موضوع: الامر عقیب الحظر
تاریخ جلسه : ١٤٠٥/٦/٢٨
شماره جلسه : ۵
خلاصة الدرس
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
المناقشات الواردة على كلام الشهيد الصدر
-
المناقشة الأولى: استلزام مسلك الشهيد الصدر إسقاط حجية أصالة الظهور
-
المناقشة الثانية: التنافي بين التطبيق الفقهي لمسلك الشهيد الصدر وإفتاء الفقهاء بالاستحباب
-
المناقشة الثالثة: الخروج عن محل النزاع بالتفكيك بين «المدلول التصوري والتصديقي»
-
الرأي المختار: ظهور الأمر عقيب الحظر في الإباحة المطلقة
-
المصادر
الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
تطرق الشهيد الصدر في مبحث «الأمر عقيب الحظر» إلى مطلبين مستقلين: أحدهما: إشكاله على مبنى المحقق الخوئي؛ وحاصله: أن مجرد احتمال إرادة خلاف الظاهر ــ الناشئ عن توهم الحظر ــ لا يكفي لإسقاط ظهور صيغة الأمر في الوجوب، لكون هذا الاحتمال مطّرداً في مجرى أصالة الظهور، فيندفع بها. وقد أجبنا عن ذلك بتبيين الفارق الأساسي بين المقام وسائر الموارد. ففي الموارد المتعارفة يكون الظهور منعقداً، ويتمحض الشك في طروّ القرينة الصارفة، فيندفع بأصالة الظهور. وأما في مسألة «الأمر عقيب الحظر»، فإن خصوصية المورد تمنع من انعقاد الظهور ابتداءً، فلا يتنقح موضوع أصالة الظهور أصلاً. وثانيهما: تحقيقه المبتني على التفكيك بين المدلول التصوري ــ أعني النسبة الإرسالية ــ والمدلول التصديقي لصيغة الأمر؛ حيث أفاد بأن المدلول التصوري في الأمر عقيب الحظر يبقى محفوظاً عن التبدل، ومن هنا لا يقع أي تجوّز.
وإنما ينحصر الإجمال في المدلول التصديقي، نظراً لتلاؤم النسبة الإرسالية مع داعي الطلب وداعي دفع التحرج على حد سواء. ويتفرع على ذلك: أن النزاع في انعقاد الظهور للإباحة في أمثال هذه الأوامر، نزاعٌ لا مورد له. وفي الختام، أسس (قدس سره) قاعدة عامة مفادها: أن احتمال وجود القرينة اللبية الارتكازية (متشرعية كانت أم عقلائية) ــ بخلاف القرينة اللفظية ــ لا يندفع بالشهادة السكوتية للراوي، بل يوجب إجمال المدلول التصديقي، شريطة استناد هذا الاحتمال إلى منشأ عقلائي، نظير تطابق فتاوى الفقهاء على عدم الوجوب. وهي قاعدة مطّردة الجريان في توجيه أمثال رواية «اغتسل للجمعة»، فتُغني الفقيه عن التمسك بالشهرة الفتوائية أو إعراض المشهور.
المناقشة الأولى: استلزام مسلك الشهيد الصدر إسقاط حجية أصالة الظهور
سبقت الإشارة إلى أن الشهيد الصدر (قدس سره) لم يفرّق في المقدمة الأولى من تحقيقه بين صورتين: إحداهما: أن يُحرز وجود لفظ في الكلام، ويُشك في قرينيته على خلاف الظاهر (قرينية الموجود). وثانيتهما: أن يُشك من الأساس في وجود قرينة متصلة بالكلام (احتمال وجود القرينة). بل ساوى بينهما من جهة إيجابهما للإجمال. في حين ذهب المشهور ــ خلافاً له ــ إلى التفصيل بين الصورتين. فإذا احتفّ الكلام بما يصلح للقرينية، امتنع بذلك انعقاد الظهور. وأما إذا لم يُحرز ذلك، وتمحّض الشك في مجرد احتمال وجود القرينة، فإن أصالة الظهور تكون محكّمة عندهم، ولو كان الاحتمال المذكور عقلائياً معتداً به.
والتحقيق أن هذا المسلك غير سديد. ومع أن الشهيد الصدر قد أرجأ تحقيق هذا المبنى إلى مبحث حجية الظواهر، إلا أن النكتة في إبطاله لا تتوقف على الدخول في ذلك المبحث. وبيانها: أنه لو كان مجرد احتمال وجود القرينة كافياً لإيجاب الإجمال ومنع انعقاد الظهور، فأي مورد يبقى حينئذ لجريان أصالة الظهور؟ فإن هذا الأصل العقلائي إنما انعقد لمعالجة هذا الفرض بعينه؛ إذ قاعدته أن اللفظ إذا كان له ظهور في معنى، وشُك في إرادة المتكلم خلافه، وجب حمله على ظاهره. فإذا لم تجرِ أصالة الظهور في هذا المورد بالذات، لزمهم بيان المورد الذي ينحصر فيه جريانها.
مناقشة المحاولة للتفصي عن الإشكال: الفارق بين شهادة سكوت الراوي وأصالة الظهور
وقد يُتخيل أن الشهيد الصدر لم يغفل عن هذا الإشكال؛ إذ فرّق في المقدمة الثانية بين القرينة اللفظية والقرينة اللبية الارتكازية، وعَدَّ احتمال القرينة اللفظية مندفعاً بالشهادة الضمنية لسكوت الراوي، ببيان أن للراوي شهادتين متلازمتين، كما أفاد (قدس سره):
فزرارة له شهادتان، الشهادة الأولی، و هی أنّ هذا الذی نقلته، قد صدر من الإمام (ع)، و الشهادة الثانیة، و هی أنّ ما سکت عنه لم یقله الإمام (ع).[1]
إلا أن هذه المحاولة لا تدفع أصل الإشكال، بل تزيد المسلك المذكور وهناً؛ لأن «سكوت الراوي» أمرٌ يرجع إلى ظاهر حال الراوي ووثاقته في النقل والضبط، وهو بحث رجالي محض لا صلة له بأصالة الظهور. فإن أصالة الظهور أصلٌ لفظي عقلائي، مفاده: أن المتكلم العاقل المختار إذا استعمل لفظاً في معنى ظاهر، وجب حمل كلامه على ذلك الظاهر، من دون أن يكون لحال الراوي أو مدى دقته في النقل أدنى دخلٍ في ذلك. وعليه، فإن التمسك بشهادة السكوت لنفي القرينة اللفظية ــ بدلاً من التمسك بأصالة الظهور ــ يؤول لباً إلى إلغاء هذا المسلك لأصالة الظهور في باب القرينة المتصلة وتجريدها عن أي مورد لتطبيقها، وإحالة الأمر برمته إلى قواعد الوثاقة والضبط للرواة، بحيث لو شُك في ضبط الراوي أيضاً، لانسد هذا الطريق، وبقي احتمال القرينة بلا دافع.
ولا يخفى أن تصريح الشهيد الصدر في المقدمة الأولى بعدم الفرق بين الصورتين، يُذكّرنا بمبناه في مسألة «حق الطاعة»، حيث أفاد هناك بأن مجرد احتمال التكليف كافٍ لتنجزه. وهاهنا أيضاً، يرى أن مجرد الاحتمال ــ وإن قيّده بكونه احتمالاً عقلائياً ــ كافٍ للمنع من انعقاد الظهور، وهو مبنى لا تساعد عليه السيرة العقلائية في باب الألفاظ.
ولا يندفع الإشكال بدعوى أن هذا المحذور إنما يرد على القرينة المنفصلة فحسب، وأن أصالة الظهور تبقى محكّمة في القرينة المتصلة. فإن الشهيد الصدر في المقدمة الأولى لم يفرّق أساساً بين القرينة المتصلة والمنفصلة، بل صرّح بشمول الحكم للقرينة المتصلة أيضاً، حيث قال:
و لکنّنا قد حقّقنا فی بحث الظواهر أن احتمال القرینة المتصلة کاحتمال قرینیة المتصل، کلاهما یوجب الإجمال و عدم انعقاد ظهور للکلام.[2]
وعليه، فبناءً على هذا المسلك، لا يبقى مجال لجريان أصالة الظهور إلا في القرينة اللفظية المنفصلة، وهو الفرض النادر، في حين أن البناء العقلائي على إجراء أصالة الظهور يقع غالباً في موارد احتمال وجود القرينة المتصلة، من دون أدنى التفات إلى شهادة حال الراوي.
ولا مجال للمصير إلى أن أصالة الظهور عند المشهور ترجع لباً إلى أصالة عدم الغفلة، ليقال بانسجام هذا المبنى معها. فإن أصالة الظهور أصلٌ مستقل، قِوامه: أن اللفظ متى ما كان ظاهراً في معنى وجب حمله عليه. والظهور بهذا الاعتبار أمرٌ محرَز، بقطع النظر عن الطريق الذي أُحرز به، وإنما الشك في وجود ما يُسقط هذا الظاهر عن الحجية. فإرجاع هذا الأصل إلى أصل آخر ــ كأصالة عدم الغفلة ــ يمثل انحرافاً عن محل البحث، ولا شاهد عليه.
الخلاصة
وتحصّل مما تقدم: أن الالتزام بهذا المسلك يفضي إلى إلغاء حجية أصالة الظهور في جميع موارد احتمال القرينة المتصلة ــ وهي تمثل أغلب موارد جريان هذا الأصل عند العقلاء ــ ولا يُبقي لها مجالاً إلا في الفرض النادر لاحتمال القرينة اللفظية المنفصلة؛ وهو ما يتنافى مع البناء العقلائي المسلَّم على إجراء أصالة الظهور في فرض احتمال القرينة المتصلة، من غير أي نظر إلى حال الراوي أو مدى دقته.
المناقشة الثانية: التنافي بين التطبيق الفقهي لمسلك الشهيد الصدر وإفتاء الفقهاء بالاستحباب.
التفكيك بين مبحثين: قرينية الأمر عقيب الحظر والقرينة الارتكازية العامة
وقبل الورود في هذه المناقشة، ينبغي التنبيه على أمرٍ دفعاً لتوهم الخلط بين مبحثين مستقلين. فمبحث «الأمر عقيب الحظر» ــ من جهة صلاحية نفس وقوع الأمر عقيب الحظر للقرينية على الإجمال وعدمه ــ مبحثٌ برأسه. وأما ما يُطرح هاهنا، فهو تتمة لمبحث أعم، وحاصله البحث في أنه: هل ثمة قرينة عامة أخرى في سائر الموارد ــ بقطع النظر عن مسألة عقيب الحظر ــ تتمثل في «الارتكاز المتشرعي» أو «الارتكاز العقلائي»، تصلح للمنع من انعقاد ظهور الأمر في الوجوب؟ فهما مبحثان متمايزان، ولا يصح إدراج ما نحن فيه في كبرى مسألة عقيب الحظر، بل يندرجان معاً تحت عنوان كلي وهو «القرينة العامة»: إذ القرينة في المسألة الأولى هي نفس «وقوع الأمر عقيب الحظر»، في حين أن القرينة في المسألة الثانية ــ التي نحن بصددها ــ تتمثل في «وجود ارتكاز متشرعي أو عقلائي».
تقرير كلام الشهيد الصدر: قرينية احتمال الارتكاز على عدم الوجوب
أشار (قدس سره) في تحقيقه إلى ورود أوامر كثيرة في الروايات ــ بل وفي الآيات القرآنية أيضاً ــ نظير: «اغتسل للجمعة» و«اغتسل للإحرام». وقد يُتمسك بالشهرة الفتوائية أو الإجماع لرفع اليد عن الظهور الوجوبي لهذه الأوامر، إلا أن هذا مسلكٌ مبنائي؛ لابتنائه على القول بحجية الشهرة الفتوائية أساساً، أو بكون الإجماع مفيداً للاطمئنان. غير أن الطريق الآخر الذي ابتكره الشهيد الصدر هو: إبداء احتمال وجود ارتكاز عقلائي معتد به على خلاف الظاهر ــ أي على عدم الوجوب ــ لدى المتشرعة في ظرف صدور هذه الأوامر. ومجرد احتمال وجود هذا الارتكاز كافٍ لعدم انعقاد الظهور الوجوبي لها.
الإشكال: استلزام الإجمال بدلاً من الاستحباب
والإشكال المحوري في المقام يتمثل في أن لازم هذا البيان إجمالُ كافة هذه الأوامر. وبيان ذلك: أنه مع إبداء احتمال وجود هذا الارتكاز، لا يُحرز ثبوته واقعاً، بل غاية ما في الباب مجرد احتماله. فلو كان هذا الاحتمال كافياً لإسقاط الظهور في الوجوب، لما أثمر ذلك سوى إجمال الكلام. والحال أن الفقهاء قد حملوا هذه الأوامر في أمثال هذه الموارد على الاستحباب، ولم يذهبوا إلى إجمالها وسقوطها عن الدلالة. فبناءً على مبناه (قدس سره)، يتعين الحكم بإجمال جميع الأوامر التي أفتى الفقهاء باستحبابها، وهو تالٍ فاسد لا يلتزم به فقيه.
وهذا الإشكال متفرعٌ لباً على مناقشتنا الأولى. فإن العقلاء لا يعبأون بمجرد احتمال وجود القرينة، بل يجرون أصالة الظهور ما لم تقم قرينة معتبرة ــ كالإجماع أو الشهرة الفتوائية ــ على الخلاف. فأصل هذا المبنى ــ القاضي بسقوط أصالة الظهور بمجرد احتمال القرينة، بدلاً من أن تكون أصالة الظهور هي الدافعة لهذا الاحتمال ــ مردودٌ عندنا.
وأما النكتة الثانية والمستقلة التي تُطرح هاهنا، فهي: أنه حتى لو تنزلنا وسلّمنا بمبناه القاضي بسقوط الظهور الوجوبي، فمن أين يُصار إلى نتيجة «الاستحباب»؟ فإن الارتكاز المحتمل غير محرَزٍ لدينا أصلاً؛ وغاية ما يقتضيه هذا الاحتمال هو سلب الظهور في الوجوب، والنتيجة القهرية لذلك هي الإجمال لا الاستحباب. فمن أين يثبت الاستحباب الذي يلتزم به الفقهاء إذن؟
وقد يُقال: إنه بانتفاء الوجوب استناداً إلى ذلك الارتكاز، تثبت الإباحة. إلا أن هذا التوهم لا يدفع الإشكال أيضاً؛ لتصريح الفقهاء في أمثال هذه الموارد بكون غسل الإحرام وغسل الجمعة مستحباً مؤكداً. ونحن في مقام توجيه هذه الفتاوى نقول: إن الشهرة الفتوائية كانت محفوفة بقرينة توفرت لدى القدماء ولم تصل إلينا. وبهذا نُخرّج الاستحباب عن طريق الشهرة المقرونة بالقرينة. وأما الشهيد الصدر فقد أعرض عن هذا الطريق، واكتفى بمجرد احتمال وجود ارتكاز متشرعي على عدم الوجوب، والحال أن هذا الارتكاز ــ على مبناه ــ لا يقتضي إلا نفي الوجوب، ولا يثبت الاستحباب أصلاً.
نقد ما أفاده الشهيد الصدر في ثمرة التحقيق
أفاد (قدس سره) في مقام بيان ثمرة هذا التحقيق:
وبهذا نتخلص من کثیر من الأوامر الواردة فی باب الصلاة والصوم والحج وغیرها، الظاهرة بدواً فی الوجوب بلا قرینة متصلة أو منفصلة علی الاستحباب، أوجبت بلبلةً عند الفقهاء لأنهم لا یلتزمون بالوجوب.[3]
ويَرِد عليه: أن الفقهاء لم يقتصروا على «عدم الالتزام بالوجوب»، بل «التزموا بالاستحباب»، وهما أمران متغايران. فإن المنهج المعهود للفقهاء هو أنه متى ما وردت صيغة الأمر واقترنت بشهرة فتوائية على الاستحباب، جعلوا تلك الشهرة قرينة عليه، وبذلك تنحل العقدة بكل وضوح. في حين نَبذ الشهيد الصدر الشهرة الفتوائية والإجماع جانباً، واستعاض عنهما بمجرد احتمال وجود ارتكاز متشرعي على عدم الوجوب، والحال أن هذا المسلك لا يُثمر في نهاية المطاف سوى الإجمال، لا الاستحباب الذي يلتزم به الفقهاء.
ومما ينبغي التنبيه عليه هنا: تسالم الأعلام ــ والذي يلتزم به الشهيد الصدر أيضاً ــ على أنه لو اقترن صدور الأمر في زمان المعصوم (عليه السلام) بارتكاز محرَز وثابت لدى المتشرعة، لكان ذلك الارتكاز قرينة قطعاً. ومثاله: الروايات التي عَدَّت ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات متوالية موجباً للنفاق. فإن الارتكاز المسلَّم لدى أصحاب الأئمة (عليهم السلام) كان قائماً على اختصاص ذلك بصلاة الجمعة التي تنعقد بإمامة المعصوم أو مَن ينصبه، ومثل هذا الارتكاز يصلح للقرينية بلا ريب. وإنما محطّ كلامنا في الموارد التي لا يكون أصل وجود الارتكاز فيها محرزاً، بل يُبدى مجرد احتماله. ففي هذا الفرض ــ وخلافاً لمبنى الشهيد الصدر ــ لا يصلح مثل هذا الاحتمال للقرينية، ولا يمنع من انعقاد الظهور.
وتتوجه المناقشة الثالثة إلى ركن آخر من أركان تحقيق الشهيد الصدر (قدس سره)، وهو التفكيك الذي ذهب إليه بين المدلول التصوري والمدلول التصديقي لصيغة الأمر. ولبيان ذلك، لا بد من استعراض خلفية البحث إجمالاً في معنى صيغة الأمر: فقد ذهب مشهور الأصوليين قبل المحقق الخراساني إلى أن صيغة الأمر تُستعمل في خمسة عشر معنى، وأنها حقيقة في واحد منها ــ وهو الوجوب غالباً، أو القدر المشترك بين الوجوب والاستحباب على حد تعبير البعض ــ ومجاز في البواقي. فلو استُعملت في التهديد أو التعجيز مثلاً، عُدّ الاستعمال مجازياً. إلا أن المحقق الخراساني ناقش في هذا المبنى، وأفاد بأن صيغة الأمر مستعملة دائماً في «الطلب الإنشائي». فإن كان داعي المتكلم هو الطلب الحقيقي، فالاستعمال حقيقي، وإن كان داعيه التهديد وما شاكله، فالاستعمال مجازي.
وبعد المحقق الخراساني ــ وحيث كان المعنى المُتصوَّر لصيغة الأمر إلى ذلك الحين معنىً اسمياً ــ عمد الأصوليون كالميرزا النائيني والمحقق العراقي والمحقق الأصفهاني إلى تصوير معنى حرفي لها. فذهب المحقق النائيني إلى ظهورها في «النسبة الإيجادية»، والمحقق العراقي في «النسبة الإرسالية»، وآية الله الحكيم في «النسبة التكوينية». وعلى هذا الأساس أيضاً، يرى الشهيد الصدر أن المدلول التصوري لصيغة الأمر يتمثل في «النسبة الإرسالية».
وبناءً على هذا التفكيك، يرى (قدس سره) أن صيغة الأمر عقيب الحظر تُستعمل في نفس مدلولها التصوري ــ أعني النسبة الإرسالية ــ ليبقى محفوظاً عن التبدل، وإنما مدلولها التصديقي أمرٌ آخر. ومن هنا، ينتفي لزوم المجاز أصلاً. وبناءً عليه، فلا مساغ للقول بالمجازية في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، ولا في قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾.
بيد أنه ينبغي الالتفات إلى أن هذا التحقيق ــ وإن كان تاماً في نفسه ــ لا يُثمر إلا ثمرةً واحدة، ألا وهي حل مسألة المجاز وعدمه؛ وذلك لأن محط النزاع الأصلي بين الأصوليين لا يقع في هذه المرتبة أساساً. بل السؤال الجوهري هو: ما هو المدلول التصديقي لصيغة «فاصطادوا»؟ هل هو الطلب الحقيقي ــ على مبنى المحقق الخراساني ــ أم الوجوب ــ على مبنى المشهور ــ؟ فالبحث منذ البداية إنما انعقد على المدلول التصديقي، لا على المعنى الموضوع له اللغوي. وهي نكتة لم تعزب عن بال المشهور أيضاً.
وعليه، فإن ما ساقه الشهيد الصدر في «التحقيق» ينتظم في خطوات ثلاث: الأولى: التفكيك بين المدلول التصوري والتصديقي. والثانية: دعوى أن الاحتمال لا يوجب الإجمال في المدلول التصوري، بل يوجبه في المدلول التصديقي. والثالثة: استنتاج أن النزاع في انعقاد الظهور للإباحة في الأمر عقيب الحظر هو نزاع لا مورد له أساساً؛ لعدم طروّ أي تغيير على المدلول التصوري.
إلا أن هذا التحقيق لا يُسفر عن حل جديد في أصل النزاع؛ إذ إن محل النزاع ــ منذ بدايته ــ متمحض في المدلول التصديقي، مع تسليمه (قدس سره) بوقوع الإجمال في هذه المرتبة ذاتها. فالسؤال المحوري إذن: ما الدليل الذي يوجب الالتزام بإجمال المدلول التصديقي؟ وفي المقابل، فإن القائلين بكون المدلول التصديقي هو «الإباحة العامة والمطلقة» ــ وهو المختار عندنا ــ لا يذهبون إلى الإجمال، لتبقى الإشكالات المسجلة على القول بالإجمال قائمةً بحالها.
إن التحقيق في أصل المسألة هو ما أُشير إليه آنفاً، وهو ما ذهب إليه بعض الأعاظم كصاحب «المنتقى» أيضاً. فخلافاً للمحقق الخراساني والوالد المعظم (قدس سره) والمحقق الخوئي القائلين بإجمال الأمر عقيب الحظر، وخلافاً للشهيد الصدر الذي حصره في مرتبة المدلول التصديقي ــ إذ لا نزاع في المدلول التصوري كما سلف بيانه، لتمحضه في مسألة المجاز وعدمه ــ فالإنصاف من حيث المدلول التصديقي أن الأمر عقيب الحظر «رافعٌ للتحريم». فقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ ظاهرٌ في رفع الحرمة، لتكون نتيجته «الإباحة المطلقة» لا الإجمال.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
-----------------
[1]. الصدر، محمد باقر، مؤلف، «بحوث في علم الأصول (عبدالساتر)»، مع حسن عبدالساتر، م ٤، ص 346.
[2]. المرجع السابق، م ٤، ص 345.[3]. الصدر، محمد باقر، مؤلف، «مباحث الأصول»، مع کاظم حسینی حائری، م ١، ص 237.
---------------------
المصادر- الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول (عبدالساتر)، حسن عبدالساتر، طباعة ۱، بیروت، الدار الاسلاميه، 1417.
- ———، مباحث الأصول، کاظم حسینی حائری، ۲ م، قم، دار البشير، 1430.
نظری ثبت نشده است .