درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/٩/٣٠


شماره جلسه : ۴۹

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • تحليل الأساس في كلام الآخوند ببيان المحقق الأصفهاني

  • الجهة الأولى: فردية الأقل والأكثر بالنسبة إلى طبيعة المأمور به

  • الجهة الثانية: حيثية الغرض وموضوعية الأقل والأكثر لغرض المولى

  • دراسة مبنى التشكيك في تحليل فردية الأكثر

  • جواب المحقق الأصفهاني عن إشكال «تحقق الفرد بالأقل» بناء على قانون التشخص

  • التفكيك بين التشخص والامتياز

  • محدودية فاعلية التشكيك الوجودي في بحث التخيير بين الأقل والأكثر

  • محدودية فاعلية التشكيك الوجودي في بحث التخيير بين الأقل والأكثر الشرعي

  • عدم جريان التشكيك في الاعتباريات

  • وضع الأمور الانتزاعية: التبعية لمنشأ الانتزاع

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

مُحصّل البحث المتقدّم

دار بحث الجلسة السابقة حول إمكان أو استحالة التخيير بين «الأقل والأكثر» في الواجب التخييري، ومقارنة آراء الآخوند الخراساني، والمحقق الأصفهاني، والميرزا النائيني. والإشكال الأولي هو: لو كان المكلف مخيراً بين الأقل والأكثر، فبمجرد إتيان الأقل يحصل غرض المولى ويتحقق الامتثال. وعليه، فالأجزاء الزائدة في الأكثر، إما أنها لا دور لها في الغرض أصلاً، وإما أنه مع تحقق الأقل قد استوفي الغرض، فيكون جعل التخيير بينهما لغواً. وقد فصل المحقق الأصفهاني هذه الاستحالة في محورين: 1- في الأقل والأكثر التدريجي (كالتسبيحات الثلاث)، بما أن الغرض يحصل بالتسبيحة الأولى، فجعل «الثلاث» عدلاً ثانياً يعني طلب تحصيل نفس ذلك الواجب مجدداً، وهو مستلزم لتحصيل الحاصل. 2- وفي الأقل والأكثر الدفعي (كخطي الـ ١٠ والـ ٣٠ سم)، المقدار الزائد هو مما «يجوز تركه لا إلى بدل»، ومثل هذا لا يمكن أن يكون فرداً للواجب؛ إذ لا يعقل تصوير واجب يجوز تركه مطلقاً وبلا بدل. وأجاب الآخوند عن الاستحالة بقوله: لو فرضنا أن الأقل المنفرد محصل للغرض في فرضه، وأن خصوص «الأكثر بما هو أكثر» محصل للغرض في فرضه أيضاً - بنحو «لجميع أجزائه دخل في حصوله» -؛ فلدينا عدلان مستقلان لتحصيل الغرض: «الأقل بشرط لا» و«الأكثر بما هو أكثر». وحينئذ، تخصيص الوجوب بأحدهما ترجيح بلا مرجح، فيتعين التخيير بينهما. والأقل المندرج في ضمن الأكثر، ليس طرفاً للتخيير في هذا التحليل ليرد عليه إشكال تحصيل الحاصل أو الزائد على الواجب. واستدرك الآخوند في الختام: لو لم يكن للزائد دخل في الغرض واقعاً، فالأكثر ليس عدلاً للواجب، بل هو اجتماع واجب وغير واجب، وهو خارج عن محل البحث. وجمع المحقق النائيني المسألة بأن التخيير بين الأقل والأكثر مع لحاظ «الأقل لا بشرط» غير معقول. أما لو لوحظ الأقل «بشرط لا»، فالتخيير ممكن ثبوتاً، وإن كان التخيير حينئذ حقيقة بين عنوانين متباينين («الشيء بشرط لا» و«الشيء بشرط شيء») ويخرج عن القالب العرفي لـ «التخيير بين الأقل والأكثر».

تحليل الأساس في كلام الآخوند ببيان المحقق الأصفهاني

بعد تقرير إشكال استحالة التخيير بين الأقل والأكثر، يصرح المحقق الأصفهاني (أعلى الله مقامه) في «نهاية الدراية» بأن حل هذا الإشكال يستدعي الالتفات إلى جهتين مستقلتين:[1]

لا يخفى عليك أنّ حلّ الإشكال: تارة يكون بلحاظ فردية الأكثر كالأقل للطبيعة، و اخرى يكون بلحاظ ترتّب الغرض على الأقلّ بشرط لا، و على الأكثر.

وبناء على ذلك، ينظم بحثه في محورين: ١- البحث عن فردية الأقل والأكثر بالنسبة إلى طبيعة المأمور به. ٢- البحث عن موضوعية الأقل والأكثر لغرض المولى. أي إما أن يقال: إن «الأكثر» أيضاً، كالأقل تماماً، فرد مستقل للماهية، ليس مجرد «أقل مضافاً إليه زائد»، بل هو وجود واحد منسجم، ولكن في مرتبة أشد وأقوى. وإما أن يبتني الحل على محور الشرط (الأقل بشرط لا والأقل بشرط شيء)، وهو ما يرتبط أكثر بالجهة الثانية (حيثية الغرض). وسيلي بيان كلا الحيثيتين بشكل مستقل.

الجهة الأولى: فردية الأقل والأكثر بالنسبة إلى طبيعة المأمور به

في الجهة الأولى، ينصب البحث صِرفاً على طبيعة المأمور به وأفراده، بمعزل عن بحث الغرض والملاك. ويؤكد المحقق الأصفهاني أنه لا ريب في كون الأقل فرداً لطبيعة المأمور به. فمفروض المسألة أن المولى جعل طبيعة ما مأموراً بها، ولهذه الطبيعة أفراد متعددة. أحد هذه الأفراد هو الأقل. وفي مقام التخيير بين الأقل والأكثر، تتصور المسألة كالتالي: أحد أفراد الطبيعة المأمور بها هو الأقل. والفرد الآخر هو الأكثر، الذي يتضمن الأقل حقيقة. وهنا يبرز الإشكال: عندما يأتي المكلف بالأكثر، فلازم ذلك تحقق الأقل في ضمنه أيضاً. ففي هذا الفرض، كيف يمكن تجاهل فردية الأقل الواقع في ضمن الأكثر، وفي الوقت ذاته إثبات عنوان «فرد للطبيعة المأمور بها» لنفس «الأكثر»؟

وبعبارة أخرى، السؤال هو: كيف يمكن لطبيعة المأمور به أن تمتلك فردين مستقلين، والحال أن أحدهما (الأكثر) يشتمل عينياً على الآخر (الأقل)؟ فلو لوحظ الأقل في ظرف تحقق الأكثر كفرد للطبيعة، لم يبق مجال لإثبات فردية مستقلة للأكثر. ولو أسقطت فردية الأقل في ضمن الأكثر بنحو ما، فهذا الإسقاط بحاجة إلى مبنى واضح. وفي هذا المحور، يسعى المحقق الأصفهاني لإثبات أن دفاع الآخوند الخراساني - القائم على تحليل «الأقل بشرط لا» و«الأكثر بما هو أكثر» - إذا نظر إليه من زاوية الفردية والتشخص فحسب، لا يستغني عن مبانٍ فلسفية خاصة (كالتشكيك في الوجود). وهذه النكتة هي التي تقوده إلى طرح مباحث حول التشخص والتشكيك الوجودي.

الجهة الثانية: حيثية الغرض وموضوعية الأقل والأكثر لغرض المولى

في الجهة الثانية، يتناول المحقق الأصفهاني المسألة من زاوية غرض المولى. ولب هذه الجهة هو أنه كما يمكن للأقل بما هو أقل أن يقع موضوعاً للغرض، فكذلك الأكثر بما هو أكثر يمكن أن يقع موضوعاً للغرض بشكل مستقل. وإذا دققنا النظر في مجموع عبارة الآخوند في الكفاية، يتضح أنه وإن كان اللسان الظاهر لكلامه يدور في فلك الغرض، إلا أن حيثية فردية الأقل والأكثر مفترضة أيضاً في خلفية تحليله. بمعنى أنه في الوقت الذي يرى فيه كلاً من الأقل والأكثر محصلاً مستقلاً للغرض، يعتبرهما فردين لطبيعة المأمور به أيضاً.

يقول الآخوند: كما أن «الأقل بشرط لا» يمكن أن يكون موضوعاً لغرض المولى، فكذلك عنوان «الأقل بشرط شيء» - الذي هو نفس الأكثر بما هو أكثر - يمكن أن يقع مورداً للغرض مباشرة. وفي هذه الحالة، يكون كل واحد من هذين العنوانين طريقاً مستقلاً لتحصيل الغرض، فلا مشكلة في أصل تصوير التخيير من حيث الغرض. ولتقريب هذه الحيثية، يتمسك المحقق الأصفهاني بمثال الخط القصير والخط الطويل أيضاً. فیقول: «هذا الخط القصير خط»، وكذا «هذا الخط الطويل خط»؛ والحال أن الخط الطويل يشتمل عينياً على نفس ذلك الخط القصير. والسؤال الجوهري هنا له بعدان:

١- من حيث الفردية: هل الخط القصير والخط الطويل فردان متمايزان حقيقة لطبيعة «الخط»، أم أنه فرد واحد لوحظ تارة باعتبار كونه قصيراً وتارة باعتبار كونه طويلاً؟

٢- من حيث الغرض: هل يمكن اعتبار ترتب غرض المولى تارة على «الخط القصير بما هو قصير» وتارة على «الخط الطويل بما هو طويل»، بنحو يكون كل منهما محصلاً مستقلاً للغرض؟

ويسعى المحقق الأصفهاني، عبر التفكيك الدقيق بين هاتين الحيثيتين (الفردية والغرض)، لإثبات أن جواب الآخوند إذا اعتمد على تحليل الغرض وحده، فسيظل يواجه إشكالاً ما لم تحل مسألة الفردية مبنائياً. وإذا حلل من زاوية الفردية والتشخص التكويني الصرف، فإن نقله إلى الساحة الاعتبارية للواجب الشرعي يستدعي دقة أكبر.

دراسة مبنى التشكيك في تحليل فردية الأكثر

بعد طرح الجهتين في حل إشكال التخيير بين الأقل والأكثر، يحاول المحقق الأصفهاني (أعلى الله مقامه) الكشف عن البنية التحتية الفلسفية لتحليل الآخوند الخراساني. ومقصوده بيان أن كلام الآخوند - القائم على تحليل «الأقل بشرط لا» و«الأكثر بما هو أكثر» - سواء قيس من حيث الفردية، أم من حيث الغرض والموضوعية للغرض؛ ففي كلا الحيثين، تبقى الإشكالات قائمة واستحالة التخيير بين الأقل والأكثر لا ترتفع بسهولة، من دون الالتزام بمبان فلسفية خاصة (ولا سيما التشكيك في الوجود) ومن دون التفكيك بين التكوين والتشريع.

دورُ التشكيك الوجودي في فرديَّة الأقل والأكثر

يقول المحقِّق الأصفهاني في مقام تحليل الجهة الأولى (الفرديَّة):

فإن كان بلحاظ فردية الأكثر كالأقلّ للطبيعة، كما يومئ إليه التنظير برسم الخطّ، فلا محالة يبتني على التشكيك في الماهية أو في وجودها، و الأكثر حينئذ فرد للطبيعة كالأقلّ‌.

وتقريب المطلب: لو أردنا ابتناء حلِّ الإشكال - كما أشار الآخوند بمثال «رسم الخط القصير والطويل» - على أنَّ «الأكثر» أيضاً، كالأقل تماماً، فردٌ للطبيعة، وليس مجرَّد «أقلّ مضافاً إليه زائد»؛ فلا مناص من قَبول نوعٍ من التشكيك في البين. وهذا التشكيك إمَّا أن يُفترض في الماهيَّة، وإمَّا في الوجود. فالتشكيك في الماهيَّة (بمعنى أن تكون الماهيَّة الواحدة ذات مراتب شدَّة وضعف) ليس خالياً من الإشكال على مبنى مشهور الحكماء، وغالباً ما ينكرونه. أمَّا التشكيك في الوجود، فهو أمرٌ مقبولٌ بناءً على المبنى الصدرائي.

فالوجود حقيقةٌ مشكَّكة، ذات مراتب شديدة وضعيفة؛ وبإمكان الطبيعة الواحدة أن تجد لها أفراداً متنوِّعة في مراتب وجوديَّة مختلفة. وبناء على هذا، فإن «الأقل» يمثل مرتبة أضعف من وجود طبيعة «الخط». و«الأكثر» هو نفس طبيعة الخط في مرتبة أشد وأكمل من الوجود. ومن هنا، يمكن اعتبارهما فردين حقيقيين متمايزين لطبيعة الخط؛ تماماً كما في مثال النور، حيث نور الشمعة ونور الشمس كلاهما «نور». فنور الشمس ليس مركباً من «نور الشمعة مضافاً إليه شيء آخر»، بل هو نفس حقيقة النور في مرتبة أشد. فالاختلاف هنا يكمن في مراتب وجود الحقيقة الواحدة، لا في أصل الماهية. وكما عبر المحقق الأصفهاني: «... والأكثر حينئذٍ فردٌ للطبيعة كالأقلّ»؛ أي إذا قبلنا التشكيك، فكما أن الأقل فرد للطبيعة، سيكون الأكثر أيضاً فرداً آخر لنفس تلك الطبيعة، وإن كان مشتملاً على الأقل.

أما لو رفض أحد التشكيك في الوجود، أو لم يقبل على الأقل جريانه في حوزة الاعتباريات الشرعية - التي هي سنخ بحثنا -، فلن يملك مبنىً لاعتبار «الأكثر بما هو أكثر»، رغم تضمنه للأقل، فرداً متمايزاً لطبيعة المأمور به. ومن هنا يرمي المحقق الأصفهاني إلى القول: إذا كان دفاع الآخوند عن التخيير بين الأقل والأكثر، من حيث الفردية، مبتنياً على نظرية التشكيك في الوجود؛ فأولاً: هذا المبنى محل بحث ومناقشة فلسفية. وثانياً: سرايته إلى عالم الاعتباريات الشرعية وطبيعة المأمور به، تفتقر بذاتها إلى دليل مستقل لم يقدمه الآخوند.

جواب المحقق الأصفهاني عن إشكال «تحقق الفرد بالأقل» بناء على قانون التشخص

يبتني أحد الإشكالات الفلسفية المطروحة في المقام على القاعدة المعروفة «الشيء ما لم يتشخص لم يوجد» و«الوجود مساوق للتشخص». وتقرير الإشكال أنه بتحقق الأقل، تكون طبيعة المأمور به قد وجدت وتشخصت؛ أي أنه بواسطة هذا الأقل، قد تحقق قطعاً فرد للطبيعة. فلو قيل في فرض تحقق الأكثر: «إن فرد الأقل لم يعد يلحظ هنا كفرد للطبيعة»، لكان ذلك منافياً ظاهراً لقاعدة «الشيء ما لم يتشخص لم يوجد». وقد نقل المحقق الأصفهاني هذا الإشكال بقوله:

و لا يرد عليه: أن الشيء ما لم يتشخّص لم يوجد، و وجود الطبيعة مما لا شك فيه، فكيف يقال: لم يتحقق الفرد؟!

ثم أجاب عنه قائلاً:

و ذلك لأنه لا كلام في وجود الطبيعة متشخّصا، لكنه ما لم يتخلّل العدم بين نحو وجودها يكون الشخص الموجود باقيا على تشخّصه، لا أنه تتبدّل تشخّصاته.

وخلاصة الجواب: ليس النزاع في أصل الوجود المتشخص للطبيعة. فالكل يسلم بأن طبيعة المأمور به تجد وجوداً متشخصاً بتحقق الأقل. إنما السؤال هو: مع امتداد الوجود، وفي فرض عدم تخلل العدم، هل ينشأ تشخص جديد أم يستمر نفس ذلك التشخص الواحد؟ ويرى المحقق الأصفهاني أنه ما لم يتخلل العدم بين أنحاء وجود الطبيعة، فإن الشخص الموجود يبقى على تشخصه الواحد، لا أن التشخصات تتبدل في كل مرحلة.

ولتقريب هذا المعنى، فإن مثال الخط الطويل المتصل في محل البحث يكون كالتالي: منذ اللحظة التي يوضع فيها القلم على الورق ويبدأ رسم الخط، وحتى امتداده إلى طول أكبر (مثلاً من ١٠ سم إلى ٣٠ سم)، إذا لم يتخلل أي توقف أو قطع أو عدم، فلا وجود لدينا طوال هذه العملية إلا لوجود متصل واحد. فالتشخص يتحقق مرة واحدة في البدء ويبقى إلى النهاية، لا أنه ينشأ تشخص جديد عند بلوغ الخط كل مقطع من ١٠ سم. والنتيجة: في الخط المتصل، لدينا فرد واحد متشخص يمتد. ولذا، لو قال قائل: «الأقل في ضمن الأكثر فرد، والأكثر فرد آخر»، فهذا الكلام في المنطق التكويني - مع فرض عدم التشكيك بذلك المعنى - غير تام، إلا بناء على مبنى خاص في التشكيك الوجودي. ومن هنا يعرج المحقق الأصفهاني إلى بحث الفرق بين التشخص والامتياز ودور التشكيك.

التفكيك بين التشخص والامتياز

يقدم المحقق الأصفهاني في سياق هذا الجواب تفكيكاً دقيقاً بين التشخص والامتياز، قائلاً:

فإنّ التشخّص غير الامتياز، و ما هو المتبدّل عند الحركة و الاشتداد امتياز الماهية الموجودة، فإنه ينتزع من كلّ مرتبة معنى لا ينتزع ذلك عن مرتبة اخرى.

و الفرق بين الامتياز و التشخّص ثابت في محلّه ، و الضرورة من الوجدان قاضية - أيضا - بانّ الشيء المتحرّك في مراتب التحوّلات و الاستكمالات موجود واحد لا موجودات، إلا إذا لوحظ الموجود بالعرض، و هي الماهية.

وخلاصة نِقاطه: التشخص، وصف للوجود العيني للشيء باعتبار نفس الوجود. والامتياز، وصف نسبي ومقارن، بالقياس إلى المشاركات في أمر عام. ففي مثال الخط الطويل، يمتاز كل مقطع من ١٠ سم عن المقطع اللاحق. وينتزع من كل مرتبة عنوان (الأول، الثاني، الثالث، ...) لا ينتزع عن المرتبة الأخرى. ولكن تشخص الخط بأسره واحد. فمن البدء إلى الختام، لدينا وجود متشخص واحد، لا وجودات متعددة. ولهذا السبب، يقضي الوجدان أيضاً بأن الشيء المتحرك في مراتب التحول والاستكمال، موجود واحد لا موجودات متعددة، إلا إذا جعلنا الموجود بالعرض (الماهية) محوراً للحاظ.

والنتيجة: أن المعيار في الفردية هو التشخص، لا الامتياز. ففي الخط المتصل، رغم تعدد الامتيازات، ليس لدينا سوى تشخص واحد، وبالتالي فرد حقيقي واحد لطبيعة الخط. ومن هنا، يستنتج المحقق الأصفهاني: لو أراد قائل أن يدعي «كما أن الأقل فرد، فالأكثر أيضاً فرد»، وذلك في مقام التحليل التكويني من دون الالتزام بالتشكيك الوجودي، فكلامه غير تام. لأنه بناء على وحدة التشخص في الامتداد المتصل، لا يمكن استخراج فردين حقيقيين متمايزين للطبيعة من مثال الخط، إلا إذا قبل مبنى التشكيك في الماهية أو الوجود، وأقر بتشخص مستقل لكل مرتبة وجودية.

محدودية فاعلية التشكيك الوجودي في بحث التخيير بين الأقل والأكثر

عقب تحليل إشكال فردية الأقل والأكثر بناء على التشكيك الوجودي، يصرح المحقق الأصفهاني (رضوان الله تعالى عليه) بأن مجرد قبول التشكيك في الوجود لا يكفي وحده لحل معضلة التخيير بين الأقل والأكثر. حيث يقول:

نعم هذا المعنى بمجرّده لا يفيد ما لم يقيّد الأقلّ بعدم انضمامه إلى ما يتقوّم به الأكثر، و ذلك لأنّ الغرض إن كان مترتّبا على وجود الأقلّ و لو متّصلا بوجود ما يتقوّم به الأكثر، فهو حاصل في ضمن الأكثر؛ لأنّ الاشتداد يقتضي حصول فرد للطبيعة في كلّ آن، أو في حال الموافاة لكلّ حدّ من الحدود.

و إن اتّصل الوجود فلا منافاة بين حصول فرد الطبيعة - بما هو فرد للطبيعة - و وجود الطبيعة مستمرّا، و هو - في كلّ آن - فرد للطبيعة بنحو الضعف أو التوسّط أو الشدّة من دون تخلّل العدم، و لا تتبدّل التشخّصات كما يتوهّم.

وخلاصة كلامه: إن التشكيك الوجودي وحده غير كاف. أي إن مجرد الإقرار بأن الوجود حقيقة مشككة ذات مراتب شديدة وضعيفة، لا يحل مشكلة الواجب التخييري في الأقل والأكثر. إلا إذا قيدنا الأقل بقيد «عدم الانضمام». وبعبارة أخرى، لو فرضنا الأقل لا بشرط من حيث انضمام الزائد، فليس فقط أن التشكيك الوجودي لا يحل المشكلة، بل أساساً لا يمكن تصوير تعدد فرد المأمور به والتخيير بين الأقل والأكثر.

ويوضح (قدس سره): إذا كان غرض المولى مترتباً على «وجود الأقل»، ولو كان متصلاً بما يتقوم به الأكثر - أي لو لوحظ الأقل لا بشرط عن الانضمام -، فحينئذ يكون ذلك الغرض حاصلاً في ضمن وجود الأكثر أيضاً. فبناء على التشكيك في الوجود، يحصل للطبيعة فرد في كل «آن» من الامتداد، أو على الأقل عند كل حد معين (مثلاً عند حد الـ ١٠ سم، والـ ٢٠ سم، وهكذا). ومع فرض اتصال الوجود (عدم تخلل العدم بين المراتب)، فإن كون الطبيعة ذات فرد متحقق في كل لحظة، لا ينافي وحدة الوجود المستمر للطبيعة.

إذن، لو ترتب الغرض على نفس وجود الأقل اللا بشرط، لحصل الغرض سواء في حد الأقل المنفرد، أو في ضمن الأكثر. نظراً لأن الطبيعة، في لحظة عبورها حد الأقل، قد وجدت فرداً مطابقاً لتلك المرتبة الضعيفة. والنتيجة: إذا كان الغرض مترتباً على «وجود الأقل بما هو أقل»، فإنه يحصل بإتيان الأكثر أيضاً. ولذا، فإن جعل الأكثر المتضمن للأقل عدلاً مستقلاً، لن يحل مشكلة «تحصيل الحاصل» ولا «عدم دخالة الزوائد في الغرض».

الحل الحتمي: لحاظ الأقل بشرط لا

وبناء على ذلك، يستنتج المحقق الأصفهاني أنه لكي نتمكن من تصوير فردين متمايزين للمأمور به، يجب أخذ الأقل «بشرط لا» عن انضمام ما يتقوم به الأكثر. بمعنى أن الأقل لا يكون فرداً للمأمور به إلا إذا وقع منفرداً ومن دون انضمام الزوائد. أما في حالة انضمام الزوائد، فينتفي عنوان فردية المأمور به عن الأقل، وينتقل هذا الدور إلى «الأكثر بما هو أكثر». وهنا يتضح لماذا يقول (قدس سره): إن مجرد قبول التشكيك في الوجود غير كاف. وكون الطبيعة ذات فرد متحقق في كل «آن»، ما دام الغرض مترتباً على وجود الأقل اللا بشرط، لا يحل معضلة الواجب التخييري بين الأقل والأكثر.

ولذا، لا مناص من ترتيب الغرض على «الأقل بشرط لا»، لكيلا يحصل الغرض بمجرد تحقق الأقل في ضمن الأكثر الذي لزوائده قوام جديد. بل ينحصر حصول الغرض في حالة إتيان الأقل منفرداً ومن دون انضمام الزوائد. وإلا، لعاد الإشكال السابق. بمجرد عبور الوجود حد الأقل، يكون الغرض قد حصل، حتى لو استمر الامتداد وتشكل الأكثر. فيكون جعل التخيير بين الأقل، وبين الأكثر الذي يحصل الغرض في ضمنه أيضاً، لغواً.

محدودية فاعلية التشكيك الوجودي في بحث التخيير بين الأقل والأكثر الشرعي

عقب توظيف أدوات التشكيك الوجودي والتحليلات الفلسفية المتعلقة بالحركة والامتداد في جهتي «الفردية» و«الغرض»، يصرح المحقق الأصفهاني (رضوان الله تعالى عليه) بعدم انطباق هذا الجهاز الفلسفي بشكل مباشر على موارد التخيير الشرعي بين الأقل والأكثر. حيث يقول:

مضافا إلى أنه لا ينطبق على موارد التخيير بين الأقلّ و الأكثر شرعا؛ لأنّ التشكيك في الماهية أو في وجودها غير جار في كلّ المقولات، بل في بعضها، فضلا عن الاعتباريات، بل اختلاف قول الطبيعة في الامور الانتزاعية تابع لمنشا انتزاعها، فان كان يصح في منشئه صحّ فيها، و إلا فلا.

ويوضح الأصفهاني بصراحة: إن ما طُرح حتى الآن في باب التشكيك في الماهية أو الوجود، مستنداً إلى أمثلة الخط والامتداد والحركة، لا ينطبق بنفس تلك الشاكلة على موارد التخيير الشرعي بين الأقل والأكثر. فالمبنى الذي كان فاعلاً في المثال التكويني للخط (القصير والطويل)، ليس قابلاً للتطبيق المباشر في فضاء الواجبات الشرعية والمأمور به بوصفه أمراً اعتبارياً.

انحصار دائرة التشكيك ببعض المقولات، لا جميعها

ويضيف (قدس سره) أن التشكيك في الماهية أو الوجود ليس قاعدة عامة تجري في كافة المقولات الفلسفية، بل يختص ببعض المقولات التكوينية. وبعبارة أخرى، التشكيك في الوجود (أو في الماهية، على قول القائل به)، ليس قانوناً شاملاً لجميع أنحاء الموجودات، بل له دائرة محدودة. وقد تشمل هذه «البعض من المقولات» نماذج كالكيفية والكمية المتصلة (النور، واللون، والخط، والسطح).
عدم جريان التشكيك في الاعتباريات

ويؤكد الأصفهاني بقوله: «فضلاً عن الاعتباريات»؛ أي ليس فقط أن التشكيك لا يجري في جميع المقولات التكوينية، بل في الأمور الاعتبارية لا مجال للتشكيك الوجودي بذلك المعنى الفلسفي أصلاً. لأن الاعتباريات تفتقر إلى وجود حقيقي تكويني ليتصور لها مراتب شدة وضعف في الوجود. فحقيقتها تعود بالكامل إلى جعل ولحاظ المعتبر، لا إلى مراتب واقعية للوجود العيني.

وضع الأمور الانتزاعية: التبعية لمنشأ الانتزاع

ويوضح المحقق الأصفهاني وضع الأمور الانتزاعية أيضاً. ففي العناوين المنتزعة من النسب والروابط، يكون اختلاف «قول الطبيعة» (أي الاختلاف في المراتب أو الأوصاف المنتزعة) تابعاً لمنشأ الانتزاع. فإن كان منشأ الانتزاع (وهو أمر تكويني) يقبل التشكيك أو اختلاف المرتبة، أمكن تصور نحو من اختلاف المرتبة في نفس العنوان الانتزاعي. وإلا، فلا معنى للتشكيك في العنوان الانتزاعي أيضاً. وهكذا، حتى في الأمور الانتزاعية، يعود فهم المراتب واختلاف الشدة والضعف برمته إلى الواقع التكويني للمنشأ، لا إلى نفس العنوان بما هو أمر مستقل.

الخلاصة بالنسبة إلى بحث الواجب التخييري والأقل والأكثر الشرعي

بناء على هذه النكات، يرى المحقق الأصفهاني أنه في التكوينيات (كالخط والحركة الاشتدادية)، يمكن عبر قبول التشكيك في الوجود ولحاظ الأقل «بشرط لا»، تحليل الأقل والأكثر كفردين للطبيعة بصورة فلسفية. أما في الاعتباريات الشرعية (كطبيعة المأمور به في الواجب التخييري، أو طرفي التخيير في الأقل والأكثر الشرعي)، فلا سبيل للتشكيك الوجودي بنفس المعنى. فطبيعة المأمور به حقيقة اعتبارية، والفردية والتشخص فيها تابعان لجعل ولحاظ الشارع والعرف، لا لقواعد التشكيك الوجودي في المقولات التكوينية.

وبالنتيجة، فإن التحليل الذي قدمه الآخوند استناداً إلى مثال الخط القصير والطويل والتشكيك الوجودي، مفيد في حدود تقريب الذهن في الفضاء الفلسفي، إلا أنه في دائرة الواجبات الشرعية والتخيير بين الأقل والأكثر، لا يكفي بحد ذاته، ولا يستطيع وحده رفع الاستحالة التي قررها الأصفهاني نفسه. ولهذا، فإن استحالة التخيير بين الأقل والأكثر في حوزة الواجبات الشرعية، لا ترتفع بمجرد هذا التحليل الصدرائي، وتفتقر في نظره إلى مبنى آخر.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

------------------------------
[1]- ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 273-276.

---------------------------
المصادر
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.



الملصقات :

الأقل والأكثر الواجب التعييني الواجب التخييري الغرض الاعتبار التشكيك التشخص الامتياز الوجود الماهية الانتزاع

نظری ثبت نشده است .