درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/٩/١٥


شماره جلسه : ۴۱

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مقدّمة

  • مستنداتُ مظلوميّةِ السيّدة الزهراء (عليها السلام) في مصادرِ أهلِ السنّة

  • ١. ملابساتُ البيعةِ لأميرِ المؤمنين (عليه السلام)

  • ٢. التهديد بالإحراق واقتحام بيت الزهراء (عليها السلام)

  • ٣. سخطُ الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) وغضبُها

  • ٤. احتجاجاتُها (عليها السلام) على فراشِ المرض

  • خلاصةُ القول

  • المناظرةُ الأخيرةُ والخطأُ المنهجيّ في إنكار شهادة الزهراء (عليها السلام)

  • مغالطةُ «لَاهُوتَةِ» القضيّةِ التاريخيّة

  • صبرُ أمير المؤمنين (عليه السلام) والوعيُ الصحيحُ بالتكليف الإلهي

  • خطأُ الفهم في مسألة «الخبر الواحد»

  • الغرورُ العلميّ والتطاولُ على الشيعة

  • الآثارُ الإيجابيّةُ للمناظرة وعلاقتُها بالوحدة الإسلاميّة

  • مشروعيّةُ المناظرة وضرورةُ الحوار الاستدلاليّ

  • توصياتٌ عمليّةٌ للخطباء والرواديد وجيلِ الشباب

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

مقدّمة

لقد عادت قضيّة استشهاد الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) في الآونة الأخيرة لتتبوّأ موقعاً مركزيّاً في دائرة السجالات العلميّة والبحثيّة والإعلاميّة، وذلك بالتزامن مع التنامي الملحوظ ـ كمّاً وكيفاً ـ الذي شهدته الشعائر الفاطميّة. فإنّ ما نشهدهُ اليوم من إقامةٍ للمجالس والمراسم، ونشاطٍ للهيئات المرتبطة بهذه المناسبة في مختلف الحواضر، قد بلغَ ـ من حيثُ السعةِ والحضورِ الجماهيريّ ـ مبلغاً لا نجدُ لهُ نظيراً في أيّ حقبةٍ من حقبِ التاريخ الشيعيّ؛ وهو ما يُشكّلُ دلالةً قاطعةً على حيويّةِ ذكرِ تلك السيّدة العظيمة، وحضورها الفاعل في عمقِ الوجدانِ الشيعيّ العام.

بيدَ أنّهُ ـ وفي خضمّ هذه الأجواء ـ قد برزَ اتّجاهٌ يحاولُ جاهداً إضفاءَ صبغةِ «الأسطورة» على أصلِ واقعةِ الاستشهاد. وقد تمثّلَ المنعطفُ البارزُ لهذا المسارِ في مقالةٍ نُشرت في إحدى الدوريّاتِ المحسوبةِ على أهلِ السنّةِ في إيران، حيثُ عولجت فيها سيرةُ الصدّيقةِ الزهراء (عليها السلام) تحتَ عنوانٍ مؤدّاه: «من الولادةِ إلى أسطورةِ الشهادة». ووفقاً لهذه الرؤية، لا يتمّ التعاملُ مع قضيّةِ الاستشهادِ فحسب، بل مع أساسِ النصوصِ التاريخيّةِ الحاكيةِ عن مظلوميّتها، بوصفها نتاجاً مُختلقاً ومنحولاً صِيغَ في العصورِ المتأخّرة.

وانطلاقاً من رصدهِ لهذا المسار، أطلقَ المرجعُ الراحل آيةُ الله العظمى الفاضل اللنكراني (قدّس سرّه) نذيرَ التحذير؛ مُنبّهاً إلى أنّ عدمَ التصدّي الحازمِ لمثلِ هذه التحريفات، سيُفضي ـ لا محالةَ ـ إلى أن يطالَ وسمُ «الأسطورة» في المستقبلِ واقعةَ كربلاء وغيرها من المفاصلِ المسلّمةِ في التاريخِ الإسلامي. وترتيباً على ذلك، خصّصَ سماحتُهُ (رحمه الله) حيّزاً رئيساً ومحوراً ثابتاً من كلماته في السنينَ الأخيرةِ من حياتهِ الشريفة، لغرضِ التأصيلِ التاريخيّ والعقديّ لشهادةِ الصدّيقة الزهراء (عليها السلام)، والتنبيهِ على خطورةِ هذا التيّار.

ويتمحورُ النزاعُ القائمُ اليومَ حولَ التساؤلِ التالي: هل أنّ عقيدةَ الشيعةِ بمظلوميّةِ وشهادةِ الزهراء (عليها السلام) تمتلكُ أصولاً وجذوراً في المصادرِ الإسلاميّةِ العريقةِ والمعتبرة، أم أنّها نتاجٌ مُستحدثٌ أفرزتهُ الحقبةُ الصفويّةُ وما تلاها؟ وتذهبُ الشيعةُ في دعواها إلى أنّ الوقائعَ التي أعقبت رحيلَ النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ـ ولا سيّما حادثةَ الهجومِ على بيتِ الزهراء (عليها السلام) وما نالها من أذىً وجراحات ـ قد وردت في المصادرِ المعتبرةِ لدى أهلِ السنّةِ وفي المدّوناتِ التاريخيّةِ المتقدّمةِ بتكثّرٍ وتضافرٍ لافت؛ بنحوٍ يُورثُ «الاطمئنانَ العقلائيّ»، بل يتاخمُ في بعضِ المواردِ حدودَ «التواتر»، ممّا يجعلُ إنكارَها أمراً غيرَ مُستساغٍ علميّاً.

مستنداتُ مظلوميّةِ السيّدة الزهراء (عليها السلام) في مصادرِ أهلِ السنّة

لأجلِ التوصّلِ إلى حكمٍ مُنصفٍ حولَ واقعةِ استشهادِ الزهراء (عليها السلام)، لا بدّ ـ وقبلَ كلّ شيء ـ من الإجابةِ على الاستفهامِ التالي: هل أنّ ما تنقلهُ الشيعةُ من صنوفِ التضييق، والهجومِ على الدار، وسخطِ الصدّيقةِ (عليها السلام)، يمثّلُ مجرّدَ روايةٍ داخليّةٍ ومذهبيّةٍ بحتة، أم أنّ لهُ جذوراً وامتداداتٍ في المصادرِ المعتبرةِ لدى العامّة؟ وباستقراءٍ إجماليّ لأهمّ المدوّناتِ التاريخيّةِ والحديثيّةِ لدى أهلِ السنّة، يتّضحُ جليّاً أنّ قسماً يُعتدُّ بهِ من هذهِ المُرتكزاتِ قد ثُبّت في تلكَ المصادرِ عينُه، أو ما يقربُ منهُ مضموناً.

١. ملابساتُ البيعةِ لأميرِ المؤمنين (عليه السلام)

لقد وردَ في مصادرَ متعدّدةٍ من تراثِ أهلِ السنّة، أنّ بيعةَ الخليفةِ الأوّل لم تتبلور في مناخٍ هادئٍ أو طوعي، وإنّما سِيقَتْ عبرَ توظيفِ آلياتِ «الإرهاب، ومنطقِ السيف، والتهديد، والإطماع». وقد تجلّى ذلك بوضوحٍ تجاهَ فئةٍ من الصحابة ـ وفي طليعتهم أميرُ المؤمنين (عليه السلام) ـ ممّن تحصّنوا في دارِ الزهراء (عليها السلام) ممتنعينَ عن البيعة. ففي مدوّناتِ جملةٍ من المؤرّخين ـ كالبلاذري وغيرهِ ـ ورد التصريحُ بأنّ أبا بكرٍ أرسلَ عمرَ مع زمرةٍ صوبَ دارِ فاطمة (عليها السلام)، وأصدرَ أمرهُ بإشخاصهم للبيعة، فإن امتنعوا فليواجههم «بأعنفِ العنف»؛ أي باستخدامِ أقصى درجاتِ الشدّة والقسوة، وقد نُقلَ هذا التعبيرُ بنصّهِ في بعضِ المصادرِ المذكورة.[1]

٢. التهديد بالإحراق واقتحام بيت الزهراء (عليها السلام)

لعلّ من أجلى الشواهد على هذا العنف، واقعةُ التهديد بإحراق دار الزهراء (عليها السلام). فقد ورد في «تاريخ الطبري» وكذا في كتاب «الإمامة والسياسة» لابن قتيبة الدينوري، أنّ الخليفة الثاني أتى باب فاطمة (عليها السلام)، والحال أنّ طلحة والزبير وجمعاً من المهاجرين كانوا حضوراً هناك. فقال لهم الخليفة: لئن لم تخرجوا للبيعة «لأحرقنّ الدار على أهلها». وحينما قيل له إنّ في هذه الدار فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أجاب ـ في بعض النقول ـ بعبارة: «وإن»؛[2] أي وإن كانت هي فيها.

وفي مصنّفاتٍ كـ «أنساب الأشراف» للبلاذري و«العقد الفريد» لابن عبد ربّه، وردَ هذا التهديد مشفوعاً بتعابيرَ كالإتيان بـ «فتيلة» و«قَبَس» من نار.[3] ولا تُمثّل هذهِ النصوص مجرّدَ نقلٍ آحاديّ أو منفرد؛ بل هي عبارة عن منظومةٍ روائيةٍ مبثوثةٍ في الكتب التاريخية والحديثية والأدبية لأهل السنّة، تلتقي جميعُها وتتضافرُ في الدلالة على أصلِ التهديد والتعرّض لبيت فاطمة (عليها السلام).

مضافاً إلى ذلك، نجدُ في بعض المصادر التفسيرية المتأخّرة لدى العامّة ـ كـ «روح المعاني» للآلوسي البغدادي ـ نصوصاً منقولةً عن المتقدّمين، تتحدّث عن ضربِ جنبِ الصدّيقة (عليها السلام) [4] وإسقاطِ جنينها (المُحسِن).[5] وإنّ نفسَ إيراد هذه التقارير يكشفُ ـ بدلالة التضمّن ـ عن وجودِ مثل هذه الروايات واستقرارها في التراث المكتوب لأهل السنّة.

وإلى جانب ذلك، فقد نقلت عدّة مصادرَ تاريخيةٍ وحديثيةٍ سنّية، اعترافاً صدر عن أبي بكر في خواتيم حياته، مفاده التأسّف بقوله: «ليتني لم أكن فعلتُ ثلاثاً...»، وعدّ منها: «كشفَ بيتِ فاطمة».[6] وهذا الاعترافُ بحدّ ذاته، يحكي بوضوحٍ ـ وعبر الدلالة الالتزامية ـ عن وقوعِ نحوٍ من التعرّض لتلك الدار، وإن وقع الاختلافُ في تفاصيل النقول وجزئياتها.

٣. سخطُ الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) وغضبُها

لقد أخرج البخاري في «صحيحه» ـ الذي يُعدّ أصحّ الكتب الحديثية عند القوم ـ روايةً مشهورةً بسندها إلى ابن عبّاس، تفيد أنّ فاطمة (عليها السلام) راجعت أبا بكر بعد رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله) في قضيّة فدك. وحين لم تقبل إجابته: «فوجَدَت فاطمةُ على أبي بكر»؛ أي غضبت عليه وهجرته، فلم تكلّمه حتّى توفّيت. ويصرّح البخاري في هذا السياق، أنّها (عليها السلام) عاشت بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله) ستّة أشهر، فلمّا قُبِضت، دفنها عليّ (عليه السلام) ليلاً ولم يُؤذِن بها أبا بكر، وصلّى عليها بنفسه.[7]

وفي مصادرَ أُخرى من تراثهم ـ كـ «الإمامة والسياسة» ـ نُقلت تفاصيلُ أوفى عن هذا السخط؛ حيثُ ورد أنّ الشيخين (أبا بكر وعمر) استأذنا لعيادة الزهراء (عليها السلام). وبعد أن ذكّرتهما بالحديث النبويّ: «فمن أحبّ فاطمة ابنتي فقد أحبّني، ومن أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني»، صرّحت (عليها السلام) قائلةً: «فإنّي أُشهد الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني». ثمّ يضيف الراوي أنّهما خرجا من عندها وهي ساخطةٌ عليهما.[8] وإنّ هذا المضمون، حينما يوضَع إلى جانب الحديث المتواتر: «من أغضبها فقد أغضبني» الثابت في الصحاح، يكتسبُ دلالةً بالغةَ الخطورة والعمق.

٤. احتجاجاتُها (عليها السلام) على فراشِ المرض

يُعدّ كتابُ «بلاغات النساء» لابن طيفور (المحدّث والأديب من أعلام القرن الثالث الهجري) من المصادر العريقة لدى العامّة، التي عُنيت بجمعِ خطبِ وكلماتِ النساء الفصيحات في صدر الإسلام. وفي هذا السِفر، نُقلت خطبةٌ طويلةٌ للزهراء (عليها السلام) ألقتها إبّان مرضها الذي أفضى إلى استشهادها؛ وذلك حينما وفدَ عليها جمعٌ من نساء المهاجرين والأنصار لعيادتها.

وفي ثنايا هذه الخطبة، توجّه الصدّيقة (عليها السلام) نقداً لاذعاً وصريحاً لأداء رجالات قريش، واصفةً إيّاهم بالعداء، مُعلنةً عن سخطها عليهم، بل والدعاء عليهم. وينصبّ جوهرُ كلامها (عليها السلام) على حقيقة أنّ «من كان أهلاً للخلافة ومستحقّاً لها» قد أُقصي، وحلّ محلّه «من لم يكن يملك الأهليّة».[9] وهذا النصّ يكشفُ ـ ومن زاوية نظرِ مصادرِ أهل السنّة أنفسهم ـ أنّ نزاعَ الزهراء (عليها السلام) مع الحكّامِ آنذاك، لم يكن خلافاً شخصيّاً عابراً، بل كان صراعاً مبدئيّاً حولَ حقٍّ إلهيٍّ ومشروع.

خلاصةُ القول

إنّ المُحصّلة النهائيّة لهذه الشواهدِ تفضي إلى النتيجة التالية: إنّ التهديدَ بإحراق دار فاطمة (عليها السلام)، واقتحامَ البيت، والسخطَ المُعلنَ من قِبلها على الخلفاء، والدفنَ الليليّ مع التكتّم عن إعلام الحاكم، والاحتجاجاتِ الشديدةَ على فراش المرض؛ كلّ ذلك قد سُطّر وثُبّت في مصادرَ متعدّدةٍ من تراث أهل السنّة. وعليه، فإنّ إنكارَ هذه الحقائق يؤولُ في واقعهِ إلى إنكارِ نصوصٍ ثابتةٍ وقائمةٍ في صلبِ ميراثهم الحديثيّ والتاريخيّ.

وفي هذا السياق، لا ينبغي النظرُ إلى الغيرةِ الدينيّةِ والحضورِ المكثّف للهيئاتِ والمواكبِ وعمومِ المؤمنين في إحياء الشعائر الفاطميّة، بوصفه انفعالاً عاطفيّاً مُجرّداً؛ بل هو حراكٌ يستندُ إلى رصيدٍ تاريخيٍّ وثائقيٍّ رصين. وإنّ مسؤوليّتنا اليومَ تُحتّم علينا أن نتصدّى لبيان هذه الحقائقِ للجيل الصاعد بأسلوبٍ استدلاليٍّ مُحكم؛ لكي لا نسمحَ لظلامةِ الزهراء (عليها السلام) وأهلِ البيت (عليهم السلام) أن تتوارى خلفَ حُجُب التحريفِ والتشكيك.

المناظرةُ الأخيرةُ والخطأُ المنهجيّ في إنكار شهادة الزهراء (عليها السلام)

لقد شهدت الأسابيعُ المنصرمة صدىً إعلاميّاً واسعاً لمناظرةٍ دارت رحاها بين عالمٍ شيعي، وبين شخصٍ يُجاهر بإنكار «النصب الإلهي» لأمير المؤمنين (عليه السلام).[10] والنقطةُ الجوهريّة هاهنا تكمن في أنّ هذه المواجهة لم تكن حواراً بين عالمين يرتكزان على «أرضيّةٍ مبنائيّةٍ واحدة»؛ بل جرت بين عالمٍ إماميّ، وبين طرفٍ قد انسلخَ ـ عمليّاً ـ عن الإطار العقديّ للتشيّع، عبر نفيه للنصّ الإلهي على ولاية عليٍّ والأئمة (عليهم السلام). إذ وفقاً للمباني المُسلّمة لدى الإماميّة، فإنّ من يُنكر النصّ والنصبَ الإلهيَّ للإمامة عن وعيٍ وعمد، يخرجُ موضوعاً عن التعريف الكلاميّ لعنوان «الشيعي الإثني عشري».

وقد ذهب هذا المُدّعي إلى الزعم بأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسَهُ لم يصرّح في أيّ موضعٍ بـ «نصبه الإلهي»؛ وهي دعوى يتهافت بنيانُها وينكشف بطلانُها بأدنى إلمامٍ بـ «نهج البلاغة» والمصادر الشيعيّة الأصيلة. ففي طيّات العديد من الخطب والرسائل، أفصح الإمام (عليه السلام) بعباراتٍ صريحة عن «غصب حقّه» و«موقعه المغتصب»، مؤكّداً في مواطنَ شتّى أنّ حقّهُ المُسلّم قد انتُزع منه. وهي تعابيرُ وبياناتٌ لا تُبقي أيّ مساحةٍ للتردّد أو التشكيك في تبنّيه (عليه السلام) لمبدأ أحقيّته الحصريّة بالخلافة.[11]

مغالطةُ «لَاهُوتَةِ» القضيّةِ التاريخيّة

تمحورَ البُعد الثاني في كلامِ الطرف المقابل حولَ «منهجيّة البحث». فقد أصرّ على تحاشي الخوض في الجانب التاريخي للواقعة من أساسه، ورامَ حصرَ المعالجة في الزاوية «اللاهوتية» (Theological) فحسب. فكان يطرح تساؤلاتٍ من قبيل كيف ينسجم مع «عدالة» الإمام علي (عليه السلام) أن يُرسل عقيلته خلف الباب لتواجه هذه المصائب؟

إنّ هذا النمط من طرح التساؤلات ينطوي ـ بوضوح ـ على مغالطةٍ منهجيّة. فواقعة الهجوم على بيت الزهراء (عليها السلام) هي ـ قبل كلّ شيء ـ «حدثٌ تاريخيّ»؛ ومقتضى الطبيعة المعرفيّة لهذا الحدث أن يتمّ إثباته أو نفيه عبر «منطق البحث التاريخي»؛ أي من خلال الرجوع إلى المصادر، ونقد الأسانيد، والمقارنة بين النقول. فمرحلةُ التحليلات الكلاميّة واللاهوتيّة إنّما تأتي في رتبةٍ متأخّرة عن مرحلة إثبات أصلِ الرواية التاريخيّة أو ترجيحها، لا العكس. وعليه، فإنّ إقصاءَ البُعد التاريخي برمّته، والتشبّثَ ببضع تساؤلاتٍ استحسانيّةٍ أو ذوقيّة، لا يفتحُ سبيلاً لاكتشاف الحقيقة.

ولو أردنا أن نتّخذ مثل هذه المعايير ذريعةً لإنكار الوقائع، لأمكنَ تصعيدُ التساؤل إلى مستوىً أعلى، فنقول: بناءً على مبدأ «العدل الإلهي»، كيف سَمَح المولى سبحانه بأن يُستشهد الإمام الحسين (عليه السلام) وأصحابه بتلك الكيفيّة المأساويّة والمظلوميّة الصارخة في كربلاء؟ فلو كان مجرّدُ طرحِ هذا الاستفهام مُسوّغاً لنفي أصلِ الحادثة، للزِمَ إنكارُ واقعة عاشورا برُمّتها، بل والتشكيك في الكثير من الابتلاءات التي نزلت بالأنبياء والأولياء. ومن الجليّ أنّ هذه المقاربة لا تنسجم مع الأُسس الكلاميّة، ولا تستقيم مع منطق التدوين التاريخي.

صبرُ أمير المؤمنين (عليه السلام) والوعيُ الصحيحُ بالتكليف الإلهي

لقد ورد التصريحُ في مصادر الشيعة ـ بل وفي بعض مصادر العامّة أيضاً ـ بأنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) كان مأموراً ـ عَقيبَ رحيل النبيّ (صلى الله عليه وآله) ـ بالتزامِ جادّة الصبر والصمت. ولم يكن هذا الصبرُ تعبيراً عن الرضا بالواقع القائم، وإنّما فُرضَ لغرضِ صيانةِ بيضةِ الإسلام، والحيلولة دون انهيار المجتمع الإسلامي الفتيّ، وقطعِ الطريق أمام عودة الجاهليّة. وقد تحدّث الإمام (عليه السلام) نفسه في «نهج البلاغة» عن تلك الحقبة العصيبة، واصفاً حاله بأنّه: «فَصَبَرتُ و في العَينِ قَذىً ، و في الحَلقِ شَجا»، وهو يرى «تراثه نهباً»؛ بَيد أنّه آثرَ السكوتَ رعايةً للمصلحة العليا.[12]

وتأسيساً على ذلك، فإنّ التساؤل عن كيفيّة الجمع بين «عدالة الإمام» وبين تعرّض حياة عقيلته للخطر، يجدُ جوابهُ الناجز في إطار «التكليف الإلهي» المُناط بالإمام، والمصالح العُليا للدين. تماماً كما هو الحال في نهضة سيّد الشهداء (عليه السلام)؛ حيث يُدرك العقلُ والإيمانُ مغزى استشهاده واستشهاد أهل بيته، في ضوء مأموريّةٍ ربّانيّةٍ وتكليفٍ تاريخيّ، لا عبر المقاييس الساذجة التي تتوخّى العافية والسلامة الدنيويّة.

خطأُ الفهم في مسألة «الخبر الواحد»

ومن الملاحظات الأُخرى التي سُجّلت في المناظرة، ما تفوّه به الطرف المقابل بشأن «الخبر الواحد»؛ إذ ذهب ـ بتبسيطٍ مُخلّ ـ إلى أنّ خبر الواحد ليس بحجّة في التاريخ، ولا يُمكن الركون إليه. وهو كلامٌ ينمّ ـ قبل أن يكون موقفاً علميّاً ـ عن جهلٍ بالمباني المعرفيّة وأصول الفقه. فإنّ سيرة العقلاء في كافّة شؤون حياتهم الفرديّة والاجتماعيّة، قد جرت واستقرّت على العمل بخبر الثقة الواحد. ولو قُدّر لنا أن نُسقطَ حجيّة خبر الواحد مطلقاً، لما بقيَ حجرٌ على حجرٍ في التاريخ، ولا في الفقه، ولا في أيّ علمٍ من العلوم النقليّة.

مضافاً إلى ذلك، وكما أُسلف في استعراض المستندات، فإنّ كثيراً من الوقائع المتعلّقة بمظلوميّة الزهراء (عليها السلام) قد وردت في أكثر من مصدر، بل ارتقى نقلُها أحياناً إلى مستوى التواتر أو ما يُورث الاطمئنان العقلائي. إذن، فالمسألة لا تقتصرُ على خبرٍ واحدٍ منفرد؛ بل نحن بإزاءِ منظومةٍ من الشواهد المتكثّرة، التي تتضافرُ وتلتقي في الدلالة على واقعةٍ تاريخيّةٍ واحدة.

الغرورُ العلميّ والتطاولُ على الشيعة

لعلّ البُعد الأمرّ في تلك الواقعة، يكمن في النبرة المُهينة والأسلوب الاستهزائيّ الذي وُظّف في المناظرة تجاه عقائد الشيعة وشعائرهم. وهذه الأدبيّات تمثّل ـ في مآلها ـ إساءةً لعموم الطائفة، ولتاريخِ مظلوميّة أهل البيت (عليهم السلام). ويبدو أنّ قسماً من هذه السلوكيّات يضربُ بجذوره في نزعةٍ من «الغرور العلميّ»؛ حيث يُسوّل للفردِ أنّهُ الأعلمُ من الجميع، ويتوهّم أنّه قد وقع على نكاتٍ ودقائقَ غابت عن أنظار العلماء لقرونٍ متمادية. والحال أنّ جلّ هذه الدعاوى، إمّا أن تكون قد طُرحت سابقاً ونُقدت، أو أنّها تبتني أساساً على سوءِ فهمٍ للنصوص.

الآثارُ الإيجابيّةُ للمناظرة وعلاقتُها بالوحدة الإسلاميّة

وفي الختام، لا ينبغي الغفلةُ عن نقطةٍ محوريّة، وهي أنّ لهذه المناظرة ـ من بعضِ الوجوه ـ تداعياتٍ إيجابيّةً أيضاً. ففي أعقابِ هذا البرنامج، طُرحت وثائقُ مظلوميّة الزهراء (عليها السلام) وأحداثُ ما بعد الرحيل النبويّ في وسائل الإعلام والمنابر والأوساط العلميّة، بنسبٍ تفوقُ الماضي أضعافاً مضاعفة. وقد حدا ذلك بكثيرٍ من الشباب إلى الرجوع بأنفسهم إلى المصادر، وسؤالِ علمائهم عن هذه المنقولات. وإنّ هذه الصحوةَ وحالةَ التساؤل، تُشكّل فرصةً ثمينةً لفتحِ بابِ الحوار المُستند والمنطقي.

وفي الوقت ذاته، دأبَ علماء الشيعة باستمرار على التأكيد على ضرورة حفظ «الوحدة الإسلاميّة». فالوحدةُ تُمثّل أصلاً قرآنيّاً، وحظيت بتأكيد الإمام الخميني (قدس سره)، وقائد الثورة المعظّم، ومراجع التقليد العظام. بل إنّ الذكرَ الحكيم قد نهى حتّى عن سبّ معبودات المشركين؛[13] تفادياً لإثارة العداوة، وسدّاً لذريعة ردّ الفعل المتقابل. بيد أنّ مفهومَ الوحدة لا يعني ـ بحالٍ من الأحوال ـ التغاضي عن الحقائق التاريخيّة المُسلّمة، أو إخمادَ صوت مظلوميّة أهل البيت (عليهم السلام). إذ بالإمكان ـ بل يجب ـ بيانُ حقائق التاريخ وتجليةُ الظلامة، في إطار الالتزام بالضوابط الأخلاقيّة والتنزّه عن الإساءة والتجريح.

مشروعيّةُ المناظرة وضرورةُ الحوار الاستدلاليّ

قد يُثارُ زعمٌ مفاده أنّ أسلوب «المناظرة» لم يحظَ بموقعٍ في سيرة الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وأنّه ينبغي النأيُ بالنفس عن الولوج في هذا المعترك. بيد أنّ هذه الدعوى لا تستقيم مع صريح النصّ القرآنيّ والروايات الشريفة. فالله تعالى يأمر في محكم كتابه: «ادْعُ إِلى سَبيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتي‏ هِيَ أَحْسَنُ»؛[14] والمقصود من «الجدال بالتي هي أحسن» هو بعينه المناظرة القائمة على الحجّة والبرهان. كما ورد في الحديث الشريف: «إِذا ظَهَرَتِ الْبِدَعُ فِي أُمَّتِي، فَلْيُظْهِرِ الْعَالِمُ عِلْمَهُ...»؛[15] ممّا يُرتّبُ وظيفةً لازمةً على العالم عند تفشّي البدع. ولا ريب في أنّ «المناظرة العلميّة» تُعدّ من أجلى مصاديق وتجلّيات هذا الإظهار للعلم.

وترتيباً على ذلك، فإنّ أصلَ انعقادِ هذه المناظرة ـ بوصفها ردّاً عمليّاً على تيّارٍ تحريفيٍّ مُجاهر ـ يقعُ في موقعهِ الصحيح، ويندرجُ صميميّاً ضمن إطار الوظيفة الدينيّة. وإن كانت المنهجيّةُ التي اعتمدها الطرفُ الآخر، والأدبيّاتُ التي توسّل بها، تستدعي نقداً جادّاً ومؤاخَذةً علميّة.

توصياتٌ عمليّةٌ للخطباء والرواديد وجيلِ الشباب

وبموازاة هذه المباحث، تمسّ الحاجةُ إلى تقديم جملةٍ من التوصيات العمليّة. فعلى السادة الخطباء والرواديد، وفي مقامِ استعراضهم لظلامات أهل البيت (عليهم السلام)، أن يجمعوا بين «وهج العاطفة» وبين «رصانة الطرح». فيتحتّم عليهم التنزّهُ عن استخدام التعابير الركيكة أو تلك التي تثير الحساسيات، وأن يستعيضوا عنها بالاستناد المنهجيّ إلى المصادر المعتبرة ـ من الفريقين (الخاصّة والعامّة) ـ؛ لكي يترسّخ في وجدان الجيل الصاعد أنّ هذه المصائب تمتلكُ رصيداً وثائقيّاً وعمقاً تاريخيّاً، وليست مجرّد عاطفةٍ مجرّدة.

كما ينبغي تذكيرُ شريحة الشباب والنُخَب الجامعيّة، بأنّ مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تستند في كافّة مرتكزاتها ودعواها الرئيسة ـ بدءاً من الإمامة والعصمة، وصولاً إلى مظلوميّتهم ـ إلى منطقٍ عقليٍّ ونقليٍّ رصين. وإنّ كلّ باحثٍ ييمّم شطرَ هذه المصادر، بذهنيّةٍ منفتحةٍ ومتحرّرةٍ من رواسبِ التعصّب، سوف يتلمّس بوضوحٍ مدى استحكامِ هذه الأُسس ومتانتها.

وفي المحصّلة، فإنّ الوقائع التي اكتنفت حادثة استشهاد الصدّيقة الزهراء (عليها السلام)، لا تمثّلُ مجرّدَ حقبةٍ أو مادةٍ تاريخيّةٍ صرفة؛ بل هي تُشكّل «الهويّة التعريفيّة للعقيدة» و«الماهيّة الإيمانيّة» للوجود الشيعيّ. وإنّ صيانة هذه الهويّة وديمومتها، تظلّ مرهونةً بالتلازم الوثيق بين «الدمعة والمواساة الصادقة» من جهة، وبين «التحقيق والتبيين العلميّ الرصين» من جهةٍ أُخرى؛ وهي وظيفةٌ ومسؤوليّةٌ ملقاةٌ على عاتق الشيعة، لن تسقطَ عنهم ما امتدّ الزمن.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

-------------------------
[1]- فلیراجع: ‏الطبري، محمد بن جرير، «تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك )»، ج 3، ص 222؛ البخاري، «صحيح البخاري»، ج 4، ص 195؛ ‏البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر، «أنساب الأشراف»، ج 1، ص 578.
[2]- ‏الطبري، تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك )، ج 3، ص 202؛ الدينوري، ابن قتيبة، «الامامة والسياسة»، ج 1، ص 30.
[3]- البلاذري، أنساب الأشراف، ج 1، ص 586؛ ‏ابن عبد ربه الأندلسي، أحمد بن محمد، «العقد الفريد»، ج 5، ص 13.
[4]- ‏آلوسی، محمود بن عبدالله، «روح المعاني في تفسیر القرآن العظیم و السبع المثاني»، با ابراهیم شمس‌الدین و سناء بزیع شمس‌الدین، ج 2، ص 120
[5]- ‏الذهبي، شمس الدين، «سير أعلام النبلاء»، ج 15، ص 578.
[6]- ‏بن زنجوية، حميد، «كتاب الأموال»، ج 1، ص 258؛ الطبراني، «المعجم الكبير»، ج 1، ص 62.
[7]- ‏البخاري، صحيح البخاري، ج 5، ص 82.
[8]- ‏الدينوري، الامامة والسياسة، ج 1، ص 31.
[9]- ‏ابن طيفور، «بلاغات النساء»، ص 19؛ ‏الجوهري، ابوبکر احمد بن عبدالعزیز، «السقيفة وفدك»، ص 120؛ ‏ابن ابی الحدید، عبد الحمید بن هبه الله، «شرح نهج البلاغة»، ج 16، ص 233.
[10]- في أعقاب تبلور التيّار الساعي لإنكار شهادة الصدّيقة الزهراء (عليها السلام)، جرت مناظرةٌ بين أحد مروّجي هذه المقولة ممّن أكثر الخوض فيها، وبين أحد الفضلاء المعروفين في إيران. وقد مُنيَ هذا المُدّعي في تلك المناظرة بهزيمةٍ نكراء وافتضاحٍ مشهود؛ وهي مناظرةٌ أُجريت باللغة الفارسيّة ومتاحةٌ على منصّة «يوتيوب».
[11]- ومن الشواهد على ذلك، ما ورد في «نهج البلاغة» (تحقيق د. صبحي الصالح) ـ الخطب أرقام: (٣)، (٦)، (١٧٢)، (٢١٧)، والكتاب رقم (٣٦) وما ضاهاها ـ حيثُ استخدم (عليه السلام) مفرداتٍ صريحةً من قبيل: «تُراثي نَهْباً»، و«مَدْفُوعاً عَنْ حَقِّي»، و«سَلَبُونِي سُلْطَانَ ابْنِ أُمِّي»، و«مُنَازَعَتِي حَقّاً»؛ وهي تعابيرُ لا تُبقي أيّ مساحةٍ لضروبِ التأويل أو التبرير.
[12]- وهي الخطبة الثالثة، المعروفة بـ «الخطبة الشقشقيّة».
[13]- انعام: 108.
[14]- نحل: 125.
[15]- ‏كلينى، الکافي، ج 1، ص 135.

---------------------------
المصادر
1. آلوسی، محمود بن عبدالله، روح المعاني في تفسیر القرآن العظیم و السبع المثاني، ابراهیم شمس‌الدین و سناء بزیع شمس‌الدین، بیروت، دار الکتب العلمية، 1415.
2. ابن ابی الحدید، عبد الحمید بن هبه الله، شرح نهج البلاغة، ۲۰ ج، قم، مکتبة آیة الله العظمی المرعشي النجفي (ره)، 1404.
3. ابن طيفور، بلاغات النساء، قم، مكتبة بصيرتي، بی‌تا.
4. ابن عبد ربه الأندلسي، أحمد بن محمد، العقد الفريد، بیروت، دار الكتب العلمية، 1404.
5. البخاري، صحيح البخاري، بی‌جا، 1401.
6. البلاذري، أحمد بن يحيى بن جابر، أنساب الأشراف، بیروت، موسسه الاعلمى للمطبوعات، بی‌تا.
7. الجوهري، ابوبکر احمد بن عبدالعزیز، السقيفة وفدك، بیروت، شركة الكتبي للطباعة والنشر، 1413.
8. الدينوري، ابن قتيبة، الامامة والسياسة، بی‌جا، 1413.
9. الذهبي، شمس الدين‏. سير أعلام النبلاء. ۲۵ ج. بیروت: مؤسسة الرسالة، 1405.
10. الطبراني، المعجم الكبير، بیروت، دار إحياء التراث العربي، بی‌تا.
11. الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك )، بیروت، دار المعارف، 1387.
12. بن زنجوية، حميد، كتاب الأموال، بیروت، مركز الملك فيصل للبحوث و الدراسات الإسلامية، 1428.
13. كلينى، محمد بن يعقوب، الکافي، ۱۵ ج، قم، دارالحديث‏، 1429.





الملصقات :

استشهاد الصدّيقة الزهراء (عليها السلام) الأيّام الفاطميّة الهجوم على الدار إحراق الدار رزيّة يوم الخميس الوحدة الإسلاميّة

نظری ثبت نشده است .