درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٠/٩


شماره جلسه : ۵۵

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • تقسيم الواجب إلى العيني والكفائي

  • تحليل الآخوند: «سنخٌ من الوجوب»

  • وحدة الغرض وتعلّق الخطاب بالجميع

  • مناقشة إجماليّة وتوجيه الظاهر المتهافت

  • الحلّ المقترح: الارتكاز على «القدر الجامع»

  • نقد المحقّق الأصفهاني وتحليل محوريّة الفعل والفاعل

  • ضرورة ركنيّة «المكلّف» و«المكلّف به» وبطلان نظريّة «الفعل الصرف»

  • السؤال المحوري: «من هو المكلّف بالواجب الكفائي؟» والاحتمالات الخمسة

  • المصادر

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

 
مُحصّل البحث المتقدّم

استعرضنا في الجلسة السابقة رأي المحقق الخوئي (قدس سره) حول مسألة التخيير بين الأقل والأكثر، وقايسناه بمباني السيد الإمام والمحقق النائيني. وقد انتهى الخوئي ـ وفاقاً للنائيني والإمام ـ إلى حصر محلّ النزاع في الفرض الذي يُؤخذ فيه الأقل بنحو «اللا بشرط من جهة انضمام الزائد»، لا بشرط لا، ولا بشرط شيء. فلو أُخذ الأقل «بشرط لا» ـ وكان الأكثر في واقعه هو «الأقل بشرط شيء» ـ لكان التخيير ممكناً ثبوتاً، إلا أنّه يؤول في حقيقته إلى التخيير بين ماهيتين متباينتين، لا بين الأقل والأكثر بمعناه الدقيق، فيخرج بذلك عن مصبّ النزاع. وأمّا في فرض «الأقل اللابشرط»، فلما كان الغرض مترتباً على مطلق وجود الأقل، فمتى ما تحقق الأقل ـ ولو ضمناً في الأكثر ـ تحصّل الغرض واستند الوجوب إليه. وعليه، يكون جعل وجوبٍ مستقلٍّ بالنسبة إلى الزائد لغواً وبلا وجه، فيمتنع التخيير الحقيقي بين الأقل والأكثر ثبوتاً. وقد طبّق المحقق الخوئي هذا المبنى الأصولي على موردين فقهيين: الأول، التخيير بين القصر والتمام في الأماكن الأربعة. حيث عدّه خروجاً عن دائرة الأقل والأكثر، وإدراجاً في التخيير بين ماهيتين متباينتين؛ نظراً لأنّ القصر مشروطٌ بعدم الزيادة على الركعتين، والتمام مشروطٌ بعدم الاقتصار عليهما، فكلٌّ منهما معتَبَرٌ «بشرط لا» بالنسبة للآخر. الثاني، مسألة التسبيحات الأربع. فقد استظهر من الروايات وجوب التسبيحة الواحدة فحسب، واستحباب الأخريين. وعليه، نفى التخيير الحقيقي بين الواحدة والثلاث، مُرجعاً الواقع إلى وجوبٍ واحدٍ مضافاً إليه استحباب الزائد. المحصلة: إنّ التخيير الثبوتي بين الأقل والأكثر ـ في فرض الأقل اللابشرط ووحدة الغرض ـ ممتنعٌ بنظره الشريف. وما يوهم ظاهره ذلك من النصوص، فهو إمّا راجعٌ إلى التخيير بين المتباينين، أو إلى التركيب بين الواجب والمستحب. وهذا التحليل ينسجم تمام الانسجام مع مسلكي السيد الإمام والمحقق النائيني في إنكار التخيير الثبوتي بين الأقل والأكثر.

تقسيم الواجب إلى العيني والكفائي

ومن التقسيمات المشهورة للواجب، تقسيمه إلى:

١- الواجب العيني: وهو ما تعلّق فيه الوجوب بعهدة كلّ مكلّفٍ على نحو التعيين والخصوصيّة، بحيث لا يسقط التكليف عنه بفعل غيره؛ ومثاله الصلوات اليوميّة لكلّ مكلّف.

٢- الواجب الكفائي: وهو ما تعلّق الطلب فيه بإيجاد فعلٍ معيّن، بحيث يكفي صدوره من أيّ مكلّفٍ كان. فإذا قام به البعض سقط الوجوب عن الآخرين؛ ومثاله تجهيز الميّت والصلاة عليه.

وتتّضح النسبة بين هذا التقسيم وبين تقسيم الواجب إلى تعييني وتخييري في الآتي: ففي الواجب التعييني والتخييري، يكون «المكلّف» محدّداً ومعلوماً (إذ كلّ فردٍ مخاطبٌ بالأمر)، بينما يقع الترديد في جانب «المكلّف به»، فيتخيّر المكلّف بين أفعالٍ متعدّدة. أمّا في الواجب العيني والكفائي، فـ «المكلّف به» (ماهيّة الفعل الواجب) متعيّنٌ ومحدّد. إلّا أنّه في العيني، يكون المكلّف متعيّناً بالخصوص أيضاً (إذ يتوجّه الخطاب لكلّ فردٍ استقلالاً). وفي الكفائي، يكون الفعل الواحد مطلوباً، غير أنّ صدوره من أيّ فردٍ يوجب سقوط التكليف عن الباقين. وعليه، يتمحور البحث الأساس حول جوهر الفارق بين العيني والكفائي: فهل يرجع الاختلاف إلى «سنخ الوجوب» وحقيقته؟ أم إلى كيفيّة التعلّق والسقوط والإسقاط؟

تحليل الآخوند: «سنخٌ من الوجوب»

استهلّ الآخوند بحثه في الواجب الكفائي[1] بقوله:

والتحقيق أنّه سنخٌ من الوجوب.

وهو عين التعبير الذي استخدمه في توصيف الواجب التخييري. وقد تعدّدت القراءات التفسيرية لهذه العبارة. فمنهم ـ كالمحقق العراقي في الواجب التخييري ـ من حملها على «الوجوب الناقص». وكأنّ الوجوب المتعلّق بكلّ عِدل ناقصٌ في مبدئه، ولا يكتمل إلّا بسقوط العِدل الآخر. وقد نوقش هذا التفسير بانتفاء الدليل على ثبوت مراتب ماهوية (تام وناقص) للوجوب في هذا المقام. ومنهم ـ كصاحب «منتقى الأصول» ـ من عدّه منزلةً «برزخيّة» بين الوجوب والاستحباب. ورُدّ هذا الرأي أيضاً لابتنائه على الخلط بين حقيقة الجعل وبين الآثار العمليّة. وفي مقامنا هذا (الواجب الكفائي)، لو أُريد إرجاع عبارة «سنخٌ من الوجوب» إلى هذه المعاني (بأن يُقال مثلاً: إنّ الوجوب بالنسبة لكل فردٍ ناقصٌ ذاتاً، ويكتمل بترك الجميع أو بفعل الغير)، لوردت عليه الإشكالات عينها.

والظاهر من كلام الآخوند أنّه يرى الوجوب الكفائي وجوباً تامّاً لا نقص فيه. وإنّما عبّر عنه بأنّه «سنخٌ من الوجوب»، نظراً لمغايرته للوجوب العيني في كيفيّة التعلّق والسقوط، مشيراً بذلك إلى نوعٍ خاصٍّ من الوجوب يمتاز بآثارٍ مخصوصة في مقامي الامتثال والإسقاط، لا إلى كونه أضعف مرتبةً أو أنقص ذاتاً. بيد أنّ هذا التعبير بحدّ ذاته لا يكفل تحليلاً ماهوياً لحقيقة الواجب الكفائي، ولا يعدو كونه إشارةً إجماليةً إلى اتحاد حقيقة الوجوب، مع تمايزٍ في الخصوصيات الطارئة عند التعلّق والسقوط. فالتحليل الدقيق لماهيّة الواجب الكفائي يقتضي الإجابة عن تساؤلاتٍ جوهريّة، من قبيل: كيفيّة تعلّق الوجوب بعموم الأفراد؟ وماهيّة النسبة بين فعل الغير وسقوط التكليف عن الآخرين؟ وهذا ما يتطلّب بحثاً يتجاوز حدود التعبير بكونه «سنخاً من الوجوب».

وحدة الغرض وتعلّق الخطاب بالجميع

عقب توصيفه للوجوب الكفائي، أشار الآخوند إلى أثرين جوهريين له، مُرجعاً إيّاهما إلى أساس «وحدة الغرض المتحصّل بفعل الواحد»، حيث قال:

وله تعلّقٌ بكلّ واحدٍ، بحيث لو أخلّ بامتثاله الكلّ لعوقِبوا على مخالفته جميعاً، وإن سقط عنهم لو أتى به بعضُهم. وذلك لأنّه قضيّةُ ما إذا كان هناك غرضٌ واحدٌ يحصل بفعل واحدٍ صادرٍ عن الكلّ أو البعض. كما أنّ الظاهر هو امتثالُ الجميع لو أتوا به دفعةً، واستحقاقهم للمثوبة، وسقوطُ الغرض بفعل الكلّ... .

وتتجلّى من هذه العبارة نكاتٌ محوريّة:

١- تعلّق الخطاب بكلّ مكلّف: فالوجوب الكفائي في جعله الأوّلي يستقرّ على عهدة كلّ فردٍ بعينه. والدليل عليه استحقاق الجميع للعقوبة لو تواطأوا على الترك. وعليه، فالوجوب الكفائي ليس متوجّهاً منذ البدء إلى «شخصٍ مجهول» أو «مجموعٍ مبهم»، بل كلّ فردٍ مخاطبٌ به.

٢- سقوط الوجوب عن الباقين بفعل البعض: فلو بادر البعض إلى الامتثال، كان ذلك كافياً لإسقاط الوجوب عن عهدة الآخرين، برغم شموله لهم ابتداءً. فالسمتان الرئيستان للواجب الكفائي عند الآخوند هما: (أ) التوجّه للجميع في أصل الخطاب، (ب) السقوط عن الباقين بامتثال البعض. ويرجع الآخوند هذين الأثرين إلى جذرٍ واحد، وهو: «الغرض الواحد القابل للتحصيل بفعل الواحد».

ففي الواجب الكفائي، يرمي الشارع إلى غرضٍ واحد، يتحصّل بتمامه بوجود فعلٍ واحدٍ في الخارج. وهذا الفعل الواحد قد يصدر من فردٍ، أو يكون عملاً مشتركاً بين جماعة (كتغسيل الميّت)، أو يتحقّق ضمن أفعالٍ مستقلة متعددة (كالصلاة المتعددة على الميّت)، حيث يُعدّ كلٌّ منها امتثالاً في ظرفه عند الآخوند، وإن كفى الفرد الأول في استيفاء أصل الغرض. وتأسيساً على ذلك، لو أحجم الجميع عن الفعل، استحقّوا العقاب بأسرهم. ولو بادر فردٌ (أو جماعة) للفعل، حُصّل الغرض وسقط الوجوب عن الآخرين. ولو أتى به جمعٌ غفيرٌ دفعةً واحدة، كان «امتثال الجميع» و«استحقاقهم للمثوبة» أمراً معقولاً، وإن سقط الغرض بلحاظ تحقّق جامع الفعل الواحد.

خلاصة القول

والمتحصّل من مجموع كلام الآخوند أنّ الوجوب الكفائي يمثّل سنخاً من الوجوب التامّ، الذي يتعلّق في جعله الأوّلي بكلّ فردٍ من المكلّفين، بيد أنّه يسقط عن الباقين بفعل البعض. وهذا الهيكل يبتني أساساً على «الغرض الواحد القابل للتحصيل بفعل الواحد». إلّا أنّ بيان الآخوند يظلّ أقرب إلى التعريف بالآثار واللوازم (من التعلّق، والسقوط، والإسقاط). وأمّا التحليل الماهوي النهائي لحقيقة الوجوب الكفائي، وتبيين نسبته الدقيقة مع الوجوب العيني، وكيفيّة صياغة الجعل والإرادة فيه، فهو ممّا يفتقر إلى مزيد تدقيقٍ وتتميم، وهو ما تكفّل به المتأخرون (كالسيد الإمام، والمحقق الخوئي، والميرزا النائيني، والمحقق الأصفهاني) بالبحث والتفصيل في تحقيقاتهم.

مناقشة إجماليّة وتوجيه الظاهر المتهافت

قد يلوح من ثنايا تحليل المحقق الخراساني (قدس سره) للواجب الكفائي نكتتان تبدوان متهافتتين بادي الرأي: ١- أنّ الغرض الواحد يتحصّل بتمامِه بفعلٍ واحد. ٢- أنّ سقوط الغرض قد أُسند إلى «فعل الكلّ» (في فرض الاجتماع). فإذا كان الغرض الواحد يُستوفى بفعلٍ واحد، فلِمَ نُسب سقوطُه إلى مجموع أفعال المكلّفين؟ إذ مقتضى الجملة الأولى هو حصول الغرض بـ «أحد الأفعال لا بعينه»، لا بمجموع الأفعال المتعدّدة. وفي الوقت عينه، يقرّر الآخوند أنّ الوجوب الكفائي في مرحلة الجعل يستقرّ على عهدة جميع المكلّفين. فلو بادر جمعٌ غفيرٌ للامتثال دفعةً (كالصلاة على الميّت)، وجب عليهم جميعاً قصد الوجوب، واستحقّوا المثوبة بأسرهم. ولتوجيه نسبة سقوط الغرض إلى «فعل الكلّ» ودفع التهافت، استعان الآخوند بتشبيهٍ فلسفيٍّ دقيق، قائلاً:

... كما هو قضيّةُ تواردِ العللِ المتعدّدة على معلولٍ واحد.

وهنا يرد الإشكال: أنّ هذا التشبيه إن أُخذ على إطلاقه، اصطدم بالقاعدة الفلسفية المبرهنة القاضية بامتناع توارد عللٍ تامّة متعدّدة مستقلّة على معلولٍ واحد؛ إذ لكلّ معلولٍ واحدٍ علّةٌ تامّة واحدة لا غير. نعم، لو حُملت «العلل المتعدّدة» على العلل الناقصة المشتركة في إيجاد المعلول (كما في اشتراك جماعة في تغسيلٍ واحدٍ للميّت)، لكان التشبيه مقبولاً؛ إذ الفعل الخارجي واحدٌ، والفاعلون شركاء فيه، فيترتّب الغرض الواحد على ذاك الفعل الواحد، وتكون مشاركتهم بمثابة اشتراك أجزاء العلّة الناقصة.

بيد أنّ مصبّ بحثنا أعمّ من هذا الفرض؛ إذ يشمل المورد الذي تتحقّق فيه أفعالٌ مستقلّة متعدّدة، كما لو صلّى ألفُ مصلٍّ صلاةً مستقلّة على الميّت. ففي هذه الحالة، كلّ صلاةٍ وجودٌ مستقلّ، وكلّ فعلٍ امتثالٌ تامّ، وكلّ فاعلٍ مخاطبٌ بالوجوب ومستحقٌّ للثواب. وهنا يستحكم الإشكال: كيف نجمع بين القول بأنّ الغرض الواحد يتحصّل «بفعل الواحد»، وبين القول بأنّ «سقوط الغرض بفعل الكلّ»؟ فلو التزمنا بأنّ لكلّ فعلٍ غرضاً مستقلاً، لخالفنا ظاهر كلام الآخوند وسائر الأصوليين المطبقين على وحدة الغرض في الواجب الكفائي. وعليه، نحن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى تحليلٍ يضمن التحفّظ على وحدة الغرض من جهة، وينسجم مع التعدّد الواقعي للأفعال المستقلّة من جهةٍ أخرى.

الحلّ المقترح: الارتكاز على «القدر الجامع»

والسبيل لرفع هذا التهافت الظاهري، يكمن في اعتماد مبنى «القدر الجامع». إذ يمكن افتراض جامعٍ نوعيٍّ بين شتات أفعال الواجب الكفائي (كالصلوات المتعددة، أو التغسيلات المستقلة). فيكون المناط في صلاة الميّت مثلاً هو «تحقّق طبيعة الصلاة»، بغضّ النظر عن تكثّر أفرادها. وعليه، يكون الغرض الواحد للشارع مترتباً على هذا الجامع النوعي، لا على كلّ فردٍ بما هو علّةٌ مستقلّة. فكلّ صلاةٍ تُعدّ تطبيقاً ومصداقاً لذلك الجامع. ومتى ما تحقّق أوّل مصداقٍ للجامع في الخارج، حُصّل الغرض المترتّب عليه بتمامه. وأمّا الأفعال اللاحقة، فلئن لم تخلُ من أثرٍ في جانب الامتثال والمثوبة، إلّا أنّها لا تزيد شيئاً في أصل الغرض الكفائي.

ووفقاً لهذا المبنى، يُحمل قولهم: «غرض واحد يحصل بفعل واحد» على تحقّق أوّل مصداقٍ للجامع، لا على فعلٍ شخصيّ معيّن. ويُفهم قولهم: «سقوط الغرض بفعل الكلّ» بمعنى أنّ جميع الأفعال الصادرة، من حيث انطباقها على القدر الجامع، تشترك في تحقيق غرضٍ نوعيٍّ واحد. فلكلّ فاعلٍ نصيبٌ ثابتٌ من حقّ الامتثال واستحقاق المثوبة، بيد أنّ الغرض الكفائي الأصلي يُستوفى بتمامه بمجرّد تحقّق المصداق الأوّل للجامع. وفي ظلّ هذا التحليل، نكون في غنىً عن التشبّث بـ «توارد العلل المتعدّدة على معلول واحد» بمعناه الفلسفي الدقيق؛ إذ العلّة التامة الحقيقية واحدةٌ، وهي القدر الجامع للفعل الواجب. وما الأفعال المتعدّدة إلا انطباقاتٌ شتّى لذلك الجامع. فيترتّب الغرض الواحد على ذاك الجامع، وهو ما ينسجم تماماً مع القواعد الفلسفية (كوحدة العلّة التامة)، ويتطابق مع المرتكزات الأصولية للفقهاء في باب الواجب الكفائي.

نقد المحقّق الأصفهاني وتحليل محوريّة الفعل والفاعل

عقيب نقله لكلام الآخوند في الواجب الكفائي، سجّل المحقق الأصفهاني (قدس سره) نقداً جوهرياً عليه.[2] فقد بنى الآخوند تحليله على وحدة الغرض المتحصّل بفعلٍ واحد (صادراً عن الكلّ أو البعض)، ورتّب عليه سقوط الغرض بـ «فعل الكلّ» وتحقّق امتثال الجميع في فرض الدفعة. وهنا، فكّك الأصفهاني بين سنخين من الواجب الكفائي:

١- الفعل الشخصي الواحد القائم بالجماعة: كتغسيل الميّت وتكفينه ودفنه، حيث يشترك عدّة أفراد في إنجاز عملٍ واحد. ففي هذا المورد، نحن بإزاء فعلٍ خارجيٍّ واحد، يشترك الفاعلون في تحقيقه، ويترتّب الغرض الواحد على ذات ذلك الفعل الواحد. وفي هذا القسم، يصحّ تحليل الآخوند القائل بحصول الغرض الواحد بفعلٍ واحدٍ صادرٍ عن الكلّ.

٢- الأفعال المستقلّة المتعدّدة: كصلاة الميّت التي يؤدّيها جماعةٌ في آنٍ واحد، كلٌّ بصلاته المستقلّة. ففي هذا الفرض، كلّ صلاةٍ تمثّل وجوداً مستقلاً من الفعل، ويتحقّق بتبع كلٍّ منها «وجودٌ من الغرض المترتّب عليه». وعليه، ففي الخارج ثمة تعدّدٌ حقيقي في الفعل، وتعدّدٌ في الغرض المترتّب، لا فعلٌ واحدٌ ولا غرضٌ واحد. بيد أنّ ما ألزم به الشارع في الواجب الكفائي، إنّما هو تحصيل «وجودٍ واحدٍ من الغرض» فحسب.

وفي خصوص الصلوات المتعدّدة، حيث تتحقّق وجوداتٌ متعدّدة من الغرض، يطرح المحقق الأصفهاني تساؤله الدقيق: أيٌّ من هذه الوجودات يمثّل «الوجود الواحد من الغرض» اللازم تحصيله؟ وهل يسوغ حصر الامتثال في صلاةٍ خاصة وعدّ الباقي زائداً؟ وقد جاء جوابه بالنفي القاطع، معلّلاً ذلك بقوله:

لا مخصّصَ لأحدِ وجوداتِ الفعلِ والغرض، فلا يستقرّ الامتثالُ على وجودٍ خاصٍّ منها.

ومفاده انتفاء المرجّح والقرينة لتعيين إحدى الصلوات للامتثال وإخراج البواقي؛ إذ العرف يعدّها جميعاً امتثالاً للأمر الكفائي. فلو قيل باستقرار الامتثال على جميع الأفعال المتعدّدة، كانت النتيجة ما صرّح به (قدس سره):

ومعنى استقراره على الجميع سقوطُ الأمر والغرضِ الباعثِ عليه قهراً بفعلِ الجميع.

ومقتضى ذلك نسبة سقوط الأمر والغرض قهراً إلى مجموع الصلوات، وكأنّ الأمر قد تعلّق بـ «فعل الجميع»، والغرض يتحصّل من المجموع لا من الواحد. وهذا يتنافى مع التحليل الأولي للآخوند (المبتني على وحدة الغرض الحاصل بفعل الواحد)، ويُفضي إلى نحوٍ آخر من التحليل الكفائي الجمعي. والنتيجة السافرة لهذا النقد قصور تحليل الواجب الكفائي بالارتكاز المحض على ماهية الفعل الواجب (المكلّف به) ووحدة الغرض. ففي موارد تعدّد الأفعال المستقلة (كصلاة الميّت)، لا مناص من التدقيق في نسبة كلّ فعلٍ إلى الغرض، ونسبة كلّ مكلّفٍ إلى الخطاب وإلى سائر المكلّفين. وبذلك، يشرع المحقق الأصفهاني الباب أمام تحليلٍ لا يكتفي بالمكلّف به فحسب، بل يجعل من «هويّة المكلّف» و«كيفيّة توزيع الخطاب على الآحاد» ركناً في التحليل، متجاوزاً الاكتفاء الساذج بمعادلة «غرض واحد بفعل واحد».

ضرورة ركنيّة «المكلّف» و«المكلّف به» وبطلان نظريّة «الفعل الصرف»

عقيب نقده السابق، مهّد المحقق الأصفهاني للدخول المنقّح في بحث الواجب العيني والكفائي، بمقدّمةٍ أصوليّةٍ ذات صبغةٍ فلسفيّة، حيث قال:[3]

لا ريب في أنّ حقيقةَ البعث كما هي متقوّمةٌ بالمبعوثِ إليه – وهو الفعل المتعلَّق به البعث – كذلك متقوّمةٌ بالمبعوث – وهو المكلَّف الّذي هو موضوعُ التكليف.

ومحصّل بيانه أنّ البعث يستحيل تحقّقه من دون ركنيه الأساسيين: «المبعوث إليه» (وهو الفعل المأمور به)، و«المبعوث» (وهو المكلّف موضوع التكليف). إذ لا وجود لـ «بعثٍ مطلق» يخلوا من لحاظ الفعل والمخاطب معاً. وقد قرّب (قدس سره) هذا المعنى بالاستناد إلى أركان الحركة في الفلسفة (من محرّك، ومتحرّك، وما فيه الحركة، وما إليه الحركة)، مطبّقاً إيّاها على الإرادة التشريعية:

الشوقُ المطلق لا يوجد، فلا بدّ من تعلّقه بشيء؛ فإن كان ذلك الفعلُ فعلَ نفسه... وإن كان فعلَ الغير... .

فالنفس لا ينقدح فيها شوقٌ مطلقٌ بلا متعلّق. وكلّ شوقٍ إمّا أن يتعلّق بفعل النفس، أو بفعل الغير. وفي الفرض الثاني يتوجّه البعث نحو فعل الغير، مستلزماً تعيين مكلّفٍ محدّد. وتأسيساً على ذلك، أبطل المحقق الأصفهاني صراحةً التحليل القائل بأنّ الواجب الكفائي يتعلّق بذات الفعل، بمعزلٍ عن لحاظ فاعله، قائلاً:

فيستحيلُ دعوى أنّ الواجب في مثل الواجب الكفائي هو الفعلُ من دون نظرٍ إلى فاعله، وحيث إنّه مطلوبٌ للشارع يجب عقلاً على المكلَّفين تحصيلُ مراده.

ووجه الاستحالة أنّ دعوى وجوب الفعل الخارجي في الواجب الكفائي، من دون لحاظ فاعله من قِبَل الشارع، وإيكال الأمر إلى حكم العقل بإلزام المكلّفين، تؤول إلى القول بـ «بعثٍ بلا مبعوث» (أي تكليفٍ بلا مكلّف)، وهو ممتنعٌ بامتناع «البعث بلا متعلّق». والنتيجة أنّ الشارع في كلّ وجوبٍ ـ عينياً كان أم كفائياً ـ لا مناص له من لحاظ كلٍّ من «المكلّف به» و«المكلّف» معاً. فلا يصحّ القول في الواجب الكفائي: «إنّ الفعل واجب، ولكن لا فاعلَ معيّنٌ في البين».

السؤال المحوري: «من هو المكلّف بالواجب الكفائي؟» والاحتمالات الخمسة

بعد إرساء أصل «لابدّيّة وجود موضوعٍ للتكليف»، طرح المحقق الأصفهاني تساؤله النهائي مستعرضاً الاحتمالات المتصوّرة عقلاً للمكلّف في الواجب الكفائي، فقال:

فلا محالة هو إمّا الواحدُ المعيَّن، أو المردَّد، أو صرف الوجود، أو المجموع، أو الجميع.

وتفصيل هذه الصور الخمس كالآتي:

1- الواحد المعيَّن: أن يتوجّه الخطاب الكفائي إلى شخصٍ خاصٍّ محدّد (كزيدٍ مثلاً).

2- الواحد المردَّد: أن يكون المكلّف فرداً مبهماً غير متعيّن (أحدهم لا بعينه).

3- صرف الوجود من المكلّفين: أن يتعلّق الوجوب بطبيعة «صرف الوجود» للمكلّف؛ فأيّما فردٍ امتثل، انطبق عليه العنوان.

4- المجموع من حيث المجموع: أن يكون موضوع الوجوب هو الهيئة الاجتماعية لمجموع المكلّفين، بوصفها واحداً اعتبارياً.

5- الجميع: أن ينصبّ الوجوب ابتداءً على عهدة كافّة الأفراد (جميع المكلّفين فرداً فرداً).

وفي سياق بحثه اللاحق، يعمد المحقق الأصفهاني إلى تمحيص كلّ احتمالٍ على حدة، موازناً بينه وبين مقتضيات حقيقة البعث، واللوازم العرفية والعقلية للوجوب، والسمات الخاصّة للواجب الكفائي (كسقوط التكليف عن الباقين بفعل البعض). وتُعدّ هذه المقدّمة حجر الزاوية في منهجيّته لتحليل الواجب الكفائي. إذ يرى أنّ أيّ تحليلٍ يغفل اللحاظ المتلازم لـ «الفعل الواجب» و«شخص المكلّف»، ولا يحسم عقلاً تعيين موضوع البعث من بين هذه الصور الخمس، فهو تحليلٌ قاصرٌ أو مآله إلى الامتناع.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

----------------------
[1]- ‏آخوند خراسانی، محمد کاظم، «کفایة الأصول»، ج 1، ص 264.
[2]- ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 277-288.
[3]- المصدر نفسه، ج 2، ص 277، الهامش رقم 2.

----------------------
المصادر
- آخوند خراسانی، محمد کاظم، کفایة الأصول، ۳ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1430.
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.


الملصقات :

صرف الوجود القدر الجامع الواجب العيني الواجب الكفائي سنخ من الوجوب البعث المكلّف المكلّف به الواحد المعيّن الواحد المردّد

نظری ثبت نشده است .