موضوع: الامر عقیب الحظر
تاریخ جلسه : ١٤٠٥/٦/٢٩
شماره جلسه : ۶
خلاصة الدرس
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
تأييد الأعلام المعاصرين للمناقشات الواردة على كلام الشهيد الصدر وتكميل الجواب عن إشكال انسداد باب أصالة الظهور
-
خلاصة البحث وبيان الرأي المختار في حقيقة «الأمر عقيب الحظر»
-
مسألة «المرة والتكرار»
-
المصادر
الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
تقدم بيان المناقشات الثلاث الواردة على تحقيق الشهيد الصدر في مبحث الأمر عقيب الحظر. فالمناقشة الأولى تتوجه إلى مقدمته الأولى؛ إذ لم يفرّق فيها بين «الشك في قرينية الموجود» و«الشك في أصل وجود القرينة»، بل اعتبرهما معاً موجبين للإجمال، خلافاً لما عليه المشهور من حصر المانع من انعقاد الظهور في الصورة الأولى فحسب. وعمدة الإشكال: أن الالتزام بهذا المبنى لا يَبقى معه مورد لـجريان أصالة الظهور لباً؛ إذ إن هذا الأصل العقلائي إنما تقرر لخصوص فرض الشك في وجود القرينة. كما أن المخرج الذي أفاده الشهيد الصدر من دفع احتمال القرينة اللفظية عبر الشهادة السلبية لسكوت الراوي، لا يندفع به الإشكال؛ لأن سكوت الراوي أمر رجالي يرجع إلى وثاقته وضبطه، وليس أصلاً لفظياً عقلائياً كأصالة الظهور. وعليه، سينحصر مجرى أصالة الظهور في الفرض النادر للقرائن اللفظية المنفصلة، وهو منافٍ للبناء العقلائي.
وكذا رُدّت محاولة إرجاع أصالة الظهور إلى أصالة عدم الغفلة. وأما المناقشة الثانية، فناظرة إلى التطبيق الفقهي لهذا المبنى في موارد من قبيل «اغتسل للجمعة». فقد اكتفى الشهيد الصدر بمجرد احتمال وجود ارتكاز متشرعي على عدم الوجوب لإسقاط الظهور الوجوبي.
وقد أُشكل عليه بأن هذا الاحتمال ــ على فرض تسليمه ــ لا يوجب سوى إجمال الكلام، لا الاستحباب الذي أفتى به الفقهاء، والحال أن تخريجهم المعهود هو التمسك بالشهرة الفتوائية المحتفّة بقرينة مفقودة. هذا، وقد أُكد أن الارتكاز المحرز (كارتكاز صلاة الجمعة بإمامة المعصوم) يصلح للقرينية حتماً، إلا أن مجرد احتمال الارتكاز فاقد لمثل هذا الأثر. وأما المناقشة الثالثة، فتنصبّ على ما أفاده الشهيد الصدر من التفكيك بين المدلول التصوري (النسبة الإرسالية) والمدلول التصديقي لصيغة الأمر. فبعد استعراض آراء المشهور قبل المحقق الخراساني، ومبنى المحقق الخراساني في الطلب الإنشائي، ونظريات الميرزا النائيني والمحقق العراقي وآية الله الحكيم في المعنى الحرفي لصيغة الأمر، تبيّن أن هذا التفكيك لا يعالج سوى مسألة المجاز، والحال أن محل النزاع منعقد من الأساس في المدلول التصديقي، فلا يُجدي هذا التحقيق في حل أصل النزاع. وفي الختام، تقرر الرأي المختار، وهو أن الأمر عقيب الحظر رافع للتحريم، وظاهر في الإباحة المطلقة، وليس مجملاً.
إن المناقشات المتقدمة الواردة على كلام الشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه)، قد ظهرت جلياً في كلمات بعض الأعلام المعاصرين، والإشارة إليها تأكيد لسداد المسار العلمي المُتّبع في هذا المبحث.
التأييد الأول: المناقشة الثالثة في كلام المحقق الفياض (قدس سره)
ابتنت المناقشة الثالثة الواردة على كلام الشهيد الصدر على نكتة هي أن محل النزاع منعقد من الأساس في المدلول التصديقي، ولم يعقد سائر الأصوليين النزاع في المدلول التصوري حتى يخرج عن محل النزاع بالتفكيك بين المدلولين التصوري والتصديقي. وقد وردت عين هذه المناقشة في كلام المحقق الفياض (قدس سره) في كتاب «المباحث الأصولية»، إذ قال بعد تقريره لمبنى الشهيد الصدر:
وغير خفي أن هذا التعليق وإن كان صحيحاً في نفسه إلا أنه لا يكون تعليقاً على ما ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره)، لوضوح أن غرضه من عدم دلالة الأمر الواقع عقيب الحظر على الوجوب عدم دلالته عليه بدلالة تصديقية وبالظهور العرفي، وليس غرضه المنع من استعماله في مدلوله التصوري، والقرينة على ذلك أنه (قدس سره) قال أنه لا يمكن التمسك بأصالة الحقيقة لأنها لا تكون حجة تعبداً وإنما تكون حجة من باب الظهور، ومن الواضح أن مورد أصالة الحقيقة الشك في المراد التصديقي وأنه معنى حقيقي أو معنى مجازي، وحينئذ فإن كان للفظ ظهور في إرادة المعنى الحقيقي فهو حجة، وإن لم يكن له ظهور في ذلك لم تكن الأصالة حجة، بل يكون اللفظ مجملا، وهذا لا ينافي كونه مستعملا في مدلوله التصوري، ومن هنا يظهر أن الأمر المذكور لا يدل على الاباحة، ضرورة أنه غير مستعمل فيها كما أنه غير مستعمل في الحكم السابق، بل هو مستعمل في معناه ومدلوله التصوري ويدل على رفع الحظر كما تقدم، فالنتيجة أن المتفاهم العرفي من الأمر الواقع عقيب الحظر هو رفع المنع والحظر فحسب ولا يدل على أكثر من ذلك، وأما إرادة خصوصية اُخرى فهي بحاجة إلى قرينة حالية أو مقالية.[1]
التأييد الثاني: المناقشة الثانية في كلام آية الله الشاهرودي
وأما المناقشة الأهم الواردة على كلام الشهيد الصدر، فحاصلها أنه لا يبقى على مبناه مورد لجريان «أصالة الظهور». فإنه لو كان كلٌّ من احتمال قرينية الموجود ــ وهو ما يسلّمه الجميع ــ ومجرد احتمال وجود القرينة، موجباً للإجمال ومانعاً من انعقاد الظهور، للزم منه انسداد باب العمل بالظواهر؛ إذ العمدة في موارد أصالة الظهور هي القرائن المتصلة لا المنفصلة التي يندر وقوعها. وقد ورد عين هذا الإشكال في كتاب «بحوث في علم الأصول» لآية الله الشاهرودي، إذ قال:
و قد يقال: على هذا ينسدّ باب العمل بالظهورات في الفقه لاحتمال وجود قرائن متصلة مع الروايات الصادرة عن المعصومين عليهم السلام و لم تصل إِلينا.
و الجواب: انَّ احتمال قرينة متصلة فيها لم تنقل إِلينا، إِنْ كان من جهة احتمال غفلة الناقل عن سماعها فهو منفي بأصالة عدم القرينة على أساس عدم الغفلة، و إِنْ كان من ناحية احتمال إسقاط الناقل لذكرها فهو منفي بشهادة الناقل السلبية السكوتية، فانَّ سكوته في مقام النقل و اقتصاره على ما نقل من الظهور بنفسه شهادة منه بعدم وجود قرينة مغيّرة لمعنى ذلك الظهور، لأنَّه في مقام نقل كل ما له دخل في فهم ذلك المعنى الّذي ينقله إِلينا كما هو واضح. نعم لو احتملنا قرينة متصلة لا يكون للراوي نظر إِليها في مقام النقل فلا يمكن نفيها بشهادته كما هو الحال في القرائن اللبية المرتكزة في الأذهان بنحو تكون كالمتصل، فانَّ الراوي ليس في مقام نقل المرتكزات العامة المعايشة في عصره و التي لا يلتفت إِليها تفصيلاً غالباً كما هو واضح.[2]
تبيين الجواب وتكميله
وبهذا البيان يتضح الجواب عن إشكال انسداد باب الظهور. فإن القرائن المتصلة تنقسم إلى لفظية ولبية. ففي القرائن اللفظية، يُعدّ سكوت الراوي شاهداً على عدم وجود القرينة؛ لأنه في مقام النقل ينقل كل ما له دخل في فهم مراد المتكلم، فسكوته عن ذكرها دليل على عدمها. وأما في القرائن اللبية ــ أي الارتكازات الذهنية المقترنة بكلام المتكلم بنحوٍ تُعدّ في حكم القرينة المتصلة ــ فلا دلالة لسكوت الراوي عليها أصلاً؛ لأنه ليس في مقام نقل الارتكازات العامة في عصره حتى يُعدّ سكوته شهادة على عدمها.
ولا يخفى أن الاقتران بالقرائن اللبية غالباً ما يكون أكثر منه في القرائن اللفظية، وقد سلّم آية الله الشاهرودي في جوابه بأن سكوت الراوي لا يكفي لنفي وجود القرينة اللبية. ونتيجة ذلك: أن يبقى في كل من الآيات والروايات احتمالُ وجود قرينة لبية متصلة ــ كانت أمراً مرتكزاً ومعهوداً لدى المخاطبين في ظرف الصدور، وغير ملائمة لظاهر اللفظ ــ قائماً. وعليه، لو سُلّم بمبنى الشهيد الصدر، لانسد باب التمسك بظواهر الروايات وظواهر القرآن الكريم معاً، وهذا عين التالي الفاسد المعبَّر عنه في تقرير الإشكال بـ«انسداد باب التمسك بالظهورات».[3]
ومن هنا، فالحق ما ذهب إليه المشهور من التفصيل بين حالتين: ففي القرائن اللفظية، إذا جُهل وجود القرينة أو عدمها، فإن «أصالة عدم القرينة» أو «أصالة الظهور» تفي بالمقصود. وأما في القرائن اللبية، فلا بد من التفكيك بين فرضين: فإن علمنا بوجود أصل الارتكاز في عصر المعصومين (عليهم السلام) ــ كما لو ثبت ارتكاز المتشرعة على استعمال صيغة الأمر في الموارد الاستحبابية ــ كان ذلك الارتكاز قرينة بلا ريب. وأما لو لم يُحرز وجود هذا الارتكاز ولم يكن سوى مجرد احتمال، فهو نظير الاحتمال التكليفي الذي تمسك به الشهيد الصدر في مبنى «حق الطاعة» ــ والذي تقدم رده مفصلاً ــ؛ إذ إن مجرد احتمال الارتكاز لا يمنع من انعقاد الظهور، بل ينعقد الظهور معه ويكون حجة.
وتوضيح ذلك: أن الاستناد إلى لازم المبنى لاكتشاف بطلانه أمر صحيح؛ فإنه لو كان لازم المبنى انسداد باب التمسك بالظهورات، والحال أن البداهة العقلائية قائمة على جريان أصالة الظهور عند الشك، لكان ذلك دليلاً على بطلان المبنى المزبور. ومزيد البيان: أن أصالة الظهور لا تتكفل إيجاد الظهور، بل إسقاط الاعتناء باحتمال وجود القرينة على خلاف الظاهر. ففي فرض الشك، يكون موضوع الظهور ــ أي انعقاده لدى العقلاء ــ محرزاً، ولا شأن لأصالة الظهور إلا إسقاط هذا الاحتمال المخالف عن الاعتبار. وبهذا البيان يندفع إشكال انسداد باب الظهور من الأساس.
تقدم أن المحقق الخراساني (قدس سره) ذهب إلى إجمال «الأمر عقيب الحظر»، وهو ما اختاره السيد الخوئي (قدس سره) أيضاً. ولا بد من التنبيه أولاً على أن مراد المحقق الخراساني من الإجمال هو بقاء احتمال الوجوب ضمن دائرة المعاني المحتملة، أي إنه لا يُعلم في الأمر عقيب الحظر ــ بحسب تعبيره ــ هل مراد المتكلم هو الوجوب، أم الاستحباب، أم الإباحة، أم الكراهة؟ وقد بنى على ذلك السيد الخوئي وكذا المرحوم الوالد (رضوان الله عليهما). ومما يثير العجب أن الإمام الخميني (قدس سره) لم يتعرض لهذا المبحث أساساً، بل انتقل بعد الفراغ من مبحث التعبدي والتوصلي إلى مبحث المرة والتكرار رأساً ــ إذ لا أثر للبحث في «المناهج» ولا في «التهذيب»، والظاهر أنه لم يطرحه ــ.
والتحقيق أنه لا يمكن عدّ الأمر عقيب الحظر «مجملاً» بالمعنى الدقيق؛ لأن الإجمال يعني ألا يكون اللفظ قابلاً لأخذ أي معنى منه أصلاً. والحال أنه قد تقدم عند تحرير أقوال القدماء أن لهم في المسألة قولين: أحدهما أن الأمر عقيب الحظر ــ كالأمر الابتدائي ــ «ظاهرٌ في الوجوب»، فقد ذهب جمع من العامة والخاصة إلى أن وقوعه عقيب الحظر لا يوجب فرقاً في حكمه. وثانيهما أن الأمر عقيب الحظر «ظاهرٌ في الإباحة المطلقة». إلا أن النكتة الجديرة بالاهتمام: هل المراد من «الإباحة المطلقة» في كلمات القدماء هو عين الإباحة المطلقة المصطلح عليها عند الأصوليين المتأخرين، أعني الحكم الشامل ــ ما عدا الحرمة ــ لكل واحد من الأحكام الأربعة: الوجوب، والاستحباب، والإباحة، والكراهة؟ والظاهر أن كلمات القدماء تأبى هذا التفسير، بل مرادهم من الإباحة المطلقة إرادة ما يشمل غير الوجوب، وهو ما ينطبق على الاستحباب، أو الإباحة الخاصة، أو الكراهة، ولا مانع من الالتزام بهذا المعنى.
وأساس هذا التحليل يبتني على أن نفس وقوع الأمر عقيب الحظر يعدّ قرينة على عدم إرادة المتكلم للوجوب. وعليه، فإن مجرد وقوعه عقيب الحظر يسلب عنه الظهور في الوجوب. ومع انتفاء الظهور في الوجوب، فهل يبقى الوجوب احتمالاً قائماً في البين؟ الجواب: إنه وإن كان ثمة فارق منطقي بين مجرد الاحتمال والظهور، إلا أن هذا الاحتمال يُعدّ هنا في حكم العدم؛ لأنه متى قيل بعدم إرادة المتكلم للوجوب، خرج الوجوب عن دائرة الاحتمالات، ولم يبق سوى الاستحباب، والإباحة، والكراهة. ولا يخفى أن هذا البيان ناظر إلى الموارد الخالية عن أيّ قرينة، وأما ما اقترن بقرينة دالة على الوجوب ــ كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾[4] ــ فهو خارج عن محل كلامنا؛ إذ البحث معقود في فرض التجرد عن القرينة أصلاً.
وعليه، فإن ما يقتضيه التحقيق ــ ولم نقف عليه بهذه الصراحة في كلمات المتقدمين، وإن كان قابلاً للاستفادة منها بالتأمل ــ هو أن الإباحة المطلقة في كلمات القدماء إنما تعني «عدم التحريم وعدم الوجوب». أي إن الأمر عقيب الحظر لا ظهور له في الوجوب البتة، بل هو «رافعٌ للتحريم» فحسب، ورفع التحريم صالح للانطباق على كل من الاستحباب، أو الإباحة، أو الكراهة. ويفترق هذا التقرير عن القول بـ«الإباحة المطلقة الشاملة للأحكام الأربعة بما فيها الوجوب»؛ لأن نتيجة القول الأخير تساوق الإجمال الذي تبناه المحقق الخراساني، والحال أنه ــ بناءً على ما تقدم ــ يكون الوجوب خارجاً عن دائرة الاحتمالات من الأساس. وهو ما اختاره صاحب «منتقى الأصول» أيضاً، مُشكلاً على المحقق الخراساني في مصيره إلى الإجمال، والحال أن صيغة الأمر عقيب الحظر «ظاهرةٌ في رفع التحريم»، وهذا هو عين ما انتهينا إليه.
ولو أريد الوصول إلى هذه النتيجة من طريق آخر، لأمكن تتبع موارد استعمال الأمر عقيب الحظر، ليُنظر في غلبة استعمال هذا التركيب في مقام الاستحباب وعدمها، وهو أمر ليس ببعيد وقوعاً. وحينئذٍ، بناءً على قاعدة «الظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب» ــ وهي القاعدة التي كثيراً ما أجراها العقلاء ومتقدمو الأصوليين في باب الموضوعات، وقد ارتضيناها وتمسكنا بها في مبحث حجية الظن في الموضوعات ــ أمكن الحكم بحمل الأمر عقيب الحظر على خصوص الاستحباب. ذلك أن غلبة الاستعمال في معنىً خاص توجب بنفسها انعقاد الظهور في ذلك المعنى.
وبذلك، ينحل هذا التحليل إلى مرحلتين؛ إحداهما: أنه بغض النظر عن المبنى الأخير، يعدّ نفس الوقوع عقيب الحظر قرينة على عدم إرادة الوجوب، وهذا المقدار كافٍ لنفي الإجمال. وثانيتهما: أنه على فرض تسليم قاعدة «الظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب» واستناداً إلى التتبع في موارد الاستعمال، يمكن الحكم بخصوص الاستحباب من بين الاحتمالات الثلاثة المتبقية (الاستحباب، والإباحة، والكراهة).
فمن المباحث المطروحة في باب الأوامر البحث في أن صيغة الأمر هل تدل على «المرة» (أي افعل مرة واحدة) أم على «التكرار» (أي افعل مكرراً)، أم أن صيغة «افعل» في حد ذاتها لا دلالة لها على المرة ولا التكرار؟ وقد أفاد المحقق الخراساني في هذا المقام:[5]
الحق أن صیغة الأمر مطلقا لا دلالة لها علی المرة ولا التکرار.
أي إن صيغة الأمر لا تدل على المرة ولا على التكرار، لا بهيئتها ولا بمادتها. وما ينبغي الالتفات إليه في تحرير هذا النزاع أنه مختص بصيغة الأمر فحسب، ومن الواضح عدم جريانه في سائر الأفعال، فإذا قيل «ضربتُ» لا ينقدح التساؤل أصلاً عن وقوع هذا الضرب مرة واحدة أو مكرراً. والسر في ذلك خلوّ سائر الأفعال عن مسألة اشتغال الذمة، فالفعل الواقع إما أن يكون قد وقع مرة واحدة أو مراراً، فلا يبقى مجال للترديد. وأما صيغة الأمر فبما أن المولى يُنشئ بها تكليفاً على عهدة العبد ويُشغل ذمته ينقدح التساؤل: هل اشتغلت الذمة بـ«المرة الواحدة» أم بـ«التكرار»؟ ومن هنا يختص جريان هذا النزاع بصيغتي الأمر والنهي.
ثم يضيف المحقق الخراساني أن المنصرف من صيغة الأمر ليس إلا «إيجاد الطبيعة المأمور بها»، أي إن المتكلم بصيغة «افعل» يطلب من المخاطب إيجاد هذه الطبيعة من دون أن يكون لمادتها أو هيئتها أي دلالة على المرة أو التكرار. وإذا كان الامتثال يتحقق بالإتيان بالفعل مرة واحدة فمردّه إلى أن امتثال الأمر يحصل بإيجاد طبيعة المأمور به مرة واحدة، لا لكون لفظ الأمر دالاً على المرة:
فإنّ المنصرف عنها ليس إلاّ طلب إيجاد الطبيعة المأمور بها، فلا دلالة لها على أحدهما، لا بهيئتها و لا بمادّتها.
ثم يواصل المحقق الخراساني بحثه بنقل كلام صاحب الفصول (عليه الرحمة) القائل بأن نزاع المرة والتكرار لا يجري في مادة الأمر أساساً، بل يختص بالهيئة. ومن هنا نشأ التساؤل: هل محل النزاع في المرة والتكرار هو مادة صيغة الأمر، أم هيئتها، أم مجموعهما؟ وقد تبعه بعض المتأخرين في ذلك، حتى ذهب الإمام الخميني (رضوان الله عليه) إلى عدم معقولية جريان النزاع في الهيئة من حيث المرة والتكرار رأساً، وسيأتي بيانه.
وعليه يمكن تصور مسلكين في تحرير محل النزاع:
المسلك الأول: تحديد محل النزاع ابتداءً في أنه هل هو مادة صيغة الأمر، أم هيئتها، أم مجموع المادة والهيئة، ثم البحث في إمكان تصوير المرة والتكرار في أي من هذه الموارد الثلاثة. وبناء على هذا المسلك، لو قال قائل (كالإمام الخميني) بعدم معقولية النزاع في الهيئة من حیث المرة والتكرار، لزم البحث عن موطن النزاع؛ فهل يُقال بانتفاء النزاع في المادة وعدم معقوليته في الهيئة، ليكون هذا النزاع مآلاً بحثاً لا طائل تحته؟
المسلك الآخر: ما سلكه المحقق النائيني (قدس سره) في «فوائد الأصول». فقد ذهب ابتداءً إلى أن البحث عن المرة والتكرار بحث لا طائل تحته، وأنه كالبحث عن الفور والتراخي؛ لأن صيغة الأمر صالحة للحمل على المرة وللحمل على التكرار، من دون أن تكون المرة أو التكرار مأخوذة في المدلول اللفظي للأمر. وقد أفاد في تحرير محل النزاع أن البحث ناظر إلى «موضوع واحد»، فلو قال المولى «أكرم العالم» أو «أكرم عالماً» انقدح التساؤل عن انحلال الحكم بالنسبة إلى الموضوع. وهذا نص عبارته:
فقد أطالوا القول في البحث عنها، و ذهب إلى دلالة الأمر على التّكرار طائفة، و إلى المرّة طائفة أخرى، و إذا لاحظت أدلة الطّرفين ترى انّها خالية عن السّداد و لم يكن فيها ما يدلّ على المدّعى، فانّ من جملة أدلّة القائلين بالتّكرار، هو تكرار الصّلاة في كلّ يوم و هذا كما ترى، فانّ تكرار الصّلاة في كلّ يوم انّما هو لمكان قيام الدّليل، و انّ الأمر بالصّلاة من قبيل الأوامر الانحلالية الّتي تتعدّد حسب تعدّد موضوعاتها، و ليس هذا محلّ الكلام، بل محلّ الكلام في التّكرار انّما هو بالنّسبة إلى موضوع واحد كتكرار إكرام العالم الواحد، كما إذا قال: أكرم عالما، و لا أظنّ ان يلتزم أحد في إفادة مثل هذا الأمر للتّكرار، كما لا يستفاد منه المرة أيضا، و الاكتفاء بالمرة لمكان انّ الأمر لا يقتضى إلاّ طرد العدم، و هو يتحقّق بأوّل الوجود، لا انّ الأمر بالدّلالة اللّفظيّة يدلّ على ذلك، فالبحث عن المرّة و التّكرار ممّا لا طائل تحته، كالبحث عن الفور و التّراخي، فانّ الأمر يصلح لكلّ منهما من دون ان يكون له دلالة لفظيّة على أحدهما.[6]
وقد أشار الميرزا النائيني إلى مسألة انحلال الحكم بلحاظ الموضوع إشارة إجمالية، إلا أن السيد الخوئي (قدس سره) في «المحاضرات» توسع في بحث الانحلال، ثم بحثه الشهيد الصدر من بعده بمزيد من التفصيل والتوسعة.
وبذلك يمكن التمييز بين مسلكين في تحرير محل النزاع في المرة والتكرار: مسلك يبحث عن موطن المدلول التصوري للأمر (من حيث المادة، أو الهيئة، أو مجموعهما)، ومسلك يعالج المسألة من زاوية «الانحلال».
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
---------------------
[1]. فیاض، محمد اسحاق، مؤلف، «المباحث الأصولیة»، م ٣، ص 337-338.[2]. الصدر، محمد باقر، مؤلف، «بحوث في علم الأصول»، مع محمود هاشمی شاهرودی، م ٤، ص 270.
[3]. يبتني الجواب عن احتمال القرينة المتصلة اللفظية في كلام آية الله الشاهرودي على ركنين: أحدهما نفي احتمال «غفلة الراوي» بأصالة عدم الغفلة، وثانيهما نفي احتمال «الإسقاط العمدي للقرينة» بالشهادة السكوتية للراوي. غير أن الأستاذ اقتصر في بيانه على الركن الثاني، ولم يصرّح بالأول.
[4]. التوبة: 5.
[5]. آخوند خراسانی، محمد کاظم، مؤلف، «کفایة الأصول»، م ١، ص 150.
[6]. نائینی، محمدحسین، مؤلف، «فوائد الاُصول»، مع محمد علی کاظمی خراسانی، م ١، ص 241.
--------------------
- آخوند خراسانی، محمد کاظم، کفایة الأصول، عباسعلی زارعی سبزواری، ۳ م، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1430.- الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، محمود هاشمی شاهرودی، ۷ م، طباعة ۳، قم، موسسه دائرة المعارف فقه اسلامي بر مذهب اهل بيت عليهم السلام، 1417.
- فیاض، محمد اسحاق، المباحث الأصولیة، ۱۵ م، قم، دار الهدی، 1427.
- نائینی، محمدحسین، فوائد الاُصول، محمد علی کاظمی خراسانی، ۴ م، طباعة ۱، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1376.
نظری ثبت نشده است .