موضوع: الواجب التعیینی و التخییری
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/٩/٢٣
شماره جلسه : ۴۶
-
محصّلة البحث المتقدّم
-
النقدُ الكبروي للمرحوم الروحاني تجاه قاعدة «البعث لتحريك الإرادة»
-
النتيجةُ النهائيَّة: تعلّق التكليف بـ «الفرد على البدل» في الواجب التخييري
-
نقدُ مبنى المرحوم الروحاني ونسبتُه إلى نظريَّة المحقِّق النائيني
-
الإشكالُ الأوَّل: الخروجُ عن محلِّ البحث
-
الإشكالُ الثاني: تعلُّق الأوصاف النفسيَّة بالمفاهيم بما هي حاكيةٌ عن الخارج
-
تقييمُ كلام المرحوم الروحاني في البعث والإرادة
-
المحصَّلةُ النهائيَّة للأقوال في مسألة «الفرد المردَّد»
-
النظريَّةُ الأولى: المعقوليَّةُ الثبوتيَّة لـ «الفرد المردَّد»
-
النظريَّةُ الثانية: الامتناعُ المطلقُ لـ «الفرد المردَّد» (مبنى المحقِّق الأصفهاني)
-
نظريَّةُ المحقِّق الحائري: الجمعُ بين الامتناع العقلي والثبوت الاعتباري لـ «الفرد المردَّد»
-
نسبةُ مبنى الحائري إلى كلمات الشيخ الأنصاري
-
التأييدُ المزدوج للإمام الخميني: الامتناعُ العقليُّ والثبوتُ الاعتباري
-
المصادر
-
الجلسة ۲۸
-
الجلسة ۲۹
-
الجلسة ۳۰
-
الجلسة ۳۱
-
الجلسة ۳۲
-
الجلسة ۳۳
-
الجلسة ۳۴
-
الجلسة ۳۵
-
الجلسة ۳۶
-
الجلسة ۳۷
-
الجلسة ۳۸
-
الجلسة ۳۹
-
الجلسة ۴۰
-
الجلسة ۴۱
-
الجلسة ۴۲
-
الجلسة ۴۳
-
الجلسة ۴۴
-
الجلسة ۴۶
-
الجلسة ۴۷
-
الجلسة ۴۸
-
الجلسة ۴۹
-
الجلسة ۵۰
-
الجلسة ۵۱
-
الجلسة ۵۲
-
الجلسة ۵۳
-
الجلسة ۵۴
-
الجلسة ۵۵
-
الجلسة ۵۶
-
الجلسة ۵۷
-
الجلسة ۵۸
-
الجلسة ۵۹
-
الجلسة ۶۰
-
الجلسة ۶۱
-
الجلسة ۶۲
-
الجلسة ۶۳
عقب تبيين مبناه في إمكان تعلُّق التكليف بـ «الفرد على البدل»، يعرض صاحب «منتقى الأصول» في ختام بحث الواجب التخييري، محاولةً للجمع بين كلام الآخوند الخراساني وإشكالات المحقِّق الأصفهاني. وفي هذا السياق، يناقش الكبرى المشهورة القائلة بأنَّ «البعث لتحريك الإرادة نحو الفعل المعيَّن».
خلفيَّةُ البحث: استثناءُ البعث في كلام الآخوند ونقدُ الأصفهاني
كما سلف، التزم الآخوند الخراساني بأصل إمكانيَّة تعلُّق الصفات الحقيقيَّة والاعتباريَّة بالفرد المردَّد، إلَّا أنَّه استثنى «البعث» من بين الاعتباريَّات؛ معلِّلاً ذلك بأنَّ البعث يهدف إلى تحريك إرادة المكلَّف؛ والتحريك تجاه أمرٍ مُبهَم غير معقول، فلا بدَّ لمتعلَّقه من التعيُّن؛ ولذا فإنَّ البعث المتعلِّق بالفرد المردَّد غير صحيحٍ ولا ممكن. وقد نقد المحقِّق الأصفهاني هذا المبنى من زاويةٍ أخرى، مفادها أنَّ المشكلة تكمن أساساً في نفس الفرد المردَّد، لا في خصوصيَّة البعث. فالفرد المردَّد واقعاً «لا ثبوت له». إذن، لا وجه للحديث عن استثناء البعث؛ لأنَّه لا يمكن لأيِّ صفةٍ - سواء كانت بعثاً أم غيره - أن تتعلَّق بما لا وجود له من الأصل.
المسارُ الثالث لصاحب «المنتقى»: نقدُ كبرى «التكليف لتحريك الإرادة نحو متعلَّقه المعيَّن»
يقترح صاحب «منتقى الأصول» - مع موافقته للمحقِّق النائيني في النتيجة النهائيَّة (وحدة الوجوب وتعلُّقه بـ «أحدهما لا بعينه») - مساراً ثالثاً في تحليل كبرى البعث. حيث يرى عدم تماميَّة أصل كبرى الآخوند القائلة بأنَّ «التكليف لتحريك الإرادة نحو فعلٍ معيَّن»، وينقدها على النحو التالي:
يبقى إشكال صاحب الكفاية، وهو: أنّ التكليف لتحريك الإرادة، والإرادة ترتبط بالخارج ارتباطاً تكوينيّاً، فيمتنع التكليف بالمردّد، إذ لا واقع له كي يكون متعلّق الإرادة.
والجواب عنه: أنّه لا مُلزم لأن نقول بأنّ التكليف لأجل التحريك والبعث والدعوة نحو متعلّقه بجميع خصوصيّاته وقيوده، بل غاية ما هو ثابت أنّ التكليف لأجل التحريك نحو ما لا يتحرّك العبد نحوه من دون التكليف المزبور، بحيث تكون جهةُ التحريك وسببُه هو التكليفُ المعيّن، وإن اختلف عن متعلّقه بالخصوصيّات.[1]
ولُبُّ جوابه هو أنَّ أقصى ما يثبُت في باب البعث، هو أنَّ التكليف جُعِل لغرض «التحريك»؛ أي أنَّ الغرض منه هو دَفع العبد نحو شيءٍ لم يكن ليتحرَّك نحوه لولا هذا التكليف. أمَّا دعوى أنَّ البعث لا بدَّ وأن يكون لغرض «تحريك الإرادة نحو المتعلَّق بجميع خصوصيَّاته وقيوده المعيَّنة»، فلا دليل عليها. فما يكفي لتقويم جهة البعث، هو أن يتكفَّل نفسُ التكليف المعيَّن بتأمين جهة الحركة، وإن كان متعلَّقه الخارجي، من جهة الخصوصيَّات، محتمِلاً لاحتمالاتٍ وبدائلَ متعدِّدة.
وبعبارة أخرى، لا يلغي صاحب «المنتقى» دور الإرادة من تحليل ذات البعث؛ ولكنَّه لا يَعُدُّ تعيُّنَ متعلَّق الإرادة بكافَّة خصوصيَّاته جزءاً مقوِّماً للبعث. فالمقوِّم هو أن يكون الفعل الذي يأتي به المكلَّف في نهاية المطاف، مستنداً في مقام العمل إلى هذا التكليف نفسه؛ لا أن تكون جميع خصوصيَّات ذلك الفعل قد تعيَّنت مسبقاً في ناحية البعث.
تطبيقُ التحليل على مورد الفرد المردَّد وكفاية التحرُّك البدلي
بناءً على هذه القراءة لحقيقة البعث، يرى صاحب «المنتقى» إمكانيَّة توجيه تعلُّق التكليف بالفرد المردَّد أيضاً، قائلاً:
ومن الواضح أنّ تعلّقَ التكليف بالفرد المردّد يستلزم الحركة نحو كلٍّ من الفعلين على سبيل البدل، فيأتي العبدُ بأحدهما منبعثاً عن التكليف المزبور، وهذا يكفي في صحّة التكليف وكونه عملاً صادراً من حكيم عاقل.[2]
بعد هذا التحليل، يصوغ صاحب «المنتقى» نتيجته النهائيَّة كالتالي:
و نتيجة ما تقدّم: أنّه لا مانعَ من تعلّقِ التكليف بالفرد على البدل وبأحدهما لا بعينه، بمعنى كون كلٍّ منهما متعلّقاً للتكليف الواحد، ولكن على البدل لا أحدهما المردّد ولا كلاهما معاً.
وبذلك يتعيّن الالتزامُ به فيما نحن فيه لفرض ثبوت الغرض في كلٍّ من الفعلين على حدّ سواء ومن دون مرجّح، فلا بدّ من كون الواجب في كلٍّ منهما بنحو البدليّة والتردّد.[3]
وخلاصة المدَّعى أنَّه لا مانع من تعلُّق التكليف بـ «الفرد على البدل» و«أحدهما لا بعينه». بمعنى أنَّ كلَّ واحدٍ من الفعلين متعلَّقٌ لنفس ذلك التكليف الواحد، «ولكن على البدل»؛ لا بصورة «أحدهما المردَّد الخارجي»، ولا بصورة الجمع «كلاهما معاً». وفي مورد الواجب التخييري، بما أنَّ الغرض ثابتٌ في كلٍّ من الأطراف على حدٍّ سواء ومن دون مرجِّح، والمفروض أنَّ كليهما محصِّلٌ للغرض في الواقع؛ فلا مناص من القول بأنَّ الوجوب الواحد قد تعلَّق بكلٍّ من الفعلين بنحو البدليَّة. وهو يرى أنَّ هذا المسلك متعيِّنٌ، ليس في الواجب التخييري فحسب، بل في موارد أخرى أيضاً:
وهذا المعنى لا محيص عنه في كثيرٍ من الموارد، ولا وجهَ للالتزام ببعض الوجوه في العلم الإجمالي، كدعوى أنّ المتعلّق هو الجامع والترديد في الخصوصيّات، وفي مسألة بيع صاع من صُبرة، كدعوى أنّ المبيع هو الكلّي في الذمّة ولكن مع بعض القيود، أو دعوى أخرى لا ترجع إلى مُحصّل. وتحقيق الكلام في كلٍّ منهما موكولٌ إلى محلّه.[4]
بمعنى أنَّه في كثيرٍ من الموارد - كالعلم الإجمالي وبيع صاعٍ من صُبرة - لا مفرَّ من قبول نفس هذا المعنى لـ «أحدهما لا بعينه». أما التوجيهات من قبيل «تعلُّق العلم الإجمالي بالجامع والترديد في الخصوصيَّات»، أو «الكلِّي في الذمَّة بقيودٍ خاصَّة في بيع صاعٍ من صُبرة»، فهي في نظره «لا ترجع إلى مُحصَّل» ومحلُّ تأمُّل. وقد أحال (قدس سره) تفصيل هذه النقود إلى مواضعها الخاصَّة في بحث العلم الإجمالي والمعاملات. وفي الختام، يُلخِّص موقفه في الواجب التخييري كالتالي:
فالمختار على هذا في الواجب التخييري كون الواجب أحدهما لا بعينه، كما التزم به المحقق النائيني، وإن خالفناه في طريقة إثباته.[5]
دعوى الموافقة للميرزا النائيني والخروجُ عن محلِّ النزاع
يدَّعي صاحب «منتقى الأصول» صراحةً قبولَه لمبنى المحقِّق النائيني في الواجب التخييري؛ حيث يرى أنَّه قد جُعِل وجوبٌ واحدٌ متعلِّقٌ بـ «أحدهما غير المعيَّن مصداقاً»، وأنَّ اختلافه مع الميرزا ينحصر في طريق الإثبات. إلَّا أنَّ التدقيق في بيانه يكشف عدم تماميَّة هذه الدعوى - على الأقلِّ بالدقَّة المطلوبة -؛ لأنَّ ما شاده من مبنى، يُعَدُّ في الحقيقة خروجاً عن المَصَبِّ الحقيقي للنزاع، ولا يمثِّل تقويةً لمدَّعى المحقِّق النائيني بالمعنى الذي كان يرومه (قدس سره).
فمحلُّ النزاع في كلمات المحقِّق النائيني، والمحقِّق الأصفهاني، وسائر الأعلام، هو «الفرد المردَّد المصداقي»: هل أنَّ شيئاً باسم «الفرد المردَّد الخارجي» أو «أحدهما مصداقاً» معقولٌ في عالم الثبوت والاعتبار أم لا؟ فالمحقِّق النائيني كان يرى هذا الفرد المردَّد المصداقي معقولاً وقابلاً لتعلُّق الوجوب، ويعتبره أمراً عرفيّاً وعقلائيّاً. وفي المقابل، صرَّح المحقِّق الأصفهاني بأنَّ: «الفرد المردّد محالٌ في ذاته، لا ثبوتَ له لا ذاتاً ولا وجوداً»؛ وبناءً عليه، ليس له تقرُّرٌ لا في الخارج ولا حتَّى في الذهن بوصفه «فرداً مصداقيّاً». وفي هذا الجو، ينقل صاحب «المنتقى» البحثَ عمليّاً من ساحة المصداق إلى ساحة المفهوم. فبدلاً من إثبات معقوليَّة «أحدهما مصداقاً»، يستند إلى أنَّ «مفهوم الفرد على البدل» هو عنوانٌ متعيِّنٌ ومتميزٌ بين المفاهيم الذهنيَّة، وأنَّه - بتعبيره - «مردَّدٌ بالحمل الأوَّلي، معيَّنٌ بالحمل الشائع».
وهذه النكتة، وإن كانت صحيحةً في حدِّ ذاتها، إلَّا أنَّ المحقِّق الأصفهاني لم ينكرها، بل صدَّقها صراحةً؛ حيث قال في مقام بيان لزوم تعيُّن متعلَّق البعث:
فالبعث - بما هو - لا يوجد، فلا يتعلّق إلاّ بالمعيّن و المشخّص، و لو كان بمفهوم المردد فإنّ المردّد بالحمل الأوّلي معيّن بالحمل الشائع، و الكلام في المردّد بالحمل الشائع.[6]
إذن، فالأصفهاني نفسه يسلِّم بأنَّ «مفهوم المردَّد» مردَّدٌ بالحمل الأوَّلي، وأنَّ هذا المفهوم بعينه يقع في مصفِّ المفاهيم المتعيِّنة بالحمل الشائع، ويُعَدُّ عنواناً متميزاً في الذهن. بيد أنَّ النكتة الجوهريَّة هي أنَّ محلَّ البحث ليس «مفهوم الفرد المردَّد» بتاتاً، بل «الفرد المردَّد مصداقاً»؛ بمعنى: هل أنَّ الفرد الذي تُفترَض هويَّتُه مردَّدةً بين شيئين، يتحقَّق في عالم الخارج أو في وعاء الوجود الذهني بوصفه فرداً واقعيّاً (لا مجرَّد عنوانٍ مفهومي) أم لا؟
بهذا التوضيح، يتبيَّن أنَّ الإشكال الأكبر على مبنى صاحب «المنتقى» هو أنَّ المَصَبَّ الحقيقيَّ للنزاع هو «الفرد المردَّد المصداقي»، لا مفهوم الفرد المردَّد. فالمحقِّق النائيني كان بصدد إثبات إمكانيَّة تعلُّق الوجوب بـ «أحد الفعلين مصداقاً»؛ أي وجوبٍ يكون في نفس الأمر مردَّداً بين الفعلين في الخارج بنحو الترديد المصداقي. وكان (قدس سره) يصرِّح بعدم جواز إرجاع الوجوب إلى «العنوان الانتزاعي لأحدهما»؛ لعدم عُرفيَّته في نظره. وفي المقابل، ذهب المحقِّق الخوئي إلى أنَّ المتفاهَم العرفي هو تعلُّق الوجوب بنفس «العنوان الجامع لأحدهما». وقد سلف أنَّ الحقَّ في هذا النزاع، من حيث المتفاهَم العرفي، مع الميرزا النائيني. فالعرف في مقام الخطاب، لا يلحظ العنوان الانتزاعي لـ «أحدهما» كمفهومٍ مستقل، بل يفهم: «إمَّا هذا الفعل، وإمَّا ذاك الفعل».
كانت المقدِّمة الثانية لصاحب «المنتقى» تقضي بأنَّ الأوصاف النفسيَّة (كالعلم، والإرادة، والحبّ، والشوق، ونحوها) تتعلَّق بـ «ما في أفق النفس»، لا بالخارج بما هو خارج، وأنَّ المتعلَّق بالذات هو نفس المفاهيم والصور الذهنيَّة. وهذا الكلام صحيحٌ في أصله؛ إلَّا أنَّ هذه المفاهيم تُلحَظ غالباً بما هي حاكيةٌ عن الخارج وبما لها من نسبةٍ إلى الواقع، لا بما هي مفاهيمُ محضة. وصاحب «المنتقى» نفسه كان ملتفتاً إلى هذه النكتة، ولذا تعرَّض لإشكال «عدم واقعيَّة الفرد المردَّد في الخارج»، وحاول الإجابة عنه بإنكار أصل لزوم مرآتيَّة المفهوم بالنسبة إلى الخارج. أي أنَّه بدلاً من إثبات واقعيَّة «الفرد المردَّد المصداقي» ليكون المفهوم مرآةً له، ذهب إلى عدم لزوم أن يكون كلُّ مفهومٍ ذهنيٍّ مرآةً لواقعٍ خارجيٍّ حتماً.
وهذا الجواب، وإن دفع إشكال المرآتيَّة في مستوىً معيَّن، إلَّا أنَّه لا يحلُّ المشكلة الرئيسة المتمثِّلة في فقدان الواقع المصداقي للفرد المردَّد. لأنَّ مسألة المحقِّق النائيني كانت أنَّ العرف والعقلاء يلحظون نفس «أحد هذين المالين» أو «إحدى الزوجتين» وما شابهها موضوعاً للتمليك والطلاق والتكليف، لا أنَّهم يجعلون مجرَّد مفهومٍ ذهنيٍّ متعيِّنٍ - بلا أيِّ واقعٍ مصداقي - متعلَّقاً للاعتبار. ومن هنا، فإنَّ ما يوجِّهه صاحب «المنتقى» استناداً إلى المقدِّمة الثانية، لا يعدو إمكان تعلُّق الصفة بـ «مفهوم الفرد على البدل»، لا بـ «الفرد المردَّد المصداقي». وهذا ابتعادٌ عن محلِّ النزاع.
خلاصةُ المقارنة بين كلام المرحوم الروحاني والمحقِّقين النائيني والأصفهاني
على ضوء مجموع هذه النِّقاط، يمكن تلخيص النسبة بين الرؤى الثلاث كالتالي:
١- الميرزا النائيني: كان بصدد إثبات إمكانيَّة تعلُّق الوجوب والحكم بـ «أحد الفعلين مصداقاً»؛ معتبراً ذلك أمراً عرفيّاً وعقلائيّاً، ورافضاً إرجاع متعلَّق الوجوب إلى «العنوان المفهومي لأحدهما».
٢- المحقِّق الأصفهاني: أنكر أساس وجود الفرد المردَّد المصداقي، سواء في الخارج أم في الذهن بوصفه فرداً؛ مصرِّحاً بأنَّ: «الفردَ المردَّد لا وجودَ له، لا واقعَ له، لا ماهيَّةَ له»، ومستنداً إلى برهانين (الاستحالة الذاتيَّة والاستحالة بواسطة اللوازم).
٣- صاحب «منتقى الأصول»: في مقام التحليل، قدَّم «مفهوم الفرد على البدل» بوصفه مفهوماً متعيِّناً ومتميزاً في سطح المفاهيم الذهنيَّة، ورتَّب على ذلك إمكانيَّة تعلُّق الصفة بهذا المفهوم المعيَّن. وهذا التحليل المفهومي، وإن كان دقيقاً من الناحية المنطقيَّة والفلسفيَّة، إلَّا أنَّه:
أوَّلاً: لا يمثِّل المعادل الدقيق لمبنى المحقِّق النائيني في «أحدهما مصداقاً»؛ لأنَّ النائيني كان يتحدَّث عن الفرد المصداقي في ساحة الجعل والعرف، لا عن مفهوم أحدهما.
الشطر الختامي من كلام صاحب «المنتقى» حول البعث والفرد المردَّد، يحتاج بدوره إلى إعادة قراءة. فقد رأينا أنَّه يقبل أصل كبرى الآخوند القائلة بأنَّ «البعث لتحريك إرادة المكلَّف نحو فعلٍ معيَّن» من حيث كون غاية البعث هي نوعٌ من التحريك. إلَّا أنَّه يحاول التجاوز عن قيد «إرادةٍ إلى فعلٍ معيَّن»، ويكتفي بالقول بأنَّ غاية التكليف هي إيجاد تحرُّكٍ في العبد لم يكن ليحدث لولا ذلك التكليف. ويرى أنَّه لا يلزم أن يكون هذا التحرُّك حتماً «تحريك إرادةٍ إلى متعلَّقٍ معيَّن»؛ بل يكفي أن يأتي العبد بأحد الأفعال البدليَّة استناداً إلى هذا التكليف. ومع ذلك، ثمَّةَ نِقاطٌ هنا جديرةٌ بالتأمُّل:
أوَّلاً: النسبةُ إلى مبنى «الخطابات القانونيَّة» للإمام الخميني
لو أخذنا بنظر الاعتبار مبنى الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) في «الخطابات القانونيَّة»، فإنَّ الحديث عن «البعث الشخصي» و«انبعاث نفوس أشخاصٍ معيَّنين» في الأوامر الشرعيَّة، يفقد معناه أساساً. فبناءً على ذلك المبنى، يُعَدُّ الأمر الشرعي حقيقةً «جعلاً لحكمٍ قانوني» لنوع المكلَّفين، لا تكلُّماً مشافهةً مع أفرادٍ خاصِّين ليُستظهَرَ منه بعثٌ وتحريكٌ شخصي للإرادة. ولذا، بعد تبنِّي هذا المبنى، يصرِّح الإمام بأنَّه لا يوجد جعلٌ مستقلٌّ لا «للبعث»، ولا «للتحريك»، ولا «للانبعاث»؛ فهذه أقصى ما يُقال عنها أنَّها تفاسيرُ سابقةٌ لحقيقة الأمر. وعليه، فلو أردنا ابتناء تحليل الواجب التخييري على محور البعث والتحريك، فإنَّنا - بالنسبة إلى مبنى الخطابات القانونيَّة - لا يمكننا قبول «التحريك» كغايةٍ مسلَّمةٍ للتكليف بالنحو الذي قرَّره صاحب «المنتقى».
ثانياً: عدمُ معقوليَّة تحريك العبد بلا إرادةٍ معيَّنة
حتَّى على فرض قَبول أصل «التحريك» في البعث، يبقى السؤال: بماذا يتعلَّق هذا التحرُّك من العبد؟ فكلُّ تحرُّكٍ اختياريٍّ في العبد، فرعٌ لإرادةٍ معيَّنةٍ بالنسبة إلى فعلٍ خاص. و«التحرُّك بلا إرادة» غير معقول، والإرادة بدورها لا تتحقَّق بلا متعلَّقٍ معيَّن. إذن، كلَّما قيل إنَّ التكليف صار منشأً لتحرُّك العبد، فلا مناص من القبول بأنَّه قد انعقدت في نفس العبد إرادةٌ متعيِّنةٌ تجاه فعلٍ خاص. فلو فُرِض متعلَّق هذه الإرادة مُبهَماً ومردَّداً، لعاد نفس الإشكال الذي طرحه المحقِّق الخراساني (وعمَّقه المحقِّق الأصفهاني): «الإرادةُ بما هي إرادةٌ فعليَّة، لا تتعلَّق إلاّ بالمعيّن». ومن هنا، فإنَّ تغيير التعبير من «تحريك الإرادة» إلى «تحريك العبد»، لا يغيِّر في واقع النزاع شيئاً؛ لأنَّ تحرُّك العبد، في التحليل النهائي، ليس سوى «تحرُّك إرادته نحو فعلٍ معيَّن».
ثالثاً: العودةُ إلى نفس محلِّ النزاع بلا برهانٍ جديد
كان الآخوند يقول: إنَّ الإرادة لا تتعلَّق إلَّا بالأمر المعيَّن، والبعث الحقيقي يبتني على هذه الإرادة. وصاحب «المنتقى»، في مقام دفع هذا الإشكال، يقول في الحقيقة: لا يلزم أن تتعلَّق الإرادة بمتعلَّقٍ معيَّن؛ بل يمكن أن تتعلَّق بـ «الفرد على البدل». ولكنَّ هذا هو عين محلِّ النزاع؛ أي إمكان أو امتناع الإرادة المُبهَمة. فمن دون إقامة دليلٍ مستقلٍّ على إمكان مثل هذه الإرادة، لم يتغيَّر سوى الصياغة اللفظيَّة للكبرى؛ وحقيقة الدعوى لا تزال قائمة. ومن هذه الجهة، فإنَّ جوابه لا يستطيع نقض كبرى الآخوند واقعاً، بل هو مبتنٍ على افتراض صحَّة ما ينكره الطرف المقابل.
رجحانُ مبنى الأصفهاني في النقد الجذري لنظريَّات الفرد المردَّد
النظريَّة الثانية - وهي النظريَّة الهامَّة والمؤثِّرة مبنائيّاً - هي مبنى المحقِّق الأصفهاني (أعلى الله مقامه). حيث يشدِّد (قدس سره)، بتصريحٍ وتكرارٍ في المباحث الأصوليَّة والفقهيَّة، على أنَّ: «الفردَ المردَّد لا ثبوتَ له، لا واقعَ له، لا ماهيَّةَ له، مطلقاً»؛ أي لا وجود لشيءٍ باسم «الفرد المردَّد» كفردٍ ومصداق، لا في الخارج ولا في الذهن. وما هو موجودٌ في الذهن، هو «مفهوم الفرد المردَّد»، لا «فردٌ مردَّدٌ بما هو فردٌ مصداقي». ونرى هذا التأكيد في مباحثه الأصوليَّة (كبحث العلم الإجمالي والواجب التخييري)، وفي مباحثه الفقهيَّة أيضاً؛ ومن جملتها في حاشية «المكاسب» ذيل كلمات المرحوم السيِّد اليزدي (قدس سره).
نموذجٌ فقهي: استصحاب «البيع المردَّد بين الجواز واللزوم»
في بحث البيع المعاطاتي، حيث يذهب الشيخ الأنصاري إلى «الجواز»، ويدور البحث حول ما إذا كانت المعاطاة لازمةً أم جائزة؛ قد يقول الفقيه أحياناً: «لا أملك دليلاً قطعيّاً على اللزوم، ولا على الجواز؛ إذن، أشكُّ في كون هذا العقد لازماً أو جائزاً». وهنا تُطرَح صورةٌ يكون فيها بيعٌ قد وقع. وهذا البيع «مردَّدٌ بين الجواز واللزوم»؛ أي أنَّ هناك فردين مفروضين: «بيع لازم» و«بيع جائز»، ولا نعلم أيَّهما تحقَّق فعلاً. وقد ذهب بعض الأعلام - كالسيِّد اليزدي في حاشية «المكاسب» - في مثل هذه الموارد إلى القول: إنَّنا نستصحب هذا «البيعَ المردَّد بين الجواز واللزوم»، ببيان أنَّنا كنَّا على يقينٍ سابقٍ بتحقُّق بيعٍ ما، وإن كان مردَّداً بين اللازم والجائز. وبعد رجوع المالك ومطالبته بالمبيع، نشكُّ في بقاء نفس ذلك البيع بتلك الحالة من الترديد أم لا، فنستصحب «بقاء نفس البيع المردَّد»، ونستنتج بقاء حقِّ المشتري في التصرُّف وعدم إلزامه بالرد. حيث يقول (قدس سره):
أنّه لو شكّ في أنّ الواقع في الخارج هو البيع اللاّزم أو الهبة الجائزة يكون استصحاب الملكيّة من استصحاب الكلّيّ لأنّ الفرد مردّد بين الباقي و الزائل و كذا في ما نحن فيه من مسألة المعاطاة و أشباهها.[9]
ويردُّ المحقِّق الأصفهاني هذا التحليل صراحةً، مفيداً: أنَّه لا وجودَ لـ «الفرد المردَّد» أساساً ليتعلَّق به اليقين السابق ويجري فيه الاستصحاب. فالاستصحاب يتوقَّف على يقينٍ سابق، وشكٍّ لاحقٍ في نفس ذلك المتيقَّن. وسؤاله (قدس سره) هو: «بمَ تيقَّنتُم؟». فإذا كان الشيء «لا وجودَ له، ولا ماهيَّةَ له»، فاليقين به غير معقول، فلا يترتَّب عليه الاستصحاب. ويقول في ذلك:
ثم إنّ هذا المحشي الجليل ذكر في آخر كلامه أنّ التحقيق إمكان استصحاب الفرد المردد، فإنّ تردده بحسب علمنا لا يضر بتيقن وجوده سابقا إلى آخر ما أفاد.
و قد بيّنا في محله أنّ المردد بما هو مردد لا ثبوت له لا ذاتا و لا وجودا، لا ماهية و لا هوية، فلا يقين به مع كون اليقين صفة إضافية تعلقية لا بد من تقومه بمتعلقه في مرحلة وجوده النفساني، كما فصلنا القول فيه في محله.[10]
وعليه، وفقاً لمبنى الأصفهاني، لا يتعلَّق بالفرد المردَّد علمٌ، ولا يقين، ولا وجوبٌ وبعثٌ وحكم، ولا استصحابٌ ونحوه. وبتعبيرٍ آخر، «الفرد المردَّد» في نظره هو «العدم». فلا موضوعيَّة له لا في مقام الثبوت ولا في مقام الإثبات، ولا يمكن أن يقع متعلَّقاً لأيِّ صفةٍ تعلُّقيَّةٍ (حقيقيّةٍ كانت أم اعتباريّة).
نظريَّةُ المحقِّق الحائري: الجمعُ بين الامتناع العقلي والثبوت الاعتباري لـ «الفرد المردَّد»
تناول المحقِّق الحائري (قدس سره) في «درر الفوائد» مسألة «الفرد المردَّد» ببحثٍ مستقل، وانتهى إلى نتائج تنسجم من جهةٍ مع المبنى الفلسفي للمحقِّق الأصفهاني، وتفتح من جهةٍ أخرى طريقاً لتوجيه سيرة العقلاء في مقام العمل. وخلاصة مبناه كالتالي:
من حيث الثبوت الحقيقي والفلسفي
لا وجودَ حقيقيّاً بتاتاً لـ «الفرد المردَّد» في الخارج. فالعقل والمباني الفلسفيَّة تحكم باستحالة كون الشيء «مردَّداً بين نفسه وغيره». ولذا يقول:
و عدم إمكان وجود الفرد المردّد في الخارج بداهةً، عدمُ معقوليّة كون الشيء مردّداً بين نفسه وغيرِه.[11]
من حيث الثبوت الاعتباري والجعل
إنَّ هذا الامتناع العقلي لا ينافي أن يُعتبَر الوجودُ لـ «الفرد المردَّد» في عالم الاعتبار. حيث يصرِّح (قدس سره):
لا ينافي اعتبارَ وجوده في الذهن، كما يُعتبَر الكسرُ المشاعُ مع عدم وجوده بوصف الإشاعة في الخارج.[12]
أي كما أنَّ العقلاء يعتبرون «الكسر المُشاع» في المعاملات، رغم عدم وجود شيءٍ في الخارج باسم «النصف المُشاع» بوصف الإشاعة مستقلاً. فكذلك في باب الفرد المردَّد، وإن كان التحقُّق العيني والتكويني لـ «أحدهما» بمعنى الترديد المصداقي غير معقول، إلَّا أنَّه في ساحة الاعتبار العقلائي، يمكن القول: «للفرد المردَّد وجودٌ اعتباري». فمثلاً عندما يُقال: «بعتُكَ أحد هذين المالين»، فإنَّ العقلاء يتلقَّون نفس هذا الـ «أحدهما» - رغم الامتناع العقلي لتحقُّقه في الخارج - موضوعاً للاعتبار والأثر. وهذا المبنى يقترب من جهةٍ إلى مبنى المحقِّق النائيني الذي جعل «أحدهما لا بعينه» متعلَّقاً للحكم. ويسانخ من جهةٍ أخرى ما بيَّنه الشيخ الأنصاري والآخوند في باب «صاع من هذه الصُّبرة» وأشباهها.
نسبةُ مبنى الحائري إلى كلمات الشيخ الأنصاري
والشيخ الأنصاري (أعلى الله مقامه) أيضاً - كما أوضحنا سابقاً - له تصريحاتٌ في بعض المواضع، ومنها بحث «بيع صاعٍ من صُبرة»، يُستفاد منها أنَّ الفرد المردَّد في نظر العقل الفلسفي، أمرٌ محالٌ أو محلُّ إشكالٍ جدِّي. ومع ذلك، فإنَّ العقلاء في مقام المعاملات، يبنون اعتبارهم على «أحد هذه الأفراد» ويرتِّبون عليه أثر الملكيَّة.[13]
والإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) أيضاً في «كتاب البيع»، يطرح ويمضي كلا المسلكين بنحوٍ ما. ففي المجلَّد الثالث، يؤكِّد بصراحةٍ - متوافقاً مع المحقِّق الأصفهاني - على أنَّ «الفرد المردَّد غير معقولٍ عقلاً»؛ وأنه لا تحقُّق له كفردٍ حقيقي، لا في الخارج ولا في الذهن. وفي المجلَّد الثاني، وضمن طرحه لنظريَّة أستاذه المحقِّق الحائري، يقبل هذه النكتة، وهي أنَّه وإن كان الفرد المردَّد لا يحظى بوجودٍ حقيقيٍّ تكويناً، إلَّا أنَّه في ظرف الاعتبار العقلائي، يمكن افتراض وجودٍ اعتباريٍّ له وجعله موضوعاً للبيع، والتمليك، والطلاق، وغيرها. وقد أوضحنا نحن أيضاً بالتفصيل في مباحث «كتاب البيع» أنَّ «الفردَ المردَّد عقلاً لا وجودَ له، ولكن له وجودٌ في عالم الاعتبار؛ فالعقل ينفي ثبوته الحقيقي، ولكنَّ العقلاء في مقام العمل يعتبرونه ويرتِّبون عليه الأثر».
تمايزُ هذا المبنى عن «الجامع الانتزاعي» ونسبتُه إلى «أحدهما المصداقي»
النكتة الهامَّة هي ضرورة عدم الخلط بين هذا المبنى وبين نظريَّة «الجامع الانتزاعي». فبينهما فرقٌ واضح. فالجامع الانتزاعي هو عنوانٌ كلِّيٌّ واحد (كـ «أحدهما» بوصفه مفهوماً جامعاً)، يُنتزَع من اشتراك فردين أو أكثر في تحصيل الغرض أو في الحكم. وفي هذه الحالة، يكون متعلَّق الحكم هو نفس هذا العنوان الجامع، ويكون تعيين مصداقه الخارجي، عرفاً، موكولاً إلى اختيار البائع أو المولى. أمَّا الفرد المردَّد الاعتباري (أحدهما المصداقي)، فهو في هذا المبنى يختلف عن القول بـ «بعنا الجامع» أو «أوجبنا الجامع». بل المدَّعى هو أنَّ نفس «أحدهما المصداقي» - مع أنَّه يفتقد حقيقةً متعيِّنةً في الخارج وممتنعٌ عقلاً - يقع في ظرف الاعتبار، كوحدةٍ اعتباريَّة، موضوعاً للإنشاء والحكم.
ولذا يقال في البيع: «بيع أحد هذين المالين»، لا «جامع ما بين هذين المالين». ويظهر هذا التفاوت بوضوحٍ عند مواجهة مرتكز «القرعة». فلو قلنا: «بيع الجامع»، كان تعيين المصداق حقّاً للبائع. فهو يسلِّم لاحقاً أيَّهما شاء. أمَّا لو قلنا: «بيع أحدهما»، ثم لجأنا إلى القرعة لتعيين «أيِّهما»، فهذا يكشف عن أنَّ البيع قد وقع منذ البدء على الفرد المصداقي المردَّد، وأنَّ القرعة إنَّما هي لتعيين نفس ذلك الفرد الاعتباري، لا لتعيين مصداقٍ لجامع. فالقرعة هنا تُستخدم لتعيين «الموضوع الواقعي للحكم أو الإنشاء» الذي هو معيَّنٌ عند الله ومشتبهٌ لدينا؛ لا لتعيين مصداقٍ لمفهومٍ جامع. ورغم أنَّ تفصيل جريان القرعة في أطراف العلم الإجمالي وفي أمثال هذه الموارد يتطلَّب بحثاً مستقلاً؛ إلَّا أنَّ هذا المقدار كافٍ حاليّاً للدلالة على أنَّ القرعة تؤيِّد وقوع الإنشاء ابتداءً على «أحدهما المصداقي»، لا على الجامع الانتزاعي. وأنَّ ذلك الـ «أحدهما المصداقي» مفروضٌ في ظرف الاعتبار كوحدةٍ اعتباريَّة، وإن نُفِيَ عنه الثبوت الحقيقي في الفلسفة.
والمحصَّلةُ ممَّا تقدَّم - استناداً إلى مبنى المحقِّق الحائري وتقرير الإمام الخميني – هي ١- من جهة العقل الفلسفي، «الفرد المردَّد لا وجود له في الخارج»؛ فليس له ماهيَّةٌ معقولةٌ ولا وجودٌ عيني. ومن هذه الجهة، نحن نوافق المحقِّق الأصفهاني في أنَّ الفرد المردَّد، بوصفه واقعاً تكوينيّاً، محال. ٢- من جهة عالم الاعتبار وسيرة العقلاء، في ظرف الاعتبار العقلائي، «الفرد المردَّد له وجودٌ اعتباري». فالعقلاء يعتبرونه موضوعاً للإنشاء في المعاملات والإيقاعات (كالبيع، والتمليك، والطلاق، والنكاح، والوصيَّة، وغيرها)، وأحياناً كمتعلَّقٍ للحكم. وهذا الاعتبار يغاير اعتبار الجامع الانتزاعي؛ فهو ناظرٌ إلى نفس «أحدهما المصداقي الاعتباري»، لا إلى العنوان الانتزاعي الجامع.
وهذا المبنى ينسجم مع التحليل الفلسفي الصحيح للمحقِّق الأصفهاني في نفي الثبوت الحقيقي للفرد المردَّد. وفي الوقت ذاته، يتماشى مع سيرة العقلاء في مقام العمل، حيث يتصرَّفون في كثيرٍ من العقود والإيقاعات بناءً على «أحدهما المصداقي»، من دون أن يستحضروا بالضرورة عنوان الجامع الانتزاعي في أذهانهم.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
[3]- المصدر نفسه، 495.
[4]- المصدر نفسه.
[5]- المصدر نفسه.
[6]- اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 273.
[7]- واستكمالاً لإشكال أستاذنا المعظَّم الأوَّل، ينبغي القول: إنَّه وإن صحَّ كلام صاحب «المنتقى» القائل بأنَّ «مفهوم الفرد على البدل» في الذهن مفهومٌ متعيِّنٌ ومتميز، وصحَّ تعبيره بأنَّ «المردَّد مردَّدٌ بالحمل الأوَّلي، معيَّنٌ بالحمل الشائع»؛ إلَّا أنَّ هذا المقدار لا يفي بمقصوده. فالتعيُّن بالحمل الشائع، هو تعيُّنٌ في مستوى المفاهيم. فعندما يُقال: «الفردُ على البدل معيَّنٌ بالحمل الشائع»، فمعناه أنَّ عنوان «الفرد على البدل» في سلسلة المفاهيم الذهنيَّة هو وحدةٌ مفهوميَّةٌ مشخَّصة، يمكن تصوُّره، والحكم عليه، وإدراجه تحت مفاهيم أعم كـ «المفهوم المعيَّن» في مقابل «المفهوم المُبهَم»؛ تماماً كما نقول: «الجزئيّ جزئيٌّ بالحمل الأوَّلي، كليٌّ بالحمل الشائع»؛ أي أنَّ مفهوم الجزئيَّة، بين المفاهيم، هو أحد مصاديق المفهوم الكلِّي لـ «الكليَّات المنطقيَّة».
وهذا النحو من التعيُّن، ناظرٌ صِرفاً إلى موقعيَّة المفهوم في رتبة المفاهيم الذهنيَّة. والمطلوبُ في باب التكليف والإرادة، هو تعيُّن متعلَّق الفعل، لا التعيُّن المفهومي الصِرف. ففي مبحث الوجوب والبعث، مَصَبُّ الكلام هو: هل يجب أن يتشخَّص متعلَّق التكليف والإرادة في مقام العمل بحدِّ فعلٍ خارجيٍّ معيَّن أم لا؟ وتعلُّق الوجوب بعنوانٍ لا يملك إلَّا التعيُّن في مستوى المفهوم، إذا لم يستطع تأمين تعيُّن متعلَّق الإرادة والفعل في الخارج، فهو غير وافٍ بغرض التكليف.
فمبنى صاحب «المنتقى» يضمن التعيُّن المفهومي كحدٍّ أقصى، لا التعيُّن المصداقي. فما يثبته هو أنَّ «مفهوم الفرد على البدل» في الذهن، مفهومٌ واضحٌ ومتميزٌ وقابلٌ لتعلُّق العلم والوجوب. ولكنَّ هذا ليس إلَّا تعيُّناً في أفق المفهوم، لا في أفق متعلَّق فعل المكلَّف. فالمكلَّف في مقام العمل يجب أن يعلم «أيَّ فعلٍ» يأتيه؛ أي لا بدَّ من انتقال التعيُّن، في النهاية، إلى مستوى الفعل الخارجي.
وهذه هي النقطة التي دار حولها النزاع بين المحقِّق النائيني والمحقِّق الأصفهاني. فالنائيني كان يقول: «أحدهما مصداقاً» معقول، وهو ما يفهمه العرف. والأصفهاني كان يقول: لا وجود لمثل هذا الفرد في أيِّ وعاء. وإثبات أنَّ «مفهوم الفرد على البدل» متعيِّنٌ مفهوماً، لا يثبت ولا ينفي أيّاً من هذين الادِّعاءين؛ إذ تبقى مسألة تعيُّن متعلَّق الفعل في مستوى المصداق عالقةً بلا حل.
وخلاصةُ القول في تكميل الإشكال الأوَّل على صاحب «المنتقى»: إنَّ ما تحصِّلونه بالتمسُّك بـ «التعيُّن بالحمل الشائع» في مفهوم الفرد على البدل، ليس إلَّا تعيُّناً مفهوميّاً. أمَّا مَصَبُّ النزاع في باب تعلُّق التكليف والإرادة والبعث، فهو تعيُّن متعلَّق الفعل في مستوى المصداق. وهذان النحوان من التعيُّن ليسا مساوقين لبعضهما. ولذا، حتَّى مع التسليم بأنَّ «المردَّد معيَّنٌ بالحمل الشائع» بمعناه المفهومي، فإنَّ مبناه في تبيين الوجوب التخييري والفرد المردَّد المصداقي لا يفي بالمقصود. وهذا الإشكال ناظرٌ بخصوصه إلى سنخ التعيُّن الذي استند إليه صاحب «المنتقى»، مبيِّناً التفاوت المبنائيَّ بينه وبين التعيُّن المطلوب في بحث التكليف والإرادة.
[8]- خمینی، روح الله، «کتاب البیع»، ج 3، ص 429.
[9]- یزدی، محمد کاظم، «حاشیة المکاسب»، ج 1، ص 73.
[10]- اصفهانی، محمد حسین، «حاشية المکاسب»، ج 1، ص 131.
[11]- الحائري، عبدالکریم، «درر الفوائد»، ج 1، ص 233.
[12]- المصدر نفسه.
[13]- انصاری، مرتضی، «المکاسب»، ج 4، ص 251.
[14]- المصدر نفسه، ج3، ص401.
- اصفهانی، محمد حسین، حاشية المکاسب، ۵ ج، قم، ذوی القربی، 1427.
- ———، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- الحائري، عبدالکریم، درر الفوائد، ۲ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1418.
- الروحانی، محمد، منتقی الأصول، ۷ ج، قم، دفتر آيت الله سيد محمد حسينی روحانی، 1413.
- انصاری، مرتضی، المکاسب، ۶ ج، قم، المؤتمر العالمي بمناسبة الذکری المئوية الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري، 1415.
- خمینی، روح الله، کتاب البیع، تهران، مؤسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی، 1379.
نظری ثبت نشده است .