موضوع: الواجب التعیینی و التخییری
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/٩/١١
شماره جلسه : ۴۰
-
محصّلة البحث المتقدّم
-
المَصبّ الحقيقيُّ للنزاع في الواجب التخييري عند السيِّد الإمام الخميني
-
محورُ التحقيق في الواجب التخييري: وحدةُ أو تعدُّد الوجوب والإرادة
-
الرؤيةُ الصحيحة في المسألة
-
تعدُّد الإرادة والوجوب، واختصاص فارق الواجب التخييري بمقام الامتثال
-
أجنبيَّة بحث الأغراض والملاكات عن حقيقة الواجب التخييري، وحصر الفارق في مقام الامتثال
-
الثمراتُ العمليَّة لهذا التحليل في مقام الامتثال
-
نقدُ مبنى التمييز بين إرادة الآمر وإرادة الفاعل في نظريَّة المحقِّق النائيني
-
النتيجة: تزلزل الركن الثاني لمبنى المحقِّق النائيني
-
النقدُ النهائيُّ لمبنى المحقِّق الخوئي
-
۱. عدمُ عرفيَّةِ تعلُّق الوجوب بالجامع الانتزاعي
-
٢. عدم صلاحيَّة الجامع الانتزاعي لتعلُّق التكليف
-
٣. الإشكال في تصوير الملاكات في مفهوم «أحدهما»
-
خاتمةُ البحث وترجيحُ مبنى السيِّد الإمام الخميني
-
المصادر
-
الجلسة ۲۸
-
الجلسة ۲۹
-
الجلسة ۳۰
-
الجلسة ۳۱
-
الجلسة ۳۲
-
الجلسة ۳۳
-
الجلسة ۳۴
-
الجلسة ۳۵
-
الجلسة ۳۶
-
الجلسة ۳۷
-
الجلسة ۳۸
-
الجلسة ۳۹
-
الجلسة ۴۰
-
الجلسة ۴۱
-
الجلسة ۴۲
-
الجلسة ۴۳
-
الجلسة ۴۴
-
الجلسة ۴۶
-
الجلسة ۴۷
-
الجلسة ۴۸
-
الجلسة ۴۹
-
الجلسة ۵۰
-
الجلسة ۵۱
-
الجلسة ۵۲
-
الجلسة ۵۳
-
الجلسة ۵۴
-
الجلسة ۵۵
-
الجلسة ۵۶
-
الجلسة ۵۷
-
الجلسة ۵۸
-
الجلسة ۵۹
-
الجلسة ۶۰
-
الجلسة ۶۱
-
الجلسة ۶۲
-
الجلسة ۶۳
محصّلة البحث المتقدّم
التمايز في مقام الإثبات، لا في الحقيقة الثبوتية للوجوب والإرادة
إنَّ المتتبِّع لكلمات السيِّد الإمام الخميني (قدس سره) في «مناهج الوصول»،[1] يلمس بوضوح أنَّه قد اختطَّ لنفسه - في بحث الواجب التخييري - مساراً مغايراً لما عليه الخطُّ العامُّ للمشهور بين الأصوليِّين (كالآخوند، والنائيني، والعراقي، والأصفهاني، ومن تلاهم). ففي الهيكليَّة المتعارفة للبحث، جرى الافتراضُ بأنَّ النزاع في الواجب التخييري هو نزاعٌ ثبوتي؛ بمعنى أنَّ السؤال المحوريَّ يدور حول كيفيَّة اعتبار المولى للوجوب ولحاظه للملاك في مقام الجعل وواقع النفس الأمر. وعلى أساس هذا التلقِّي، تفرَّعت نظريَّاتٌ شتَّى؛ من قبيل: دعوى كونه «سنخاً خاصاً من الوجوب» في الواجب التخييري؛ أو القول بـ «الوجوب الناقص» و«الإرادة الضعيفة»؛ أو «الإرادة المُبهَمة» وتعلُّقها بـ «المُبهَم الخارجي»؛ أو «الوجوبات التعيينيَّة المشروطة»، أو تعلُّق الوجوب بـ «الجامع الانتزاعي»، وما إلى ذلك. حيثُ افترَضَت جميعُ هذه المسالك أنَّ حقيقة الوجوب والإرادة في الواجب التخييري تكتسب - في مرحلة الثبوت - تفاوتاً جوهريّاً عمَّا هي عليه في الواجب التعييني، ممَّا استدعى تبيين هذا الفارق الثبوتي.
بينما يعمدُ السيِّد الإمام الخميني - خلافاً لهذا الاتِّجاه - إلى تغيير مَصَبِّ النزاع من الأساس. فظاهر عباراته في «المناهج» يُنبئ عن أنَّ الفارق الرئيس بين الواجب التعييني والتخييري، يكمن - في منظوره - في مقام الإثبات ولسان الدليل، لا في الحقيقة الثبوتيَّة للوجوب والإرادة. وبعبارة أخرى: إنَّ الوجوبَ في كلا القسمين (التعييني والتخييري)، قد تعلَّق ثبوتاً بمتعلَّقٍ معيَّن، وتوجَّهت إرادة المولى صَوبَ فعلٍ مشخَّصٍ ومحدَّد؛ ومن هذه الناحية، لا وجود لأيّ تمايزٍ سنخيٍّ في حقيقة الوجوب والإرادة بين البابين. وينحصر الفارق الثبوتيُّ المعتَدُّ به في أنَّه: في الواجب التعييني، ينحصر استيفاءُ الغرض المولوي في فعلٍ خاصٍّ واحد؛ أمَّا في الواجب التخييري، فإنَّ ثمَّةَ أفعالاً متعدِّدةً، ينهض كلّ واحدٍ منها باستقلالٍ لتحصيل نفس ذلك الغرض.
على ضوء المباحث المتقدِّمة، يتَّضح أنَّ ثمَّةَ محوراً أساسيّاً ومصيريّاً في تحليل حقيقة الواجب التخييري، لا بدَّ من إفراده بالبحث المستقل؛ ألا وهو مسألة وحدة أو تعدُّد الوجوب والإرادة في هذا الباب. إذ إنَّ كثيراً من الاختلافات في تبيين الواجب التخييري، تعود في واقعها إلى هذه النكتة بالذات.
وجهةُ النظر الأولى: الوجوبُ والإرادة الواحدة، مع المتعلَّق المُبهَم
وفقاً لتصوُّرٍ معيَّن، لم يُجعَل في الواجب التخييري سوى وجوبٍ واحد، وينحصر البحث في تحديد ماهيَّة متعلَّق هذا الوجوب الواحد. وفي إطار هذه الرؤية، يُفترَضُ أصل الوجوب والإرادة واحداً؛ ولكن قُدِّمت عدَّةُ تصويراتٍ لتعيين المتعلَّق؛ من قبيل: تعلُّق الوجوب بـ «الفرد المردَّد» في الخارج، على حدِّ بيان المحقِّق النائيني؛ أي أن يكون متعلَّق التكليف هو «أحد هذين الفردين في الخارج بما هو مردَّد»؛ أو تعلُّقه بمفهوم «أحدهما»، بحيث يقع هذا العنوان المُبهَم مَصَبّاً لتعلُّق الوجوب. ففي جميع هذه التقريرات، يكون أصل التكليف واحداً، ولكن يُبذَل الجهد لتحليل «متعلَّق» هذا الوجوب الواحد وإرجاعه إلى أحد هذه العناوین المُبهَمة أو المردَّدة؛ وإن كان هذا التحليل بحدِّ ذاته محفوفاً بصعوباتٍ ثبوتيَّةٍ وإثباتيَّة. نعم، في تقرير المحقِّق العراقي والمحقِّق الأصفهاني، جرت محاولة تبيين الواجب التخييري بنحوٍ يتلافى الوقوع في محذور الفرد المردَّد.
وجهةُ النظر الثانية: تعدُّد الوجوبات والإرادات بعدد الأطراف
إذا كان المرمى هو الوصول إلى نتيجةٍ واضحةٍ ومنقَّحة في مقام التحقيق، فلا بدَّ من تركيز البحث بدقَّةٍ على هذه النقطة بالذات: هل الإرادة والوجوب في الواجب التخييري واحدان ومتعلَّقهما مُبهَمٌ ومردَّد، أم أنَّ إراداتٍ ووجوباتٍ متعدِّدةً قد جُعِلَت بصفةٍ مستقلَّة؟ ويبدو الالتزام بتعدُّد الإرادة والوجوب أوجَهَ وأكثرَ انسجاماً مع المباني العقليَّة والوجدان العرفي؛ فافتراض إرادةٍ واحدةٍ، مع بقاء متعلَّقها في نفس الأمر غيرَ متعيِّنٍ ومردَّداً - على غرار ما صوَّره المحقِّق النائيني في قالب «الفرد المردَّد» - ليس بالأمر الذي يسهل قبوله، ويواجه مشكلةً مع حقيقة الأوصاف الحقيقيَّة ذات الإضافة ولوازم التعيُّن في المتعلَّق. وتقودنا هذه النكتة إلى بحثٍ مستقلٍّ ينبغي التطرُّق إليه تكميلاً وتتميماً لهذا الفصل؛ وهو مسألة «تعلُّق التكليف بالفرد المردَّد»: هل التكليف أساساً قابلٌ للتعلُّق بالفرد المردَّد أم لا؟ فإن كان الفرد المردَّد معقولاً ثبوتاً، فما هي قيوده وحدوده؟ وإن لم يكن معقولاً، فكيف تُحلَّل التكاليف التي تبتني في ظاهرها على هذه الصورة؟ ولهذه المسألة ثمراتٌ فقهيَّةٌ متعدِّدة في أبوابٍ شتَّى؛ منها في باب البيع، حيث يُلحَظ المَبيعُ بنحو «الكليِّ في المعيَّن»؛ وفي باب الوصيَّة، فيما لو أوصى الموصي بنحو الترديد بين عدَّة أمور؛ وحتَّى في باب نيَّة العبادات. وسيأتي التقصِّي الدقيق لهذه المسألة في موضعها، عقب تنقيح وجمع مباني السيِّد الإمام والسيِّد الخوئي وغيرهما، لتكونَ تكملةً وتتميماً لهذا الفصل؛ حتَّى يتجلَّى أنَّ التحليل الصحيح للواجب التخييري، أيَّ نسبةٍ يقيمها مع إمكان أو عدم إمكان تعلُّق التكليف بالفرد المردَّد، وكيف ينبغي إعادة قراءة النماذج الفقهيَّة المبتنية على هذا العنوان.
وبالتأمُّل في الارتكاز العرفي والتحليل الدقيق للوجدان العقلائي، يتجلَّى بوضوح أنَّه في الواجب التخييري، ليس الحديث عن إرادةٍ واحدة، بل ثمَّةَ إراداتٌ متعدِّدةٌ قد تحقَّقت من ناحية المولى. وتوضيح ذلك: أنَّه لو بُني في الواجب التخييري على افتراض إرادةٍ واحدةٍ فحسب، لما بقي مجالٌ لـ «البدليَّة» و«التخيير»؛ إذ إنَّ الإرادة الواحدة تتعلَّق بطبيعتها بمتعلَّقٍ معيَّن، ولا قابليَّة لها للانحلال إلى بدائل وأطراف متعدِّدة. فالبدليَّةُ فرعُ افتراضِ إراداتٍ متعدِّدةٍ بالنسبة إلى أفعالٍ متعدِّدة، بحيث يكون كلٌّ منها صالحاً للاستقلال بكونه منشأً للامتثال؛ ثم يُعلَن في مقام الجعل والبيان عن التخيير في الامتثال. وعلى هذا الأساس، يمكن تحليل جعل المولى في الواجب التخييري كالتالي: إنَّه يريد «عتق الرقبة»؛ ويريد «إطعام ستِّين مسكيناً»؛ ويريد «صيام ستِّين يوماً». وكلُّ واحدةٍ من هذه الإرادات، تامَّةٌ ومستقلَّةٌ بالنسبة إلى متعلَّقها؛ فليست ناقصةً ولا مُبهَمة.
والنتيجة، أنَّه في الواجب التخييري توجَد في نفس المولى ثلاثُ إراداتٍ متقوِّمةٍ بثلاثة متعلَّقاتٍ متمايزة، وكلٌّ منها موردٌ لقصده واعتباره بشكلٍ مستقل. وكذلك إنشاءُ الحكم - في مقام التحليل الثبوتي - قابلٌ للافتراض بهذا العدد؛ فكأنَّ ثمَّةَ ثلاثَ صِيَغٍ للأمر مستقلَّة في البين: «أعتِق»، «أطعِم»، «صُم». والنكتة تكمن هنا في أنَّ أداة «أو» في مثل هذه الخطابات، ناظرةٌ إلى كيفيَّة الامتثال، لا إلى جعل أصل الوجوب أو تعيين المتعلَّق في مقام الثبوت. فـ «أو» تُفهِم المكلَّف بأنَّ إتيان واحدٍ من هذه الأفعال كافٍ لتحصيل غرض المولى، وأنَّ الجمع بينها غير لازم؛ وبعبارة أخرى: ينحصرُ دور «أو» في بيان التخيير في الامتثال، لا في تأسيس وحدة الإرادة أو الترديد في متعلَّقها في عالم الواقع.
وبناءً على هذا المبنى، تُرسم حقيقة الواجب التخييري كالتالي: إنَّ تمايزه عن الواجب التعييني يكمن في مقام الامتثال فحسب؛ لا في مقام الجعل، ولا في مقام الملاك، ولا في سنخ الإرادة والبعث، ولا حتَّى في أصل تعيُّن المتعلَّق والمراد. فمن الحيثيَّة الثبوتيَّة، يُعَدُّ كلُّ واحدٍ من هذه الأفعال واجباً مستقلاً ذا إرادةٍ وبعثٍ تامَّين، ومتعلَّقه أيضاً معيَّنٌ وواضحٌ تماماً؛ والتخييرُ إنَّما هو في هذا الحدِّ بأن يقول المولى للمكلَّف - بواسطة «أو» -: إنَّ امتثال أيٍّ من هذه الواجبات المستقلَّة كافٍ بمفرده لاستيفاء الغرض، وإنَّ الجمع بينها ليس شرطاً.
ومن هنا، يتَّضح نقدٌ لتحليل المحقِّق الخراساني؛ حيث كان يقسِّم الواجب التخييري إلى قسمين: موردٍ يكون الغرض فيه واحداً والتخيير عقليّاً؛ وموردٍ تتعدَّد فيه الأغراض والتخيير شرعيّ.[2] ولكن بناءً على المختار، فإنَّ لكلِّ واجبٍ بالاستقلال غرضَه الخاص؛ فعتقُ الرقبة يترتَّب عليه غرضٌ خاصٌّ لا يوجَد في الإطعام؛ وللإطعام غرضٌ لا يتحقَّق في العتق. وتصوُّر «الغرض الواحد» لجميع الأطراف، ما هو إلَّا صورةٌ تحليليَّةٌ قدَّمها الآخوند لتوجيه نوعٍ من التخيير، وليس أمراً منطبقاً على الواقع العيني للأفعال وآثارها المتفاوتة. ومع ذلك، فإنَّ هذا التعدُّد في الأغراض لا يُحدِث تغييراً في حقيقة التخيير؛ إذ لا يزال الفارق الرئيس بين الواجب التعييني والتخييري باقياً في مقام الامتثال: فالمولى في الواجب التخييري قد جعل نوعاً من التسهيل للمكلَّف في مقام الامتثال؛ بمعنى أنَّه يقول: «أيّ واحدٍ من هذه الأفعال تأتي به، فهو كافٍ لتحصيل غرضي». وهذا التسهيلُ ينحصر في كيفيَّة الامتثال، ولا دخل له إطلاقاً في مقام جعل الحكم، ولا في واقع الملاكات، ولا في سنخ الإرادة والوجوب، ولا في تعيُّن المتعلَّقات.
من النكات الدقيقة التي أثارها السيِّد الإمام الخميني (قدس سره) في «مناهج الوصول»، تصريحه بأنَّ البحث عن الأغراض والملاكات الواقعيَّة، أجنبيٌّ عن محلِّ البحث في الواجب التخييري. فبعد أن قرَّر كونَ تقسيم الواجب إلى تعييني وتخييري ناظراً إلى البعث المنتزَع منه الوجوب، أفاد قائلاً:
فحديث الأغراض و المصالح الواقعيّة و محصّلها و لزوم صدور الواحد عن الواحد[4] - على فرض صحّته في أمثال المقام - أجنبيّ عن محطّ التقسيم.[5]
وعلى هذا الأساس، يرى (قدس سره) أنَّه لا ينبغي سَوق البحث باتِّجاه السؤال عن: «ما هو الفرق بين الغرض في الواجب التخييري والغرض في الواجب التعييني؟»؛ إذ لا يُطرَح تفاوتٌ بين هذين القسمين من الواجب في أصل الغرض والملاك. والحديثُ عن الأغراض والمصالح الواقعيَّة، ومُحصِّلها، وحتَّى القاعدة الفلسفيَّة «الواحد لا يصدُر عنه إلَّا الواحد»، كلُّها أجنبيَّةٌ عن المقام وخارجةٌ عن محلِّ البحث الأصولي في تقسيم الواجب إلى تعييني وتخييري. ولغرض ضبط المبنى بدقَّة، يلزمُ الأخذ بنكتتين أساسيَّتين في آنٍ واحد:
المحور الأوَّل: تعدُّد الإرادة والأمر، واستكشافه من كثرة الخطابات. وفي هذا السياق، لا تدلُّ أداة «أو» لا على وحدة الوجوب والإرادة، ولا على الإبهام في المتعلَّق؛ بل تنحصرُ وظيفتُها في مجرَّد تفهيم التخيير في الامتثال: أي أنَّ امتثالَ واحدٍ من هذه الأفعال كافٍ لتحصيل الغرض، وأنَّ الجمع بينها غير لازم.
المحور الثاني: خروج بحث الأغراض والملاكات عن تحليل حقيقة الواجب التخييري. حيث يَعُدُّ السيِّد الإمام أمثالَ هذه المباحث خارجةً عن الموضوع هنا؛ لأنَّ تقسيم الواجب إلى تعييني وتخييري - كالتقسيم إلى نفسي وغيري - إنَّما هو بلحاظ «البعث» فحسب، لا بلحاظ واقع الأغراض والملاكات.
تأسيساً على حصر الفارق في مقام الامتثال، فإنَّ المكلَّف لو أتى بأحد الأطراف، فقد تحقَّق الامتثال؛ ولو ترك جميع الأطراف، يترتَّب عليه عقابٌ واحد، لا عقوباتٌ متعدِّدة بعدد الأوامر. وذلك لأنَّ الشارع قد أعلن عبر أداة «أو» أنَّ الامتثال الواحد يُغني عن المجموع. فلو لم تكن أداة «أو» موجودةً في الخطاب، لكان مقتضى الأوامر المتعدِّدة لزومَ امتثال كلِّ واحدٍ منها، واعتبارَ ترك أيٍّ منها تركاً مستقلاً للتكليف؛ ولكن بمجيء «أو»، يُفيد الشارع بوضوح أنَّ المكلَّف في مقام الامتثال، مكلَّفٌ بفعلٍ واحد، وهو نفس مصداق الامتثال المطلوب لديه.
وثمَّةَ نكتةٌ أخرى، وهي: أنَّ غرض كلِّ واحدٍ من هذه الأفعال إنَّما يتحقَّق بواسطة نفس ذلك الفعل، لا بواسطة الفعل الآخر. وما يحدث في الواجب التخييري هو أنَّه بتحقُّق امتثال أحد الأطراف، يسقط موضوعُ امتثال الطرف الآخر من ناحية الأمر؛ لأنَّ الشارع قد قال: «إذا أتيتَ بواحدٍ منها، فالامتثال كامل»، لا أنَّ الفعل الأوَّل يحقِّق بالفعل غرضَ الفعل الثاني. وهذا نظيرُ الواجب التعييني؛ فلو قال المولى: «صَلِّ مرَّةً واحدة»، فبإتيان صلاةٍ واحدة، قد تحقَّق الامتثال، ولا يبقى للمرَّة الثانية موضوعٌ لامتثال نفس ذلك الأمر؛ وإن كانت الصلاة الثانية قد تكون واجدةً لغرضٍ ما، إلَّا أنَّها ليست داخلةً في دائرة امتثال ذلك الأمر الخاص.
يُعَدُّ القول بأنَّه لا تتحقَّق في الواجب التخييري سوى إرادةٍ واحدةٍ من ناحية المولى، أحدَ الأركان التي ابتنى عليها تحليل المحقِّق النائيني (قدس سره). ولأجل توجيه إمكان الإبهام في متعلَّق هذه الإرادة، فصَّل (قدس سره) بين سنخين من الإرادة: «إرادة الآمر» و«إرادة الفاعل». وخلاصة بيانه كالتالي: إنَّ إرادة الفاعل تستتبع بالضرورة تحريكَ العضلات؛ بمعنى أنَّه لو أوجد الفاعلُ في نفسه إرادةَ فعلٍ ما، كان لازمُ ذلك حركةَ العضلات وتحقُّقَ الفعل الخارجي. وبما أنَّ تحريك العضلات يتعلَّق لا محالة بفعلٍ معيَّن ومشخَّص، فلا بدَّ لمتعلَّق الإرادة الفاعليَّة من أن يكون متعيِّناً وغير مردَّد؛ فالإرادة الفاعليَّة تجاه «أمرٍ مُبهَم» غير معقولة. أمَّا إرادة الآمر فليست كذلك؛ فهي إرادةٌ تشريعيَّة، ولا تنتهي إلى تحريك عضلات الآمر نفسه؛ بل هي صِرفاً في مقام الجعل والاعتبار وإنشاء التكليف. ومن هنا - بزعمه - يمكن لإرادة الآمر أن تتعلَّق بالفرد المردَّد؛ لانتفاء الملازمة بينها وبين تحريك العضلات، وبالتبَع انتفاء لزوم تعيُّن المتعلَّق. ووفقاً لهذا المبنى، بما أنَّ الإرادة في الواجب التخييري هي من سنخ «إرادة الآمر»، أمكن القول بأنَّ متعلَّقها منذ البدء هو «الفرد المردَّد»، من دون أيِّ محذورٍ ثبوتي.[6]
ولكن بالتدقيق في التحليل العقلي والوجدان العرفي لحقيقة الإرادة، لا يبدو هذا التفكيك مقبولاً. فصحيحٌ أنَّ إرادة الفاعل تفتقر إلى متعلَّقٍ مشخَّصٍ ومعيَّن لكونها تستتبع تحريك العضلات، إلَّا أنَّ لزوم التعيُّن في المتعلَّق يحضر في إرادة الآمر أيضاً، ولكن بنحوٍ آخر. وبيان ذلك: إنَّ إرادة الآمر، وإن لم تَؤُول مباشرةً إلى تحريك عضلاته، إلَّا أنَّ حقيقتها تتقوَّم بقصد إيجاد الداعي في نفس المكلَّف؛ فالآمر يبتغي عبر إرادته وجعله أن يولِّد في الغير دافعاً واقعيّاً نحو الفعل. وهذا «الإيجاد للداعي» يمارس في إرادة الآمر نفس الدور الذي يمارسه «تحريك العضلات» في إرادة الفاعل. فبمثل ما أنَّ تحريك العضلات غير معقولٍ بلا تعيُّن المتعلَّق، كذلك يكون إيجاد الداعي محالاً بلا تعيُّن المتعلَّق. فالداعي الحقيقيُّ لا يكتسب معناه إلَّا في نسبته إلى فعلٍ معيَّن ومشخَّص. والآمر الذي يكون بصدد إحداث دافعٍ جدِّيٍّ ومُعتَدٍّ به في نفس المكلَّف، لا مناص له من أن يلحظ الفعل المراد بشكلٍ مشخَّصٍ وواضح؛ فالإرادة تجاه «شيءٍ مردَّدٍ وغير معيَّن» لا يسعها أن تكون محرِّكاً للعضلات (في إرادة الفاعل)، ولا محرِّكاً للإرادة والداعي في الغير (في إرادة الآمر).
بعد تقرير مسلك المحقِّق الخوئي (قدس سره) القائل بتعلُّق الوجوب بـ «الجامع الانتزاعي» في الواجب التخييري، وبيان مبنى السيِّد الإمام الخميني (قدس سره) في حصر الفارق بين الواجب التخييري والتعييني بمقام الامتثال، يمكن الآن صياغة الإشكالات الرئيسة الواردة على مبنى المحقِّق الخوئي ضمن عدَّة محاور، ليتجلَّى في ضوئها رجحانُ تحليل السيِّد الإمام. وكان مبنى المحقِّق الخوئي يتلخَّص في قوله:
المستفاد من الأدلة بحسب المتفاهم العرفي هو أن متعلق الوجوب الجامع الانتزاعي... و هذا امر معقول في نفسه، بل واقع في العرف و الشرع.[7]
وبالتالي، فقد اعتبر متعلَّق الوجوب في الواجب التخييري هو «الطبيعة المنتزعة كعنوان أحدهما». وتتمثَّل الإشكالات العمدة على هذا المبنى فيما يلي:
۱. عدمُ عرفيَّةِ تعلُّق الوجوب بالجامع الانتزاعي
الإشكال الأوَّل ناظرٌ إلى دعوى انسجام مسلك الجامع الانتزاعي مع المتفاهَم العرفي. فقد صرَّح المحقِّق الخوئي بأنَّ متعلَّق الوجوب في الواجب التخييري هو عنوان «أحدهما» بوصفه «جامعاً انتزاعيّاً»، وعدَّ ذلك متوافقاً مع فهم العرف. ولكن يبدو أنَّ هذه الدعوى لا تنسجم مع الوجدان العرفي. وتوضيح ذلك: أنَّ العرف، في محاوراته، لا يألفُ شيئاً باسم «الجامع الانتزاعي» ليكون متعلَّقاً للبعث. فلو قيل لفردٍ عادي: «إمَّا أن تشتري السكَّر أو تشتري الحَلوى»، فإنَّ ما ينقدح في ارتكازه هو: «اشترِ واحداً من هاتين السلعتين المعيَّنتين»، لا أنَّه مأمورٌ بـ «تحصيل عنوانٍ كلِّي وانتزاعي بينهما». ولو قيل له في المحاورة: «اذهب واشترِ واحداً من هذين؛ ومقصودي هو الجامع بينهما»، لكان هذا التعبير غريباً وثقيلاً على العرف؛ إذ ليس للعرف أنسٌ بمثل هذا النحو من لحاظ الجامع الذهني.
وعليه، فلو أردنا المقارنة بين التصويرين المشهورين من حيث «القرب إلى الفهم العرفي» فحسب - أي بين تصوير تعلُّق الوجوب بـ «الفرد المردَّد الخارجي» وفقاً لتقرير المحقِّق النائيني، وتصوير تعلُّقه بـ «الجامع الانتزاعي» وفقاً لتقرير المحقِّق الخوئي - فلا ريب في أنَّ التصوير الأوَّل - رغم كافَّة إشكالاته العقليَّة - هو أقرب إلى المتفاهَم العرفي من الثاني. وذلك لأنَّ العرف بإمكانه - على الأقل - أن يستوعب أنَّ «واحداً من هذين الأمرين الواقعيِّين في الخارج، هو المقصود»، وإن كان تعبير «الفرد المردَّد» محلَّ إشكالٍ في مقام التحليل الفلسفي والمنطقي. أمَّا أن يعمد الشارعُ في مقام الجعل إلى جعلِ «عنوانِ أحدهما بما هو مفهومٌ مُنتزَعٌ ذهني» متعلَّقاً للأمر، فهو ممَّا لا ينتقل إليه ذهن العرف ابتداءً. ومن هذه الجهة، فإنَّ أصلَ المدَّعى بأنَّ «متعلَّق الوجوب هو الجامع الانتزاعي»، وكذا دعوى انسجامه مع العرف، كلاهما محلُّ تأمُّل؛ ويبدو كلام المحقِّق النائيني - القائل بأنَّ مثل هذه التحليلات ليست عرفيَّة - قابلاً للتقوية في هذا البُعد.
٢. عدم صلاحيَّة الجامع الانتزاعي لتعلُّق التكليف
لقد قدَّم المحقِّق الخوئي - دفعاً لإشكال «عدم قابليَّة تعلُّق التكليف بالمفهوم الذهني» - تفصيلاً مفاده: أنَّ المراد ليس تعلُّق الأمر بالجامع بما هو مفهومٌ ذهنيٌّ حبيسٌ في أفق النفس، بل تعلُّق الأمر به بما هو منطبقٌ على الأفراد الخارجيَّة. وهذا التفصيل، وإن بدا مُجدياً إلى حدٍّ ما من حيث الإمكان العقلي، إلَّا أنَّه لا يزال يواجِه إشكالاً من جهة الصلاحيَّة الثبوتيَّة لمتعلَّق التكليف. والوجه في ذلك: أنَّ الخطابات الشرعيَّة تُلقى نوعاً إلى العرف، ولا بدَّ أن يكون متعلَّقها بنحوٍ يدركه العرف كمتعلَّقٍ للأمر والنهي ويرى قابليَّته للامتثال. والعرفُ لا يقبل المفاهيم الانتزاعيَّة المحضة - كـ «الجامع الانتزاعي» أو «عنوان أحدهما بما هو مفهومٌ كلِّي» - لتكون متعلَّقاً للبعث والزجر؛ إذ إنَّ ما يُمثِّل مصداقاً للأمر والنهي في الوجدان العرفي، هو الأفعال العينيَّة والمشخَّصة، لا العنوان الانتزاعي الحاكي عنها.
صحيحٌ أنَّ المحقِّق الخوئي نفسه يصرِّح بأنَّ الجامع الانتزاعي، بما هو موجودٌ في النفس، غير قابلٍ لتعلُّق الأمر، ولذا يلحظه بما هو منطبقٌ على الخارج؛ إلَّا أنَّ هذا «النقل في اللحاظ» يؤول في نهاية المطاف إلى أنَّ العرف إنَّما يفهم الفعل الخارجي، لا الجامع الذهني. وبالنتيجة، رغم إمكانيَّة تصوير نحوٍ من التعلُّق بالجامع الانتزاعي على مستوى التحليل العقلي، لكن بما أنَّ «المدار هو الفهم العرفي للخطابات»، فإنَّ مثل هذا الجامع يفتقد عرفاً للصلاحيَّة الذاتيَّة لأن يكون متعلَّقاً للتكليف بصفةٍ مستقلَّة، وينتهي الأمر به - في المآل - إلى نفس تلك الأفعال الخارجيَّة التي كانت تقع متعلَّقاً للأمر في سائر النظريَّات أيضاً.[8]
٣. الإشكال في تصوير الملاكات في مفهوم «أحدهما»
المحور الثالث ناظرٌ إلى نسبة الملاك والغرض إلى مفهوم «أحدهما». فحتَّى لو غُضَّ الطرف عن الإشكالين السابقين، يبقى تساؤلٌ جدِّيٌّ، وهو: كيف يمكن افتراض الملاك الواقعي للحكم في نفس مفهوم «أحدهما» بوصفه جامعاً انتزاعيّاً؟ وللمحقِّق الخوئي في «المحاضرات» بيانٌ بديع، وحاصله: أنَّنا في مقام امتثال أمر الشارع، لا نعلم إلَّا بمقدار أنَّ «غرض المولى قد تحقَّق»، أمَّا سنخ هذا الغرض، ومستقرُّه، وما يتقوَّم به، فمجهولٌ لدينا؛ فما جُعِل «مُحصِّلاً للغرض» في مقام الجعل هو الجامع الانتزاعي، ولكن ما يحقِّق الغرض في مقام الامتثال هو نفس فعل المكلَّف الذي يتعلَّق بأحد الأطراف بصفةٍ معيَّنة.
والجواب عن ذلك: أنَّه وإن كان «كُنه الغرض وسنخه» غير مكشوفٍ لنا، إلَّا أنَّ أصل تعلُّق الغرض لا يمكن أن يكون «مجهولاً من جميع الجهات». فالغرضُ إمَّا أن يقع في مقام الجعل والتشريع، وإمَّا في مقام المجعول وفعل المأمور به؛ أي إمَّا أن يكون كامناً في هيكليَّة القانون والأمر الاعتباري (بنحو المصلحة في الجعل)، وإمَّا في نفس آثار الفعل الخارجي (المصلحة في المجعول). ولا سيَّما أنَّه لا يمكن أساساً افتراض الملاك التكويني للحكم في نفس مفهوم «أحدهما» بما هو مفهومٌ انتزاعي؛ وعنوان «أحدهما» بما هو مفهومٌ ذهني، ليس ظرفاً لتحقُّق الملاك. ولعلَّ هذا ما يفسِّر اضطرار المحقِّق الخوئي نفسه - في مقام التحليل - للابتعاد عن «إعطاء الأصالة التامَّة للجامع الذهني المحض»، والعودة بنحوٍ ما إلى اللحاظ الخارجي؛ حيث صرَّح بقوله:
بما هو منطبق على كل واحد من الفعلين أو الأفعال في الخارج... لا مانع من أن يكون المأمور به هو العنوان الانتزاعي.[9]
على ضوء هذه المحاور - مضافاً إلى إشكالاتٍ أخرى يمكن تتبُّعها في فروع مبنى المحقِّق الخوئي - يبدو أنَّ نظريَّة تعلُّق الوجوب بالجامع الانتزاعي في الواجب التخييري، نظريَّةٌ غير تامَّة؛ سواء من حيث عرفيَّة متعلَّق التكليف، أم من حيث رابطته بالملاكات والأغراض. وفي المقابل، فإنَّ تحليل السيِّد الإمام الخميني (قدس سره) يمثِّل مبنىً رصيناً ومُحكَماً؛ إذ يرتكز على أركانٍ مفادها: أنَّه قد جُعِلَت إرادةٌ ووجوبٌ بعدد أطراف التخيير؛ وأنَّ كلَّ واحدٍ من الأطراف واجبٌ مستقلٌّ ذو متعلَّقٍ معيَّن وإرادةٍ تامَّة؛ وأنَّ دور «أو» ينحصر في تنظيم كيفيَّة الامتثال، لا في تحديد سنخ الوجوب وتعلُّقه. وهذا التحليل أكثر انسجاماً مع المرتكزات العرفيَّة في باب الأوامر التخييريَّة، وأشدُّ تلاؤماً مع المبنى الكلِّي للسيِّد الإمام في «الخطابات القانونيَّة»؛ حيث إنَّ الأصلَ وفقاً لهذا المبنى هو جعل القانون وتنظيم دائرة الامتثال، لا الانشغال بالتحليلات المعقَّدة حول سنخ الوجوب أو نوع متعلَّقه في الواجب التخييري.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
[1]- خمینی، روح الله، «مناهج الوصول إلى علم الأصول»، ج 2، ص 85-88.
[2]- آخوند خراسانی، محمد کاظم، «کفایة الأصول»، ج 1، ص 261-262.
[3]- اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 270-271.
[4]- الكفاية ٢٢٥:١-٢٢٦، فوائد الأصول ٢٣٤:١.
[5]- خمینی، مناهج الوصول إلى علم الأصول، ج 2، ص 88.
[6]- نائینی، محمدحسین، «فوائد الاُصول»، با محمد علی کاظمی خراسانی، ج 1، ص 235.
[7]- خویی، ابوالقاسم، «محاضرات فی أصول الفقه»، با محمد اسحاق فیاض، ج 4، ص 41-42.
[8]- ويجب الالتفات إلى أنَّ نقدنا في الإشكال الأوَّل كان مفاده أنَّ العرف حينما يسمع: «أعتق رقبةً أو أطعم ستِّين مسكيناً»، لا يستحضر في ذهنه - في مقام فهم الخطاب - شيئاً باسم «الجامع الانتزاعي»؛ فالمعنى العرفي لديه هو: «أْئتِ بواحدٍ من هذين الفعلين المعيَّنين». فالإشكال الأوَّل يقول: إنَّ ما ينسبه المحقِّق الخوئي إلى العرف، ليس استظهاراً صحيحاً من ظاهر الخطاب. وهذا ناظرٌ إلى «مقام الإثبات ودلالة الخطاب».
أمَّا في الإشكال الثاني، فقد تقدَّمنا خطوةً إلى الأمام وقلنا: حتَّى لو غضضنا الطرف عن بحث ظهور الخطاب، يبقى هذا التساؤل قائماً: هل يمتلك مثل هذا المفهوم صلاحيَّةً عرفيَّةً ليكون متعلَّقاً للبعث والزجر؟ فالعرف إنَّما يرى «قابليَّة الامتثال» في الأفعال العينيَّة الخارجيَّة؛ والقول بـ: «أمرتُك بعنوان أحدهما بما هو مفهومٌ انتزاعي»، أمرٌ لا يتقبَّله العرف كموضوعٍ للتحريك والامتثال، ولو أمكن ثبوتاً تصوير نحوٍ من التعلُّق الاعتباري له. وههنا ليس البحث عمَّا يفهمه العرف من ظاهر «أعتق أو أطعم» (فذاك بحث الإشكال الأوَّل)؛ بل البحث يدور حول السنخ الذي يجب أن يكون عليه متعلَّق الأمر، ليُعَدَّ في المنظومة العرفيَّة للتكليف «صالحاً للبعث والامتثال»؛ والدعوى هي أنَّ الجامع الانتزاعي المحض يفتقد هذه الصلاحيَّة. فهذا الإشكال ناظرٌ بالأكثر إلى «البنية الثبوتيَّة لمتعلَّق التكليف من منظار العرف المكلَّف»، لا إلى ظهور عبارةٍ شرعيَّةٍ خاصَّة.
وبذلك، فإنَّنا نقول من جهة: «إنَّ العرف لا يفهم هذا الجامع من الخطاب أساساً»؛ ومن جهةٍ أخرى نقول: «حتَّى لو افترضنا أنَّ الشارع أراد جعل الأمر على مثل هذا الجامع، فإنَّ هذا السنخ من المتعلَّق يفتقد عرفاً لصلاحيَّة المحرِّكيَّة والامتثال».
[9]- خویی، محاضرات فی أصول الفقه، ج 4، ص 42.
- آخوند خراسانی، محمد کاظم، کفایة الأصول، ۳ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1430.
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- خمینی، روح الله، مناهج الوصول إلى علم الأصول، قم، موسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني( ره)، 1415.
- خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ ج، قم، دارالهادی، 1417.
- نائینی، محمدحسین، فوائد الاُصول، محمد علی کاظمی خراسانی، ۴ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1376.
نظری ثبت نشده است .