درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/٩/١٦


شماره جلسه : ۴۲

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • محصّلة البحث المتقدّم

  • إمكانُ أو امتناعُ تعلُّق الصفات الحقيقيَّة والاعتباريَّة والبعث بـ «الفرد المردَّد»

  • تطبيقاتُ ومباني «الفرد المردَّد» في الأصول والفقه

  • القائلون بإمكان الفرد المردَّد

  • تقريب مبنى المحقِّق النائيني في تعلُّق إرادة الآمر بـ «الفرد المردَّد المصداقي»

  • مبنى الآخوند الخراساني في إمكان تعلُّق الصفات والأحكام بـ «الفرد المردَّد»

  • رؤيةُ الشيخ الأنصاري في إمكان اعتبار «الفرد المردَّد» في عالم الاعتبارات

  • الدليلُ الأوَّل للمحقِّق الأصفهاني على امتناع وجود «الفرد المردَّد»

  • الدليلُ الثاني للمحقِّق الأصفهاني على امتناع تعلُّق الحكم والعلم بـ «الفرد المردَّد»

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

محصّلة البحث المتقدّم

تمَّ في الجلسة السابقة تسليط الضوء على المَصبّ الحقيقي للنزاع في الواجب التخييري من منظار السيِّد الإمام الخميني (قدس سره). حيث ذهب - خلافاً للمسلك المشهور بين الأصوليِّين - إلى عدم كون الاختلاف في مقام الثبوت للوجوب والإرادة؛ بل يرى وحدة حقيقة الوجوب وسنخ الإرادة في الواجب التعييني والتخييري، وأنَّ التمايز ينحصر في مقام الإثبات ولسان الدليل وكيفيَّة الامتثال. ففي كلا البابين، تقع الأفعال المعيَّنة والمشخَّصة متعلَّقاً للإرادة والوجوب؛ وتمتاز الصورة في الواجب التخييري بوجود أفعالٍ مستقلَّةٍ ينهض كلُّ واحدٍ منها باستقلالٍ لتحصيل الغرض، فيُعلِم الشارعُ المكلَّفَ - عبر أداة التخيير كـ «أو» - بكفاية الامتثال الواحد وعدم لزوم الجمع. وقد شُخِّص المحور الرئيس للتحقيق في مسألة «وحدة أو تعدُّد الوجوب والإرادة». ويبتني التحليل المختار على تعدُّد الإرادات والوجوبات بِعَدَد أطراف التخيير؛ حيث جُعِلَت إرادةٌ تامَّةٌ ووجوبٌ كاملٌ بالنسبة إلى كلِّ طرف، وينحصر دور «أو» في تنظيم كيفيَّة الامتثال. وبناءً عليه، حُكِم باللامعقوليَّة الثبوتيَّة لتعلُّق الوجوب بـ «الفرد المردَّد» وكذا لفرض الإرادة الواحدة ذات المتعلَّق المُبهَم؛ وأُحيلت مسألة «تعلُّق التكليف بالفرد المردَّد» لتُبحث كمسألةٍ مستقلَّةٍ وسيّالةٍ في الفقه والأصول. وتلا ذلك نقدُ مبنى المحقِّق النائيني - القائم على إمكان تعلُّق إرادة الآمر بالفرد المردَّد -؛ إذ بُيِّن عدم تماميَّة التفكيك بين إرادة الآمر والفاعل من حيث لزوم تعيُّن المتعلَّق، وافتقار إرادة الآمر أيضاً إلى متعلَّقٍ مشخَّصٍ لتقوُّمها بإيجاد الداعي. كما نُوقش مسلك المحقِّق الخوئي في تعلُّق الوجوب بـ «الجامع الانتزاعي» وعنوان «أحدِهما»؛ سواء من جهة عدم العرفيَّة في جعل الجامع الانتزاعي متعلَّقاً للتكليف، أم من جهة صعوبة تصوير الملاك والغرض في مثل هذا المفهوم. وخُلِصَ في الختام - تأكيداً على مختار السيِّد الإمام الخميني بأجنبيَّة مباحث الأغراض والملاكات وقاعدة الواحد عن مَصبِّ تقسيم الواجب - إلى أنَّ الواجب التخييري لا يملك حقيقةً متمايزةً عن الواجب التعييني، إلَّا في مقام الامتثال وكيفيَّة امتثال القانون.

إمكانُ أو امتناعُ تعلُّق الصفات الحقيقيَّة والاعتباريَّة والبعث بـ «الفرد المردَّد»

يُعَدُّ البحث حول «الفرد المردَّد» - وهل يمكن عروض الصفات الحقيقيَّة (كالعلم والإرادة)، والصفات الاعتباريَّة (كالوجوب والملكيَّة)، وكذا البعث والتكليف، على مثل هذا العنوان أم لا؟ - من المباحث المفتاحيَّة والهامَّة في علمَي الأصول والفقه. فالتحليل الثبوتي للواجب التخييري، وتقرير العلم الإجمالي بتعلُّقه بـ «أحد الأطراف»، وما شابه ذلك، كلّها تبتني بنحوٍ ما على هذه المسألة. ومن جانبٍ آخر، في فقه المعاملات والإيقاعات، ترتهن صحَّة أو بطلان موارد عديدة بإمكان أو امتناع تعلُّق الاعتبار والحكم بالفرد المردَّد. ومن هنا، قبل الخوض في نقد وتحليل الآراء، يلزم تنقيح الإطار الثبوتي لإمكان أو امتناع تعلُّق أمثال هذه الصفات بالفرد المردَّد.

تطبيقاتُ ومباني «الفرد المردَّد» في الأصول والفقه

تشكِّل مسألة «الفرد المردَّد» محوراً رئيساً يحضر في موارد متعدِّدة ومتنوِّعة في علمَي الأصول والفقه، ولا يمكن عدُّها مجرَّد بحثٍ ذهنيٍّ أو هامشي. وتُطرح هذه المسألة - صراحةً أو ضمنيّاً - في ثلاثة مواطن أصوليَّةٍ هامَّة على الأقل:

۱. في الواجب التخييري: في مقام التصوير الثبوتي للواجب التخييري، يبتني أحد التقريرات المعروفة - ولا سيَّما في مسلك المحقِّق النائيني - على أنَّ إرادة الآمر قابلةٌ للتعلُّق بـ «الفرد المردَّد المصداقي»؛ أي أنَّ المولى قد أراد «أحدَ الفعلين» في الخارج. وهذا التقرير يتوقَّف بصراحةٍ على قَبول نحوٍ من المعقوليَّة لـ «الفرد المردَّد» في حقل الاعتبارات.

۲. في باب العلم الإجمالي: في تحليل تعلُّق العلم بـ «أحد الأطراف»، تستخدم كثيرٌ من التقريرات تعابيرَ يوحي ظاهرها بقبول نحوٍ من «الفرد المردَّد»؛ بمعنى أنَّ «المعلومَ بالإجمال» هو نفس «أحد الأطراف» في الخارج، لا مجرَّد مفهوم «أحدهما» في الذهن. ورغم أنَّ بعض الأصوليِّين - كالمحقِّق الخوئي - عدُّوا هذا المعلوم بالإجمال «عنواناً انتزاعيّاً» في النفس، إلَّا أنَّ قسماً من النظريَّات المطروحة يستند - على الأقل - إلى نحوٍ خاصٍّ من ارتباط العلم بالفرد المردَّد، ممَّا يستدعي تنقيحاً مبنائيّاً.

۳. في بحث استصحاب الفرد المردَّد: في ذيل مباحث استصحاب الكلي من القسم الثاني، يُطرَح في الكتب الأصوليَّة قسمٌ مستقلٌّ بعنوان «استصحاب الفرد المردَّد»؛ حيث يُبحَث عمَّا إذا كان بالإمكان - عبر الاستصحاب - إحرازُ بقاء فردٍ لُحِظَ منذ البداية بنحوٍ مردَّدٍ بين فردين أم لا، وهل يجب إدراج هذا القسم ضمن الكلي من القسم الثاني أم تمييزه عنه. وقد وقع هذا المحور محلاًّ للبحث التفصيلي في أبواب الاستصحاب، وهو يعود بنا مرَّةً أخرى إلى جذور مسألة الفرد المردَّد.

الثمراتُ الفقهيَّة لمسألة الفرد المردَّد

وفي الفقه أيضاً، تترتَّب ثمراتٌ وفيرةٌ على قَبول أو ردِّ «الفرد المردَّد». ونشير هنا إلى بعضها:

۱. بيع أحد المالين ونظائره: في باب البيع، تقع موارد محلَّ الابتلاء؛ كأن يكون لدى الشخص سجَّادتان فيقول: «بِعتُكَ واحدةً من هاتين السجَّادتين»، بنحوٍ مردَّدٍ وغير معيَّن. وهذه الصورة نفسها قابلةٌ للتصوير في الهبة والوصيَّة؛ ففي الهبة مثلاً: «وهبتُ لك إحدى هاتين السجَّادتين»؛ وفي الوصيَّة: «إحدى هاتين السجَّادتين لفلان بعد موتي». فلو قُبِلَ أصلُ إمكانيَّة تعلُّق الملكيَّة بالفرد المردَّد - كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري في «المكاسب» - لكانت أمثال هذه المعاملات والإيقاعات خاليةً من الإشكال من حيث أصل تحقُّق الملكيَّة؛ وإن كان تعيين المصداق يفتقر إلى مرجِّحاتٍ أخرى.

٢. النكاح والطلاق بنحو الترديد: في المعاملات بالمعنى الأعم، وخصوصاً في باب النكاح والطلاق، يمكن افتراض أمثلةٍ واضحةٍ لهذا البحث. ففي الطلاق، لو قال رجل: «إحدى زوجاتي الأربع طالق»، وأنشأ الطلاق بالنسبة إلى واحدةٍ من الزوجات الأربع بنحوٍ مردَّد؛ فبناءً على إنكار إمكانيَّة الفرد المردَّد، يقع مثل هذا الطلاق باطلاً. أمَّا لو قُلنا بمعقوليَّة الفرد المردَّد في الاعتباريَّات، فإنَّ أصل وقوع الطلاق يكون صحيحاً، وإن كان تعيينُ المطلَّقة منهنَّ يستدعي مرجِّحاً خارجيّاً (كالقرعة). وفي النكاح، تُعَدُّ الآية الشريفة ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾[1] مشابهةً لهذا البحث من جهةٍ ما؛ وإن كان التفسير الدقيق لمفاد الآية ونسبته إلى تحقُّق الزوجيَّة، يتطلَّب مباحث خاصَّةً في فقه النكاح، ولا يمكن عدُّها عين الفرد المردَّد من دون تفصيل.

وبهذا يتَّضح أنَّ مسألة الفرد المردَّد تحضرُ حضوراً جدِّيّاً سواء في الأصول (على الأقل في المواطن الثلاثة الهامَّة المذكورة) أو في الفقه (البيع، الهبة، الوصيَّة، النكاح، الطلاق، الوقف وما شاكلها)؛ وأنَّ اتِّخاذ المبنى فيها له تأثيرٌ مباشرٌ في حلِّ الكثير من الفروعات.

القائلون بإمكان الفرد المردَّد

في قبال من يرون «الفرد المردَّد» محال التصوُّر والتحقُّق من الأساس، ثمَّةَ تيَّارٌ معتبَرٌ من أعلام الأصوليِّين يعتقدون بأنَّه يمكن الحديث - على الأقل في حقل الاعتبارات - بنحوٍ ما عن «الفرد المردَّد». وفي طليعة هذا التيَّار، تبرز أسماءٌ كالآخوند الخراساني، والشيخ الأنصاري، والمحقِّق النائيني؛ وهم الذين قَبِلوا إمكانيَّة تعلُّق العلم أو الحكم أو الاعتبار بـ «أحد الشيئين»، سواء في باب العلم الإجمالي والأوصاف الحقيقيَّة، أو في باب الوجوب والحرمة والأوصاف الاعتباريَّة، أو في مقام جعل واعتبار الملكيَّة والضمان. فالبعض، كالشيخ الأنصاري، واعتماداً على كون عالم الاعتبار «خفيف المؤونة»، يذهبون إلى أنَّه وإن لم يكن للفرد المردَّد واقعيَّةٌ في عالم التكوين، إلَّا أنَّه يمكن جعله متعلَّقاً للملكيَّة وأمثالها في مقام الجعل والاعتبار. والبعض الآخر، كالآخوند الخراساني، تجاوزوا حدَّ الاعتباريَّات وقدَّموا تقريراتٍ حول تعلُّق بعض الصفات الحقيقيَّة (كالعلم) بـ «أحد الأطراف لا بعينه المصداقي» أيضاً. ويُعَدُّ التقصِّي الدقيق لمباني هؤلاء القائلين، مقدِّمةً ضروريَّةً للنقد الثبوتي والتحليل النهائي للمسألة.

تقريب مبنى المحقِّق النائيني في تعلُّق إرادة الآمر بـ «الفرد المردَّد المصداقي»

لقد حان الوقت لإعادة صياغة ونقد مبنى الميرزا النائيني حول «الفرد المردَّد» وإمكانيَّة تعلُّق الصفات والأحكام به. فأحد الإشكالات الأساسيَّة على كلامه يكمن في ابتناء تحليله للواجب التخييري على قَبول وجود واعتبار «الفرد المردَّد»، والحال أنَّ تحقُّق الفرد المردَّد في الخارج ممتنعٌ وفقاً للمباني الفلسفيَّة وحكم العقل، ولا يُقرُّ له بواقعيَّةٍ عينيَّة. ومن هنا، يجب النظر في كيفيَّة اجتياز المحقِّق النائيني لهذه العقبة الثبوتيَّة، وما هو التقرير الذي يقدِّمه عن «الفرد المردَّد المصداقي» في إطار إرادة الآمر.

يفصِّل الميرزا النائيني - لإثبات إمكان الإبهام في متعلَّق الإرادة - بين سنخين من الإرادة: «إرادة الآمر» و«إرادة الفاعل». وخلاصة بيانه كالتالي: إنَّ إرادة الفاعل تستلزم تحرُّكَ العضلات وصدورَ الفعل الخارجي؛ وبما أنَّ حركة العضلات تتعلَّق لا محالة بفعلٍ معيَّن، فلا بدَّ لمتعلَّق الإرادة الفاعليَّة من أن يكون مشخَّصاً وغير مردَّد؛ فتعلُّق الإرادة الفاعليَّة بـ «الفرد المردَّد» غير معقول. أمَّا إرادة الآمر، فهي صِرفاً في مقام الجعل والاعتبار، ولا تنتهي بالذات إلى تحريك عضلات الآمر نفسه؛ ومن هنا - بزعمه - يمكن لها أن تتعلَّق بـ «الفرد المردَّد المصداقي»؛ بمعنى أنَّ الآمر يريد «أحدَ الفعلين»، ولكن ليس بعنوان مفهوم «أحدهما» - الذي يرفضه النائيني نفسه ويقول بعدم صلاحيَّته لتعلُّق الحكم - بل يريد نفس الخارج، ولكن على نحو الترديد في المصداق. وعبارته في «فوائد الأصول» هي:

لا مانع من تعلّق إرادة الآمر بكلّ واحد من الشّيئين أو الأشياء على وجه البدليّة، بأن يكون كلّ واحد بدلاً عن الآخر، و لا يلزم التّعيين في إرادة الآمر بأن تتعلّق إرادته بأمر معيّن، بل يمكن تعلّق إرادة الآمر بأحد الشّيئين بهما، و إن لم يمكن تعلّق إرادة الفاعل بذلك، و لا ملازمة بين الإرادتين على هذا الوجه.[2]

فمبناه في الواجب التخييري يقوم على: أنَّه من جهة، يرى «الفرد المردَّد المصداقي» قابلاً لتعلُّق الإرادة والحكم؛ ومن جهة أخرى، وعبر التفكيك بين إرادة الآمر وإرادة الفاعل، يحصر لزوم تعيُّن المتعلَّق في الثانية، ويقبل إمكانيَّة التعلُّق بالفرد المردَّد في الأولى. وقد سبق لنا نقدُ هذا التفصيل ببيان أنَّه: كما أنَّ إرادة الفاعل تفتقر إلى متعلَّقٍ معيَّن بسبب استتباعها لتحريك العضلات، فكذلك إرادة الآمر تفتقر إلى متعلَّقٍ معيَّن باعتبار تقوُّمها بإيجاد الداعي في نفس المكلَّف؛ وفي كلا السنخين من الإرادة، يُعَدُّ تعيُّن المتعلَّق شرطاً للمعقوليَّة. وإضافةً إلى هذا الإشكال، فإنَّ للمحقِّق الأصفهاني أيضاً نقداً هامّاً آخر على كلام النائيني وكذا على كلام الآخوند الخراساني في هذا الباب، وسيأتي التطرُّق إليه لاحقاً.

مبنى الآخوند الخراساني في إمكان تعلُّق الصفات والأحكام بـ «الفرد المردَّد»

يصرِّح المحقِّق الخوئي في حاشية «كفاية الأصول» بأنَّ أصل تعلُّق بعض الصفات الحقيقيَّة (كالعلم) وكذا بعض الصفات الاعتباريَّة (كالوجوب والحرمة) بـ «الفرد المردَّد»، أمرٌ مقبولٌ في حدِّ ذاته؛ إلَّا أنَّه يستثني «البعث» من هذه القاعدة. ووجه الاستثناء في نظره هو: أنَّ «البعث إنَّما هو لجعل الداعي»؛ والبعثُ يُجعَلُ لإيجاد الداعي والحافز في نفس المكلَّف؛ و«الداعي إلى أمرٍ مُبهَم ومردَّد» غير معقول. إذ لو كان غرض المولى إيجاد الداعي في المكلَّف، فلا بدَّ أن يكون متعلَّق هذا الداعي معيَّناً وواضحاً، ليعلم المكلَّف بماذا ينبعث. وبيان الآخوند كالتالي:

فإنّه و إن كان ممّا يصحّ أن يتعلّق به بعض الصفات الحقيقيّة ذات الإضافة - كالعلم - فضلاً عن الصفات الاعتباريّة المحضة - كالوجوب و الحرمة و غيرهما ممّا كان من خارج المحمول الّذي ليس بحذائه في الخارج شيء غير ما هو منشأ انتزاعه -، إلاّ أنّه لا يكاد يصحّ البعث حقيقة إليه و التحريك نحوه، كما لا يكاد يتحقّق الداعي لإرادته و العزم عليه ما لم يكن نائلاً إلى إرادة الجامع و التحرّك نحوه، فتأمّل جيّداً.[3]

وتأسيساً على ذلك، يَقْبل الآخوند في تحليله تعلُّق العلم وكذا بعض الأحكام الاعتباريَّة (كالوجوب والحرمة بوصفهما «خارج المحمول») بـ «الفرد المردَّد»؛ ولكنَّه لا يرى إمكاناً لتعلُّق البعث الحقيقي وإيجاد «الداعي» بمثل هذا المتعلَّق. وفي توضيح إمكان تعلُّق العلم بالفرد المردَّد، يُطرَح المثال المعروف للعلم الإجمالي؛ حيث يعلم المكلَّف: «أنَّ أحد هذين الإناءين نجسٌ» أو «أحدهما طاهرٌ». إذ يُقال هنا: إنَّ «المعلومَ بالإجمال» هو نفس «أحد الأطراف» الخارجي، لا مجرَّد مفهوم «أحدهما» بما هو عنوانٌ ذهني؛ أي أنَّ العلم قد تعلَّق بنحوٍ ما بالخارج، وإن بقي الإجمال والترديد في المصداق من حيث العلم.

والمحقِّق النائيني - لتوضيح إمكان تعلُّق الحكم بالفرد المردَّد - يستند، مضافاً إلى المباحث الثبوتيَّة، إلى الأوامر العرفيَّة أيضاً؛ حيث يكتب:

و يتضح ذلك بملاحظة الأوامر العرفيّة، فإنّ أمر المولى عبده بأحد الشّيئين أو الأشياء بمكانٍ من الإمكان.[4]

بمعنى أنَّه لو قال مولىً لعبده: «افعل أحدَ هذين الشيئين»، لكان هذا النوع من الخطاب في العرف معقولاً ومتداولاً تماماً. وبهذا الترتيب، فإنَّ كلاً من الآخوند والنائيني يقبلان في الأصل إمكانيَّة تعلُّق الصفات الاعتباريَّة (كالوجوب والحرمة وإنشاء الحكم) بـ «الفرد المردَّد» - بالنحو الذي أوضحاه -؛ مع فارق أنَّ الآخوند يستثني البعث من هذه القاعدة؛ والمحقِّق النائيني - عبر التفكيك بين إرادة الآمر وإرادة الفاعل - يحاول إدخال البعث التشريعي أيضاً في دائرة «الفرد المردَّد المصداقي». وعلى ضوء ما سلف، يتَّضح أنَّ قَبول «صلاحيَّة الفرد المردَّد لتعلُّق الحكم والإنشاء»، هو نقطة الانطلاق للميرزا النائيني في تصوير الواجب التخييري وفي التفصيل بين إرادة الآمر وإرادة الفاعل. وقد طُرِحَت سابقاً إشكالاتٌ ناظرةٌ إلى التفصيل بين هاتين الإرادتين؛ ولكنَّنا سنتحدَّث من ناحية ثبوت «الفرد المردَّد»، ولا سيَّما في ضوء نقود المحقِّق الأصفهاني.

رؤيةُ الشيخ الأنصاري في إمكان اعتبار «الفرد المردَّد» في عالم الاعتبارات

من أكثر المباحث محوريَّةً في تحليل «الفرد المردَّد»، التفكيك بين عالم التكوين وعالم الاعتبار. فالمرحوم الشيخ الأنصاري (أعلى الله مقامه) - وفقاً لما نُقِل عنه في «المكاسب» - يشدِّد بوضوح على هذه النكتة، وهي: أنَّه لا تحقُّق لشيءٍ باسم «الفرد المردَّد» في عالم التكوين؛ إلَّا أنَّه في عالم الاعتبار، يمكن أخذ «الفرد المردَّد» متعلَّقاً للاعتبار والملكيَّة وترتيب الحكم عليه. وقد طُرِح هذا المبنى بشكلٍ فنِّيٍّ في ذيل مسألةٍ فقهيَّةٍ في باب البيع، ولا سيَّما في بحث «بيع جزءٍ من مجموعةٍ متساويةِ الأجزاء» (كصاعٍ من صبرةِ قمح).

ويطرح الشيخ الأعظم في «المكاسب» - ضمن تحليل الصور المختلفة لبيع «بعض المجموع» - صورةً يُلحَظ فيها المبيع بنحو «الفرد المردَّد»؛ بمعنى أن يقصد البائع بيعَ «بعضٍ من أفراد هذه المجموعة»، دون تعيين ذلك الفرد.[5] وفي هذا الفرض، يُثار إشكالٌ فلسفيٌّ خلاصته: إنَّ الملكيَّة صفةٌ وجوديَّة، وهي كسائر الأعراض تفتقر إلى محلٍّ تتقوَّم به. وعنوان «أحدهما على سبيل البدل» أو «البعض المردَّد» أمرٌ انتزاعي ليس له ما بإزاء خارجيٌّ مشخَّص، بل هو منتزَعٌ من فردين معيَّنين؛ ولذا، لا يمكن لمثل هذا العنوان المردَّد أن يقع محلاً لقيام صفةٍ وجوديَّةٍ كالملكيَّة. وقد قرَّر الشيخ هذا الإشكال كالتالي:

و رابعٌ: بأنّ الملك صفةٌ وجوديّةٌ محتاجةٌ إلى محلٍّ تقوم به كسائر الصفات الموجودة في الخارج، و أحدهما على سبيل البدل غير قابلٍ لقيامه به؛ لأنّه أمرٌ انتزاعيٌّ من أمرين معيّنين.[6]

وعليه، فلو اعتبرنا الملكيَّة صفةً وجوديَّةً قائمةً بموضوعٍ خارجيٍّ معيَّن، لكان تعلُّقها بـ «الفرد المردَّد» ممتنعاً عقلاً؛ لانتفاء الحقيقة المتعيِّنة لمثل هذا الفرد في الخارج.

جوابُ الشيخ: التفكيك بين الصفات الحقيقيَّة والأمور الاعتباريَّة

في مقام الجواب، يناقش المرحوم الشيخ الأنصاري مبنى هذا الإشكال، ويفرِّق بين سنخين من الأمور: ۱- الصفات الحقيقيَّة المتأصِّلة، كالحموضة، والسواد، وسائر الأعراض التكوينيَّة. ۲- الأمور الاعتباريَّة المحضة، كالملكيَّة، والضمان، والزوجيَّة، وما شابه ذلك. حيث يفيد (قدس سره): إنَّ لزوم وجود المحلِّ الخارجي لقيام الصفة، يصدق في مورد الأعراض الحقيقيَّة، ولكنَّ الملكيَّة ليست من هذا القبيل؛ بل هي أمرٌ اعتباري يتقوَّم باعتبار العرف والشرع، لا بالوجود الخارجي المتعيِّن. ومن هنا، لا تفتقر الملكيَّة لزوماً إلى موضوعٍ متحقِّقٍ في الخارج لنقول بامتناع تعلُّقها بالفرد المردَّد. وتأييداً لهذا المطلب، يتمسَّك الشيخ بأمثلةٍ فقهيَّةٍ واضحة؛ منها بيع الكلِّي في الذمَّة، وبيع السلَف. ففي هذه الموارد، يملك المشتري «الكلِّي»، والحال أنَّه لا وجود بعدُ لأيِّ فردٍ خارجيٍّ معيَّنٍ من هذا الكلِّي في الخارج؛ وقهراً لم يتَّصف أيُّ فردٍ في الخارج بصفة «المملوكيَّة للمشتري». ومع ذلك، لا يتردَّد أحدٌ في صحَّة مثل هذه المعاملات - بناءً على مبنى صحَّة الكلِّي في الذمَّة والسلَف. وقد بيَّن الشيخ هذه النكتة بقوله:

و أمّا الرابع، فبمنع احتياج صفة الملك إلى موجودٍ خارجيٍّ، فإنّ الكلّيّ المبيع سَلَماً أو حالّاً مملوكٌ للمشتري، و لا وجود لفردٍ منه في الخارج بصفة كونه مملوكاً للمشتري.[7]

والنتيجة التي يستخلصها الشيخ هي:

فالوجه أنّ الملكيّة أمرٌ اعتباريٌّ يعتبره العرف و الشرع أو أحدهما في موارده، و ليست صفةً وجوديّةً متأصّلةً كالحموضة و السواد.[8]

وبهذا البيان، تكون الملكيَّة عنواناً اعتباريّاً؛ يتقوَّم باعتبار العرف والشارع، لا بالوجود الخارجي المتَّصف به؛ ولذا، يمكن لها أن تتعلَّق بـ «الكلِّي»، أو «الفرد غير المعيَّن»، أو «الفرد المردَّد»، من دون أيِّ محذورٍ عقلي. وهذه هي النكتة التي يُعبَّر عنها في الاصطلاح الأصولي بـ: «عالم الاعتبار خفيف المؤونة»؛ بمعنى أنَّ عالم الاعتبار لا يخضع لنفس قيود وضرورات عالم التكوين، وأنَّ كثيراً من المحذورات التكوينيَّة تنتفي فيه ببركة جعل واعتبار الشارع والعقلاء.

ويمكن تلخيص مُحصَّلة كلام الشيخ الأنصاري في هذه القضايا:

۱- في عالم التكوين، لا واقعيَّة خارجيَّة لـ «الفرد المردَّد»؛ فكلُّ فردٍ يُوجَد، فهو بالفعل «معيِّن» ومشخَّص؛ والإجمال والترديد من عوارض علمنا، لا من أوصاف نفس الأمر والواقع.

۲- في عالم الاعتبار، يمكن للمُعتبِر (العرف أو الشارع) أن يأخذ متعلَّق الاعتبار بنحوٍ مردَّد؛ كأن يعتبر الملكيَّة لـ «بعضٍ مردَّدٍ من هذا المجموع» أو لـ «أحد هذين المالين».

٣- إنَّ عدم التعيُّن الخارجي لذلك الفرد، لا يُوجِد محذوراً عقليّاً في مقام الاعتبار؛ لأنَّ الملكيَّة ليست من سنخ الأعراض الحقيقيَّة لتفتقر إلى محلٍّ خارجيٍّ متعيِّن.

ومن هنا يتَّضح أنَّ الشيخ، من الناحية الثبوتيَّة والتحليليَّة، لا يرى مانعاً في اعتبار «الفرد المردَّد» ضمن دائرة الاعتباريَّات؛ وهذا المبنى يملك بالقوَّة قابليَّة الاستناد والتطبيق في المباحث الأصوليَّة - بما فيها بحث «تعلُّق الحكم بالفرد المردَّد» وتحليل الواجب التخييري -؛ وإن كان الشيخ نفسه في «المكاسب» قد سار بالبحث في سياق المعاملات، ولم يتعرَّض بشكلٍ مباشر للواجب التخييري.

ومن حيث المباني، فالمتحصَّل إلى هنا هو: أنَّه في طليعة التيَّار القائل بإمكانيَّة الفرد المردَّد (على الأقل في الاعتباريَّات)، يمكن ذكر أسماء الآخوند الخراساني، والشيخ الأنصاري، والمحقِّق النائيني. وفي المقابل، يقف مبنىً آخر يتزعَّمه المحقِّق الأصفهاني (أعلى الله مقامه). حيث ناقش في مواضع شتَّى أصل إمكانيَّة تعلُّق الحكم والصفة بالفرد المردَّد - حتَّى في الاعتباريَّات -، ساعياً لإثبات أنَّ «الفرد» بمجرَّد فرض وجوده يكتسب التعيُّن، وأنَّ التردُّد ينحصر في ساحة العلم والتصوُّر، لا في متعلَّق واقع الحكم أو الصفة. وإنَّما يتمُّ التدقيق في مباني هذين التيَّارين - سواء في كلمات الموافقين أم في تقرير ونقد المبنى المخالف - بغيةَ الوصول إلى صياغةٍ منقَّحةٍ وواضحةٍ للتصوير الثبوتي للواجب التخييري وسائر المباحث المبتنية على مسألة الفرد المردَّد.

الدليلُ الأوَّل للمحقِّق الأصفهاني على امتناع وجود «الفرد المردَّد»

برهانُ الامتناع الذاتي للفرد المردَّد

يُستفاد بوضوح من مجموع كلمات المحقِّق الأصفهاني (أعلى الله مقامه)، أنَّه يُنكر بشكلٍ قاطعٍ إمكان «الفرد المردَّد»، وقد أقام على هذا المدَّعى دليلين عقليَّين. وعبارته الصريحة في ذلك هي:

و التحقيق - كما أشرنا إليه سابقا - أن المردّد - بما هو مردّد - لا وجود له خارجا.[9]

وظاهر لفظ «خارجاً» قد يُوحي في بادئ النظر بـ «عالم الخارج المقابل للذهن»، ولكنَّ التدقيق في تقرير البرهان يكشف أنَّ مراده من «الخارج» هنا هو الواقع؛ بمعنى أنَّ المدَّعى هو انتفاء أيِّ ثبوتٍ وتحقُّقٍ لـ «الفرد المردَّد»، لا في الخارج العيني، ولا في الذهن، ولا في وعاء الماهيَّة والذات. وقد بيَّن (قدس سره) هذا الامتناع على النحو التالي:

و ذلك لأنّ كلّ موجود له ماهية ممتازة عن سائر الماهيات بامتياز ماهوي، و له وجودٌ ممتازٌ بنفس هوية الوجود عن سائر الهويّات، فلا مجال للتردّد في الموجود - بما هو موجود.[10]

ويمكن تلخيص تقريب البرهان في عدَّة خطوات:

١. التمايز الماهوي والوجودي لكلِّ موجود: المبنى الأوَّل في هذا البرهان هو قاعدةٌ فلسفيَّةٌ مفادها أنَّ لكلِّ موجودٍ ماهيَّةً يمتاز بها عن سائر الماهيَّات: «كلّ موجود له ماهيّة ممتازة عن سائر الماهيّات بامتياز ماهويّ». وإضافةً إلى الامتياز الماهوي، فإنَّ كلَّ موجودٍ متعيِّنٌ ومتمايزٌ من حيث «الهويَّة الوجوديَّة» أيضاً: «وله وجود بنفس هويّة الوجود يفارق به سائر الوجودات». وبعبارة أخرى، من جهة الماهيَّة، لكلِّ شيءٍ حدٌّ ورسمٌ متميز؛ ومن جهة الوجود، لكلِّ موجودٍ هويَّتُه الخاصَّة التي تفرزه عن سائر الوجودات. وعليه، فالوجود مساوقٌ للتشخُّص والتعيُّن؛ والحديثُ عن «وجودٍ مُبهَم ومردَّد» يفتقد الماهيَّة المشخَّصة والهويَّة الوجوديَّة المعيَّنة، أمرٌ يتنافى من الأساس مع حقيقة الوجود.

٢. استحالة الإبهام في الموجود بما هو موجود: لو افترضنا شيئاً «موجوداً»، واعتبرناه في الوقت ذاته «مُبهَماً» و«مردَّداً»، لواجَهنا حتماً هذا السؤال: بمَ يمتاز هذا الموجود عن سائر الموجودات؟ وما هو «ما به الامتياز» فيه؟ فإذا لم يُلحظ له لا ماهيّةٌ مشخَّصة ولا هويّةٌ وجوديّة معيّنة، لم يَعُد له أيُّ تمايزٍ عن غيره من الموجودات؛ وحينئذٍ لا يمكن الحديث عن «وجوده» من الأساس؛ لأنَّه:

الوحدة و التشخّص رفيق الوجود يدوران معه حيث ما دار.[11]

فالوجود حيثما كان، فهو ملازمٌ للوحدة والتشخُّص؛ فإذا انتفى التشخُّص والتعيُّن، انتفى الوجود أيضاً. وعلى هذا الأساس، فإنَّ الفرد المردَّد محال الوجود في عالم الخارج العيني؛ بل وحتَّى في عالم الذهن، بما أنَّ الوجود الذهني مساوقٌ هو الآخر لتعيُّن المتصوَّر، فلا يُعقَل «تصوُّر الفرد المردَّد بما هو مردَّد». إذ التصوُّر لا معنى له إلَّا مع متصوَّرٍ معيَّن. فعندما نقول إنَّنا تصوَّرنا شيئاً في الذهن، فلا بدَّ لذلك المتصوَّر من عنوانٍ، أو حدٍّ، أو ماهيَّةٍ مشخَّصة: كزيد، وعمرو، وإنسان، وشجر، وما شاكلها. و«تصوُّر الفرد المردَّد» يعني تصوُّرَ شيءٍ لا يملك عنواناً معيَّناً، ولا حدّاً، ولا ماهيَّةً متميزَة؛ وهذا عين نفي التصوُّر.

٣. التردُّدُ وصفٌ لمتعلَّق متعلَّقِ العلم: استكمالاً للبرهان، ينبِّه المحقِّق الأصفهاني على نكتةٍ دقيقة، قائلاً:

و إنما يوصف بالتردّد بلحاظ علم الشخص و جهله ، فهو وصف له بحال ما يضاف إليه، لا بحال نفسه.[12]

ومفاد ذلك: أنَّ «التردُّد» ليس وصفاً للوجود بتاتاً، بل هو وصفٌ يعرض على العلم والجهل؛ فالإبهام والإجمال لا يسريان إلى نفس الواقع والموجودات، بل يرتبطان بكيفيَّة إدراكنا للواقع. على سبيل المثال، في العلم الإجمالي، نقول: «أعلم إجمالاً بنجاسة أحد هذين الإناءين». فهاهنا، ليس ما يوصَف بـ «التردُّد» هو علمنا، ولا النجاسة الخارجيَّة هي المردَّدة أيضاً؛ فالنجاسة في الواقع، إمَّا في هذا الإناء وإمَّا في ذاك؛ فالواقع غير مردَّد، بل نحن المتردِّدون في تشخيص مصداقه. ويتابع (قدس سره) قائلاً:

العلمُ يتشخّصُ بمتعلّقه، و لا يعقل التشخّص بالمردّد مصداقاً بما هو كذلك؛ إذ الوحدة و التشخّص رفيق الوجود يدوران معه حيث ما دار، فمتعلّق العلم مفصّل دائماً، غاية الأمر أن متعلّق متعلّقه مجهولٌ أي غير معلوم، و ضمُّ الجهل إلى العلم صار سبباً لهذا الاسم.

وخلاصة تحليل هذه العبارة هي إنَّ العلم يتشخَّص بواسطة متعلَّقه؛ فلو كان المتعلَّق مُبهَماً ولا بعينه، لَما كان العلم نفسه متعيِّناً، وهذا لا ينسجم مع حقيقة العلم. ففي العلم الإجمالي، يكون متعلَّق العلم في الحقيقة أمراً مفصَّلاً وواضحاً (كـ «النجاسة» في مثال الإناءين)؛ والمجهول والمردَّد ليس هو نفس متعلَّق العلم، بل «متعلَّق المتعلَّق»؛ أي تعيين الإناء الذي تحقَّقت فيه تلك النجاسة. وبعبارة أخرى، لدينا «علمٌ بالنجاسة»، لا «علمٌ بشيءٍ مُبهَمٍ لا يُدرى ما هو»؛ والإبهام يكمن في تعيين ظرف النجاسة (هذا الإناء أم ذاك)، لا في أصل النجاسة كمتعلَّقٍ للعلم. وبهذا التفكيك، يبيِّن المحقِّق الأصفهاني أنَّ الحديث عن «تعلُّق العلم بالفرد المردَّد» ناشئٌ من الخلط بين متعلَّق العلم وبين متعلَّق المتعلَّق؛ وإلَّا فإنَّ العلم بذاته له دوماً متعلَّقٌ مفصَّلٌ ومعيَّن.

٤. النتيجة النهائيَّة للبرهان؛ استحالة تعلُّق أيِّ صفةٍ بالفرد المردَّد: يصوغ المحقِّق الأصفهاني في تعليقة كتابه، ثمرة هذا التحليل على النحو التالي:

أنّ المردّد في ذاته محال؛ حيث لا ثبوت له ذاتاً و وجوداً، فلا يتعلّق به أيّةُ صفةٍ كانت - حقيقيةً أو اعتباريةً - لتقوّمِ الصفةِ التعلّقية بطرفها، و حيث يستحيل الطرف، فلا يعقل تحقّق تلك الصفةِ المتقوّمة به.[13]

وبناءً عليه، إنَّ الفرد المردَّد محالٌ في ذاته؛ فليس له ثبوتٌ ماهويٌّ ولا ثبوتٌ وجوديّ. وكلُّ صفةٍ تعلُّقيَّة - سواء كانت حقيقيَّةً أم اعتباريَّة - تفتقر في قوامها إلى طرفٍ ومتعلَّقٍ موجود؛ فإذا كان الطرفُ ممتنعَ الثبوت، كان تعلُّق الصفة به ممتنعاً أيضاً؛ لأنَّ الصفة التعلُّقيَّة غير قابلةٍ للتحقُّق بلا متعلَّقٍ موجود. فالنتيجة: أنَّ «الفرد المردَّد» لا وجود له، لا في الخارج ولا في الذهن؛ وأنَّ «التردُّد» ليس صفةً للوجود، بل هو صفةٌ للعلم والجهل؛ وفي موارد كالعلم الإجمالي، يكون المُبهَم هو «متعلَّق المتعلَّق»، لا نفس متعلَّق العلم. وتبعاً لذلك، بما أنَّ الفرد المردَّد لا يحظى بأيِّ نحوٍ من الثبوت، فلا يمكن أن يقع متعلَّقاً لأيِّ صفةٍ، لا حقيقيَّة (كالعلم والإرادة) ولا اعتباريَّة (كالوجوب والملكيَّة).

واستناداً إلى هذا البرهان، يرى المحقِّق الأصفهاني أنَّ الطريق مسدودٌ أمام أيِّ محاولةٍ لتصحيح تعلُّق الصفات - حتَّى في عالم الاعتبارات - بـ «الفرد المردَّد». فالعلم والإرادة والوجوب، تتعلَّق دائماً بأمرٍ متعيِّن؛ وإن كان ذلك الأمر المتعيِّن قد يكون عنواناً كليّاً أو حاكياً عن الواقع، إلَّا أنَّ نفس «الواقعيَّة المردَّدة» بما هي مردَّدة، لا يمكن أن تقع طرفاً لتعلُّق هذه الأوصاف، لا في ظرف التكوين ولا في ظرف الاعتبار. وهذا هو لُبُّ برهانه الأوَّل على استحالة الفرد المردَّد.

الدليلُ الثاني للمحقِّق الأصفهاني على امتناع تعلُّق الحكم والعلم بـ «الفرد المردَّد»

استحالةُ اتِّحاد الأمر المعيَّن مع الأمر المُبهَم والمردَّد

استناداً إلى ما يُستفاد من كلمات المحقِّق الأصفهاني (أعلى الله مقامه) في «نهاية الدراية»، فقد قدَّم (قدس سره) سنخين من الاستدلال لنفي «الفرد المردَّد»:

١- الاستحالة الذاتيَّة للفرد المردَّد: وقد سبق بيانه، وكان مبتنياً على أنَّ «المردَّد بما هو مردَّد لا ثبوت له لا خارجاً ولا ذهناً».

٢- الاستحالةُ بلحاظ لوازم تعلُّق الصفات بالفرد المردَّد: وهو ما نحن بصدد توضيحه الآن. وفي الدليل الثاني، يفيد المحقِّق الأصفهاني: أنَّه حتَّى على فرض إمكان ذات الفرد المردَّد، فإنَّ تعلُّق صفةٍ كالعلم أو الحكم به، يستلزم المحال؛ لأنَّه ينتهي إلى لازمةٍ مفادها: إمَّا أن «يصبح المردَّدُ معيَّناً» أو «يصبح المعيَّنُ مردَّداً»، وكلاهما خُلف. وقد صرَّح بهذه النكتة في عبارتين مفتاحيَّتين:

أن المعيّن لا يتّحد مع المبهم و المردّد، و إلاّ لزم إما تعيّن المردّد أو تردّد المعيّن، و هو خلف.[14]

وكذا قال:

و ثانيهما: أنّ تعلّق الصفة بالمردّد يلزمه أمر محال، و هو تردّد المعيّن أو تعيّن المردّد، و كلاهما خلف.[15]

ويمكن تنظيم تقريب البرهان الثاني في عدَّة مقدِّمات:

١. التعيُّن الذاتي للصفات التعلُّقيَّة (كالعلم، والإرادة، والوجوب): الخطوة الأولى في الاستدلال هي أنَّ الصفات التعلُّقيَّة - كالعلم، والإرادة، والشوق، وكذا الوجوب والحرمة (بوصفهما أوصافاً اعتباريَّةً ذات إضافة) - تمتلك جميعها في مرتبتها وجوداً متعيِّناً ومشخَّصاً. فعندما يتحقَّق علمٌ في نفس الإنسان، أو تنعقد إرادةٌ في قلبه، فإنَّ هذا العلم وتلك الإرادة - كموجودٍ واقعيٍّ (حقيقيٍّ أو نفساني) - ليسا مُبهَمين ولا مردَّدين، بل إنَّ نفس العلم والإرادة أمرٌ معيَّن. وبعبارة أخرى، «التردُّد» ليس وصفاً لذات العلم؛ كما سبق وأفاد (قدس سره): «إنّما يُوصَفُ بالتردّد بلحاظِ علمِ الشخص و جهلِه، فهو وصفٌ له بحالِ ما يُضاف إليه لا بحالِ نفسه»؛ أي أنَّ التردُّد إنَّما هو من حيث إضافة العلم إلى المتعلَّق المجهول، لا من حيث ذات العلم بما هو علم.

٢. تقوُّم الصفات التعلُّقيَّة بالمتعلَّق ونحوٌ من الاتِّحاد بينهما: النكتة الثانية هي أنَّ الصفات التعلُّقيَّة تفتقر في قوامها إلى طرفٍ ومتعلَّق. فهذه الصفات ذات إضافة؛ أي أنَّ العلم غير متصوَّرٍ من دون «معلوم»؛ والإرادة لا معنى لها بلا «مُراد»؛ والوجوب لا يتحقَّق من دون «مأمورٍ به». وبتعبير المحقِّق الأصفهاني، فإنَّ هذه الصفات تكتسب تشخُّصها من متعلَّقها؛ حيث سبق وقال: «العلم يتشخّص بمتعلّقه». وهذا يعني أنَّ تعيُّن وتشخُّص العلم، إنَّما يحصل من خلال متعلَّقه؛ فتبعاً للمتعلَّق تتشكَّل وجهة العلم وهويَّته. وبطبيعة الحال، ليس المراد بـ «الاتِّحاد» هنا الاتِّحاد الفلسفي بمعنى الوحدة الوجوديَّة بين الصفة والموضوع، بل المقصود هو أنَّ الصفة في وعائها مرتبطةٌ بالمتعلَّق ومضافةٌ إليه؛ بحيث لا يُعقَل فكُّ تعيُّن الصفة عن تعيُّن متعلَّقها.

٣. فرضُ تعلُّق صفةٍ معيَّنةٍ بمتعلَّقٍ مردَّد ولزومُ المحال: الآن، لو افترضنا تحقُّق صفةٍ معيَّنة (كالعلم أو الوجوب)، وكان متعلَّق هذه الصفة «فرداً مردَّداً»، ففي هذا الفرض، سنضطرُّ إلى إقامة نحوٍ من الاتِّحاد بين شيئين متباينين من حيث التعيُّن: فمن جهةٍ، لدينا صفةٌ هي بذاتها معيَّنةٌ ومشخَّصة؛ ومن جهةٍ أخرى، لدينا متعلَّقٌ يُفترَض كونه «مُبهَماً ومردَّداً». وهنا يقول المحقِّق الأصفهاني: «أن المعيّن لا يتّحد مع المبهم والمردّد»؛ أي أنَّ الأمر المعيَّن لا قابليَّة له للاتِّحاد مع الأمر المُبهَم والمردَّد. ولو افترضنا وقوع مثل هذا الاتِّحاد، لَلَزِم لا محالة أحد محذورين: ۱- إمَّا أن يصبح المردَّدُ متعيِّناً، ليتمكَّن من الاتِّحاد مع الصفة المعيَّنة. ۲- وإمَّا أن يصبح المعيَّنُ مردَّداً، ليُسانخَ المتعلَّق المُبهَم. وقد صرَّح (قدس سره): «وإلاّ لزم إما تعيّن المردّد أو تردّد المعيّن، وهو خلف»؛ بمعنى أنَّنا لو قلنا بـ «اتِّحاد المعيَّن مع المُبهَم»، فلازم ذلك إمَّا أن يصير المردَّد - وهو مردَّد - متعيِّناً (وهذا تناقضٌ في الوصف الواحد)؛ وإمَّا أن يصير المعيَّن - وهو معيَّن - مردَّداً؛ وكلاهما خُلف.

وقد أوردَ المضمون نفسه في قالبٍ آخر في تعليقته، حيث أفاد: إنَّ تعلُّق الصفة بمتعلَّقٍ مردَّد يستلزم المحال؛ وهذا المحال إمَّا «تردُّد المعيَّن» (انقلاب المعيَّن إلى المردَّد)، وإمَّا «تعيُّن المردَّد» (انقلاب المردَّد إلى المعيَّن)، وكلاهما خلاف الفرض وممتنع.

٤. تمايزُ الدليل الثاني عن الدليل الأوَّل في كلام المحقِّق الأصفهاني: النكتة الهامَّة في الفهم الدقيق لكلامه، هي التفكيك بين البرهانين. فبؤرة الإشكال في البرهان الأوَّل (الاستحالة الذاتيَّة للفرد المردَّد) هي نفس «الفرد المردَّد»؛ حيث يُقال: «المردّد بما هو مردّد لا ثبوت له ذاتاً ووجوداً»، لا في الخارج ولا في الذهن ولا في وعاء الماهيَّة؛ فأساساً لا يوجد موضوعٌ باسم «الفرد المردَّد» لتعلُّق الصفة به. أمَّا في البرهان الثاني (الاستحالة بواسطة لوازم تعلُّق الصفة بالمردَّد)، فيُفترَض أنَّ المخاطب لم يقبل الاستحالة الذاتيَّة، واحتمل إمكان الفرد المردَّد ذاتاً؛وفي هذا الفرض، يدخل المحقِّق الأصفهاني من زاويةٍ أخرى ويقول: حتَّى لو لم يكن في ذات الفرد المردَّد إشكال، فإنَّ تعلُّق الصفات المتعيِّنة به يستتبع لوازم محالة. ومَصَبُّ الإشكال هنا هو «نفس رابطة الصفة والموصوف»، لا مجرَّد ذات الموصوف؛ فتعلُّق الصفة المعيِّنة بمتعلَّقٍ مُبهَم، يستلزم لا محالة أحد الخُلفَين: إمَّا أن يصبح الموصوف (المردَّد) معيَّناً، وإمَّا أن تصبح الصفة (المعيَّنة) مردَّدةً؛ وكلاهما خُلف.

وعليه، في البرهان الأوَّل يُقال: إنَّ «الفرد المردَّد» ليس موضوعاً للصفات أصلاً. وفي البرهان الثاني يُقال: على فرض التنزُّل وقبول إمكان ذات الفرد المردَّد، فإنَّ تعلُّق الصفة به يستلزم المحال. وبناءً على ذلك، حتَّى لو أراد أحدٌ الإعراض عن البرهان الأوَّل (الاستحالة الذاتيَّة للفرد المردَّد)، فإنَّه سيواجه المحذور الثاني في مقام تعلُّق العلم والحكم وسائر الصفات النفسانيَّة والاعتباريَّة بالفرد المردَّد؛ وهذا الأمر يسدُّ الطريق أمام أيِّ محاولةٍ لتوجيه تعلُّق العلم الإجمالي، أو الإرادة التشريعيَّة، أو الحكم الشرعي بـ «الفرد المردَّد بما هو مردَّد». وبطبيعة الحال - وكما أُكِّد في البرهان الأوَّل أيضاً - يقبل المحقِّق الأصفهاني إمكانيَّة تعلُّق العلم والحكم بأمرٍ متعيِّنٍ كلِّي أو بعنوانٍ انتزاعي حاكٍ عن الواقع؛ ولكنَّ ما فُرِض بعنوان «الواقع المردَّد لا بعينه»، فهو ما لا يراه قابلاً للتصوير والتصحيح، لا في ذاته ولا في نسبته إلى الصفات التعلُّقيَّة.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین


--------------------------
[1]- قصص: 27.
[2]- ‏نائینی، محمدحسین، «فوائد الاُصول‏»، با محمد علی کاظمی خراسانی، ج 1، ص 235.
[3]- ‏آخوند خراسانی، محمد کاظم، «کفایة الأصول»، ج 1، ص 262، الهامش 1.
[4]- ‏نائینی، فوائد الاُصول‏، ج 1، ص 235.
[5]- ‏انصاری، مرتضی، «المکاسب»، ج 4، ص 249.
[6]- المصدر نفسه.
[7]- المصدر نفسه، 251.
[8]- المصدر نفسه.
[9]- ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 271.
[10]- المصدر نفسه، 271-272.
[11]- المصدر نفسه، 272.
[12]- المصدر نفسه.
[13]- ‏اصفهانی، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ج 2، ص 271-272، الهامش 5.
[14]- المصدر نفسه، 273.
[15]- المصدر نفسه، 273، الهامش 5.

---------------------------
المصادر
- آخوند خراسانی، محمد کاظم، کفایة الأصول، ۳ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1430.
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- انصاری، مرتضی، المکاسب، ۶ ج، قم، المؤتمر العالمي بمناسبة الذکری المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري، 1415.
- نائینی، محمدحسین، فوائد الاُصول‏، محمد علی کاظمی خراسانی، ۴ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1376.



الملصقات :

العلم الإجمالي الواجب التعييني الواجب التخييري الصفات الحقيقيّة الفرد المردّد البعث إرادة الآمر إرادة الفاعل الصفات الاعتباريّة عالم الاعتبار

نظری ثبت نشده است .