pic
pic
  • ۵

    صفحه 5

    بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

    أمّا بعد ، لا شكّ في أنّ علم الفقه من أشرف العلوم موضوعاً وغاية، ومن أدقّها وأكملها اُصولاً وبنياناً، ومن أوسعها وأشملها دائرةً وشمولاً لجميع أبعاد الحياة البشريّة الفرديّة والاجتماعيّة، السياسيّة والحكوميّة، ومن أجل ذلك تتوسّع دائرة موضوعاته، وفي ظلّ التحقيق عن العناوين المهمّة الموجودة فيه تنكشف فوائد ودرر جديدة، وقواعد عظيمة، وضوابط محكمة بحيث يحتاج كلّ واحد منها إلى بسط القول مستقلاًّ ومنفرداً، حتّى يلزم تدوين رسالة مستقلّة يذكر فيها الجذور الأصليّة والعناوين المرتبطة بالموضوع، ويظهر استقصاء الفروع المتشعّبة عنها.

    والمجموعة التي بين أيديكم هي الطبعة الثانية التي تحتوي على الرسائل المتعدّدة في الموضوعات الفقهيّة والاُصوليّة، كتبت بعضها بمناسبة انعقاد المؤتمرات العالميّة المرتبطة بالمباحث الفقهيّة، وذلك أيّام اشتغالي بالتدريس وإدارة الاُمور المرتبطة بمكتب وا لدنا الراحل سماحة المرجع الديني الأعل.
    آية الله العظمى الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني رضوان الله تعالى عليه، وجعله في أعلى عليّين، وأسكنه جنّات النعيم، وبعض هذه الرسائل في موضوعات لم يُكتب حولها رسالة من قبل، ولم ينقّح فيها حقّ التنقيح، كالبحث عن الطواف من الطابق الأوّل، الذي هو أعلى من الكعبة المعظّمة بمقدار يقرب من ثلاثين سانتيمتراً، وأيضاً البحث عن حجّية الكتابة واعتبارها في الاُمور المختلفة في الفقه الإسلامي.

    فنحمد الله الذي أحكم قواعد الدِّين بمساعي المجتهدين، وشيّد أركانه بهداية المؤمنين إلى

  • ۶

    صفحه 6

    أحكام الدِّين، وجعل الفقه ضامناً لسعادة العالمين والمتديّنين.

    وهذه الأيّام التي تصادف ارتحال زعيم الحوزات العلميّة، والمرجع العامّ للطائفة، الذي كان لفقدانه ثلمة عظيمة وخسارة كبيرة، قد بكت فيها المراجع والفقهاء، وضجّ الفضلاء وطلبة الحوزات والناس في تشييع جثمانه الشريف، فلطموا الرؤوس ولبسوا السواد وعطّلت البلاد، كأنّهم فقدوا أباهم، وصرّح كثير منهم بأنّ هذا اليوم أشدّ علينا من يوم فقد أبينا، فقد أحسسنا بخروج الروح من قلوبنا، والنور من أبصارنا، والطاقة من أبداننا، وقد انعقدت له المحافل العظيمة الكثيرة داخل البلاد وخارجها حتّى أربعينيّته.

    كان قدّس سرّه الشريف من أعاظم أساتذة الحوزة العلميّة وأساطينها، ومن مميّزاته اهتمام الشديد في تربية الفقهاء والمجتهدين، وتحكيم مباني الفقه والأحكام، ولأجل هذا قد أسّس مركزاً عظيماً للتربية وتخريج الفضلاء في الفقه والاُصول، سمّـاه (قدس سره) بـ «مركز فقه الأئمّة الأطهار(عليهم السلام)». وهذا اليوم قد مضى من عمر المركز بما يقرب من عشر سنوات، ربّيت فيه أعلام الفضلاء، وجهابذة العلم، وانتشرت من خلاله الرسائل الدقيقة حول الموضوعات المتنوّعة، سيّما المباحث المستحدثة ، سائلين الله تبارك وتعالى أن يتقبّل هذا العمل المبارك من وا لدنا المعظّم الراحل، ويجعله ذخراً كبيراً له ولنا يوم الحساب، وأن يوفّقنا لحفظه وإبقائه تحت رعاية وليّه الأعظم إمام العصر عجّل الله تعالى فرجه الشريف.

    وفي الختام نتقدّم بالشكر والتقدير للمحقّقين في هذا المركز، الذين وقفوا على مراجعة هذا السفر، وحقّقوا فيه مجدّداً، وأخرجوا مصادره، ونخصّ بالذكر مدير المركز حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ محمّد رضا الكاشاني، وحجّة الإسلام والمسلمين الشيخ عبادالله سرشار الطهراني الميانجي وحجّة الإسلام والمسلمين الشيخ المهدوي دامت توفيقاتهم، واُهدي ثواب هذا الكتاب ـ إن كان له أجر ـ إلى روح الوالد الشريف، فقد كان له عليَّ حقّاً عظيماً، وكانت حياتي العلميّة مدينة له; وإن لم أقدر على شكر عُشر من أعشار ألطافه عليَّ، نطلب من الله تبارك وتعالى أن يجعله نوراً باقياً في أفكار المتفكّرين، وسراجاً دائماً للفضلاء والمجتهدين إن شاء الله تعالى ربّ العالمين.

    محمّد جواد الفاضل اللنكراني
    27 رجب المرجّب 1428

  • ۷

    صفحه 7

    رسالة في الـتقيـّة

    وقد ألّفت في سنة 1415 هـ . ق بمناسبة المؤتمر العالمي
    للشيخ مرتضى الأنصاري (قدس سره)، وقرأت في صحن المؤتمر

  • ۸

    صفحه 8

  • ۹

    صفحه 9

    بسم الله الرحمن الرحيم

    المقدّمة :

    مسألة التقيّة من المباحث المهمّة القرآنيّة التي تُعدّ من القواعد الفقهيّة ، وتتفرّع عليها فروع كثيرة; وهي التي تعرف بها الإماميّة، وصارت دثارهم وشعارهم من جانب ، مع أنّها من ناحية اُخرى كانت وسيلة للتشنيع عليهم ، وحيث إنّه لم يستوفِ البحث عنها في كتب القوم، وعن موارد جريانها وأقسامها وأنواعها إلاّ في كلمات الشيخ الأعظم، وبعض مَن تأخّر عنه ، كان اللازم البحث عنها وعن الاُمور المرتبطة بها .

    والسبب الوحيد لتشنيع العامّة وعلمائهم على الإماميّة ، هو عدم الاطّلاع عن حقيقتها، وعدم الوصول إلى قمّتها ، كما أنّ هذه هي العلّة الأساسيّة لسائر المباحث الاختلافيّة بيننا وبينهم ، فالواجب التدبّر فيها حقّ التدبّر .

    والعجب أنّ علماء العامّة لم يصلوا إلى حقيقتها، وسمعوا من هذا البحث الدقيق ماهو المشهور بين العوامّ منهم ، فهجموا علينا هجمة جهل وعناد، من دون مراجعة

  • ۱۰

    صفحه 10

    كتبنا الفقهيّة الاستدلاليّة ، فقال بعض(1) منهم: إنّها مساوقة للكذب ، وذهب بعض(2) آخر إلى أنّها مساوقة للنفاق ، وكيف يكون كذباً ونفاقاً والقرآن الكريم ينادي بمشروعيّتها، ويحكي عن استعمالها عند الأنبياء(عليهم السلام)؟(3)

    ثمّ إنّه قد ذكر الآلوسي في تفسيره بياناً طويلاً لنفي التقيّة وردّها ، ونحن نجمعه في ضمن اُمور ونجيب عنه :

    الأمر الأوّل : أنّ كلمات الإماميّة مضطربة في هذا الموضوع من حيث الحكم الشرعي ، فقال بعض منهم بالوجوب ، وذهب بعضهم إلى الاستحباب ، ومال ثالث إلى الجواز ، والاضطراب دليل على عدم تنقيح الموضوع عندهم، وكاشف عن عدم دليل معتبر(4).

    وفيه : أنّهم لم يعلموا أنّ الموضوع الواحد يصلح أن يكون متعلّقاً للأحكام المختلفة بالجهات المتعدّدة ، والتقيّة تنقسم بحسب الحكم التكليفي إلى الأحكام الخمسة، وسيأتي(5) تفصيلها إن شاء الله تعالى .

    الأمر الثاني : أنّ في كلمات أئمـّة الإماميّة كعليّ (عليه السلام) وبنيه ، ما يُبطل مشروعيّة التقيّة، فضلاً عن استحبابها وفضلها; لقوله (عليه السلام) : علامة الإيمان إيثارك الصدق، حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك(6)،وأيضاً قوله (عليه السلام) : إنّي والله لو لقيتم واحداً وهم طلاع الأرض كلّها ما باليت ولا استوحشت(7) .


    (1 ، 2) منهاج السنّة النبويّة 1: 68 و ج2 : 46 وج7: 151، سلسلة الأحاديث الصحيحة 5: 646 ، الموسوعة الميسّرة في الأديان والمذاهب المعاصرة : 302.
    (3) سيأتي ذكر الآيات الدالّة على التقيّة في ص25ـ 27.
    (4) روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني 3: 163.
    (5) في ص21 ـ 23.
    (6) نهج البلاغة، للدكتور صبحي الصالح: 556 حكم 458، وفيه: «الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك».
    (7) نهج البلاغة، للدكتور صبحي الصالح: 452 كتاب 62.

    صفحه 11

    وفي هذه الكلمات دلالة على لزوم اختيار الصدق وإن كان مضرّاً ، ودلالة على أنّ الأمير لم يخف وهو منفرد عن حرب الأعداء وهم جموع ، ثمّ قال بعد هذه العبارات : كيف يفسّرون قوله ـ تعالى ـ : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَـئـكُمْ) بأكثركم تقيّة (1)؟

    وفيه أوّلاً : أنّ التقيّة ليست بكذب، ولا يصدق عليها تعريف الكذب ; لأنّ من مقوّمات الكذب: هي المخالفة للواقع، والتقيّة ليست كذلك ; لأنّها مع تحقّق شرائطها تكون مأموراً بها بالأمر الاضطراري; وهو أمر واقعيّ ثانويّ ، فالعمل على طبق التقيّة عمل بالحكم الواقعي الثانوي، وإلاّ يلزم أن يكون جميع الموارد الاضطراري موجباً للكذب .

    وثانياً : أنّ الكذب من مقولة الخبر، والتقيّة ليست بخبر ، اللّهمّ إلاّ في التقيّة في الأقوال ، فتأمّل .

    وثالثاً : سلّمنا كونها من مصاديق الكذب ، لكنّ المراد من كلام أميرالمؤمنين (عليه السلام): هو الضرر الذي لم يبلغ حدّ القتل، ولا يكون هتكاً للعرض ، فلو كان الكذب موجباً لحفظ النفس; فبما أنّ حفظها أهمّ من قبح الكذب فيرجّح عليه ، ومسألة الأهمّ والمهمّ وترجيحه عليه من القواعد العقليّة العقلائيّة التي لا يعتريها ريب .

    ورابعاً : أنّ المراد من الأتقى في الآية الشريفة: هي التقيّة من الله ـ تبارك وتعالى ـ التي يعبّر عنها في الشريعة بالتقوى التي حثّ عليها الكتاب والسُنّة ، وسيأتي(2) أنّها خارجة عن بحث التقيّة المبحوث عنها في الفقه .

    الأمر الثالث : الاستدلال ببعض الروايات التي تدلّ على عدم جواز التقيّة في


    (1) روح المعاني 3: 164.
    (2) في ص19 و 22.

۵۴,۸۶۸ الزيارة