موضوع: الامر عقیب الحظر
تاریخ جلسه : ١٤٠٥/٧/٤
شماره جلسه : ۷
خلاصة الدرس
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
دعوى صاحب الفصول اختصاص النزاع بالهيئة ومناقشة المحقق الخراساني لها
-
مناقشة الإمام الخميني للمحقق الخراساني دفاعاً عن صاحب الفصول
-
مناقشة الإمام الخميني لصاحب الفصول
-
دعوى الإمام الخميني المبتكرة: عدم معقولية جريان النزاع في الهيئة وطرح احتمالين في مدلولها
-
دراسة الاحتمال الأول: برهان استحالة تعدد الإرادة التأسيسية بالنسبة إلى المراد الواحد
-
دراسة الاحتمال الثاني: برهان امتناع تقييد المعنى الحرفي
-
حصيلة البحث: عدم معقولية جريان النزاع في الهيئة على كلا المبنيين
-
المصادر
الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
استُهلّ البحث في الجلسة السابقة ببيان الشواهد المؤيدة للمناقشات الواردة على تحقيق الشهيد الصدر في مصنفات عَلَمين من الأعلام المعاصرين: فالمناقشة الثالثة (الراجعة إلى الخروج عن محل النزاع بالتفكيك بين المدلولين التصوري والتصديقي) مذكورة بعينها في كلام المحقّق الفياض في «المباحث الأصولية»، كما أُوردت المناقشة الثانية (وهي لزوم انسداد باب العمل بأصالة الظهور) في كتاب «بحوث في علم الأصول» بتقرير آية الله الهاشمي الشاهرودي تحت عنوان: «وقد يقال ينسد باب العمل بالظهورات». وتكميلاً للجواب عن هذا الإشكال، فُصّل القول بين القرائن المتصلة اللفظية واللُبّية. ففي القرائن اللفظية يكون سكوت الراوي كاشفاً عن عدم القرينة، وأما في القرائن اللُبّية الارتكازية فلا دلالة لسكوته على ذلك.
ومع ذلك، فإن مجرد احتمال وجود الارتكاز لا يمنع من انعقاد الظهور، بل ينعقد الظهور ويكون حجة مع هذا الاحتمال؛ إذ وظيفة أصالة الظهور إنما هي إلغاء احتمال القرينة المخالفة لا إيجاد الظهور. ثم عُرضت الخلاصة النهائية لمبحث «الأمر عقيب الحظر»: فخلافاً لمسلك المحقق الخراساني والسيد الخوئي القائل بإجمال هذا التركيب، فإن الرأي المختار هو أن وقوع الأمر عقيب الحظر يُعدّ بذاته قرينة على عدم إرادة الوجوب، ومن هنا ينتفي الظهور في الوجوب ويصبح احتماله كالعدم. وعليه، تُفسّر الإباحة المطلقة التي ذهب إليها القدماء بمعنى «الرافعية للتحريم» (الجامعة للاستحباب والإباحة والكراهة)، لا الإباحة بالمعنى الأعم الشامل للوجوب أيضاً. مضافاً إلى ذلك، فبناءً على قاعدة «الظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب» وبالتتبع في موارد الاستعمال، أمكن المصير إلى الحمل على خصوص الاستحباب أيضاً. بعد ذلك انتقل البحث إلى مسألة «المرة والتكرار»: فصيغة الأمر لا تدل على المرة ولا على التكرار، لا بهيئتها ولا بمادتها، وإنما يختص هذا النزاع بصيغة الأمر فحسب لمكان اشتغال الذمة. وضمن استعراض كلام صاحب الفصول القاضي باختصاص النزاع بالهيئة، طُرح مسلكان لتحرير محل النزاع: أحدهما تحديد محل النزاع ابتداءً في كونه المادة أم الهيئة أم مجموعهما، وثانيهما ما سلكه المحقق النائيني من أن البحث لا طائل تحته، مرجعاً إياه إلى مسألة «انحلال الحكم بلحاظ الموضوع»، وهو المسلك الذي تناوله السيد الخوئي ثم الشهيد الصدر من بعده بمزيد من التفصيل والتوسعة.
ثم يتعرض المحقق الخراساني في سياق البحث لكلام صاحب الفصول (رحمه الله). فقد ادعى صاحب الفصول اختصاص نزاع المرة والتكرار بهيئة صيغة الأمر دون مادتها، جرياً منه على المسلك الرائج بين القدماء من جعل مصب النزاع ذات لفظ الصيغة، مادة كانت أو هيئة. وهذا نص عبارته:
و إنّما حرّرنا النزاع فی الهیئة لنصّ جماعة علیه و لأنّ الأکثر حرّروا النزاع فی الصیغة و هی ظاهرة بل صریحة فیها و لأنّه لا کلام فی أنّ المادّة و هی المصدر المجرّد عن اللام و التنوین لا تدلّ إلّا علی الماهیّة من حیث هی علی ما حکی السکاکی وفاقهم علیه ... و یؤیّد ذلک بل یدلّ علیه عدم احتجاج القائل بالمرّة هنا بدلالة المادّة علیها مع أنّ من الموادّ ما لا نزاع فی دلالته علی الدوام و استمرّ.[1]
وفي ضوء هذه العبارة يبتني استدلال صاحب الفصول على أمرين: أحدهما تصريح جماعة من الأصوليين باختصاص نزاع المرة والتكرار بالهيئة، وجعله تحرير أكثر الأصوليين للنزاع في «الصيغة» مؤيداً لذلك. وثانيهما الإجماع الذي حكاه السكاكي عن الأصوليين على أن المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا يدل إلا على الماهية من حيث هي. ويرى صاحب الفصول أن هذا الإجماع يقتضي بوضوح امتناع جريان نزاع المرة والتكرار في المادة، فيتعين جريانه في الهيئة.
وقد أورد المحقق الخراساني إشكالاً على هذه الدعوى، وإن انصب عمدة نظره على الأمر الثاني، أعني الإجماع المنقول عن السكاكي. أما الجواب عن الأمر الأول فواضح؛ إذ الإجماع المنقول لا حجية له في باب الأصول بخلاف الفقه، فضلاً عن مجرد تصريح جماعة من الأعلام مما لم يبلغ مرتبة الإجماع أصلاً، ومن هنا توجه نقده إلى الأمر الثاني.
فقد أفاد بأن استدلال صاحب الفصول بأن المصدر المجرد عن اللام والتنوين لا يدل إلا على الماهية، وحصره النزاع في الهيئة من هذا الطريق، لا يتم إلا لو قلنا بأن المصدر هو «مادة جميع المشتقات»، والحال أن المصدر في نفسه أحد المشتقات وليس مادة لها. كيف وقد اتضح في مبحث المشتق أن المصدر وسائر المشتقات متباينة بحسب المعنى، ومن الواضح أن المعنى المباين لسائر معاني المشتقات لا يمكن أن يكون مادة لها. وهذا نص عبارة المحقق الخراساني:
ثمّ لا يذهب عليك أنّ الاتّفاق على أنّ المصدر المجرّد عن اللام و التنوين لا يدلّ إلاّ على الماهيّة - على ما حكاه السكّاكيّ - لا يوجب كون النزاع هاهنا في الهيئة - كما في الفصول -، فإنّه غفلة و ذهول عن كون المصدر كذلك لا يوجب الاتّفاق على أنّ مادّة الصيغة لا تدلّ إلاّ على الماهيّة، ضرورة أنّ المصدر ليست مادّة لسائر المشتقّات، بل هو صيغة مثلها. كيف! و قد عرفت في باب المشتقّ مباينة المصدر و سائر المشتقّات بحسب المعنى، فكيف بمعناه يكون مادّة لها؟ فعليه يمكن دعوى اعتبار المرّة أو التكرار في مادّتها، كما لا يخفى.[2]
ولازم هذا الإشكال سقوط الدليل الثاني لصاحب الفصول من الأساس؛ إذ لا يتم هذا الدليل إلا بثبوت كون المصدر مادة لجميع المشتقات ابتداءً، ليُصار بعد ذلك إلى القول بأن المادة في مشتق كصيغة الأمر، بناءً على كونها عين المصدر، لا دلالة لها على المرة ولا على التكرار، فيُنتقل بالنزاع إلى الهيئة. فمع بطلان المقدمة الأولى يسقط هذا الاستدلال عن الاعتبار بالكلية.
أورد الإمام الخميني (رضوان الله عليه) في «مناهج الوصول»[3] إشكالاً على هذه المناقشة للمحقق الخراساني. فقد أفاد بأنه لو سلمنا بأن المصدر ليس مادة لسائر المشتقات، أفلا يثبت الاتحاد والعينية بين المادة الموجودة في المصدر والمادة الموجودة في سائر المشتقات؟ وبعبارة أخرى، إننا وإن سلمنا أن المصدر في نفسه بما هو صيغة مستقلة ليس مادة للمشتقات، إلا أنه بملاحظة صيغ من قبيل: فَعَل ويَفْعَل واِفْعَل، نجد أن المادة المحفوظة في ضمن كل واحدة من هذه الصيغ، ومنها مادة المصدر، متحدة مع غيرها، وهذا المقدار من الاتحاد كافٍ لإثبات دعوى صاحب الفصول. وقد صرح الإمام (قدس سره) في هذا المقام قائلاً:
و هذا الإشكال غير وارد عليه لأنّ مادّة المصدر عين مادّة المشتقّات، و لو لم يكن المصدر مادّة لها.
وبذلك يكون الإمام قد دفع إشكال المحقق الخراساني وذبّ عن صاحب الفصول.
إلا أن الإمام (قدس سره) أورد إشكالاً مستقلاً على صاحب الفصول. وبيان ذلك: أن دعوى صاحب الفصول باختصاص جريان نزاع المرة والتكرار بالهيئة وعدم شموله للمادة، لا تتم إلا بإثبات أحد إجماعين: أحدهما الإجماع على أن المصدر أصل لجميع المشتقات، وثانيهما الإجماع على أن مادة المصدر عين مادة المشتقات. والحال أنه لم يثبت شيء من هذين الإجماعين كما صرح به الإمام؛ لوقوع الخلاف في مادة المشتقات وفي وضعها نوعاً أو شخصاً. وبعبارة أخرى، حتمل أن المادة إذا وقعت في مثل صيغة «اِفْعَل»، فإن مجموع المادة والهيئة، أو المادة وحدها، يكتسب وضعاً نوعياً أو شخصياً مغايراً لوضع المادة نفسها في المصدر. وهذا نص عبارته:
لكن يرد على الفصول: بأنّ ذلك لا يتمّ إلاّ إذا انضمّ إليه الإجماع على كون المصدر أصل المشتقّات، أو الإجماع على أن مادّة مادّتها، و هو ممنوع، لوقوع الخلاف في مادّة المشتقّات، و في وضعها نوعا و شخصا.
وعليه، يرى الإمام أن دعوى صاحب الفصول باختصاص النزاع بالهيئة تفتقر إلى الدليل التام، سواء من جهة إثبات كون المصدر أصلاً للمشتقات، أو من جهة إثبات اتحاد مادة المصدر مع مادة سائر المشتقات.
دعوى الإمام الخميني المبتكرة: عدم معقولية جريان النزاع في الهيئة وطرح احتمالين في مدلولها
هذه حصيلة المناقشات الجارية بين المحقق الخراساني وصاحب الفصول والإمام الخميني في تحرير محل النزاع. إلا أن ما يسترعي النظر في كلام الإمام (رضوان الله عليه) هو دعواه المباينة بتمامها لدعوى صاحب الفصول. فصاحب الفصول يذهب إلى اختصاص جريان نزاع المرة والتكرار بالهيئة، والحال أن الإمام يرى عدم معقولية جريان هذا النزاع فيها رأساً. والبون شاسع بين المسلكين. فصاحب الفصول يبحث في كون المستفاد من هيئة الأمر هل هو المرة أم التكرار أم لا شيء منهما، والحال أن الإمام ينكر من الأساس معقولية طرح مثل هذا النزاع في الهيئة. وهذه الدعوى من مبتكراته (قدس سره)، ولم يُسبق إليها في كلمات من تقدمه.
وفي مقام بيان هذه الدعوى، أورد الإمام احتمالين متصورين في مدلول هيئة الأمر:
أحدهما: أن تكون هيئة الأمر موضوعة للبعث، أي تحريك المخاطب نحو إيجاد الفعل. وبناءً على هذا الاحتمال لا يكون إيجاد الفعل في الخارج مدلولاً لفظياً للهيئة، بل هو من اللوازم العقلية للبعث؛ إذ كلما بعث المولى مخاطَبَه نحو إيجاد فعل، كان اللازم العقلي لهذا البعث أن يُوجِد المخاطب ذلك الفعل في الخارج. وقد قرر الإمام هذا الاحتمال قائلاً:
فإمّا أن يقال: إنّ الهيئة وضعت للبعث و الإغراء، و لازم الإغراء إلى الماهيّة هو إيجادها، لا أنّه مدلولها اللفظيّ.
وثانيهما: أن يقال إن هيئة الأمر موضوعة لطلب الإيجاد، بمعنى أن يكون الإيجاد نفسه جزءاً من المدلول اللفظي للهيئة، لا مجرد لازم لها. وقد قرر الإمام هذا الاحتمال بقوله:
و إمّا أن يقال: إنّها وضعت لطلب الإيجاد، بحيث يكون الإيجاد بالمعنى الحرفيّ مفادها اللغويّ.
وعليه، فعمدة الفارق بين هذين الاحتمالين أن إيجاد الفعل بناءً على الاحتمال الأول يُعد لازماً عقلياً للبعث، والحال أنه بناءً على الاحتمال الثاني يُعد جزءاً من المدلول اللفظي لهيئة الأمر. ثم تصدى الإمام لدراسة كل من الاحتمالين على حدة، ليثبت عدم معقولية جريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة على كلا المبنيين.
وينبغي دراسة كل من الاحتمالين على حدة، ليظهر عدم معقولية نزاع المرة والتكرار في الهيئة على كليهما. ويقع البحث في هذا المقام في الاحتمال الأول، أعني وضع الهيئة للبعث.
فبناءً على هذا الاحتمال، تكون هيئة الأمر موضوعة للبعث والتحريك، ويكون إيجاد الماهية في الخارج لازماً عقلياً لهذا البعث. وهنا لا بد من تحرير المراد من التكرار على هذا المبنى، فإن التكرار عبارة عن الإيجادات المتعددة بنحو التأسيس لا بنحو التأكيد؛ إذ لو كرر المولى طلبه الأول ثانية وثالثة بداعي التأكيد، لكان ذلك خارجاً عن محل النزاع ولا بحث فيه أصلاً. بل محل النزاع هو: هل يعقل أن تنقدح للمولى إرادة مستقلة تأسيسية، مغايرة لإرادته الأولى، متعلقة بالفعل عينه، بحيث يكون الامتثال الثاني امتثالاً مستقلاً في نفسه، لا مجرد تأكيد للامتثال الأول؟
وفي مقام الجواب، يتمسك الإمام (رضوان الله عليه) بقاعدة رصينة في باب العلاقة بين الإرادة ومتعلقها، مفادها أنه متى لم يكن متعلق الإرادة متعدداً، امتنع تعدد الإرادة؛ لأن تعدد الإرادة يستلزم تعدد المراد قهراً. وبعبارة أخرى، يستحيل عقلاً تعلق إرادات متعددة بنحو التأسيس بفعل واحد؛ إذ متى ما وقعت الماهية اللابشرط متعلقاً للإرادة، لم تتعلق بها إلا إرادة واحدة لا إرادات متعددة. وقد بين الإمام هذه القاعدة بعبارة صريحة قائلاً:
لأنّ الشيء الواحد لا يمكن أن يكون مرادا و مشتاقا إليه مرّتين.
ولتقريب المطلب يُمثَّل لذلك بشرب الماء. فإن من أراد الماء لا تنقدح في نفسه الإرادة والشوق إليه بنحو التأسيس إلا مرة واحدة. فلو قال: «اسقني ماءً»، ثم كرر القول ثانية وثالثة، لم يوجب هذا التكرار تعدداً في الإرادة التأسيسية، بل تقع الإرادات اللاحقة بأسرها تأكيدية، لتبعية الإرادة لمتعلقها. وقد قرر الإمام (قدس سره) هذه الضابطة الكلية بقوله:
فكثرة الإرادة و الحبّ و الاشتياق تابعة لكثرة المتعلّق.
وعليه، ففي المقام متى قال المولى: «أكرم عالماً»، وكان المتعلق واحداً بحسب الظاهر، ووقع البحث: هل يجب الإكرام مراراً أم يكفي مرة واحدة في الامتثال؟ فإن الإمام يستنتج بمقتضى القاعدة المتقدمة امتناع تعدد البعث التأسيسي نحو الشيء الواحد، قائلاً:
و كذا لا يمكن تعدّد البعث التأسيسيّ إلى شيء واحد.
والمتحصل: أنه لو بنينا على أن مدلول هيئة الأمر هو البعث، وكان الإيجاد لازماً له، فإنه في الموارد التي يتوحد فيها المتعلق، يستحيل عقلاً تعدد الإيجاد بنحو التأسيس. ومن هنا، لا يعقل جريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة على هذا الاحتمال.
وأما الاحتمال الثاني، فهو أن تكون هيئة الأمر موضوعة لطلب الإيجاد، بحيث يكون نفس الإيجاد بالمعنى الحرفي، لا الاسمي، جزءاً من المدلول اللفظي للهيئة. والمراد من المعنى الحرفي هنا دلالة الهيئة على نسبة بين المخاطَب وفعله في الخارج يُعبر عنها بالإيجاد، من دون لحاظ هذا الإيجاد بما هو معنى اسمي مستقل. وعلى هذا الاحتمال، بخلاف الأول، قد يتراءى بدواً إمكان جريان نزاع المرة والتكرار؛ إذ يصح أن يقال حينئذٍ: هل طلب المولى إيجاداً واحداً أم إيجادات متعددة؟ إلا أن الإمام (قدس سره) يدفع هذا التوهم أيضاً، ببيان أن تقييد الهيئة بالإيجاد الواحد أو الإيجادات المتعددة يوجب انسلاخ الهيئة عن معناها الحرفي وانقلابها إلى معنى اسمي، والحال أن تقييد المعنى الحرفي في استعمال واحد ممتنع. وقد بين الإمام هذه النكتة بقوله:
فحينئذ و إن جاز النزاع في أنّها وضعت لطلب إيجاد أو إيجادات، لكن الوضع للعنوان المقيد موجب لإسميّة معنى الهيئة، و تقييد المعنى الحرفيّ في استعمال واحد ممّا لا يمكن، فإنّ نفس الإيجاد معنى حرفيّ، و تقييده لا يمكن إلاّ بلحاظ آخر، و الجمع بينهما في استعمال واحد غير جائز.
وتوضيح ذلك: أن الفارق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي يرجع إلى القابلية للتقييد وعدمها. فمادة الفعل، كالضرب، لما كان معناها اسمياً، كانت قابلة للتقييد بالمرة أو المرات، لخلوها في نفسها عن أي لحاظ آلي. وأما الهيئة فلكونها معنى حرفياً كانت غير قابلة لذلك؛ لأن المعنى الحرفي بمقتضى وضعه يُلحظ لحاظاً آلياً، واللحاظ الآلي غير قابل للتقييد بخلاف اللحاظ الاستقلالي. ولا يمكن تقييد المعنى الحرفي إلا بانضمام لحاظ استقلالي آخر إلى لحاظه الآلي، ومن الواضح امتناع الجمع بين هذين اللحاظين في استعمال واحد. وقد علل الإمام (قدس سره) ذلك بقوله:
فإنّ نفس الإيجاد معنى حرفيّ، و تقييده لا يمكن إلاّ بلحاظ آخر.
وقد يُتوهم منافاة هذا المبنى لما سلف بيانه في مبحث معاني الحروف من جواز تقييد المعاني الحرفية في بعض الموارد. وقد أجاب الإمام عن هذا التوهم ببيان أن المقصود من جواز التقييد في ذلك المبحث إنما هو إمكان تقييد المعنى الحرفي في ضمن الكلام بلحاظ استقلالي آخر، لا في نفس اللحاظ الآلي الواحد، فالمقامان متمايزان بتمام التمايز:
و ما ذكرنا في باب معاني الحروف - من أنّ نوع الاستعمالات لإفادة معاني الحروف، و جوّزنا تقييدها - لا ينافي ما ذكرنا هاهنا، لأنّ المقصود هناك إمكان تقييدها في ضمن الكلام بلحاظ آخر، فلا تغفل. فالنزاع في الهيئة ممّا لا مجال له.
وبذلك ينتفي جريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة بناءً على الاحتمال الثاني أيضاً، لمكان امتناع تقييد المعنى الحرفي في استعمال واحد.
والمتحصل مما تقدم: دعوى الإمام الخميني (رضوان الله عليه) المستقلة والمباينة بتمامها لدعوى صاحب الفصول. فصاحب الفصول يذهب إلى اختصاص نزاع المرة والتكرار بالهيئة، والحال أن الإمام يرى عدم معقولية جريانه فيها رأساً. وتتضح هذه الدعوى بملاحظة الاحتمالين المتصورين في مدلول هيئة الأمر. فلو بنينا على كون الهيئة موضوعة للبعث، لزم تعلق الإرادات المتعددة بالمراد الواحد وهو محال عقلاً. ولو بنينا على كونها موضوعة لطلب الإيجاد، فإنه وإن تراءى بدواً إمكان طرح النزاع في إرادة طلب الإيجاد الواحد أو طلب الإيجادات المتعددة، إلا أنه لما كانت الهيئة معنى حرفياً، والمعنى الحرفي لا يقبل التقييد في استعمال واحد لمكان لحاظه الآلي، فإن هذا النزاع ينتفي من الأساس أيضاً. وعليه، ينتهي الإمام إلى عدم معقولية جريان نزاع المرة والتكرار في الهيئة على كلا المبنيين.
ثم إن الإمام يورد هذا الإشكال عينه على المحقق الخراساني أيضاً، بحيث لا يندفع عنه بوجه من الوجوه. وللإمام في تتمة كلامه عبارة مصدّرة بقوله «إلاّ أن يقال»، يورد فيها احتمالاً آخر ثم يناقشه، وسيأتي تفصيل البحث فيه. مضافاً إلى ذلك، استدرك الإمام في ذيل دراسة الاحتمال الأول، أعني وضع الهيئة للبعث، بأنه بناءً على مبنى شيخنا الأستاذ المحقق الحائري (قدس سره) القائل بأن علة التشريع كعلة التكوين، بمعنى أن المعلول تابع لعلته في وحدته وكثرته، قد يَبقى مورد لجريان النزاع، وسيأتي تفصيل هذه النكتة الدقيقة أيضاً.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
------------------------
[1]. حائری اصفهانی، محمدحسین بن عبدالرحیم، مؤلف، «الفصول الغرویة في الأصول الفقهیة»، ص 71.[2]. آخوند خراسانی، محمد کاظم، مؤلف، «کفایة الأصول»، م ١، ص 150-151.
[3]. خمینی، روح الله، مؤلف، «مناهج الوصول إلى علم الأصول»، م ١، ص 284-287.
--------------------------
المصادر
- آخوند خراسانی، محمد کاظم، کفایة الأصول، عباسعلی زارعی سبزواری، ۳ م، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1430.
- حائری اصفهانی، محمدحسین بن عبدالرحیم، الفصول الغرویة في الأصول الفقهیة، قم، دار احياء العلوم الاسلامية، 1404.
- خمینی، روح الله، مناهج الوصول إلى علم الأصول، ۲ م، طباعة ۱، قم، موسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني( ره)، 1415.
نظری ثبت نشده است .