pic
pic
  • ۲۱۱

    صفحه 211

    بسم الله الرحمن الرحيم

    تمهيد

    إنّ بالإمكان دراسة مشروعيّة(1) في لزوم إقامة الحكومة الإسلاميّة تحت زعامة الفقيه الجامع للشرائط من أبعاد مختلفة .

    وقد ذهب بعض فقهاء الإماميّة إلى إثبات الحكومة الإسلاميّة وولاية الفقيه عن طريق الحسبة ، أو تحت عنوان الأمر بالمعروف; من جهة أنّ الحكومة الإسلاميّة أعلى وأسمى أشكال المعروف(2) ، وذهب البعض الآخر إلى إثباتها عن طريق العقل، أو الدليل التلفيقي من العقل والنقل على أساس ضرورة وجود الحاكم لحفظ نظام المجتمع ومعيشة الناس ، والقدر المتيقّن في سماة الحاكم أن يكون فقيهاً عارفاً بأحكام الإسلام وأبعاده المختلفة (3).

    وفي هذا المقال تحرّكنا من زاوية اُخرى لإثبات مشروعيّة الحكومة


    (1) المقصود من المشروعيّة في هذه المقالة ، هو المعنى الخاصّ لها ; أي الحقّانيّة . وليس المراد منها هو المعنى العامّ المستخدم في العلوم السياسيّة (أعمّ من الحقّانيّة وعدمها) .
    (2) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 3: 553 وما بعدها.
    (3) كتاب البيع للإمام الخميني (قدس سره) 2: 623 وما بعدها.

    صفحه 212

    الإسلاميّة إجمالاً . وبعبارة اُخرى : دراسة مشروعيّة، بل ضرورة ولاية الفقيه من منهج آخر على نحو الإجمال، رغم أنّ الدراسة الفقهيّة الدقيقة والمستوعبة بحاجةإلى مجال أوسع وتدبُّر أكثر . وقد تمّت الإشارة إلى هذا المنهج في كلمات الإمام الخميني (قدس سره) بنحو الإجمال(1) .

    وفي عمليّة إثبات مشروعيّة ولاية الفقيه بهذا المنهج، لا نجد أنفسنا بحاجة إلى الاستدلال بأدلّة الحسبة ، أو أدلّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أو روايات بحث ولاية الفقيه من قبيل: العلماء ورثة الأنبياء(2)، أو العلماء أُمناء الرُّسل(3) . وليس من اللازم أيضاً التمسّك لإثبات أصل الولاية بهذا المنهج بمقبولة عمر بن حنظلة(4)، والتوقيع الشريف لإمام العصر(5) (عليه السلام) ; لأنّ هذا المنهج يقوم على قاعدة متماسكة للكثير من محكمات القرآن الكريم، والروايات المعتبرة التي سوف يُشار إليها لاحقاً .

    في هذا المنهج نلاحظ هامشيّة إلغاء مسألة لزوم بيعة الناس مع الفقيه ، في حين أنّ المناهج الاُخر تأخذ بنظر الاعتبار الحاجة إلى البيعة في مسألة إثبات ولاية الفقيه .


    (1) كتاب البيع للإمام الخميني (قدس سره) 2: 617 وما بعدها.
    (2) الكافي 1: 32 ح2، وعنه وسائل الشيعة 27: 78، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي ب8 ح2.
    (3) كنز العمّال 10: 183 ح28952 وص204 ح29083، الكافي 1: 46 ح5، وفيه: «الفقهاء اُمناء الرسل»، وكذا في نوادر الراوندي: 156 ح226، وعنه مستدرك الوسائل 13: 124، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب35 ح8 .
    (4) الكافي 1: 67 ح10، تهذيب الأحكام 6: 218 ح514 وص301 ح845 ، الاحتجاج 2: 260، الرقم 232، وعنها وسائل الشيعة 27: 136، كتاب القضاء ، أبواب صفات القاضي ب11 ح1.
    (5) وهو: قوله (قدس سره) : «أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا» . كمال الدِّين: 484 ح4، الغيبة للطوسي: 291 قطعة من ح247، الاحتجاج 2: 543 قطعة من الرقم 344، وعنها وسائل الشيعة 27: 140، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي ب9 ح9.
  • ۲۱۳

    صفحه 213

    ويتلخّص هذا المنهج في نقاط :

    الاُولى: أنّ الهدف الأساسي لبيان الأحكام ، وإيجاد الأديان ، وإرسال الأنبياء(عليهم السلام) ، وإنزال الكتب السماويّة، عبارة عن تحقّق العدالة بمعناها الأوسع، الذي سوف يأتي الحديث عنه .

    وتحقّق العدالة واجب في دائرة العقل، والقرآن، والروايات .

    الثانية: أنّ جعل الولاية للأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) ليس من جهة أنّ الشارع المقدّس أراد إعطاء القدرة الظاهريّة لهم ، بل من أجل تحقّق العدل بمعناه الواسع بين الناس(1) . فالشارع جعل الولاية للأنبياء(عليهم السلام)، وخاصّة النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) من حيث ارتباطهم بمصدر الوحي النورانيّ، وصلتهم الوثيقة بالتعاليم السماويّة ، فكانوا أوثقالناس، وأعرفهم بعمليّة تلقّي الوحي، وتطبيقه في حركة الواقع الاجتماعي ، وإلاّ فمع قطع النظر عن هذه الجهة، لا يمكن تصوير وجه صحيح لهذا الأمر .

    الثالثة: أنّه يستفاد من الروايات التي تقرّر بأنّ «العلماء ورثة الأنبياء» ، و«اُمناء الرُّسل» أنّ هذا المنصب قد جعله الله ـ تعالى ـ للفقهاء الجامعين للشرائط ، ومع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ تحقّق العدالة لا يختصّ بالأنبياء والأئـمّة المعصومين(عليهم السلام) ، بل يشمل كلّ من له معرفة جيّدة بالعدالة من خلال الارتباط بالقرآن، والسنّة الشريفة ، وبالتالي من وجوب تحقّق العدالة يتبيّن حينئذ لزوم ولاية هذه الفئة على الناس ، وسيتمّ توضيح هذا المطلب أكثر فيما بعد .

    الفقيه الجامع للشرائط يستطيع تحقّق العدالة بمعناها الواقعي في المجتمع ،حيث نعتقد بأنّ أعرف الناس بحقيقة العدالة، وأبعادها، وجزئيّاتها، هم المتعمّقون في الدِّين، والمحقّقون في كتاب الله وسنّة نبيّه الكريم (صلى الله عليه وآله) ، وهذا المعنى يتجسّد في


    (1) كما في قوله ـ تعالى ـ : (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَـتِ وَ أَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَـبَ وَ الْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) سورة الحديد 57 : 25.
  • ۲۱۴

    صفحه 214

    الفقهاء .

    الإمام الخميني (قدس سره) يقرّر هذا المعنى في خطبته بتاريخ 2 / 6 / 1365 هـ .ش، المطابق لسنة 1406 هـ . ق ، بمناسبة عيد الغدير ويقول :

    إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ علم بأنّه لا أحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإمكان تحقّق العدالة بما في الكلمة من معنى، وبالصورة المطلوبة ، فأمر رسوله الكريم (صلى الله عليه وآله) بأن ينصب لذلك من يتمتّع بالقدرة الكافية لتحقّق العدالة بجميع معانيها في المجتمع ، وتكون حكومته حكومة إلهيّة(1) .

    ويتبيّن من هذا المقطع من كلام الإمام أنّ فلسفة الغدير والغاية المهمّة من نصب الإمام (عليه السلام) هي إقامة العدل .

    إنّ ما جعل أساس الإمامة ضروريّاً في الإسلام هو: أنّ الشخص الوحيد القادر على تحقّق العدالة بمعناها الواقعي في المجتمع هو الإمام (عليه السلام) ; لأنّ العدالة في مفهومها وتعريفها هي وضع الشيء في موضعه ، وهذا المفهوم الواسع للعدالة ـ الشامل لجميع الأبعاد الوجوديّة للإنسان، وجميع موجودات العالم، وارتباط الإنسان مع غيره ـ لا يعلمه سوى الإمام (عليه السلام) .

    إنّ الإمام المعصوم (عليه السلام) ومن خلال العلم الواسع الذي أودعه الله ـ تعالى ـ فيه; يمكنه تبيين العدالة للمجتمع الإنساني، وبالتالي العمل على تحقّقها .

    المراد من العدالة

    إنّ المراد من العدالة في هذا البحث ليس هي الملَكة النفسانيّة التي تعدّ إحدى فضائل النفس، بل أكمل فضائلها، والتي تقع مورد البحث الفقهي، وتعتبر شرطاً في


    (1) صحيفه امام (رحمه الله) 20: 112.
  • ۲۱۵

    صفحه 215

    إمام الجماعة، أو الجمعة، أو الشاهد، وأمثال ذلك ، كما أنّ المراد منها ليس هو المفهوم من العدالة في دائرة الصفات الإلهيّة; أنّه تعالى لا يظلم أحداً إطلاقاً في جميع الظروف ، بل يجازي كلّ إنسان بعمله .

    فالمراد من العدالة في هذا البحث هو معنى ثالث، ويمكن التعبير عنه بعنوان العدالة الاجتماعيّة بالمعنى الذي نطرحه فيما بعد .

    قد يخطر إلى الذهن في البداية، المعنى المحدود لهذه الكلمة ; وهو لزوم مراعاة العدالة الاقتصاديّة في طبقات المجتمع، حيث يقوم الحاكم أو القائد بتوزيع المنابع الماليّة، والقدرات الاقتصاديّة الموجودة في المجتمع على أفراده بشكل صحيح ومنطقيّ، لا أن تجتمع الثروات بيد فئة معيّنة أو شخص خاصّ .

    ولكن بعد التأمّل والدقّة في مفهوم العدالة نجد أنّه بإمكاننا توسعة هذا المفهوم إلى أُفق أسمى لا يقتصر على المسائل الاقتصاديّة والماليّة في المجتمع ، بل يستوعب جميع الأبعاد الموجودة في المجتمع البشري، وجميع العلاقات المرسومة بين أفراد البشر ، بل بين الإنسان وغيره أيضاً ; لأنّه بالعدل قامت السماوات والأرض(1) .

    إنّ العدالة الاجتماعيّة بهذا المعنى الشامل، تستوعب جميع الحقوق الفرديّة، والاجتماعيّة للإنسان، وجميع أشكال الحقوق المعتبرة للإنسان ، فيدخل في هذه الدائرة حقوق الأديان ، والمذاهب ، والقوميّات ، وجميع الحقوق التي لله ـ تعالى ـ على الإنسان، والمجتمع الإنساني . وكذلك تشمل جميع اُمور الإنسان بصورة كاملة ; سواء في الاُمور العباديّة ، والسياسيّة ، والاقتصاديّة ، والاجتماعيّة وأمثال ذلك .

    وبالجملة : أنّ العدالة الاجتماعيّة بمعناها الواسع عبارة عن رعاية جميع ماينبغي وما لا ينبغي في جميع أبعاد الإنسان، والمجتمع الإنساني، وحتّى خالق


    (1) عوالي اللّئالي 4: 103 ملحق ح 150، تفسير الصافي 5: 107، التفسير الكبير للفخر الرازي 7 : 261.

    صفحه 216

    الإنسان ، ومع تحقّق هذه العدالة يتحرّك جميع أفراد البشر في المسار الصحيح في دائرة العقيدة والممارسة إلى درجة أنّ كلّ فرد وكلّ موجود ينال نصيبه المقرّر له من الكمال .

    يقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في توضيح المراد من الآية الشريفة : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الاِْحْسَـنِ} (1) العدل : الإنصاف. والإحسان : التفضّل(2) .

    ويقول الفيلسوف الخواجة نصير الدِّين الطوسي في شرحه لكلام أرسطو :

    إنّ الحكيم الأوّل (أرسطو) قسّم العدالة إلى ثلاثة أقسام :

    الأوّل : ما يكون مقتضى حقّ الله ـ تعالى ـ على الناس باعتباره واهب الخيرات، ومفيض الكرامات، بل سبب الوجود، وسبب كلّ نعمة تلحق بالوجود ، والعدالة في هذا القسم تقتضي أن يقوم العبد ببذل الجهد لرعاية حقّ المولى بقدر الوسع والطاقة.

    الثاني : ما يكون مقتضى حقّ أبناء النوع على الإنسان من لزوم تعظيمالرؤساء، وأداء الأمانات، والإنصاف في المعاملات .

    الثالث : العدالة في رعاية حقوق الأسلاف; من قبيل قضاء الديون، وإنفاذ الوصايا، وما عليهم من الحقوق(3) .

    ونلاحظ في هذا الصدد أنّ المنادين بحقوق الإنسان بإمكانهم درك المعنى المحدود للعدالة الاجتماعيّة ، وبعد معرفة حدودها ومواردها في هذا الإطار المحدود يتحرّكون في دائرة ترجمتها على أرض الواقع العملي ، إلاّ أنّهم لا يتمكّنون من درك العدالة الاجتماعيّة بالمعنى الصحيح والواسع إطلاقاً .


    (1) سورة النحل 16: 90 .
    (2) نهج البلاغة للدكتور صبحي الصالح: 509 ، الحكمة 231، الدر المنثور 5: 141، روح المعاني 14: 610.
    (3) اخلاق ناصري : 137 ـ 138.
  • ۲۱۷

    صفحه 217

    والحال أنّ هذا النحو من الإدراك والفهم لمتطلّبات العدالة يتوقّف قطعاً على الوحي الإلهي، والمعرفة الصحيحة لمفاهيم وعلوم القرآن والتعاليم الإلهيّة . فالعدالة الاجتماعيّة بمعناها الواسع لا يمكن معرفتها، وإدراك مدياتها القصّية إلاّ بمعونة الوحي .

    هل يتسنّى لأحد معرفة حقوق الخالق ـ جلّ وعلا ـ على الإنسان، مع قطع النظر عن الوحي والتعاليم الإلهيّة ؟!

    هل يتمكّن الإنسان من التوصّل إلى معرفة حقوق المذاهب، والأقلّيات الدينيّة، ومعارف الأديان من دون الاتّصال بنور الوحي ؟!

    هل يستطيع أفراد البشر، وعلماء الحقوق والقانون إدراك العقوبات، والمقرّرات الجزائيّة المترتّبة على تخلّفات الإنسان في الدائرة الجزائيّة والقانونيّة، بدون الاستمداد من القرآن والسنّة ؟!

    والأهمّ من ذلك كلّه ، هل يمكن معرفة حدود اختيارات الإنسان، والمساحات المسموحة لحريّته من دون الاسترفاد من هذا المنهل الإلهي الفيّاض ؟!

    هل يمكن معرفة حقوق الإنسان على أبناء نوعه، من خلال الفكر المحدود والعقل الناقص للإنسان ؟!

    الإنسان المعاصر عاجز حتّى من بيان ومعرفة الحقوق الابتدائيّة للوالدين على الأبناء . .

    فعلى هذا يتّضح أنّ المبيّن والمعرّف لهذه العدالة الاجتماعيّة ليس سوى الوحي فحسب ، والمبيّن لهذه العدالة من أفراد البشر لابدّ أن يكون على صلة بالوحي، كالأنبياء(عليهم السلام)، أو على معرفة دقيقة به كالأئمـّة المعصومين(عليهم السلام) .

  • ۲۱۸

    صفحه 218

    وجوب تحقّق العدالة

    إنّ أوّل سؤال يخطر في الذهن بعد توضيح معنى العدالة، ويدعو الإنسان إلى التفكير والتأمّل هو : ما الدليل على وجوب تحقّق مثل هذه العدالة ؟ وهل يجب إجراء العدالة بالمعنى الواسع في المجتمع ؟

    وبعبارة اُخرى : أنّه قد يتصوّر أنّ هذه العدالة بمعناها الواسع; هي أمر مثاليّ لايمكن ترجمته إلى أرض الواقع العملي ، أو إذا أمكن ذلك، فيقتصر على الممارسات الفرديّة فقط، ويكون أمراً جيّداً ومحموداً ، ولكن لا دليل على وجوب تحقّق هذه العدالة على مستوى المجتمع . وخاصّة في زمن الغيبة، حيث يكون المجتمع محروماً من حضور المعصوم (عليه السلام) ; وهو العارف بالوحي واقعاً .

    أدلّة وجوب تحقّق العدالة

    على هذا الأساس لابدّ من ذكر أدلّة وجوب تحقّق العدالة بمعناها الواسع :

    الدليل الأوّل : العقل، بمراجعة العقل السليم يتّضح أنّ العقل يرى ضرورة تحقّق مثل هذه العدالة مع توفّر المقدّمات والشروط ; لأنّ التخلّف عنها، وعدم التحرّك من أجل تنفيذها في حركة الحياة يعتبر نوعاً من الظلم ، والظلم قبيح بنظر العقل المستقلّ .

    الدليل الثاني : القرآن، لقد تمّ التأكيد في موارد كثيرة من القرآن الكريم على لزوم إجراء العدالة ، بل يستفاد من الآيات الشريفة أنّ الهدف من نصب الخلفاء(عليهم السلام)، وإرسال الرسل والأنبياء(عليهم السلام) هو إجراء العدالة والحكم بالحقّ .

    وفي هذا المجال نلفت النظر إلى عدّة آيات قرآنيّة تقرّر هذا المطلب :

    1 ـ قوله ـ تعالى ـ : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الاِْحْسَـنِ} (1) .


    (1) سورة النحل 16: 90 .
  • ۲۱۹

    صفحه 219

    في هذه الآية الشريفة يأمر الله ـ تعالى ـ بالعدالة بشكل مطلق وكلّي ، ومن الواضح أنّ المقصود من العدل والعدالة هنا ليس هو المحدود في دائرة الاُمور الماليّة والاقتصاديّة ، بل المقصود هو العدل في جميع الاُمور ، فالعدل بمعناه الواسع هو المراد لله تعالى ، ويستفاد الوجوب من كلمة «يأمر» بصورة جيّدة .

    بعض العلماء ذهب في تفسير الآية الشريفة إلى أنّ المراد بالعدل هنا: أداء الواجبات ، والمراد بالإحسان: هو الإتيان بالمستحبّات(1) ، بينما ذهب آخرون إلى أنّ العدل: هو التوحيد ، والإحسان: هو أداء الأعمال الواجبة(2) . وذهب فريق ثالث إلى أنّ العدل: هو تناغم الظاهر مع الباطن ، والإحسان: هو أن يكون باطن الشخص أفضل من ظاهره(3) .

    ولكن بما أنّ الآية الشريفة لم تحدّد المراد من العدالة في أيّ من هذه المعاني المذكورة ، فيستفاد أنّ مقصود الآية هي العدالة بمعناها الواسع كما تقدّم . والملاحظة التي تستدعي التدبّر في الآية الشريفة هي : هل المستفاد من كلمة «يأمر» هوالوجوب التكليفي، أو الوجوب الإرشادي ؟

    وبعبارة اُخرى : أنّ من المحتمل أن يكون الأمر الإلهي في هذه الآية الشريفة أمراً إرشاديّاً ، وخاصّة إذا أخذنا بتفسير العدل على أساس أنّه أداء الواجبات ، فمن الواضح : أنّ أداء الواجبات لا يمكن أن يكون أمراً تكليفيّاً ، بل هو أمر إرشاديّ .

    وفي الجواب عن ذلك يمكن القول : بأنّ الدقّة في كلمة «يأمر» تستدعي الوجوب التكليفيّ ، ولا أقلّ من الوجوب بالمعنى الأعمّ من التكليفي والإرشادي ; يعني أنّ أحد الواجبات الشرعيّة والإلهيّة، إيجاد العدالة وتحقّقها في المجتمع


    (1) التبيان في تفسير القرآن 2: 418، روض الجِنان وروح الجَنان 12: 84.
    (2) جامع البيان 14 : 198، الدر المنثور 5: 140، روح المعاني 14: 609 ـ 610، مجمع البيان 6: 180.
    (3) مجمع البيان 6: 180 ، روح المعاني 14: 609 ـ 610، تفسير نمونة 11: 368.
  • ۲۲۰

    صفحه 220

    البشري ، والأشخاص القادرون على امتثال هذا الأمر الإلهي، وهم لا يذعنون له يستحقّون العقاب ، ومجرّد درك العقل لوجوب إجراء العدالة لا يلازم كون الأمر بها إرشاديّاً .

    والملاحظة الاُخرى في هذه الآية هي: أنّ الآية الشريفة تتضمّن تكليفاً مهمّاً للأفراد والمجتمع، وليست في مقام الإخبار .

    وبعبارة اُخرى: إنّ الجملة في الآية ليست جملة إخباريّة ، بل هي في مقام الإنشاء ، أمّا الاحتمال الذي طرحه البعض في حديث: الناس مسلّطون على أموالهم(1); من أنّ هذه العبارة خبريّة، ولا دلالة لها إطلاقاً على الحكم(2) ، لا يرد في هذه الآية الشريفة .

    2 ـ قوله ـ تعالى ـ : {يَـدَاوُ دُ إِنَّا جَعَلْنَـكَ خَلِيفَةً فِى الاَْرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ} (3) .

    هذه الآية الشريفة التي ورد ذيلها بـ «فاء التفريعيّة» تقرّر أنّ الحكم بينالناس بالحقّ هو أحد آثار ونتائج خلافة داود (عليه السلام) . ومن الواضح: أنّ المراد بالحقّ هنا لا يقتصر على مورد المنازعة والمخاصمة الجزئيّة ، بل يشمل هداية المجتمعوأفراد البشر إلى الحقّ والكمال، وإيجاد الأرضيّة المساعدة لتعالي الإنسان ورشده المعنوي والأخلاقي، بواسطة القوانين الإلهيّة، وتبيين كافّة الحقوق للفرد والمجتمع .

    3 ـ قوله ـ تعالى ـ : {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الاَْمَـنَـتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} (4) .


    (1) الخلاف 3: 176 مسألة 290، عوالي اللئالي 1: 222 ح99 وص457 ح198 وج3: 208 ح49، بحار الأنوار 2: 272 ح7.
    (2) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 119، اوثق الوسائل في شرح الرسائل: 422ـ423.
    (3) سورة ص 38: 26 .
    (4) سورة النساء 4: 58 .

۵۴,۸۷۰ الزيارة