكاكي الناظر إلى عدم دلالة مادة المصدر على المرة والتكرار لا يصلح لإثبات عدم دلالة المادة في سائر المشتقات كصيغة الأمر، ما لم يثبت كون المصدر أصلاً لها.

والظاهر ورود هذا الإشكال؛ إذ لو كان المصدر أصلاً للمشتقات، وكانت مادته خالية عن أي خصوصية كالمرة أو التكرار، لزم من ذلك عدم دلالة المادة في صيغة «افعل» بوصفها أحد مشتقات المصدر على المرة والتكرار أيضاً، ولتعين بذلك حصر النزاع في الهيئة. وأما لو لم يكن المصدر أصلاً للمشتقات، فمن المحتمل اشتمال مادة صيغة «افعل» على خصوصية مستقلة عن المصدر تدل على المرة أو التكرار.

دفاع الإمام الخميني عن صاحب الفصول

وقد تصدى الإمام الخميني (قدس سره) للذب عن صاحب الفصول، بقطع النظر عن مبنى أصالة المصدر. فقد أفاد بأنه وإن لم نلتزم بكون المصدر أصلاً للمشتقات، بل اعتبرنا المصدر وسائر المشتقات في عرض واحد وكان كل منها مشتقاً برأسه، فإن النكتة الثابتة أن مادة المصدر من حيث المعنى عين مادة سائر المشتقات، نظير اتحاد مادة الفعل الماضي والمضارع من دون دعوى أصالة الماضي للمضارع، واتحاد مادة المضارع والأمر من دون عد المضارع أصلاً للأمر.

وعليه، فإذا ثبت خلو مادة المصدر عن الدلالة على خصوصية المرة أو التكرار، فإن هذه المادة بعينها المحفوظة في ضمن الفعل الماضي والمضارع والأمر تكون فاقدة لهذه الدلالة بطريق أولى. وبذلك يندفع إشكال المحقق الخراساني المبتني على ضرورة أصالة المصدر؛ إذ مادة المصدر عين مادة المشتقات، سواء بنينا على أصالة المصدر لها أم لم نبنِ، وهذا المقدار كافٍ لإثبات مدعى صاحب الفصول.

وهذه النكتة مضافاً إلى كونها مستفادة من كلام الإمام تُعَدّ أمراً وجدانياً غنياً عن إقامة الإجماع أو البرهان؛ إذ لو سُئل أهل العرف واللسان: هل تدل مادة الألفاظ مصدراً كانت أم ماضياً أم مضارعاً على المرة أو التكرار؟ لكان الجواب بالنفي. فكما أن مادة «ضرب» لا تدل على الشدة ولا على عدمها، ولا تدل على وقوع الضرب ليلاً أو نهاراً، ولا على اقترانه بآلة أو تجرده عنها، فكذلك لا دلالة لها على المرة أو التكرار.

والإجماع الذي نقله السكاكي منعقد بلحاظ مادة المصدر لا بلحاظ هيئته؛ لأن المصدر سواء قلنا بثبوت هيئة مستقلة له أم لم نقل مركب من مادة وهيئة، وعدم دلالته على الخصوصية راجع إلى مادته حصراً. إذ من المتيقن أن هيئة المصدر لا تنهض لإثبات عدم الدلالة على المرة والتكرار، بل هذا العدم ثابت بلحاظ المادة. ولما كانت هذه المادة محفوظة في سائر المشتقات، فالنتيجة أن المادة مطلقاً «لا تدلّ لا علی المرَّة و لا علی التكرار».

حصيلة البحث

والمتحصل مما تقدم، أن دعوى صاحب الفصول اختصاص النزاع في المرة والتكرار بهيئة صيغة الأمر لا تندفع إلا في حالة واحدة، وهي أن يُدَّعى عدم اتحاد مادة المصدر مع مادة سائر المشتقات. وأما لو قيل بأن مادة المصدر عين مادة سائر المشتقات، سواء بنينا على كون المصدر أصلاً لها أم لا، فإن كلام صاحب الفصول يستقر ويثبت؛ إذ لا مجال حينئذٍ لطرح نزاع المرة والتكرار في شيء من المشتقات الأخرى كالماضي والمضارع، وإنما ينقدح التساؤل عند طرو هيئة الأمر على هذه المادة المشتركة: هل مفاد صيغة «افعل» هو المرّة الواحدة أم المِرار؟

مناقشة آية الله التبريزي لاستدلال الإمام الخميني

أورد آية الله الميرزا جواد التبريزي في كتابه[1] ذيل هذا المبحث تقريراً لاستدلال الإمام الخميني[2] في دفاعه عن صاحب الفصول ومناقشته للمحقق الخراساني. وحاصل هذا التقرير أنه لما كانت مادة المصدر لا دلالة لها على المرة أو التكرار، تولّد من هذا العلم علمٌ آخر، وهو العلم بعدم دلالة مادة سائر المشتقات على ذلك أيضاً؛ لانتفاء أي تفاوت من حيث المعنى بين مبدأ المصدر ومبدأ سائر المشتقات. وقد بيّن هذا التقرير بقوله:

و قد ذكر بعض الأعاظم قدّس سرّه أنّ مناقشة صاحب الكفاية ضعيفة؛ و ذلك لأنّ المصدر و إن لم يكن مبدأ لسائر المشتقات، إلاّ أنّ عدم التفاوت بين مبدأ المصدر و مبدأ سائر المشتقات في المعنى قطعي، و عليه فالعلم بخروج المرة أو التكرار عن معنى المصدر مساو للعلم بخروجهما عن مدلول مادة سائر المشتقات.

ثم تصدى المحقق التبريزي بعد نقل هذا التقرير لمناقشته، فأنكر الملازمة المفترضة في استدلال الإمام بين العلم بعدم دلالة مادة المصدر على المرة والتكرار، وبين العلم بعدم دلالة مادة سائر المشتقات. ورأى أن العلم الأول لا يوجب حصول العلم الثاني؛ لوجود احتمال يمنع من انعقاد هذه الملازمة، قائلاً:

أقول: العلم بخروج المرة و التكرار عن مدلول المصدر لا يكون موجبا للعلم بخروجهما عن مادة سائر المشتقات، فإنّه من المحتمل أن يكون مادة جميع المشتقات حتّى المصدر موضوعة للطبيعي المقيد بأحدهما، و تكون هيئة المصدر موضوعة لإلغاء الخصوصية من المادة و إشراب المعنى الحدثي لها مع كون الوضع في ناحية هيئة المصدر أيضا شخصيا؛ و لذا يكون سماعيا بحسب المواد، و إذا أمكن ذلك يكون تخصيص الخلاف في صيغة الأمر بمدلول الهيئة دون المادة بلا وجه.

وبناءً على هذه العبارة، فإن الاحتمال الذي أثاره يرجع إلى أن تكون مادة جميع المشتقات حتى المصدر موضوعة ابتداءً للطبيعي المقيد بأحدهما، أعني الطبيعة المقيدة بالمرة، غير أن هيئة المصدر لمكان وضعها الشخصي وكونها سماعية تطرأ على هذه المادة لتلغي منها هذه الخصوصية وتُشربها المعنى الحدثي الصرف. والحال أن هذا الإلغاء لا يجري في هيئة سائر المشتقات كهيئة الأمر، ومن هنا تبقى المادة في ضمن هيئة الأمر على تقيدها بالمرة. والنتيجة أنه لا وجه لاختصاص نزاع المرة والتكرار في صيغة الأمر بمدلول الهيئة وإخراج المادة منه.

نقد مناقشة المحقق التبريزي

إن هذا الاحتمال الذي أفاده المحقق التبريزي فاقدٌ للوجه الأدبي، فضلاً عن عدم ملاءمته للاعتبار اللغوي، مما لا يبقى معه مجال لطرحه من الأساس. وبيانه: أنه ادعى وضع مادة جميع المشتقات، ومنها المصدر، للطبيعة المقيدة بالمرة، ثم ادعى قدرة هيئة المصدر على إلغاء هذه الخصوصية من المادة، والحال أن هيئات سائر المشتقات تعجز عن ذلك فتبقى الخصوصية محفوظة في مادتها. وهذا الادعاء متهافت في نفسه؛ إذ كيف يُفرض أخذ خصوصية في المادة، ثم يُدّعى إلغاؤها بأمر من قبيل الهيئة في مورد، وإبقاؤها في موارد أخرى؟ والحال أن الهيئة قاصرة بالذات عن إلغاء خصوصية مأخوذة في المادة أو تغيير مدلولها. فإن لكل من المادة والهيئة موضوعاً له مستقلاً، وتصرف أحدهما في مدلول الآخر مما لا مستند له أدبياً ولا لغوياً.

مضافاً إلى أنه لو سلمنا إمكان مثل هذا الإلغاء، لانقدح التساؤل: أيهما أقدر عليه، هيئة المصدر أم هيئة الأفعال؟ فمع أنه يرى هيئة المصدر سماعية، إلا أن قوة الهيئة ورسوخها في الأفعال أشد بمراتب من هيئة المصدر. وعليه، فافتراض قدرة هيئة المصدر، على ضعفها وكونها سماعية، على إلغاء الخصوصية المأخوذة في المادة، والحال أن هيئات الأفعال الأقوى تعجز عن ذلك، فرضٌ لا يصح بوجه من الوجوه.

دعوى الإمام الخميني المبتكرة: عدم معقولية جريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة

من النظريات المبتكرة للإمام الخميني في هذا المبحث، ما يباين بتمامه مسلك صاحب الفصول، وما عليه جُل الأصوليين تبعاً له. فقد ذهب صاحب الفصول إلى انحصار جريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة وعدم ارتباطه بالمادة، والحال أن الإمام أنكر معقولية جريان هذا النزاع في الهيئة من الأساس، وأقام البرهان على ذلك. وفي مقام بيان هذه الدعوى، تصدى لبحث احتمالين متصورين في مدلول هيئة الأمر.

الاحتمال الأول: الوضع للبعث

بناءً على هذا الاحتمال، تدل هيئة صيغة الأمر على البعث والتحريك، أو بتعبير الإمام نفسه على «الإغراء»، ولا دلالة للهيئة نفسها على إيجاد الفعل، بمعنى أن صيغة «افعل» لا تدل بمدلولها اللفظي على إيجاد الفعل، بل تقتصر على تحريك المخاطب، ويكون إيجاد الفعل في الخارج لازماً عقلياً لهذا التحريك، لا مدلولاً لفظياً للهيئة.

ولما كان الإيجاد معلولاً لبعث المولى، وكان بعث المولى بدوره معلولاً لإرادته، انقدح التساؤل: هل يمكن أن تتعلق إرادات متعددة بفعل واحد ومراد واحد؟ والجواب: عدم الإمكان؛ إذ لو احتاج شخص إلى الماء، كان سقيه فعلاً واحداً لا تتعلق به إلا إرادة واحدة، وحب واحد، وشوق واحد. ويستحيل عقلاً وعرفاً تعلق إرادتين تأسيسيتين في عرض واحد وفي آن واحد بفعل واحد، والحال أن التكرار ليس إلا تعلق إرادتين تأسيسيتين. وعليه، فلو بنينا على دلالة هيئة الأمر على التكرار، للزم منه دلالة الهيئة على إرادتين وحبين وشوقين مستقلين للمولى، و«هذا محالٌ».

ومع استحالة التكرار، لا يُصار إلى تعين المرة، بل يُحكم بعدم معقولية نزاع المرة والتكرار في الهيئة رأساً؛ إذ متى كان أحد طرفي النزاع غير معقول، لم يبقَ معه موضوع للنزاع في الطرف الآخر.

ومن شواهد ذلك الآية الشريفة: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾،[3] فالحج فعل واحد يبعث الله (سبحانه وتعالى) العباد نحوه بهذه الآية. وهذا البعث ليس معلولاً إلا لإرادة إلهية واحدة. فبمقتضى هذه الآية، متى حصلت الاستطاعة تعلقت الإرادة بالفعل، ولا تتعلق به مرة أخرى في السنوات اللاحقة ولو تجددت الاستطاعة، اللهم إلا على نحو التأكيد، أو بأمر تأسيسي آخر وهو خارج عن محل النزاع؛ إذ الفرض وحدة الأمر. وعلى هذا الأساس يُكتفى في الامتثال بالإتيان بالحج مرة واحدة.

وهنا ينبغي الالتفات إلى أن البعث المستفاد من الهيئة بعث اعتباري لا تكويني؛ لأن البعث التكويني هو أن يأخذ المولى بيد العبد ليأتي بالفعل. غير أن هذا البعث الاعتباري معلول لإرادة وحب وشوق تكويني، وهي واحدة في متعلقها. ولما كانت هذه الإرادة التكوينية واحدة، امتنع تعدد تعلقها التأسيسي بالفعل الواحد، فيستحيل التكرار في الأمر الواحد بناءً على ذلك.

الاحتمال الثاني: الوضع لطلب الإيجاد

بناءً على هذا الاحتمال، يكون إيجاد الفعل مأخوذاً في المدلول اللفظي للهيئة، أي أن صيغة «افعل» تدل بمدلولها اللفظي على الإيجاد، إلا أنه ملحوظ بنحو المعنى الحرفي لا الاسمي. ومعنى ذلك أن هذه الصيغة تفيد نسبة إيجادية بين المخاطَب وفعله في الخارج، ويكون مدلول الهيئة عين هذه النسبة.

ولما كانت هذه النسبة معنى حرفياً، وكان المعنى الحرفي غير قابل للتقييد بالمرة أو التكرار، أفضى هذا الاحتمال إلى عين النتيجة السابقة. وهذا من الفروق المعروفة بين المعنى الحرفي والمعنى الاسمي. فـ«الابتداء» مثلاً معنى اسمي قابل للتقييد، والحال أن مدلول «مِن» الابتدائية في مثل قولنا «سرت من البصرة إلى الكوفة» لا يقبل التقييد من الأساس.

وقد يُدعى أنه كان بإمكان الواضع ابتداءً وضع الهيئة للنسب الإيجادية المتعددة، أي وضع المعنى الحرفي بنحو متكرر. والجواب: أن هذا وإن كان بمكان من الإمكان العقلي، إلا أنه لم يقع في مقام الوضع لهيئة «افعل»، فهو خلاف الواقع.

وهنا ينبغي التنبيه على وقوع خلط في باب المعاني الحرفية بين واقع المعنى الحرفي ومفهومه. فالحرف كـ«مِن» يفيد نسبة تتقوم حقيقة بطرفيها، أعني المبدأ والمنتهى؛ بمعنى أن الواقع الخارجي لهذه النسبة مقيد بذاته بطرفيه، ومن هنا يمتنع تقييده مرة أخرى. فإن القابل للتقييد إنما هو مفهوم المعنى الحرفي، لا واقعه ومصداقه الخارجي، والخلط بينهما منشأ هذا التوهم.

الاستثناء المحتمل من برهان الإمام الخميني

ثم أفاد الإمام الخميني أن استحالة تعلق إرادات متعددة بفعل ومراد واحد، لا تندفع إلا بناءً على مبنى أستاذه المحقق الحائري (قدس سره) القائل إن «العلل التشريعية كالعلل التكوينية». فبناءً على هذا المبنى، كما أن المعلول يتبع علته في الوحدة والكثرة في التكوينيات، فكذلك في التشريعيات؛ حيث إنه إذا تعددت الإرادة لزم تعدد المراد. وعلى هذا الأساس، قد ينفتح المجال لجريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة. إلا أن الإمام لا يرتضي هذا المبنى، ويرى أن قياس التشريع على التكوين قياس مع الفارق.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین


------------------------
[1]. ‏‏تبریزی، جواد، مؤلف، «دروس في مسائل علم الأصول»، م ١، ص 364-365.‏
[2]. حيث عبر عنه بـ «بعض الأعاظم».
[3]. آل عمران: 97.

--------------------------
المصادر
- تبریزی، جواد، دروس في مسائل علم الأصول، ۶ م، طباعة ۲، قم، دار الصديقة الشهيدة (سلام الله عليها)، 1387.



الملصقات :

تعدّد الإرادة المرة والتكرار هيئة الأمر مادة الأمر الماهية من حيث هي المعنى الحرفي أصل المشتقات البعث والإغراء الإرادة التأسيسية

نظری ثبت نشده است .