الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/٩/١٨


شماره جلسه : ۴۴

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • محصّلة البحث المتقدّم

  • مبنى المرحوم الروحاني في الواجب التخييري

  • المقدِّمةُ الأولى: التحليل المفهومي لـ «الفرد على البدل» بالحمل الأوَّلي والشائع

  • المقدِّمةُ الثانية: نطاقُ تعلُّق الصفات النفسانيَّة وتبيين «المعلوم بالذات»

  • برهانُ نفي التعلُّق المباشر للصفة النفسيَّة بالخارج

  • استنتاجُ المرحوم الروحاني: تعلُّق الوجوب التخييري بمفهوم «الفرد على البدل» بالحمل الشائع

  • عدمُ اللغويَّة أو انعدامِ الموضوعيَّة للصفة

  • الإشكالُ على المقدِّمة الثانية: لزومُ مرآتيَّةِ المفهوم بالنسبة إلى الخارج

  • جوابُ صاحب «المنتقى»: إنكار لزوم الارتباط الحقيقي والمرآتي بالخارج

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
 
محصّلة البحث المتقدّم

تطرَّقنا في الجلسة السابقة إلى تبيين وتكميل مبنى المحقِّق الأصفهاني في امتناع «الفرد المردَّد»، والنقد المباشر لكلام الآخوند الخراساني. فقد قَبِل الآخوند أصل تعلُّق كثيرٍ من الصفات الحقيقيَّة والاعتباريَّة (كالعلم، والملكيَّة، والزوجيَّة، والوجوب والحرمة) بالفرد المردَّد، إلَّا أنَّه استثنى «البعث»؛ معلِّلاً ذلك بأنَّ غايته هي جعل الداعي في نفس المكلَّف، والداعي لا ينقدح تجاه الأمر المُبهَم. بينما اعتبر المحقِّق الأصفهاني هذا الاستثناء قاصراً، مؤكِّداً أنَّ عدم تعلُّق البعث بالفرد المردَّد لا ينشأ من غاية البعث فحسب، بل ينبع من صميم حقيقة البعث؛ فالبعث أمرٌ انتزاعي ذو إضافة يكتسب تشخُّصه بتمامه من المتعلَّق، فلو كان المتعلَّق مُبهَماً، لَما تحقَّق البعث نفسه. وقد سُرِّي هذا التحليل إلى الإرادة التكوينيَّة والتشريعيَّة أيضاً؛ لأنَّ الإرادة تبتني على الشوق، و«الشوق المطلق» بالنسبة إلى مجهول المتعلَّق لا معنى له. ثم نُقِل الاستدلال الشائع على الامتناع، القائم على عَرَضيَّة الحكم وحاجة العَرَض إلى موضوعٍ معيَّن، وبُيِّن أنَّ هذا الوجه ليس المنشأ الحقيقي للاستحالة في نظر الأصفهاني؛ وإن كان قد أُشير إلى ثلاثة أجوبةٍ مشهورةٍ عليه: تمايز الشيخ الأنصاري بين الأعراض التكوينيَّة والاعتباريَّة والتمسُّك بخِفَّة مؤونة الاعتبار؛ والنقض الوارد من الآخوند بواسطة العلم الإجمالي؛ وتفصيل النائيني بين الإرادة التكوينيَّة والتشريعيَّة. إلَّا أنَّ المحقِّق الأصفهاني يتجاوز هذا المستوى، ويقيم برهانين مستقلَّين: الأوَّل، الاستحالة الذاتيَّة للفرد المردَّد؛ لأنَّ «المردّد بما هو مردّد لا ثبوت له لا خارجاً ولا ذهناً»، وكلُّ موجودٍ مساوقٌ للتشخُّص. الثاني، استحالة تعلُّق الصفة المتعيِّنة بالمتعلَّق المُبهَم؛ لأنَّه يستلزم إمَّا تردُّد الصفة المعيِّنة وإمَّا تعيُّن المتعلَّق المردَّد، وكلاهما خُلف. وفي السياق، جرى استعراض تقرير «منتقى الأصول» للوجوه الأربعة للامتناع (المنسوبة للشيخ والآخوند ووجهَي الأصفهاني)، مع التنبيه على أنَّ المبنى النهائي للأصفهاني هو الامتناع المطلق لتعلُّق أيِّ صفةٍ تعلُّقيَّة - حقيقيَّةً كانت أم اعتباريَّة - بالفرد المردَّد. وبناءً عليه، ينحصر متعلَّق الحكم والاعتبار في «الجامع المعيَّن»، لا الفرد المردَّد المصداقي؛ وتظهر ثمرات هذا المبنى بوضوحٍ في المعاملات المردَّدة، والنيَّة المردَّدة، وتحليل التكليف بأحدِهما.

مبنى المرحوم الروحاني في الواجب التخييري

يلتقي صاحب «منتقى الأصول» في النتيجة مع المحقِّق النائيني في مسألة الواجب التخييري، حيث يرى عدم وجود أكثر من وجوبٍ واحد؛ وإن كان يختار مساراً مغايراً في الاستدلال والصياغة الثبوتيَّة. وحاصل مبناه كالتالي:

في الواجب التخييري، قد جُعِل وجوبٌ واحد. ومتعلَّق هذا الوجوب الواحد، ليس «الجامع الانتزاعي» على حدِّ قول المحقِّق الخوئي، ولا وجوباتٍ متعدِّدةً منحلَّةً بعدد الأطراف؛ بل هو «أحد الأمرين على سبيل البدل»؛ أي تكليفٌ واحدٌ بالنسبة إلى «واحدٍ من الفعلين بنحو البدليَّة». وقد صرَّح (قدس سره) بعد نقل ونقد وجوه الاستحالة قائلاً:

و شيءٌ منها لا ينهض مانعاً عن تعلّق التكليف بالفرد المردّد، و لأجل ذلك يمكننا أن ندّعي أنّ متعلّق الوجوب التخييري هو أحد الأمرين على سبيل البدل في الوقت الّذي لا ننكر فيه أنّ الفرد المردّد لا واقع له، و أنّ كلّ موجودٍ في الخارج معيّن لا مردّد.[1]

ومفاد كلامه أنَّ أيّاً من الوجوه المذكورة لامتناع تعلُّق التكليف بالفرد المردَّد، ليس تامّاً في نظره. ولذا يمكن الادِّعاء بأنَّ متعلَّق الوجوب التخييري هو «أحد الأمرين على سبيل البدل». وإن كان يصرِّح في الوقت ذاته بأنَّ «الفرد المردَّد لا واقع له»، وأنَّ كلَّ موجودٍ خارجيٍّ فهو بالفعل معيَّنٌ ولا سبيل للتردُّد في الواقع. وللجمع بين هذين الأمرين، يوضِح صاحب «المنتقى» أنَّ المقصود من تعلُّق الحكم هو نفس مفهوم «الفرد على البدل»، لا «الفرد المردَّد الخارجي»؛ كما في تعبيره:

و بتعبيرٍ آخر نقول: إنّ المدّعى كون متعلّق الحكم مفهومَ الفرد على البدل، أو فقل: هذا أو ذاك، بمعنى أنّ كِلا من الأمرين يكون مورد الحكم الواحد، لكن بنحو البدل في قبال أحدهما المعيّن، و كلاهما معاً بنحو المجموع.

وبناءً على ذلك، ففي خصال الكفَّارة، لم يُجعَل أكثر من وجوبٍ واحد. فللمولى حكمٌ واحدٌ ناظرٌ إلى «إمّا عتق رقبة، وإمّا إطعام ستِّين مسكيناً». وكلا الفعلين «موردٌ» لنفس هذا الحكم الواحد، ولكن «بنحو البدل»؛ لا بصورة المجموع، ولا بصورة تعيُّن أحدهما في نفس الأمر.

وبما أنَّه يرى «الفرد المردَّد» نفسه فاقداً للواقع الخارجي، فإنَّه يُرجِع التعلُّق إلى «مفهوم الفرد على البدل»؛ بمعنى أنَّ متعلَّق الحكم هو نفس عنوان «أحدهما غير المعيَّن مصداقاً»، بحيث يكون «هذا أو ذاك» كلٌّ منهما مصداقاً لذلك المفهوم بنحو البدليَّة. وبهذا الترتيب، يقبل صاحب «منتقى الأصول» - مع الحفاظ على أصل امتناع الفرد المردَّد في الواقع الخارجي - في مقام الجعل والاعتبار، مفهومَ «الفرد على البدل» / «هذا أو ذاك» بوصفه متعلَّقاً لوجوبٍ واحدٍ في الواجب التخييري. ويؤيِّد بذلك تحليل المحقِّق النائيني من حيث وحدة الوجوب، وإن كان عبر مسار «مفهوم الفرد على البدل»، لا من طريق «الفرد المردَّد الخارجي».

المقدِّمةُ الأولى: التحليل المفهومي لـ «الفرد على البدل» بالحمل الأوَّلي والشائع

يورد صاحب «منتقى الأصول» مقدِّمتين لتبيين مبناه في الواجب التخييري. المقدِّمة الأولى ناظرةٌ إلى تحليل نفس مفهوم «الفرد على البدل» أو «الفرد المردَّد»، وترتكز على التمييز بين الحمل الأوَّلي والحمل الشائع. حيث يصرِّح بأنَّ عنوان «الفرد على البدل» (أو بالتعبير العرفي: «هذا أو ذاك») يُعَدُّ في ساحة المفهوم، مفهوماً متعيِّناً بذاته:

الأولى: أن مفهومَ الفرد على البدل أو الفرد المردّد الّذي يُعبّر عنه بالتعبير العرفي بـ: «هذا أو ذاك» من المفاهيم المتعينة في أنفسها، فإنّ المردّد مردّدٌ بالحمل الأوّلي لكنّه معيّنٌ بالحمل الشائع، نظيرُ مفهومِ الجزئي الّذي هو جزئيٌّ بالحمل الأوّلي، كليٌّ بالحمل الشائع، فالفرد على البدل مفهومٌ متعيّن، و لذا نستطيع التعبير عنه والحكم عليه وتصوّره في الذهن كمفهومٍ من المفاهيم، فهو على هذا قابلٌ لتعلّق الصفات الحقيقية والاعتبارية به كغيره من المفاهيم المتعينة.[2]

وتحليلُ هذه العبارة هو:

الحملُ الأوَّلي: التردُّدُ في مستوى ماهيَّة المفهوم

في الحمل الأوَّلي، يكون نظرنا متَّجهاً إلى ماهيَّة نفس المفهوم، لا إلى تطبيقه على المصاديق. وفي هذا المستوى، يصدق أنَّ: «المردَّد مردَّدٌ بالحمل الأوَّلي»؛ أي أنَّ مفهوم «الفرد المردَّد» بما هو مفهوم، يحمل عنوان الترديد في صميم ذاته؛ تماماً كما نقول: «الإنسان إنسانٌ» أو «المفهوم هو المفهوم».

الحملُ الشائع الصناعي: التعيُّن في مصفِّ المفاهيم الذهنيَّة

أمَّا في الحمل الشائع، فالحديث يدور حول كيفيَّة لحاظ هذا المفهوم في عِداد سائر المفاهيم الموجودة في الذهن. فههنا، نفس هذا المفهوم - أي «الفرد المردَّد» الذي كان مردَّداً بالحمل الأوَّلي - يقع الآن كـ «مفهومٍ معيَّن ومتميز» بين سائر المفاهيم الذهنيَّة: «المردّدُ معيّنٌ بالحمل الشائع». وبتعبير صاحب «المنتقى»: يمكننا تصوُّر هذا المفهوم في الذهن، والحكم عليه، وجعله موضوعاً للحمل والإسناد بوصفه وحدةً مفهوميَّةً مستقلَّة.

التشبيهُ بالمثال المعروف لـ «الجزئي»

ولتقريب المعنى إلى الذهن، يطرح (قدس سره) مثال «مفهوم الجزئي». فـ «الجزئيُّ جزئيٌّ بالحمل الأوَّلي»؛ لأنَّ مفهوم الجزئيَّة، في مقام التحليل الماهوي، هو جزئي. ولكن في الحمل الشائع، يكون نفس عنوان «جزئي» كليّاً يصدق على مصاديق متعدِّدة (كزيد، وعمرو، وهذا الشيء)؛ ولذا يُقال: «الجزئيُّ كليٌّ بالحمل الشائع». وعلى هذا القياس، فإنَّ «الفرد على البدل» أيضاً هو عنوانٌ مردَّدٌ بالحمل الأوَّلي، ولكنَّه بالحمل الشائع يُعَدُّ مفهوماً معيَّناً ومشخَّصاً بين المفاهيم.

النتيجةُ المفهوميَّة لهذه المقدِّمة

من خلال هذا التحليل، يستنتج صاحب «المنتقى» أنَّ عنوان «الفرد على البدل» أو «الفرد المردَّد» - بلحاظ الحمل الشائع - هو مفهومٌ متعيِّن. ومن هنا، يمكن تصوُّره في الذهن، وإطلاق العنوان عليه، والحكم بشأنه. وبهذا الاعتبار: «فهو على هذا قابلٌ لتعلّق الصفات الحقيقية والاعتبارية به كغيره من المفاهيم المتعينة». بمعنى أنَّه من الناحية المفهوميَّة، لا مانع من تعلُّق الصفات الحقيقيَّة والاعتباريَّة بهذا العنوان بوصفه متعلَّقاً ذهنيّاً.

وتأسيساً على ذلك، يصرِّح صاحب «المنتقى» بأنَّ محلَّ البحث في الواجب التخييري - حينما نتساءل: «هل يمكن للوجوب أن يتعلَّق بالفرد على البدل أم لا؟» - ناظرٌ إلى هذا المفهوم المعيَّن بالحمل الشائع، لا إلى الفرد المردَّد بوصفه واقعاً مُبهَماً. وبعبارة أخرى، إنَّ كلامه في هذه المقدِّمة ينحصر في أنَّ «أحدهما على البدل» كعنوانٍ ومفهوم، هو متعلَّقٌ معيَّن. فمن هذه الجهة، يمتلك - على الأقل في ساحة المفهوم - قابليَّة تعلُّق الحكم به. أمَّا البحث عمَّا إذا كان بالإمكان واقعاً جعلُ هذا المفهوم متعلَّقاً للوجوب في مقام الجعل الشرعي والامتثال العرفي، فهو ما سيجري تتبُّعه في المراحل اللاحقة من استدلاله.

وتأسيساً على ذلك، يصرِّح صاحب «المنتقى» بأنَّ محلَّ البحث في الواجب التخييري - حينما نتساءل: «هل يمكن للوجوب أن يتعلَّق بالفرد على البدل أم لا؟» - ناظرٌ إلى هذا المفهوم المعيَّن بالحمل الشائع، لا إلى الفرد المردَّد بوصفه واقعاً مُبهَماً. وبعبارة أخرى، إنَّ كلامه في هذه المقدِّمة ينحصر في أنَّ «أحدهما على البدل» كعنوانٍ ومفهوم، هو متعلَّقٌ معيَّن. فمن هذه الجهة، يمتلك - على الأقل في ساحة المفهوم - قابليَّة تعلُّق الحكم به. أمَّا البحث عمَّا إذا كان بالإمكان واقعاً جعلُ هذا المفهوم متعلَّقاً للوجوب في مقام الجعل الشرعي والامتثال العرفي، فهو ما سيجري تتبُّعه في المراحل اللاحقة من استدلاله.

المقدِّمةُ الثانية: نطاقُ تعلُّق الصفات النفسانيَّة وتبيين «المعلوم بالذات»

في المقدِّمة الثانية، يتناول صاحب «منتقى الأصول» تبيين موقعيَّة متعلَّق الصفات النفسانيَّة، مستنداً إلى نكتةٍ أصوليَّةٍ - فلسفيَّةٍ مفادها أنَّ الصفات النفسيَّة القائمة بالنفس، لا تتعلَّق بالذات بالخارجيَّات، بل إنَّ متعلَّقها بالذات هو المفاهيم والصور الذهنيَّة الموجودة في أفق النفس. وعبارته في ذلك:

الثانية: أنّ الصفات النفسيّة كالعلم ونحوه لا تتعلّق بالخارجيات، بل لا بدّ وأن يكون معروضها في أفق النفس دون الخارج، وإلاّ لزم انقلاب الخارج ذهناً أو الذهن خارجاً، وهو خلف؛ فمتعلّق العلم ونحوه ليس إلاّ المفاهيم الذهنية لا الوجودات الخارجية.[3]

وتحليلُ هذه المقدِّمة كالتالي:

الصفاتُ النفسيَّة ومحلُّ تعلُّقها

المراد بـ «الصفات النفسيَّة» الأوصاف القائمة بالنفس؛ كالعلم، وما هو من هذا السنخ (ويمكن في التوسعة التحليليَّة إدراج الإرادة، والحبّ، والشوق، والبغض، والغضب، ونحوها في نفس السياق). يقول صاحب «المنتقى»: إنَّ هذه الصفات قائمةٌ بذاتها في النفس. ولهذا السبب، يجب أن يكون معروضها ومتعلَّقها بالذات أيضاً في أفق النفس، لا في الخارج. فلو افترضنا تعلُّق هذه الأوصاف مباشرةً بالخارج، لكان لازمه إمَّا انقلاب الخارج إلى ذهن، وإمَّا انقلاب الذهن إلى خارج، و«انقلاب الخارج ذهناً أو الذهن خارجاً» محال. ومن هنا، «فمتعلّق العلم ونحوه ليس إلاّ المفاهيم الذهنية لا الوجودات الخارجية»؛ أي أنَّ المتعلَّق الحقيقيَّ للعلم وأمثاله، هو نفس المفاهيم والصور الذهنيَّة، لا أعيان الموجودات الخارجيَّة بما هي هي.

تبيينُ «المعلوم بالذات» و«المعلوم بالعَرَض»

يُصاغ هذا التحليل في إطار الاصطلاح الحكمي والمنطقي المعروف لـ «المعلوم بالذات» و«المعلوم بالعَرَض». المعلوم بالذات هو الصورة والمفهوم الذهني الحاضر في نفس العالِم، والذي يتعلَّق به العلم بالذات. المعلوم بالعَرَض هو الشيء الخارجي الذي تحكي عنه تلك الصورة الذهنيَّة، وبواسطة هذه الحكاية نقول: «إنَّنا نعلم به». مثلاً عندما نقول: «أعلم بأنَّ زيداً مجتهد»، فإنَّ حقيقة هذا العلم هي تعلُّقه بصورة «اجتهاد زيد» في نفسي. فهذه الصورة هي المعلوم بالذات. أمَّا زيدٌ الخارجي، بأوصافه واجتهاده، فهو المعلوم بالعَرَض؛ لأنَّ علمي به يمرُّ عبر مجرى تلك الصورة الذهنيَّة.

والشاهد على ذلك أنَّ شخصاً آخر لو كان لا يعرف زيداً أصلاً أو لم تكن هذه الصورة في ذهنه، فإنَّه لا يملك «علماً باجتهاد زيد». فمعلومه هو العدم، وإن كان زيدٌ في الخارج مجتهداً. إذن، يُعلَم أنَّ محلَّ التعلُّق بالذات، هو دائماً ما في أفق النفس.

برهانُ نفي التعلُّق المباشر للصفة النفسيَّة بالخارج

واستدلال صاحب «المنتقى» على أنَّ المتعلَّق الأصلي للعلم ونحوه ليس هو الخارج العيني، هو أنَّ الذهن والخارج وعاءان متباينان. فالصفة القائمة بالنفس (كالعلم والإرادة)، لو أرادت التعلُّق مباشرةً بالخارج بما هو خارج، للزم حدوثُ نحوٍ من الاتِّحاد أو الانقلاب بين هذين الوعاءين. وهذا ما عُبِّر عنه بـ: «لزم انقلاب الخارج ذهناً أو الذهن خارجاً»، وهو محالٌ وخُلف. ولذا، فإنَّ تعلُّق العلم والحبِّ والإرادة بالخارج، إذا قيل به، فلا سبيل له إلَّا أن يكون بالعَرَض وبالتبَع؛ أي بواسطة الصور والمفاهيم الموجودة في النفس، والتي هي المتعلَّق بالذات لهذه الصفات.

نماذجُ تحليليَّةٌ لتقرير المطلب

لتقريب هذا المعنى، يمكن الالتفات إلى سنخين من الأمثلة:

١- في باب العلم: من كان لديه علمٌ بعدالة زيد، وكان زيدٌ عادلاً في الواقع؛ فلو ارتكب زيدٌ لاحقاً معصيَّةً كبيرةً وبقي العالِم غافلاً عن هذا التغيُّر، فإنَّ علمه بعدالة زيد يبقى في نفسه على صورته السابقة. فالتغيُّر في الواقع الخارجي، لا يستلزم بنفسه تغيُّراً في العلم النفساني. وبالعكس أيضاً، قد يظنُّ أحدٌ بسبب قرائن معيَّنة أنَّ عدالة زيدٍ قد زالت ويتغيَّر علمه في النفس، والحال أنَّ زيداً لا يزال عادلاً في الخارج؛ ففي هذه الحالة أيضاً، التغيُّر في العلم لا يستلزم تغيُّراً في الخارج.

٢- في باب الحبِّ والشوق: لو كان لدى شخصٍ حبٌّ واشتياقٌ تجاه «إنسانٍ كامل» بأوصافٍ معيَّنة، فإنَّ محبوبه في الحقيقة هو نفس تلك الصورة الذهنيَّة للإنسان الكامل الحاضرة في نفسه. فلو قيل بتعلُّق الحبِّ مباشرةً بالشخص الخارجي، لكان لازمُ ذلك أنَّ أيَّ تغيُّرٍ في أوصاف ذلك الإنسان في الخارج، يُحدِث بالضرورة تغيُّراً في نفس الحبِّ النفساني؛ والحال أنَّنا نجد وجداناً أنَّ المحبوب قد يتغيَّر في الخارج، ومع ذلك يبقى حبُّ الشخص لتلك الهيئة الذهنيَّة كما كان، ما دام لم يطَّلع على ذلك التغيُّر.

وهذه النماذج تؤيِّد بدقَّةٍ نفس التفكيك الذي ركَّز عليه صاحب «المنتقى». فالصفات النفسانيَّة، أعمُّ من العلم وما هو في زمرته، قائمةٌ بالنفس. ومتعلَّقها بالذات هو المفاهيم والصور الذهنيَّة في أفق النفس. والتعلُّق بالخارج، إذا عُبِّر به، فإنَّما هو بالعَرَض وبالتبَع، لا بالذات. ومن هنا، لا يمكن اعتبار المتعلَّق الحقيقيِّ لهذه الصفات هو «الخارج بما هو خارج».

وهذه المقدِّمة، في سياق بحث صاحب «المنتقى»، تمهِّد الطريق للنتيجة التالية: بما أنَّ مفهوم «الفرد على البدل» موجودٌ في الذهن كمفهومٍ متعيِّن، فبالإمكان - على الأقل في ساحة الصفات النفسانيَّة وفي مرحلة الجعل والاعتبار - الحديث عن تعلُّقها بهذا العنوان المفهومي، من دون أن نضطرَّ إلى قَبول التعلُّق المباشر بالفرد المردَّد الخارجي.

استنتاجُ المرحوم الروحاني: تعلُّق الوجوب التخييري بمفهوم «الفرد على البدل» بالحمل الشائع

يستنتج صاحب «منتقى الأصول» - بعد إقامة المقدِّمتين السابقتين - أنَّ متعلَّق الوجوب في الواجب التخييري هو «مفهوم الفرد على البدل» بلحاظ الحمل الشائع، لا بلحاظ الحمل الأوَّلي. وبعبارة أخرى، إنَّ ما يتعلَّق به الوجوب التخييري هو العنوان المفهومي لـ «هذا أو ذاك»، بحدِّ كونه مفهوماً متعيِّناً في الذهن، لا الفرد المردَّد الخارجي.

واستناداً إلى المقدِّمة الأولى، اتَّضح أنَّ عنوان «الفرد على البدل» أو «الفرد المردَّد»، هو مردَّدٌ مفهوماً بالحمل الأوَّلي. إلَّا أنَّ هذا العنوان نفسه، بالحمل الشائع الصناعي وفي عِداد سائر المفاهيم الذهنيَّة، يُعَدُّ «مفهوماً معيَّناً ومتميزاً»؛ أي أنَّه يمثِّل في سلسلة المفاهيم وحدةً مفهوميَّةً مشخَّصةً يمكن أن تندرج تحت عناوين أكثر كليَّةً كـ «المفهوم المعيَّن» في قبال «المفهوم المُبهَم» أو «المجموع». والمقدِّمة الثانية أفادت أنَّ الصفات النفسيَّة كالعلم، والإرادة، والحبِّ، والشوق، وما يلحق بها من الاعتبارات النفسانيَّة، تتعلَّق بالذات بما في أفق النفس، لا بالخارج بما هو خارج. فالمتعلَّق بالذات لهذه الصفات هو نفس المفاهيم والصور الذهنيَّة المتحقِّقة في النفس؛ والتعلُّق بالخارج، إن قيل به، فهو بالتبَع وبالعَرَض.

وبضمِّ هاتين المقدِّمتين، يخلُص صاحب «المنتقى» إلى النتيجة التالية: إذا كان «الفرد على البدل» مفهوماً متعيِّناً في الذهن بالحمل الشائع؛ وإذا كانت الصفات النفسيَّة والاعتبارات القائمة بالنفس تتعلَّق بالذات بالمفاهيم الذهنيَّة؛ إذن، يمكن القول فيما نحن فيه بأنَّ الوجوب التخييري يتعلَّق بـ «مفهوم الفرد على البدل»؛ أي بنفس ذلك العنوان المفهومي لـ «هذا أو ذاك»، الذي هو في أفق الذهن وبلحاظ الحمل الشائع «معيَّن»، وإن كانت ماهيَّته بالحمل الأوَّلي «مردَّدة». والنكتة الهامَّة هنا، هي التفكيك بين استعمالين للحمل الشائع:

١- الحمل الشائع المعهود (نسبة المصداق الخارجي والمفهوم الكلِّي)، نظير قولنا: «زيدٌ إنسانٌ». ففي هذا المثال، يكون زيدٌ الخارجي مصداقاً للمفهوم الكلِّي لـ «الإنسان».

٢- الحمل الشائع في مستوى المفاهيم (نسبة المفهوم الخاصِّ إلى المفهوم الأعم)، نظير القضيَّة المنطقيَّة المعروفة: «الجزئي كليٌّ بالحمل الشائع». حيث ليس المقصود أنَّ «الجزئيَّ الخارجيَّ كلِّي»، بل المقصود أنَّ نفس مفهوم «الجزئيَّة» هو مفهومٌ كلِّي ينطبق على موارد متعدِّدة (كزيد، وعمرو، وهذا الشيء)، ومن هذه الحيثيَّة فهو «كلِّيٌّ بالحمل الشائع».

ويرى صاحب «المنتقى» أنَّ مورد بحثنا هو من سنخ القسم الثاني. فـ «الفرد على البدل» هو مفهومٌ في قبال مفاهيم كـ «الفرد المعيَّن»، و«المجموع من الفردين»، و«العنوان الجامع»، وما شابهها. وعندما يقول: «الفردُ على البدلِ معيَّنٌ بالحمل الشائع»، فمراده أنَّ هذا العنوان يُعَدُّ في مصفِّ سائر المفاهيم الذهنيَّة، مفهوماً مشخَّصاً وقابلاً للإشارة؛ بحيث يمكن جعله مصداقاً مفهوميّاً لعنوانٍ أعم (كـ «المفهوم المعيَّن» في مقابل «المفهوم المُبهَم» أو «المجموعي»).

ولتقريب الذهن، يقول (قدس سره): أنت الآن تتصوَّر في ذهنك مفهوم «الفرد على البدل». فلو سُئلتَ: هل هذا الشيء الحاضر في ذهنك، بوصفه «مفهوماً»، معيَّنٌ أم مُبهَم؟ لكان الجواب: بالحمل الأوَّلي، ما تُصوِّر هو عنوان «مردَّد»؛ أي أنَّ نفس المفهوم يشتمل على معنى الترديد. أمَّا بلحاظ الحمل الشائع، فإنَّ هذا العنوان يُعَدُّ بين سائر المفاهيم الذهنيَّة مفهوماً معيَّناً ومتميزاً، في قبال مفاهيم كـ «الفرد المعيَّن»، و«مجموع الفردين»، و«العنوان الجامع المفهومي» وغيرها. وعلى هذا الأساس، فإنَّ «مفهوم الفرد على البدل» بالحمل الشائع، هو مصداقٌ مفهوميٌّ معيَّن. وبما أنَّ محلَّ البحث في تعلُّق الوجوب هو هذا المستوى من الحمل الشائع، لا الحمل الأوَّلي.

فيستنتج صاحب «المنتقى»: أنَّه كما تتعلَّق سائر الصفات النفسانيَّة بالمفاهيم الذهنيَّة، فإنَّ الوجوب أيضاً يمكن أن يتعلَّق بهذا المفهوم الذهنيِّ المعيَّن، أي «الفرد على البدل مفهوماً». وبذلك، يقع «الفرد على البدل» - بوصفه مفهوماً معيَّناً في أفق الذهن - متعلَّقاً للواجب التخييري، لا الفرد المردَّد الخارجي الذي «لا واقع له». ويعمِّم هذه النتيجة بشكلٍ أوسع، فيكتب:

و إذا تمّت هاتان المقدّمتان تُعرَف صحّة ما ندّعيه من كون متعلّق العلم الإجمالي في مورده، والملكيّة في صورة بيع الصاع من صُبرة، والبعث في الواجب التخييري هو الفرد على البدل ومفهوم «هذا أو ذاك». فإنّه مفهومٌ متعيّنٌ في نفسه كسائر المفاهيم المتعيّنة، ولا يلزم منه انقلابُ المعين مردّداً، إذ المتعلَّق له تعيّنٌ وتقرّر، كما لا يلزم كونُ الصفة بلا مقوِّم، إذ المفهوم المذكور له واقعٌ.[4]

وخلاصةُ المدَّعى بناءً على هذه العبارة هي أنَّه في الموارد الثلاثة الرئيسة - أي متعلَّق العلم الإجمالي في مورد نفسه، ومتعلَّق الملكيَّة في «بيع صاعٍ من صُبرة»، ومتعلَّق البعث في الواجب التخييري - يمكن إرجاعها جميعاً إلى «الفرد على البدل» و«مفهوم هذا أو ذاك». ومفهوم «هذا أو ذاك»، هو مفهومٌ متعيِّنٌ بذاته: «فإنّه مفهومٌ متعيّنٌ في نفسه كسائر المفاهيم المتعيّنة». وبالتالي، فإنَّ تعلُّق الصفة به لا يستلزم «انقلاب المعيَّن مردَّداً»؛ لأنَّ ما وقع متعلَّقاً للصفة، هو بذاته مفهومٌ متعيِّنٌ ومقرَّر: «إذ المتعلّق له تعيّنٌ وتقرّر».

عدمُ اللغويَّة أو انعدامِ الموضوعيَّة للصفة

إنَّ تعلُّق الوجوب أو العلم بهذا المفهوم، لا يستلزم بقاءَ الصفة التعلُّقيَّة «بلا مقوِّم». لأنَّ «المفهوم المذكور له واقعٌ»؛ أي أنَّه يحظى بواقعٍ مفهومي في أفق الذهن، وبإمكانه أن يقع طرفاً لإضافة العلم، والإرادة، والوجوب.[5] وعلى هذا الأساس، يعتقد صاحب «المنتقى» أنَّ الإشكال الثاني للمحقِّق الأصفهاني - القائل بأنَّ تعلُّق الحكم بالفرد المردَّد يستلزم انقلاب المعيَّن إلى مردَّد أو المردَّد إلى معيَّن - لا يجري في هذا الإطار. ففي تحليله، متعلَّق الوجوب هو «الفرد على البدل بالحمل الشائع»، وهو أمرٌ معيَّن. ومن هنا، لا يلزَم أن «يصبح المعيَّن مردَّداً»، ولا أن «يصبح المردَّد معيَّناً». بل إنَّ متعلَّق الوجوب منذ البدء هو عنوانٌ ذو تعيُّن في ساحة المفاهيم؛ وتعلُّق الحكم بمثل هذا العنوان لا يلازم ثبوتاً ومفهوماً أيّاً من المحاذير المطروحة.

الإشكالُ على المقدِّمة الثانية: لزومُ مرآتيَّةِ المفهوم بالنسبة إلى الخارج

عقب ذكر المقدِّمتين، يشير صاحب «منتقى الأصول» إلى إشكالٍ هامٍّ يرِد على المقدِّمة الثانية. وخلاصة الإشكال هي: لقد ذكرتم في المقدِّمة الثانية أنَّ الصفات النفسيَّة - كالعلم، والإرادة، والحبِّ، والشوق، وغيرها - تتعلَّق بالمفاهيم الموجودة في أفق النفس، لا بالخارج بما هو خارج. ولكنَّ هذا التعلُّق، من الواضح أنَّه لا يكون بـ «المفهوم بما هو مفهوم»؛ بل هو بالمفهوم بما هو مرآةٌ للواقع. أي أنَّ هذه الصورة الذهنيَّة، من حيث كونها حاكيةً ودالَّةً على واقعٍ خارجي، تقع متعلَّقاً للعلم والإرادة والحبّ. والآن، إذا كنتم قد سلَّمتم بأنَّ «الفرد المردَّد» لا واقع له في الخارج؛ فينبثق هذا التساؤل: إذا كان من المقرَّر أن يتعلَّق الوجوب التخييري بـ «مفهوم الفرد على البدل»، فلا بدَّ لهذا المفهوم - وفقاً لمبناكم - من أن يمتلك نوعاً من الارتباط والمرآتيَّة تجاه الخارج؛ والحال أنَّه لا وجود لشيءٍ في الخارج باسم «الفرد المردَّد»، ليكون هذا المفهوم مرآةً له.

وبعبارة أخرى، يمكن تقرير الإشكال كالتالي: لقد قمتم، عبر المقدِّمتين، بتثبيت «مفهوم الفرد المردَّد» في عالم الذهن بوصفه مفهوماً متعيِّناً بالحمل الشائع، ثم قلتم بتعلُّق الوجوب بهذا المفهوم الذهني. ولكنَّ هذا المفهوم، مهما كان واضحاً ومتميزاً في الذهن، إذا لم يكن له أيُّ متعلَّقٍ ومطابِقٍ في الخارج، فكيف يسعه أن يكون من سنخ المفاهيم التي تتعلَّق بها الصفات النفسيَّة كمتعلَّقٍ بالذات، والحال أنَّ هذا التعلُّق يُقاس ارتكازاً بنوعٍ من الارتباط بالواقع؟ ويطرح صاحب «المنتقى» هذا الإشكال في قالب العبارة التالية:

يبقى شيء، وهو: أنّ الصفات المذكورة وإن تعلّقت بالمفاهيم، لكنّها مرتبطةٌ بالواقع الخارجيّ بنحو ارتباطٍ ومأخوذةٌ مرآةً للواقع، والمفروض أنّه لا واقعَ لمفهوم الفرد المردّد، فكيف يتعلّق به العلم؟![6]

فمحور الإشكال واضح. إذا كانت المفاهيم - بوصفها متعلَّقاتٍ للعلم والإرادة - «مرآةً للواقع»؛ وإذا كان «مفهوم الفرد المردَّد» يفتقد الواقع الخارجي؛ فإذن، كيف يتمُّ توجيه الارتباط المرآتي اللازم لتعلُّق الصفة في هذا المورد؟

جوابُ صاحب «المنتقى»: إنكار لزوم الارتباط الحقيقي والمرآتي بالخارج

في مقام الجواب، يناقش صاحب «منتقى الأصول» أصل كبرى الإشكال. حيث يفيد بأنَّ قولكم: «إنَّ مفهوم المعلوم بالذات يجب بالضرورة أن يكون مرآةً ومرتبطاً بالخارج»، ليس كبرى صحيحة. فهو يرى أنَّه صحيحٌ أنَّ المفاهيم المعلومة بالذات تمتلك غالباً، في القضايا الصادقة، مُطابَقاً في الخارج؛ إلَّا أنَّها ليست قاعدةً عامَّةً تقتضي لزوم ارتباط كلِّ مفهومٍ في الذهن بواقعٍ خارجيٍّ برابطةٍ حقيقيَّة، ولا أنَّ كلَّ صفةٍ نفسيَّةٍ لا يمكنها التعلُّق بالمفهوم إلَّا إذا كان مرآةً للواقع. وعبارته في نفي هذه الكبرى هي:

وحلّ هذا الإشكال سهل، فإنّ ارتباطَ المفهوم المعلوم بالذات بالواقع الخارجيّ ليس ارتباطاً حقيقيّاً واقعيّاً، ويشهد له أنّه قد لا يكون العلم مطابقاً للواقع، فكيف يتحقّق الربط بين المفهوم والخارج؟ إذ لا وجود له كي يكون طرف الربط، ولأجل ذلك يُعبَّر عن الخارج بالمعلوم بالعرض. إذن فارتباطُه بنحو ارتباطٍ لا يستدعي أن يكون له وجودٌ خارجيٌّ كي يُشكل على ذلك بعدم الواقع الخارجيّ لمفهوم الفرد المردّد.[7]

ونِقاط الجواب مرتَّبةً كالتالي:

أوَّلاً: أصل الارتباط ليس حقيقيّاً وعينيّاً

إنَّ ارتباط مفهوم المعلوم بالذات بالواقع الخارجي، ليس من سنخ الارتباط الحقيقي والعيني (بمعنى الاتِّحاد أو الإضافة الواقعيَّة بين موجودين في وعاءٍ واحد). والشاهد على ذلك القضايا الكاذبة. فقد يكون العلم والتصوُّر موجوداً في الذهن، ولكن لا مُطابَق له في الخارج. وهنا، لو كان الارتباط الحقيقي والعيني لازماً، لكان يجب انتفاء العلم بانتفاء الواقع؛ والحال أنَّ العلم باقٍ، وما يتغيَّر هو فقط «المطابقة» أو «عدم وجود المطابِق». ومن هنا، يصرِّح صاحب «المنتقى»: «فكيف يتحقّق الربط بين المفهوم والخارج، إذ لا وجود له كي يكون طرف الربط؟»؛ فإذا لم يكن ثمَّةَ خارج، فلا يمكن افتراض أيِّ ارتباطٍ حقيقي، ولهذا السبب يُسمَّى الخارج «المعلوم بالعَرَض».

ثانياً: ارتباط المعلوم بالذات بالخارج أمرٌ اعتباري، لا شرطٌ لتعلُّق الصفة

حينما يُقال إنَّ المفاهيم المعلومة بالذات «مرتبطةٌ بالواقع»، فإنَّ هذا الارتباط في حقيقته نحوُ ارتباطٍ انتزاعي أو اعتباري، وليس ارتباطاً يتوقَّف عليه قوام تعلُّق الصفة. ولذا، فإنَّ هذا الارتباط ليس مشروطاً بالوجود الخارجي للمتعلَّق. ومن هذه الجهة، فإنَّ فقدان الواقع الخارجي لـ «مفهوم الفرد المردَّد»، لا يمنع من أن يقع هذا المفهوم - في أفق النفس - معلوماً بالذات ومتعلَّقاً للعلم والوجوب.

تأييدُ المطلب بمثال القضايا الكاذبة والإخبار المردَّد

يتمسَّك صاحب «المنتقى» لتأييد مدَّعاه بمورد «الإخبار بأحد الأمرين»، قائلاً:

وممّا يؤيّد ما ذكرناه من إمكان طروّ الصفات على الفرد المردّد: موردُ الإخبار بأحدِ الأمرين، كمجيءِ زيدٍ أو مجيءِ عمرو، فإنّه من الواضح أنّه خبرٌ واحدٌ عن المردّد، ولذا لو لم يأتِ كلٌّ منهما لا يُقال إنّه كذبٌ كذبتين، مع أنّه لو رُجِع إلى الإخبار التعليقيّ لَزِمَ ذلك، ولا تخريج لصحة الإخبار إلاّ بذلك.[8]

وتحليل هذا الشاهد هو عندما يقول شخصٌ: «يجيء زيدٌ أو يجيء عمرو»، فهذا «خبرٌ واحدٌ عن المردَّد». فلو لم يأتِ في الخارج لا زيدٌ ولا عمرو، فإنَّ الوجدان العرفي يحكم بوقوع «كذبٍ واحد»، لا كذبتين. وهنا، ما يحضر في ذهن المتكلِّم والمخاطب هو صورةٌ واحدةٌ لـ «أحدهما»، وإن لم يقع أيٌّ منهما في الخارج. وبناءً عليه، فإنَّ مفهوم «أحدهما» يتحقَّق في الذهن بوصفه «معلوماً بالذات» و«متعلَّقاً لخبرٍ واحد»، وهو قابلٌ لاتِّصافه بالصدق والكذب، وإن افتقد الواقع الخارجي.

ويكشف هذا المثال عن أنَّ المفهوم يمكن أن يحضر في الذهن كمتعلَّقٍ للعلم، أو التصوُّر، أو الخبر، وفي الوقت ذاته لا يتحقَّق أيٌّ من أطرافه في الخارج. ومع ذلك كلِّه، فإنَّ العرف يتلقَّى ذلك الخبر بوصفه «خبراً واحداً»، ولا يحكم عليه في صورة عدم وقوع أيٍّ من الطرفين إلَّا بـ «كذبٍ واحد». وهذا يؤيِّد بدقَّة النقطة التالية: إنَّ تعقُّل المفهوم وتعلُّق الصفة به، ليس مشروطاً بوجود مُطابَقٍ خارجيٍّ له؛ فالمفهوم يسعه أن يكون معقولاً ومتعلَّقاً للعلم والإرادة، حتَّى ولو لم يكن مرآةً وحاكياً عن واقعٍ عيني.

النتيجةُ في إطار بحث الفرد على البدل

تأسيساً على هذا التحليل، يُسلِّم صاحب «المنتقى» - في مقام الجواب عن الإشكال - بأنَّ «الفرد المردَّد» لا يحظى بأيِّ واقعيَّةٍ في الخارج. إلَّا أنَّه ينكر الملازمة التي تقول بأنَّ كلَّ مفهومٍ ذهنيٍّ يقع متعلَّقاً للعلم والوجوب، يجب بالضرورة أن يكون له رابطةٌ حقيقيَّةٌ أو مرآتيَّةٌ مع الواقع الخارجي. ولذا، فإنَّ «مفهوم الفرد على البدل» - بوصفه مفهوماً متعيِّناً في أفق الذهن - يمكن أن يقع متعلَّقاً للعلم، أو الملكيَّة، أو البعث، من دون أن يلزم وجود فردٍ مردَّدٍ في الخارج ليكون هذا المفهوم حاكياً عنه.

وبهذا الترتيب، فإنَّ جواب صاحب «المنتقى» عن الإشكال يؤول في الحقيقة إلى نفي كبرى «لزوم مرآتيَّة كلِّ مفهومٍ بالنسبة إلى الخارج». فهو يقول: إنَّ كثيراً من المفاهيم الذهنيَّة - ومنها المفاهيم المندرجة في القضايا الكاذبة وفي الأخبار المردَّدة - ليس لها أيُّ مُطابَقٍ في الخارج؛ ومع ذلك، فهي مفاهيم معقولةٌ وقابلةٌ لتعلُّق العلم وسائر الصفات النفسيَّة. إذن، في مورد «مفهوم الفرد على البدل» أيضاً، لا يمنع انعدام الواقع الخارجي للفرد المردَّد من أن يُلحَظ هذا المفهوم - في أفق النفس - كمتعلَّقٍ للوجوب التخييري، وأن تُحمَل عليه صفةٌ كالوجوب والبعث.[9]

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین


------------------------
[1]- ‏الروحانی، محمد، «منتقی الأصول»، ج 2، ص 492.
[2]- ‏المصدر نفسه، ج 2، ص 493.
[3]- المصدر نفسه.
[4]- المصدر نفسه.
[5]- ومقصوده بعبارة «له واقع» في هذا السياق - وبقرينة المقدِّمات - ناظرٌ إلى الواقعيَّة المفهوميَّة في الذهن، لا الواقعيَّة الخارجيَّة؛ وهذه النكتة لا تنافي تصريحه السابق بـ «عدم الواقعيَّة الخارجيَّة للفرد المردَّد».
[6]- ‏الروحانی، منتقی الأصول، ج 2، ص 493-494.
[7]- ‏المصدر نفسه، ج 2، ص 494.
[8]- المصدر نفسه.
[9]- وفي توضيح الأستاذ، وردت هذه النكتة بدقَّة، وهي أنَّ صاحب «المنتقى» ينكر في جوابه أصل لزوم مرآتيَّة كلِّ مفهومٍ بالنسبة إلى الخارج. وينبغي التنبُّه فقط إلى أنَّ «ارتباط المعلوم بالذات بالخارج» في بيانه، إن فُرِض في موارد معيَّنة، فهو أمرٌ إضافيٌّ واعتباري، وليس مقوِّماً لأصل تعلُّق العلم؛ ولذا، فإنَّ فقدان المُطابَق الخارجي لن يكون مانعاً من تعلُّق العلم بالمفهوم.


--------------------------
المصادر
- الروحانی، محمد، منتقی الأصول، ۷ ج، قم، دفتر آيت الله سيد محمد حسينی روحانی، 1413.






الملصقات :

الواجب التعييني الواجب التخييري الفرد المردّد الفرد على البدل الحمل الأوّلي الحمل الشائع الصفات النفسيّة المعلوم بالذات المعلوم بالعرض المفهوم الذهني ارتباط المفهوم بالخارج

نظری ثبت نشده است .