درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٠/٧


شماره جلسه : ۵۳

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • نظريّة السيّد الإمام الخميني في التخيير بين الأقلّ والأكثر

  • التقسيمات الثلاثيّة في التحليل الثبوتي للسيد الإمام

  • حكم التدريجيّات: الامتناع والاستحالة

  • نظريّة السيّد البروجردي في إمكان التخيير في التدريجيّات

  • ردّ السيّد الإمام على مبنى المحقق البروجردي

  • نكتة مبنائيّة في كلام المحقق الأصفهاني: التشكيك والاعتباريّات

  • الوحدة والتعدّد في الغرض عند المحقق الأصفهاني

  • الإمكان والاستحالة في التدريجيّات على ضوء مبنى المحقق الأصفهاني

  • التحليل النهائي للسيّد الإمام في الأقل والأكثر الدفعيّين

  • الفرض الأول: وحدة الغرض

  • الفرض الثاني: تعدّد الغرض مع التزاحم أو مبغوضيّة الجمع

  • الفرض الثالث: تعدّد الغرض بلا تزاحم ولا مبغوضيّة للجمع

  • مقارنة بين مسلكي السيد الإمام والمحقق الأصفهاني

  • التقييم والمقارنة النهائيّة لمبنى السيد الإمام

  • مبناه في الواجب التخييري في المتباينات

  • المنهج المغاير في بحث الأقلّ والأكثر

  • إمكان تعميم المنهج الاعتباري للأقلّ والأكثر

  • الشاهد العرفي: التخيير بين الأقلّ والأكثر في المحاورات العقلائيّة

  • نقطة الالتقاء والخطوة المتقدّمة

  • نموذجٌ لدور الاعتبار الشرعي في تعيين الوحدة والكثرة

  • صفوة القول في النتيجة المختارة

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

مُحصّل البحث المتقدّم

تصدّى البحث في الجلسة السابقة أولاً لاستعراض النقد النهائي للمحقق الأصفهاني على بيان المحقق الخراساني في مسألة التخيير بين الأقل والأكثر، وثانياً لتبيين المبنى المختار في تحليل هذا التخيير. فقد نظر الأصفهاني إلى حلّ الآخوند ضمن محورين: الأول، من حيثيّة فرديّة المأمور به. والثاني، من حيثيّة الغرض. ففي المحور الأول، لو أُريد اعتبار «الأكثر» فرداً لطبيعة المأمور به كـ «الأقل» ـ قياساً على مثال الخط القصير والطويل ـ فلا مناص من الالتزام بالتشكيك في الوجود أو الماهية. وقد صرّح الأصفهاني بقصور هذا التشكيك عن السريان إلى الاعتباريات الشرعية والعناوين الانتزاعية؛ إذ ليس للاعتباريات وجودٌ تكوينيٌّ مشكّك، بل وجودها دائرٌ بين الجعل والعدم. وفي المحور الثاني، لو فُرض ترتّب غرضين مستقلين على «الأقل بشرط لا» و«الأكثر بما هو أكثر»، فالتخيير ممكنٌ في الجملة من هذه الجهة. أمّا لو فُرضت وحدة الغرض سنخاً، فلا بدّ من الالتزام بجامعٍ مشكّك في ناحية الغرض، والحال أنّ التشكيك في العنوان الانتزاعي للغرض ـ بلا منشأ مشكّك ـ غير معقول. وانتهى الأصفهاني إلى نتيجةٍ مفادها أنّه في موارد كالتسبيحة الواحدة والتسبيحات الثلاث، لا تُتصوّر وحدة الغرض التشكيكية، ولا التعدّد الواقعي للغرض بنحوٍ عرفي. وعليه، تظلّ استحالة التخيير بين الأقل والأكثر ـ بناءً على تحليل الآخوند ـ باقية. وفي المقابل، قام المبنى المختار على أساس تحليل المسألة برمّتها في ساحة الاعتبار والتشريع، بعيداً عن الأدوات الفلسفية كالفرديّة والتشكيك. وتأسيساً على ذلك، وتبعاً لمسلك السيد الإمام الخميني، ذهبنا إلى أنّ الوجوبات والإرادات في الواجب التخييري (حتى في الأقل والأكثر الاستقلالي) تتعدّد وتتعلّق بمتعلّقات معيّنة، وما كلمة «أو» إلا إشارة للتخيير في مقام الامتثال. وإنّ إشكال «تحصيل الحاصل» ـ بوصفه استحالةً تكوينية ـ لا مجرى له في ساحة الاعتبار؛ إذ بوسع الشارع أن ينيط الغرض والامتثال بأيّ موضوعٍ شاء. وبهذا، يغدو التخيير بين «التسبيحة الواحدة» و«التسبيحات الثلاث» ـ بوصفهما واحدين اعتباريين بديلين، محكومين بوجوبين متوازيين وتخييرٍ في الامتثال ـ أمراً معقولاً، من دون حاجةٍ للتشكيك أو إثبات تعدّد الغرض التكويني.

نظريّة السيّد الإمام الخميني في التخيير بين الأقلّ والأكثر

يُستفاد من تتبّع كلمات الفقهاء، أنّ ثمة مسلكين رئيسين في مسألة التخيير بين الأقل والأكثر بلحاظ مقام الثبوت:

١- مسلك الإمكان الثبوتي: وقد ذهب إليه أعلامٌ كآية الله السيّد البروجردي (قدس سره). فبناءً على ما يُستظهر من آثاره وتقريرات بحثه، التزم القول بالإمكان الثبوتي للتخيير بين الأقل والأكثر، منكراً استحالته. ومقتضى هذا المبنى، أنّ جعل التخيير بين الأقل والأكثر ليس محالاً في حدّ ذاته. فحيال أيّ دليلٍ يقوم عليه، يمكن الأخذ بظاهره بلا محذور. وسوف يأتي تحقيق كلامه (قدس سره) في موضعه.

٢- مسلك الاستحالة الثبوتيّة: وفي المقابل، يستفاد من كلمات السيّد الإمام الخميني، والسيّد الخوئي، والمرحوم آية الله الفاضل اللنكراني (رضوان الله تعالى عليهم)، أنّهم أنكروا التخيير الثبوتي بين الأقل والأكثر بالمرّة، وعدّوه ممتنعاً ذاتاً. وبناءً عليه، لو نهض دليلٌ لفظيٌّ وكان ظاهراً في التخيير بين الأقل والأكثر، فلا مناص عندهم من تأويله وتوجيهه بوجهٍ ما، ولا يسوغ الأخذ بظاهره. وفي ما يلي، نتصدّى لتقرير كلام السيّد الإمام الخميني (قدس سره) في «مناهج الأصول»، والذي تكفّل فيه تبيين مبنى هذه الاستحالة.

منطلق السيد الإمام: تحرير محلّ النزاع

بعد أن استعرض السيد الإمام الخميني في كتابه «مناهج الوصول» برهانَ استحالة التخيير بين الأقل والأكثر[1] ـ وفق التقرير الذي شاده المحقق الأصفهاني في «نهاية الدراية» ـ وأمضاه، عطف عنان البحث أولاً لتنقيح محلّ النزاع وتحديده بدقّة، حيث قال:

هل يمكن التخيير بين الأقلّ والأكثر أم لا؟ محطّ البحث والإشكال إنّما هو في الأقلّ الّذي أُخذ لا بشرط، وأمّا المأخوذ بشرط لا فهو من قبيل المتباين مع الأكثر، ولا إشكال في جوازه.

ومحصّل كلامه (قدس سره) أنّ مصبّ البحث وبؤرة الإشكال إنّما تختصّ بفرض لحاظ الأقلّ بنحو «اللا بشرط» من جهة انضمام الزائد. إذ لو لوحظ الأقلّ بنحو «بشرط لا» ـ أي مقيّداً بعدم انضمام الجزء الزائد ـ لكان مساوقاً للمباين بالنسبة إلى الأكثر (الذي هو الأقل بشرط شيء). ومن الواضح أنّ التخيير بين المتباينين جائزٌ ممّا لا ريب فيه. وعليه، فإنّ محور النزاع عند السيد الإمام ينتظم على النحو التالي: أن يكون الأقلّ ملحوظاً «لا بشرط» من حيث الانضمام، ويكون الأكثر عبارةً عن نفس ذلك الأقل مع ضميمة الزائد. والسؤال المطروح هو هل يُعقل التخيير بين الأقل والأكثر في هذا الفرض، في مقام الثبوت أم لا؟

التقسيمات الثلاثيّة في التحليل الثبوتي للسيد الإمام

عقيب تنقيح محل النزاع، عمد السيد الإمام إلى تقديم مصفوفةٍ ثلاثيّةٍ للحالات المحتملة في الأقل والأكثر، بغية تنظيم البحث الثبوتي، حيث قال (قدس سره):

أقول: إنّ الأقلّ والأكثر قد يكونان من التدريجيّات، وقد يكونان من الدفعيّات، وعلى أيّ تقدير قد يكون كلّ منهما محصّلاً لغرض واحد، وقد يكون كلّ محصّلاً لغرض غير الآخر، وعلى التقدير [الأخير] قد تكون بين الغرضين مزاحمة بحسب الوجود، وقد لا تكون.

وتأسيساً على هذا النص، تتفرّع المحاور الرئيسة في تقسيمه كما يلي:

التقسيم الأوّل: التدريجيّات والدفعيّات

فمن زاوية كيفيّة الوجود والتحقّق الخارجي، ينقسم الأقل والأكثر إلى صنفين:

١- التدريجيّات: كما في تكرار التسبيحات الأربع في الصلاة، حيث يتحقّق وجود الأقل (كتسبيحة واحدة) سابقاً زماناً على تحقّق الأكثر (كالثلاث)، ويتصرّم الفعل على نحو التدرّج والامتداد.

٢- الدفعيّات: كما في مثال الخط القصير والطويل (بناءً على فرض الرسم الدفعي)، إذ يُفترض تحقّق ذات الخط دفعةً واحدة، وإن تفاوتت مقاديره (بين قلّة الطول وكثرته).

التقسيم الثاني: وحدة الغرض وتعدّده

وفي كلٍّ من الصنفين المتقدّمين (التدريجي والدفعي)، يُتصوّر بالقياس إلى الأغراض المولويّة حالتان:

١- وحدة الغرض: بأن يكون كلٌّ منهما محصّلاً لغرضٍ واحد. فما يترتّب على الأقل هو عينه المترتّب على الأكثر، من دون تمايزٍ في نوع الغرض.

٢- تعدّد الغرض: بأن يختصّ كلٌّ من الأقل والأكثر بتحصيل غرضٍ مستقلّ. فيثبت للأقل غرضٌ، وللأكثر غرضٌ آخر مغايرٌ لما ترتّب على الأقل.

التقسيم الثالث: التزاحم وعدمه بين الغرضين

ثمّ إنّه على تقدير تعدّد الغرض، تنقسم النسبة بين الغرضين إلى قسمين:

١- التزاحم الوجودي: بأن يقع التمانع والتزاحم بين الغرضين في مقام التحقّق الوجودي، فيمتنع اجتماعهما في الخارج.

٢- عدم التزاحم: بأن لا يكون ثمّة تنافٍ بين الغرضين من حيث التحقّق الخارجي، بل يمكن اجتماعهما وحصولهما معاً في موردٍ واحد.

وعلى ضوء هذه التقسيمات الثلاثة، يتصدّى السيد الإمام (قدس سره) فيما يأتي من البحث، لتمحيص كلّ فرضٍ على حدة من حيث إمكان التخيير الثبوتي بين الأقل والأكثر أو استحالته، لتنجلي بذلك نتيجته النهائية في التدريجيات والدفعيات بوضوحٍ تام.

حكم التدريجيّات: الامتناع والاستحالة

عقيب الفراغ من التقسيم، شرع السيد الإمام (قدس سره) في بيان حكم التدريجيّات أولاً، مُعلناً بصراحةٍ عن امتناع التخيير فيها واستحالته، حيث قال:

لا إشكال في امتناع التخيير بينهما في التدريجيّات، لأنّ الأقلّ يتحقّق دائماً قبل الأكثر، فيستند إليه الأثر، ويسقط الوجوب بوجوده، ولا يعقل إيجاب الأكثر الّذي لا يمكن امتثاله.

ومؤدّى بيانه أنّ الأقلّ في الأفعال التدريجية يسبق الأكثر في الوجود دائماً، كما في تكرار التسبيح، حيث تتحقّق التسبيحة الأولى، ثم تعقبها الثانية فالثالثة. فإذا وقع «الأقلّ اللابشرط» متعلّقاً للوجوب وموضوعاً لترتّب الغرض المولوي، فإنّه بمجرّد تحقّقه في الخارج، يستند الأثر والامتثال إليه، ويسقط الوجوب بسببه قهراً، لحصول الغرض وانتهاء أمد التكليف بالنسبة إلى طبيعة المأمور به بتحقّق هذا الفرد.

وحينئذٍ، يكون جعل الوجوب بالنسبة إلى الزائد (أي الأجزاء اللاحقة كالتسبيحة الثانية والثالثة) إمّا لغواً ـ لانتفاء الملاك الإلزامي بعد حصول الامتثال بالأقل ـ وإمّا مستلزماً لتحصيل الحاصل ونحوه من المحاذير، وهو محالٌ في هذا الهيكل الثبوتي.

وبناءً على هذا التحليل، يُحكم بامتناع التخيير في الأقل والأكثر التدريجي ثبوتاً. فكلّ دليلٍ لفظيٍّ يوحي ظاهره بالتخيير بينهما (كما في «التسبيحة الواحدة» و«الثلاث»)، لا يسوغ حمله على ظاهره في باب التخيير، بل لا بدّ من المصير إلى تأويله وتوجيهه بوجهٍ ما.

نظريّة السيّد البروجردي في إمكان التخيير في التدريجيّات

وفي سياق البحث، أورد السيد الإمام (قدس سره) بصيغة «إن قيل» تقريراً لمقالة آية الله البروجردي (قدس سره)، يتضمّن تصويراً لإمكان التخيير في التدريجيّات. وهذا التقرير، الذي لم يكن مرصوداً في المطبوعات الأولية لآثار المحقق البروجردي، قد تبيّن لاحقاً ـ مع صدور «لمحات الأصول» ـ أنّه يطابق عين المباني الواردة فيه.

نقل الكلام في «مناهج الأصول»

فبعد تقريره لأصل الاستحالة، طرح السيد الإمام في «المناهج» هذا الإشكال، قائلاً:

إن قلت: التخيير ممكن إذا كان الأقلّ والأكثر تحت طبيعة واحدة تكون بحسب الوجود مشكّكة، ويكون ما به الاشتراك بين الأفراد عين ما به الامتياز، كالخطّ القصير والطويل؛ لأنّ تعيّن الخطّ لفرديّة الطبيعة إنّما يكون إذا صار محدوداً، وأمّا ما دام الاستمرار التدريجيّ فلا يتعيّن للفرديّة، بل كأنّه مبهم قابل لكلّ تعيّن. فمحصّل الغرض إذا كان فرداً منها لا يصير القصير فرداً لها [ومحصّلاً للغرض] إلاّ إذا صار محدوداً، فالفردان وإن تفاوتا بالأقليّة والأكثريّة، لكن صيرورتهما فردين لها ومحصّلين للغرض لا تمكن إلاّ بتحقّق الفرديّة، وهي متقوّمة بالمحدوديّة بالحمل الشائع.

وكذا يمكن فيما إذا كانا محصّلين لعنوان آخر يكون ذلك العنوان محصّلاً للغرض، مثلاً: صلاة الحاضر والمسافر مع كونهما مختلفتين بالأقلّية والأكثريّة، لكن يكون كلّ منهما محصّلاً لعنوان – كالتخشّع الخاصّ – يكون ذلك العنوان محصّلاً للغرض، ففي مثله يجوز التخيير بينهما.

وجوهر هذا البيان يكمن في ما يلي: لو اندرج الأقل والأكثر تحت طبيعةٍ واحدةٍ مشكّكة، نظير الخط القصير والطويل ـ بحيث يكون «ما به الاشتراك فيها عين ما به الامتياز» ـ فإنّ التخيير بين فردي هذه الطبيعة المشكّكة أمرٌ معقول. ففي مثال الخط، إنّ تعيّن الخط لفرديّة الطبيعة رهنٌ بصيرورته محدوداً بحدّ معيّن. وما دام الاستمرار التدريجي لحركة القلم قائماً، فإنّ وجود الخط يبقى مبهماً وقابلاً لأيّ تعيّن، ولم يكتسب صفة الفرديّة المعيّنة بعد. فمتى ما توقّف عند نقطةٍ وتحدّد بطولٍ خاص، صار ذلك الحدّ فرداً لطبيعة الخط. وكذا الخط الأطول، إنّما يكون فرداً آخر لنفس الطبيعة عقيب تحدّده عند نقطةٍ أخرى.

فإذا كان محصّل الغرض هو فردٌ من الطبيعة، فإنّ الخط القصير ما لم يُحدّد، لا يصدق عليه أنّه فردٌ للطبيعة ولا يكون محصّلاً للغرض. والأمر عينه جارٍ في الخط الطويل. إذن، كلاهما ـ برغم تفاوت الأقلية والأكثرية ـ لا يغدوان فردين للطبيعة الواحدة ومحصّلين للغرض إلّا بعد تحقّق الفرديّة، وهي منوطةٌ بالمحدوديّة والوقوف.

ويسري هذا المنطق بعينه إلى الموارد التي يكون فيها كلّ من الأقل والأكثر محصّلاً لعنوانٍ آخر، وذلك العنوان هو الذي يقع محصّلاً للغرض، كصلاة الحاضر والمسافر، فمع اختلافهما في عدد الركعات (قلّة وكثرة)، قد يشتركان في تحصيل عنوانٍ واحد ـ كـ «التخشّع الخاص» مثلاً ـ ويكون الغرض مترتّباً على ذاك العنوان. ففي مثل هذه الحالة أيضاً، يكون التخيير بينهما ممكناً ثبوتاً بلا محذور.

التقرير المفصّل في «لمحات الأصول»

وقد بسط المحقق البروجردي الكلام في «لمحات الأصول»[2] حول هذا المبنى بمزيدٍ من التفصيل. فبعد تنقيح محل النزاع ـ بأن يكون الأقل مأخوذاً لا بشرط ومندرجاً في الأكثر ـ أفاد قائلاً:

والتحقيق: عدم معقوليّة التخيير بينهما؛ فإنّ الأقلّ إذا كان وافياً بتمام المقصود والغرض، يكون الأكثر – المشتمل عليه مع الزيادة – مشتملاً على ما هو الوافي بتمام الغرض مع الزيادة، فما هو الوافي بالغرض والمحصّل له يكون واجباً تعيينيّاً، لا يرضى الآمر بتركه، ولا دخالة للزيادة في تحصيل ذلك الغرض، وإنّما القائم بها مصلحة اُخرى ندبيّة لا إلزاميّة.

وبالجملة: ما يُتراءى منه صورة التخيير بين الأقلّ والأكثر، ينحلّ إلى وجوب تعيينيّ متعلّق بالأقلّ، وإلى أمر ندبيّ متعلّق بالزيادة... .

ومقتضى هذا البيان أنّه في فرض وفاء الأقلّ بتمام الغرض، فإنّ حقيقة الحكم تؤول إلى وجوبٍ تعيينيٍّ متعلّق بالأقل. وما يبدو في جانب الزائد لا يتعدّى كونه أمراً ندبيّاً. وبعبارةٍ أخرى، إنّ الصورة الظاهرية للتخيير بين الأقل والأكثر، تنحلّ عند التحليل الدقيق إلى وجوبٍ تعيينيٍّ للأقل واستحبابٍ للزائد، ولا تخيير في البين حقيقةً. ثمّ إنّه (قدس سره) استثنى موردين رأى فيهما إمكان تصوير التخيير بين الأقل والأكثر، وهما:

المورد الأوّل: الطبيعة الواحدة المشكّكة

وهو ما سلف بيانه بمثال الخط القصير والطويل، حيث قال (قدس سره):

نعم، يمكن التخيير بينهما في موردين:

أحدهما: ما إذا كان الأقلّ والأكثر تحت طبيعة واحدة، تكون بحسب الوجود مشكّكة، ويكون ما به الاشتراك بين الأفراد عين ما به الامتياز، كالخطّ القصير والطويل... فإنّ التخيير بين الفردين منها ممكن؛ لأنّ تعيّن الخطّ لفرديّة الطبيعة إنّما يكون إذا صار محدوداً... فالفردان وإن كان التفاوت بينهما بالأقليّة والأكثريّة، لكن صيرورتهما فردين للطبيعة ومحصّلين للغرض غير ممكنة إلاّ بتحقّق الفرديّة، وهي متقوّمة بالمحدوديّة بالحمل الشائع.

ففي هذا الفرض، يُعدّ كلٌّ من الحدّ القصير والطويل ـ عقيب صيرورتهما محدودين ـ فردين لطبيعة الخط، ومحصّلين للغرض. وبذا يسوغ للمولى تخيير المكلّف بين هذين الفردين.

المورد الثاني: تحصيل العنوان الثانوي الواحد

وهو الفرض الذي يشترك فيه الأقل والأكثر في تحصيل عنوانٍ آخر، ويكون ذلك العنوان هو الموضوع للغرض المولوي، كما جاء في عبارته:

وثانيهما: ما إذا كان الأقلّ والأكثر محصِّلين لعنوان آخر، يكون ذلك العنوان محصِّلاً للغرض، كما قلنا سابقاً في الصحيح والأعمّ: من أنّ صلاة الحاضرة و المسافر تكونان محصّلتين لعنوان، يكون ذلك العنوان محصِّلاً للغرض، ففي مثل هذا المورد أيضاً يمكن التخيير بينهما؛ فإنّ صلاة القصر للمسافر و التمام للحاضر محصّلتان لذلك العنوان... .

ففي نظائر هذا المورد، لمّا كان كلٌّ من الأقل والأكثر محصّلاً لعنوانٍ واحدٍ هو مناط الغرض، فإنّ التخيير بينهما يغدو أمراً معقولاً في نظره الشريف. وتأسيساً على هذا المبنى، يمكن تقديم تصويرٍ لإمكان التخيير في العبادات التدريجية أيضاً، إمّا بارجاعها إلى وحدة الطبيعة المشكّكة، أو إلى وحدة العنوان الثانوي المحصّل للغرض.

فعلى سبيل التمثيل، في باب التسبيحات الأربع، لو عُدّت التسبيحات الثلاث المتّصلة عملاً واحداً عرفاً، واندرجت تحت طبيعةٍ واحدةٍ مشكّكة، أو كان كلٌّ من «المرّة» و«الثلاث» محصّلاً لعنوانٍ واحدٍ يترتّب عليه الغرض، لأمكن القول: إنّ التسبيحة الواحدة فردٌ لتلك الطبيعة ومحصّلة للغرض، والتسبيحات الثلاث المتّصلة فردٌ آخر ومحصّلة لنفس الغرض (أو لغرضٍ آخر)، ولجاز للمولى تخيير المكلّف بين هذين الفردين.

وبمقارنة هذه المباني مع تحقيقات المحقق الأصفهاني في «نهاية الدراية»، يتجلّى بوضوحٍ أنّ تحليل المحقق البروجردي ـ في ما يتعلّق بالتشكيك في الطبيعة، والفرديّة، ودور العنوان الثانوي في تحصيل الغرض ـ ينهل من نفس المعين وينسج على منوال تلك التدقيقات. غاية الأمر أنّ عبارات «اللمحات» جاءت بلسانٍ أبسط وأكثر سلاسةً من الصياغات الفنيّة المعقّدة في «نهاية الدراية». ومن هنا، فإنّ الإحاطة بمباني المحقق الأصفهاني في بابي التشكيك والاعتبارات، تُعدّ مقدمةً ضروريةً لاستيعاب عمق نظرية المحقق البروجردي وفهم مسلكه في جواز التخيير بين الأقل والأكثر في بعض الفروض التدريجية والدفعية.

ردّ السيّد الإمام على مبنى المحقق البروجردي

في مقام الإجابة عن التقرير المنسوب لآية الله البروجردي ـ المبتني على دعوى التشكيك في طبيعة الخط وفرديّة القصير والطويل ـ صرّح السيد الإمام (قدس سره) بأنّ منشأ هذا الإشكال يكمن في الخلط الدقيق بين اعتباري «اللابشرط» و«البشرط لا»، حيث أفاد:

قلت: نعم، هذا ما قرّره بعض سادة العصر – دام بقاؤه – لكن فيه خلط نشأ من الخلط بين اللاّبشرطيّة والبشرط لائيّة؛ لأنّ الخطّ الّذي لا يتعيّن بالمصداقيّة للطبيعة هو الخطّ المحدود بحدّ القصر الّذي هو بشرط لا، وأمّا نفس طبيعة الخطّ بمقدار الذراع – مثلاً – بلا شرط بالمحدوديّة وغيرها، فلا إشكال في تحقّقها إذا وصل الخطّ المتدرّج إلى مقدار الذراع وإن لم يتوقّف عند ذلك الحدّ... .

ومحصّل بيانه (قدس سره) أنّ ما فُرض مبهماً وغير متعيّن في الكلام المنقول، هو في واقعه الخط المحدود بحدّ القصر الملحوظ بنحو «بشرط لا» بالنسبة إلى الزيادة. وهذا خارجٌ عن محل النزاع، إذ مع أخذ الأقل بشرط لا، تؤول المسألة إلى التخيير بين المتباينين. إنّما مصبّ البحث هو ذات طبيعة الخط بمقدار ذراع، الملحوظة «لا بشرط» من حيث التحديد وعدمه. وهنا يؤكد السيد الإمام أنّه متى ما بلغ الخط المتدرّج مقدار الذراع، فقد تحقّقت طبيعة الذراع اللابشرط بالفعل، وإن استمرّ الخط في الامتداد ولم يقف عند ذلك الحدّ:

فما هو الموجود يصدق عليه طبيعة الذراع من الخطّ وإن لم يصدق عليه الخطّ المحدود، ومورد الكلام هو الأوّل، أي اللاّبشرط المتحقّق مع المحدود وغيره.

وعليه، فإن قيل: «لا يصير الفرد القصير فرداً لها إلاّ مع محدوديّته»، فإن أُريد أنّ طبيعة الذراع اللابشرط لا تتحقّق، فهو باطلٌ جزماً، لتحقّقها الفعلي بمجرّد البلوغ إلى حدّ الذراع. وإن أُريد أنّ الخط المحدود بالقصر (بشرط لا) لا يتحقّق، فهو خروجٌ عن محلّ النزاع، إذ كلامنا في اللابشرط لا في البشرط لا. ثمّ خلّص (قدس سره) إلى النتيجة التالية:

وممّا ذكرنا يتّضح النظر في الفرض الثاني، لأنّ الأقلّ اللاّبشرط إذا وجد يكون محصّلاً للعنوان الّذي هو محصّل للغرض، فلا يبقى مجال لتحصيل الأكثر ذلك العنوان المحصّل له. هذا كلّه في التدريجيّات.

ومفاده أنّه في الأفعال التدريجية، بمجرّد تحقّق الأقل اللابشرط، وكان هو المحصّل للعنوان المترتّب عليه الغرض، فقد استُوفي الغرض، ولم يتبقّ مجالٌ لدخالة الأكثر في تحصيل نفس ذلك العنوان. وبهذا، يستقرّ رأي السيد الإمام على الامتناع الثبوتي للتخيير الواقعي بين الأقل والأكثر في التدريجيّات.
نكتة مبنائيّة في كلام المحقق الأصفهاني: التشكيك والاعتباريّات

وإلى جانب النقد المتقدّم، تلوح نكتةٌ دقيقةٌ في مطاوي كلمات المحقق الأصفهاني في «نهاية الدراية»، يبدو أنّها لم تحظَ بالالتفات الكافي في تحليلات السيد الإمام والمحقق البروجردي. وتتلخّص هذه النكتة في أمرين:

١- توقّف التصوير التشكيكي للفرديّة على البشرطلائيّة: لقد صرّح المحقق الأصفهاني بأنّه لو أُريد تصوير أفراد متفاوتة (أقل وأكثر) لطبيعةٍ واحدةٍ استناداً إلى التشكيك، فإنّ ذلك في مقام التحليل الفلسفي مرهونٌ بكون كلّ فردٍ منها مقيّداً بنحوٍ مّا. وفي مقام ترتّب الغرض، لا بدّ من افتراض الطبيعة «بشرط لا» من جهة الزيادة والنقيصة موضوعاً للأثر.

٢- انتفاء جريان التشكيك في الاعتباريّات: وفي الوقت عينه، أكّد (قدس سره) بصراحةٍ أنّ التشكيك ـ سواءً في الوجود أو في الماهية ـ شأنٌ تكوينيّ محض. وأمّا في حوزة الاعتبارات الشرعية، فلا معنى للتشكيك الوجودي ولا الماهوي. إذ اعتبارات الشارع عبارةٌ عن مجعولاتٍ استقلالية واعتباراتٍ بسيطة، ومحاولةُ سحبِ الهياكل التشكيكية الفلسفية إليها تنطوي على قياسٍ مع الفارق.

وتأسيساً على هذا المبنى، يمكن صياغة الجواب الأصولي عن تقرير المحقق البروجردي بالبيان التالي: إنّ الاستناد إلى مثال الخط القصير والطويل المبنيّ على التشكيك، إنّما يستقيم في دائرة الأمور التكوينية. والحال أنّ بحثنا في وجوب التسبيحات ونظائرها يتمحور في قلمرو الاعتباريّات الشرعية. وفي هذا القلمرو، يُعدّ الحديث عن «الجامع المشكّك» وكون «ما به الاشتراك عين ما به الامتياز» كلاماً فاقداً للأساس، ولا موطن له.

الوحدة والتعدّد في الغرض عند المحقق الأصفهاني

والمبنى الآخر للمحقق الأصفهاني يرتكز على تحليل نسبة الأقل والأكثر من زاوية الأغراض. ويُستفاد من كلماته بجلاءٍ التفصيل التالي:

في فرض تعدّد الغرض: لو كان الأقل محصّلاً لغرضٍ، والأكثر محصّلاً لغرضٍ آخر، فبإمكان الشارع أن يُنشئ جعلين مستقلّين: وجوباً متعلّقاً بالأقل تحصيلاً للغرض الأول، ووجوباً متعلّقاً بالأكثر تحصيلاً للغرض الثاني. وحينئذٍ، يكون التخيير في حقيقته تخييراً اعتبارياً محضاً بين متعلّقين مستقلين. ولا محذور ثبوتياً في التخيير بين الأقل والأكثر في هذا الفرض.

في فرض وحدة الغرض: أمّا لو قيل «إنّ الغرض واحد، ويترتّب على كلٍّ من الأقل والأكثر»، فلازمُ ذلك لزومُ تصوير قدرٍ جامعٍ بينهما يكون هذا الغرض الواحد مترتّباً عليه. ولكي يصدق هذا الجامع حقيقةً على كليهما ويقبل الشدة والضعف بتبعهما، لا بدّ أن يكون جامعاً مشكّكاً. والحال أنّ التشكيك في الاعتباريات غير مسموعٍ ومرفوضٌ كما مرّ. وعليه، فإنّ تصوير التخيير بين الأقل والأكثر في هذا الفرض، استناداً إلى مبنى التشكيك، يغدو أمراً غير معقول.

الخلاصة، إنّ محصّل مبنى الأصفهاني هو أنّ «وحدة الغرض» مضافاً إليها «مبنى التشكيك» تُساوي استحالة التخيير بين الأقل والأكثر في الاعتباريات. بينما «تعدّد الغرض» يفتح الباب أمام الإمكان الثبوتي للتخيير، بوصفه تخييراً بين جعلين اعتباريين مستقلّين.

النسبة مع كلام المحقق الخراساني

لقد جعل الآخوند الخراساني، في مقام تحليله لإمكان التخيير بين الأقل والأكثر أو استحالته، من «البشرطلائيّة» ركناً أساساً، ببيان أنّ «الأقل بشرط لا» يقع موضوعاً لغرضٍ ما، و«الأقل بشرط شيء» (الذي هو مساوقٌ للأكثر) يقع موضوعاً لغرضٍ آخر. وكأنّ تعدّد الغرض لا يستقيم تصويره إلّا عبر هذه القنطرة الفنيّة: «الأقل بشرط لا» و«الأقل بشرط شيء».

بيد أنّ المستفاد من مجموع كلمات المحقق الأصفهاني أنّ «البشرطلائيّة» لا مدخليّة ضرورية لها في صميم فرديّة الأقل للجامع. نعم، بوسع الشارع ـ لمصلحةٍ يراها ـ أن ينيط غرضه بـ «الأقل بشرط لا»، إلّا أنّ هذا ليس شرطاً حتمياً ولازماً لتحقّق تعدّد الغرض. بل إنّ أصل تعدّد الغرض وتعدّد الجعل، يمكن أن يتقوّم ويتشكّل على أساس التغاير بين العنوانين الاعتباريين، من دون حاجةٍ للتكلّف في هذه الصياغة الفلسفية.

الإمكان والاستحالة في التدريجيّات على ضوء مبنى المحقق الأصفهاني

وتأسيساً على ما تقدّم، يمكن صياغة النتيجة المترتّبة على مبنى المحقق الأصفهاني في خصوص الأقل والأكثر التدريجي، ضمن شقّين:

الشقّ الأول: لو ابتنينا التحليل على أساس التشكيك الفلسفي ووحدة الغرض، فبما أنّ التشكيك غير مسموعٍ في وعاء الاعتباريات، فإنّ تصوير التخيير الثبوتي بين الأقل والأكثر في الأفعال التدريجية (كالتسبيحات) يغدو محالاً. وهذا هو المسار الذي تلمس روحه ساريةً في كلام السيد الإمام والمحقق الخوئي، في مقام حكمهم باستحالة التخيير في التدريجيّات.

الشقّ الثاني: لو خرجنا من فضاء التشكيك الفلسفي والملاكات التكوينية، وقصرنا النظر على مستوى الاعتبار وجعل الشارع، لظفرنا بصورتين معقولتين في التدريجيّات:

أ) فرض تعدّد الغرض: بأن يعتبر المولى غرضين مستقلين، فيترتّب الغرض الأول على الأقل، والغرض الثاني على الأكثر. وهنا يُلحظ الأقل والأكثر كعنوانين اعتباريين مستقلين (لا كمرتبتين تكوينيتين لطبيعةٍ مشكّكة). وفي هذا الفرض، يكون التخيير تخييراً بين جعلين اعتباريين مستقلين، وهو أمرٌ معقولٌ ثبوتاً بتمام المعنى. وهذا المعنى هو المستفاد بوضوحٍ من مبنى المحقق الأصفهاني أيضاً.

ب) فرض وحدة الغرض: لو أُريد سلوك طريق التشكيك في الجامع الانتزاعي مع فرض وحدة الغرض، لعاد إشكال المحقق الأصفهاني والسيد الإمام والسيد الخوئي جذعاً، ولظلّت الاستحالة مستحكمة.

أمّا لو قيل: «إنّ الغرض واحد، بيد أنّ الشارع ـ من موقع اعتباره ـ قد طبّق هذا الغرض الواحد على كلا العنوانين (الأقل والأكثر)؛ بمعنى أنّه بالامتثال مرةً واحدةً يتحصّل الغرض، وبالامتثال ثلاث مراتٍ يتحصّل نفس الغرض أيضاً». ففي هذه الحالة أيضاً، يمكن تصوير التخيير في مستوى الاعتبار المحض؛ شريطة عدم إقحام التشكيك الواقعي وشبهة تحصيل الحاصل الفلسفية في البين، وإيكال ملاك تحقّق الغرض إلى حيث جعل الشارعُ الموضوعَ لغرضه، لا إلى التحليل التكويني لتحقّق أجزاء الطبيعة.

الخلاصة والنتيجة

وتأسيساً على ذلك، يمكن الخروج بالحصيلة التالية: حيثما أمكن تصوير تعدّد الغرض، فالتخيير الثبوتي بين الأقل والأكثر أمرٌ معقولٌ، سواءً على مبنى المحقق الأصفهاني، أو وفقاً للتحليل الاعتباري الخالص. وحيثما فُرضت وحدة الغرض التكويني، وابتُني التحليل على مدار التشكيك الفلسفي في الجامع الانتزاعي، فالاستحالة هي المتحكّمة. بيد أنّه لو أرجعنا مناط الوحدة والكثرة في الأقل والأكثر، لا إلى «الفرديّة الفلسفية للطبيعة»، بل إلى مجرّد اعتبار الشارع وكيفيّة جعله وبعثه، لانفتح أمامنا أفقٌ أرحب لتصوير التخيير بين الأقل والأكثر في حوزة التشريع، من دون أن نُلزم أنفسنا باللوازم العويصة للتشكيك الفلسفي في الاعتبارات.

التحليل النهائي للسيّد الإمام في الأقل والأكثر الدفعيّين

بعد أن بتّ السيد الإمام (قدس سره) بامتناع التخيير الثبوتي في التدريجيّات، انتقل ببحثه إلى الدفعيّات، ليمحّص إمكان تصوير التخيير فيها على ضوء الحالات المختلفة للغرض. وقد جاءت عبارته كالآتي:

وأمّا الدفعيّات: فإن كان هنا غرض واحد يحصل بكلّ منهما، فلا يعقل التخيير بينهما – أيضاً – لأنّ الغرض إذا حصل بنفس ذراع من الخطّ بلا شرط، كان التكليف بالزيادة بلا ملاك، فتعلّق الإرادة والبعث بها لغو ممتنع، ومجرّد وحدة وجود الأقلّ بلا شرط مع الأكثر خارجاً، لا يدفع الامتناع بعد كون محطّ تعلّق الأمر هو الذهن [الّذي هو] محلّ تجريد طبيعة المطلوب عن غيره من اللواحق الزائدة.

وإن كان لكلّ منهما غرض غير ما للآخر: فإن كان بين الغرضين تدافع في الوجود لا يمكن اجتماعهما، أو يكون اجتماعهما مبغوضاً للآمر، فلا يعقل التخيير أيضاً؛ لأنّ الأقلّ بلا شرط موجود مع الأكثر، فإذا وجدا دفعةً لا يمكن وجود أثريهما للتزاحم، أو يكون اجتماعهما مبغوضاً، فلا يعقل تعلّق الأمر بشيء لأجل غرض لا يمكن تحصيله أو يكون مبغوضاً.

وأمّا إذا كان الغرضان قابلين للاجتماع، ولا يكون اجتماعهما مبغوضاً وإن لم يكن مراداً أيضاً، فالتخيير بينهما جائز؛ لأنّ الأقلّ مشتمل على غرض مطلوب، والأكثر على غرض آخر مطلوب، فإذا وجد متعلّق الغرضين كان للمولى أن يختار منهما ما يشاء.

وبناءً على هذا النص، يبتني تحليل السيد الإمام في الدفعيّات على الفروض الثلاثة الآتية:
الفرض الأول: وحدة الغرض

في البدء، يُفترض وجود غرضٍ واحدٍ يترتّب على كلٍّ من الأقل والأكثر. وفي هذا الفرض، يحكم السيد الإمام بعدم معقولية التخيير ثبوتاً. وبيانه أنّه لو تحصّل غرض المولى بـ «ذراعٍ واحدٍ» من الخط ـ بوصفه «الأقل اللا بشرط» ـ لكان هذا الذراع الأول هو موضوع الغرض في ذهن المولى، ولانطبقت طبيعة المطلوب على هذا المقدار بتمامه. وحينئذٍ، يكون تعلّق أيّ تكليفٍ بالزيادة على هذا المقدار تكليفاً «بلا ملاك»؛ لانتفاء أيّ دورٍ للزائد في تحصيل ذلك الغرض. وعليه، يغدو جعل الوجوب بالنسبة للزائد لغواً، وبالتالي ممتنعاً.

ولا يجدي نفعاً التذرّع بوحدة الوجود الخارجي للأقل والأكثر ـ بمعنى تحقّق خطٍّ واحدٍ ممتدٍّ في الخارج يتضمّن الذراع الأول ـ لدفع هذا الامتناع؛ إذ المعيار والمناط هو «محطّ تعلّق الأمر» في ذهن المولى، حيث تُجرّد طبيعة المطلوب عن سائر اللواحق والزيادات. فإذا أُنيت الغرض هناك بالأقل اللا بشرط، بقي جعل التكليف بالنسبة للزائد فاقداً للملاك. والنتيجة: أنّ التخيير بين الأقل والأكثر في الدفعيّات ـ مع فرض وحدة الغرض ـ ممتنعٌ ثبوتاً؛ لكون التكليف بالزائد لغواً وبلا ملاك.

الفرض الثاني: تعدّد الغرض مع التزاحم أو مبغوضيّة الجمع

في الفرض الثاني، يصوّر السيد الإمام حالة تعدّد الغرض، بأن يترتّب غرضٌ خاصٌ على الأقل، وغرضٌ آخر مغايرٌ على الأكثر. وهنا يميّز (قدس سره) بين حالتين:

١- التدافع والتزاحم الوجودي بين الغرضين: فلو كان بين الغرضين «تدافع في الوجود»، بحيث يمتنع اجتماعهما خارجاً، فحينئذٍ لو تحقّق الأقل والأكثر دفعةً واحدة، لتعذّر حصول كلا الغرضين معاً بسبب التزاحم. ولو أتى المكلّف بالأقلّ وحده، لحصل الغرض الخاصّ به بالفعل، ولم يبقَ مجالٌ لتحصيل الغرض الثاني. وعليه، لا يُعقل الأمر بالأكثر لتحصيل غرضٍ ممتنع التحصيل (في فرض تحقّق الأقل)، وبالنتيجة يمتنع التخيير الحقيقي بينهما في هذا الفرض.

٢- إمكان الجمع الوجودي مع مبغوضيّة الجمع عند المولى: والحالة الأخرى أن يكون الغرضان قابلين للاجتماع من حيث الوجود الخارجي، إلّا أنّ اجتماعهما مبغوضٌ للمولى، بمعنى أنّه يُريد أحدهما لا بعينه، ولا يرضى بحصولهما معاً. ففي هذه الحالة أيضاً، لمّا كان الغرض الثاني إمّا غير قابلٍ للتحصيل (في عرض الأول) أو أنّ اجتماعهما مبغوض، فلا يُعقل تعلّق الأمر بمتعلّقِ غرضٍ إمّا ممتنع الحصول أو مبغوض الاجتماع. ففي كلتا الحالتين المذكورتين ـ وبرغم فرض تعدّد الغرض ـ يظلّ التخيير بين الأقل والأكثر الدفعيّ ممتنعاً ثبوتاً.

الفرض الثالث: تعدّد الغرض بلا تزاحم ولا مبغوضيّة للجمع

يستثني السيد الإمام (قدس سره) حالةً واحدةً في الدفعيّات، يحكم فيها بجواز التخيير ثبوتاً؛ وهي أن يُفترض غرضٌ مستقلٌّ لكلٍّ من الأقل والأكثر، مع كونهما قابلين للاجتماع الوجودي، وانتفاء مبغوضيّة اجتماعهما عند المولى (وإن لم يكن الجمع بينهما مطلوباً بالاستقلال). ففي هذا الفرض، يشتمل الأقل ـ بما هو أقل ـ على غرضٍ مطلوب، كما يشتمل الأكثر ـ بما هو أكثر ـ على غرضٍ آخر مطلوبٍ أيضاً.

فإذا فُرض تحقّق متعلّق كلا الغرضين في موردٍ واحد، مع إمكان استيفائهما بالفعل وعدم مبغوضيّة اجتماعهما، جاز للمولى حينئذٍ تخيير المكلّف بين تحصيل غرضٍ واحد (بإتيان الأقل)، وبين تحصيل كلا الغرضين (بإتيان الأكثر). إذ لا مانع ثبوتياً هاهنا من تعلّق أمرين بمتعلّقين مختلفين قابلين للجمع بلا محذور. وبناءً عليه، يكون باب الاختيار والتخيير في مقام الجعل والاعتبار مفتوحاً أمام المولى بلا ريب.

مقارنة بين مسلكي السيد الإمام والمحقق الأصفهاني

إنّ تحليل السيد الإمام في الدفعيّات، يلتقي في روحه وجوهره الثبوتي مع ما قرّره المحقق الأصفهاني في باب تعدّد الغرض. إذ كلاهما يذهبان إلى أنّ فرض وحدة الغرض يستلزم كون التكليف بالزائد على الأقل لغواً وبلا ملاك، وبالتالي ممتنعاً. وفي المقابل، إذا تعدّد الغرض وكان الغرضان قابلين للجمع وجوداً وغير مبغوضين اجتماعاً، فإنّ التكليف بكلا المتعلّقين ـ وبالتالي التخيير بينهما ـ يغدو أمراً ممكن التصوير ثبوتاً.

إلّا أنّ الفارق المنهجي يكمن في الآتي: فالمحقق الأصفهاني يعالج المسألة عبر بوابة «التشكيك في الجامع»، نافياً جريانه في الاعتباريات، لينتهي إلى الاستحالة في فرض الوحدة، والإمكان في فرض التعدّد. بينما يرتكز السيد الإمام بشكلٍ رئيس على «محطّ تعلّق الأمر» في الذهن، مشدّداً على أنّ جعل التكليف على الزائد ـ متى ما حُصّل الغرض بالأقل اللابشرط ـ لغوٌ وفاقدٌ للملاك.

ولكنّه (قدس سره) في الدفعيّات خاصّةً، سلّم بجواز التخيير في صورةٍ واضحة المعالم، وهي تعدّد الغرض، مع عدم التزاحم، وعدم مبغوضية الجمع. وعليه، فإنّ مدار الإمكان والاستحالة في التخيير بين الأقل والأكثر ـ سواء في التدريجيّات أو الدفعيّات ـ يدور عند السيد الإمام حول كيفيّة نسبة المتعلّقين إلى الغرض أو الأغراض المولويّة؛ مع امتياز الدفعيّات بوجودِ نافذةٍ صريحةٍ للإمكان في الفرض المذكور.

التقييم والمقارنة النهائيّة لمبنى السيد الإمام

بعد استيفاء الكلام حول مبنى السيد الإمام الخميني (قدس سره) في «مناهج الأصول»، يجدر بنا عقد مقارنةٍ تحليليّةٍ بين هذا المبنى، وبين ما اختاره (قدس سره) في بحث «الواجب التخييري في المتباينات».

مبناه في الواجب التخييري في المتباينات

ففي التحليل الثبوتي للواجب التخييري في المتباينات (كخصال الكفّارة)، صرّح السيد الإمام بأنّ حقيقة هذا الواجب لا ينبغي أن تُفسّر وتُدار على محور الأغراض والملاكات. بل إنّ هيكله الثبوتي قائمٌ تماماً على الاعتبار، وعلى أساس تعدّد البعث والإرادة والمتعلّق. فليس لدينا ـ بحسب نظره ـ إرادةٌ واحدةٌ مردّدة أو وجوبٌ واحدٌ مردّد، بل نحن بإزاء بعوثٍ مستقلّة، وإراداتٍ متعدّدة، ومتعلّقاتٍ معيّنة. وإنّ قوام «التخيير» هاهنا ليس إلا كلمة «أو» الناظرة إلى مقام الامتثال، لا إلى اختلافٍ في سنخ الوجوب والإرادة.

فمثلاً في خصال الكفّارة، يتعلّق وجوبٌ بـ «عتق رقبة»، ووجوبٌ آخر بـ «إطعام ستين مسكيناً»، وثالثٌ بـ «صيام شهرين متتابعين». ويقول المولى في مقام الامتثال: «أعتق أو أطعم أو صُم». ووفقاً لهذا التحليل، نكون في غنىً تامٍ عن تتبّع أغراض كلّ خصلةٍ وملاكاتها؛ إذ حقيقة الواجب التخييري تتجلّى وتتقوّم في ساحتَي الجعل والاعتبار، بمعزلٍ عن ساحتَي الملاك والغرض.

المنهج المغاير في بحث الأقلّ والأكثر

وفي المقابل، نجد السيد الإمام (قدس سره) في بحث التخيير بين الأقلّ والأكثر، قد أدار رحى تحليله صراحةً على محور وحدة الغرض وتعدّده. ففي فرض وحدة الغرض (سواء في التدريجيّات أو الدفعيّات)، حكم بعدم معقولية التخيير ثبوتاً، مستنداً إلى أنّه لو تحصّل الغرض بالأقل اللابشرط، لكان جعل التكليف بالنسبة إلى الزائد «إيجاباً بلا ملاك» ولغواً. وأمّا في فرض تعدّد الغرض، فقد حصر الإمكان الثبوتي للتخيير فيما لو كان الغرضان قابلين للجمع وجوداً، وغير مبغوضين اجتماعاً عند المولى. وبهذا، تكون نقطة الثقل في تحليله هاهنا هي الأغراض والملاكات المولويّة، لا الهيكل الذاتي للجعل والاعتبار.

إمكان تعميم المنهج الاعتباري للأقلّ والأكثر

ويبدو ـ تأسيساً على نفس المنهج الذي تبنّاه السيد الإمام في تحليل الواجب التخييري في المتباينات ـ أنّه كان بالإمكان صياغة التصوير الثبوتي لمسألة الأقلّ والأكثر أيضاً، بمعزلٍ عن الارتكاز الأساسي على وحدة الغرض وتعدّده. وتقرير ذلك أنّه بوسع المولى في عالم الاعتبار أن يُنشئ جعلين مستقلّين: ١- جعل وجوبٍ بالنسبة إلى عنوان «الأقلّ»؛ ٢- وجوبٍ آخر بالنسبة إلى عنوان «الأكثر بما هو أكثر». ثمّ يقول في مقام الامتثال، مستعيناً بكلمة «أو»: «إن أتيتَ بالأقلّ، فقد تحقّق مطلوبي. وإن أتيتَ بالأكثر ـ بهذا العنوان المستقلّ ـ فقد تحقّق مطلوبي أيضاً».

وفي هذا التصوير، يغدو «الأقلّ» و«الأكثر» عنوانين اعتباريين مستقلّين، يترتّب عليهما وجوبان وإرادتان، وينحصر التخيير في مرحلة الامتثال فحسب. وذلك من دون أن نُلزم أنفسنا مسبقاً بتنظيم البحث على مدار وحدة الغرض أو تعدّده، ومسائل التزاحم ومبغوضيّة الجمع.

الشاهد العرفي: التخيير بين الأقلّ والأكثر في المحاورات العقلائيّة

ومن زاوية الارتكاز العرفي، فإنّ التخيير بين الأقلّ والأكثر أمرٌ مستساغٌ ومقبولٌ تماماً. إذ يشيع في محاورات العقلاء نظائر قولهم: «إمّا أن تأتي يوماً واحداً، وإمّا ثلاثة أيام»، أو «إمّا أن تتمرّن يوماً، وإمّا ثلاثة». فالعرف لا يستشعر في مثل هذه التعبيرات أيّ استحالة، بل يدرك بوضوحٍ وجودَ تكليفين أو توصيتين اعتباريتين مستقلتين، وأنّ المخاطَب مخيّرٌ بين متعلّقين متغايرين، سواء كانا متباينين ذاتاً، أو متفاوتين بالقلّة والكثرة الكمّيّة.

وتأسيساً على هذا، لو جعل الشارع «الأكثر» متعلّقاً مستقلاً للوجوب، فلا ضرورة لحمل التحليل على أنّ «حصول الأقلّ في ضمن الأكثر يوجب استيفاء الغرض، فتكون الزيادة تحصيلاً للحاصل». لأنّ المعيار في عالم التشريع هو كيفيّة جعل الشارع، وعلى أيّ عنوانٍ وكيف طبّق غرضه التشريعي. وليس المعيار مجرّد الواقع التكويني القاضي بحصول الطبيعة بأدنى مراتب الوجود، واعتبار المراتب اللاحقة تحصيلاً للحاصل تكويناً.

نقطة الالتقاء والخطوة المتقدّمة

وخلاصة القول أنّ كلاً من السيد الإمام والمحقق الأصفهاني يلتقيان في نقطةٍ جوهرية، وهي أنّه حيثما أمكن تصوير غرضين مستقلين للأقلّ والأكثر، وانتفى التزاحم ومبغوضيّة الجمع في مقام الوجود، فإنّهما يحكمان بالإمكان والمعقولية الثبوتية للتخيير بينهما. غاية الأمر أنّ السيد الإمام قد صرّح بقيد «عدم التزاحم وعدم المبغوضيّة»، وهو قيدٌ سديدٌ وواضح المعقولية.

إلّا أنّ الخطوة التي يمكن أن نخطوها أبعد من ذلك، هي القول بأنّه حتّى في فرض «وحدة الغرض»، لو أبقينا التحليل في مستوى الاعتبار المحض، وغضضنا الطرف عن الاستحالات الفلسفية من قبيل تحصيل الحاصل والتشكيك في الجامع الانتزاعي، لكان تصوير التخيير بين الأقلّ والأكثر في مقام الجعل أمراً ممكناً ثبوتاً. إذ بوسع المولى أن يعتبر: «أنّك إن أتيتَ بالفعل مرةً واحدة فقد تحصّل غرضي، وإن أتيتَ به ثلاثاً فقد تحصّل نفس الغرض أيضاً»، منطبقاً بذلك غرضه على كلا العنوانين.

ففي هذا التحليل، الكلمة الفصل هي «اعتبار الشارع»، لا للقول التكويني بأنّ «الطبيعة قد تحقّقت بالمرّة الأولى، فالمرّات اللاحقة تحصيلٌ للحاصل». فهذا المنطق التكويني ليس حاكماً بالضرورة في ساحة الاعتبار.

نموذجٌ لدور الاعتبار الشرعي في تعيين الوحدة والكثرة

وتأكيداً لهذا المنهج، يمكن الاستشهاد بأمثلةٍ فقهيةٍ من قبيل الطواف. حيث قرّر الشارع أنّ: «الأشواط السبعة للطواف تشكّل عملاً اعتبارياً واحداً». فلو أتى المكلف بستة أشواط ونصف، قيل له: «لا يُجزئ، وهو كالعدم». ففي هذا المورد، لم تكن الوحدة والكثرة للعمل تابعةً لمجرّد الامتداد التكويني للحركة الدائرية، بل كانت رهناً باعتبار الشارع. فهو الذي جعل السبعة أشواط «واحداً اعتبارياً»، وعدّ ما زاد أو نقص عنها فاقداً لتلك الهوية الاعتبارية.

وقياساً على ذلك في بحث الأقل والأكثر، يمكن إناطة الملاك بكيفية الجعل والاعتبار، وتصوير التخيير بين عنواني «الأقل» و«الأكثر» الاعتباريين، سواءٌ انطبق غرضٌ واحدٌ على كليهما، أم تعدّدت الأغراض. شريطةَ التحرّز عن سحب القواعد الفلسفية ـ كالتشكيك وتحصيل الحاصل ـ بلا ضابطة، وإقحامها في ساحتَي التشريع والاعتبار.

صفوة القول في النتيجة المختارة

وخلاصة ما ينتهي إليه البحث أنّ مبنى السيّد الإمام والمحقّق الأصفهاني يتطابقان في القبول بالإمكان الثبوتي للتخيير بين الأقلّ والأكثر، في فرض تعدّد الغرض وانتفاء التزاحم ومبغوضيّة الجمع. بيد أنّه، وتأسيساً على نفس الأصول المنهجيّة التي شيّد عليها السيّد الإمام تحليله للواجب التخييري في المتباينات، يسعنا القول بأنّ التخيير بين الأقلّ والأكثر قابلٌ للتصوير التامّ في مستوى الجعل والاعتبار أيضاً. وذلك بأن ينشئ الشارع وجوبين مستقلّين على عنواني «الأقلّ» و«الأكثر»، ثم يخيّر المكلّف بين هذين المتعلّقين الاعتباريين في مقام الامتثال عبر أداة «أو»، سواءٌ فُرض انطباق غرضٍ واحدٍ على كليهما، أم تعدّدت الأغراض. فالميزان النهائي والكلمة الفصل هاهنا، هي لـ «اعتبار الشارع» وكيفيّة جعله، لا لمقولات التشكيك وشبهة تحصيل الحاصل في وعاء التكوين.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

--------------------------
[1]- ‏خمینی، روح الله، «مناهج الوصول إلى علم الأصول‏»، ج 2، ص 88-91.
[2]- ‏بروجردی، حسین، «لمحات الأصول»، با روح الله خمینی، ص 187-189.

----------------------------
المصادر
- بروجردی، حسین، لمحات الأصول، روح الله خمینی، قم، مؤسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی (قدس سره)، 1379.
- خمینی، روح الله، مناهج الوصول إلى علم الأصول‏، ۲ ج، قم، موسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني( ره)، 1415.



الملصقات :

التدريجيات الأقل والأكثر الواجب التعييني الواجب التخييري وحدة الغرض تعدّد الغرض التخيير الثبوتي التشكيك في الوجود الاعتباريّات الدفعيّات الأقلّ لا بشرط الأقلّ بشرط لا الأقلّ بشرط شيء

نظری ثبت نشده است .