pic
pic
  • ۲۳

    صفحه 23

    والمثال الصحيح للتقيّة المستحبّة إنّما هو فيما لو كانت التقيّة في مورد أرجح من تركها ، كما إذا اُكره على البراءة من أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) ، فالبراءة تقيّةً ـ بناءً على جريان التقيّة في التبرّي ـ أرجح من تركها وتعريض نفسه على القتل .

    ومن هذا البيان يظهر المثال للتقيّة المكروهة، فلو كان ترك التقيّة أرجح من التقيّة ، كما إذا فرضنا أنّ تعريض النفس على الهلاك أرجح من التبرّىء ، لكان التبرّىء تقيّةً مكروهاً ، ولو لم يرجّح أحدهما على الآخر لكانت التقيّة مباحة .

    هذا كلّه في جريان الأحكام الخمسة في التقيّة بالمعنى الأعمّ . وأمّا جريانها في التقيّة بالمعنى الأخصّ ، فالمستفاد من الروايات(1) أنّ هذا النوع من التقيّة إمّا واجبة، وإمّا مستحبّة ، ولا تنقسم إلى الأقسام الاُخر من المباحة، والمحرّمة، والمكروهة .


    (1) وسائل الشيعة 16: 203 ـ 214 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أبواب الأمر والنهي ب24.

    صفحه 24

    الفصل الرابع :


    أدلّة التقيّة بالمعنى الأخصّ والأعمّ

    أمّا الاُولى : فهي الروايات الواردة في المقام ، وسنذكرها جميعاً في طيّ المباحث الآتية ، فانتظر .

    وأمّا الثانية : فمضافاً إلى كونها من الاُمور الضروريّة العقلائيّة، تدلّ عليها آيات متعدّدة :

    1 ـ قوله ـ تعالى ـ : (لاَ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَـفِرِينَ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَ لِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِى شَىْء إِلاَّ أَن تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَــاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) (1)، والتقاة بمعنى التقيّة، وأصلها وُقَيَةً .

    قال الطبرسي : والمعنى: إلاّ أن يكون الكفّار غالبين، والمؤمنون مغلوبين ، فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم، ولم يُحسن العِشرة معهم ، فعند ذلك يجوز له إظهار مودّتهم بلسانه، ومداراتهم تقيّةً منه، ودفعاً عن نفسه من غير أن يعتقد ذلك . وفي هذه الآية دلالة على أنّ التقيّة جائزة في الدين عند الخوف على النفس ، وقال


    (1) سورة آل عمران 3 : 28 .
  • ۲۶

    صفحه 26

    أصحابنا : إنّها جائزة في الأحوال كلّها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والاستصلاح(1) .

    وقال شهاب الدين الآلوسي في تفسيره : وفي الآية دليل على مشروعيّة التقيّة(2) .

    وقال القرطبي : قال ابن عبّاس : هو أن يتكلّم بلسانه وقلبه مطمئنّ بالإيمان، ولا يُقتل ولا يأتي مأثماً . وقال الحسن : التقيّة جائزة للإنسان إلى يوم القيامة(3) .

    وقال الفخر الرازي في تفسيره : إنّ هذا القول أولى; لأنّ دفع الضرر عن النفس واجب بقدر الإمكان(4).

    فالآية تدلّ على مشروعيّة التقيّة وجواز استعمالها في الدين .

    2 ـ قوله ـ تعالى ـ : ( مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَـنِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَـئـِنُّ بِالاِْيمَـنِ وَ لَـكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (5)، واختلف المفسّرون في أنّ الآية فيمن نزلت ؟ والأشهر الأصحّ بحسب الروايات الواردة أنّها نزلت في عمّار وأصحابه(6) ، حيث أخذهم الكفّار وأكرهوهم على كلمة الكفر، فلم يعطهم أبو عمّار واُمّه فقتلا ، وأعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه، فأخبر سبحانه وتعالى بذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله) (7) .

    وكيف كان، فالآية دالّة على مشروعية التقيّة بإظهار كلمة الكفر عند


    (1) مجمع البيان 2 : 272 .
    (2) روح المعاني 3 : 161 .
    (3) الجامع لأحكام القرآن : 4 : 57 .
    (4) التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 194.
    (5) سورة النحل 16 : 106 .
    (6) وسائل الشيعة 16: 225 ـ 230 ، كتاب الأمر والنهي ، أبواب الأمر والنهي ب29.
    (7) مجمع البيان 6 : 191.
  • ۲۷

    صفحه 27

    الضرورة . والآية وإن كانت في مورد الإكراه ، إلاّ أنّه سيأتي(1) عدم الفرق موضوعاً بين التقيّة والإكراه، وأنّ من مصاديقها التقيّة الإكراهيّة; بمعنى التقيّة التي يكون منشؤها الإكراه .

    3 ـ قوله ـ تعالى ـ : ( وَ قَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَـنَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَن يَقُولَ رَبِّىَ اللَّهُ وَقَدْ جَآءَكُم بِالْبَيِّنَـتِ مِن رَّبِّكُمْ) (2). فالآية دالّة على جواز كتمان الإيمان عند الخوف على النفس ، ولا ريب أنّ كتمان الإيمان لا يتحقّق عادة إلاّ بإظهار خلافه، والاشتراك مع الكفّار في بعض أعمالهم، وترك وظائف المؤمنين ، فينطبق على عمله عنوان التقيّة .

    فهذه الآيات تدلّ على مشروعيّة التقيّة بالمعنى الأعمّ، عند الخوف من الكفّار وغيرهم .


    (1) في ص31 ـ 34.
    (2) سورة غافر 40 : 28 .
  • ۲۸

    صفحه 28

    الفصل الخامس :


    الموارد التي لا تكون التقيّة مشروعة فيه

    قد استثني في كلمات الفقهاء أربعة موارد ، وعلى حسب تجزئتنا يكون بعضها مستثنى من التقيّة بالمعنى الأخصّ فقط ، وبعضها مشتركة يستثنى منها بالمعنى الأخصّ والأعمّ معاً .

    المورد الأوّل : وهو من الموارد المشتركة بينهما; وهو فيما إذا كانت التقيّة موهنة للمذهب، أو لاُصول الأحكام، وموجبة لفساد الدين ، وبعبارة اُخرى: كانت سبباً لتحقّق المعاصي الكبيرة التي لا يرضى الشارع بتحقّقها ولو بنحو التقيّة ، كهدم الكعبة والمشاهد المشرّفة، وتفسير باطل لكلام الله تبارك وتعالى ، ففي هذه الموارد لا تكون التقيّة مشروعة بوجه . ويستدلّ على ذلك بأدلّة :

    الدليل الأوّل : أنّ تقدّم أدلّة التقيّة على أدلّة سائر الواجبات والمحرّمات من باب الحكومة ; وهي ممنوعة في الموارد التي تكون سبباً لوهن المذهب، وموجباً لفساد الدين; فإنّ أدلّة التقيّة وإن كانت ناظرة إلى مثل دليل الصلاة وغيرها ، ولكن لاتكون ناظرة إلى مثل هذه المحرّمات العظيمة .

    الدليل الثاني : أنّه لو فرضنا شمول أدلّة التقيّة بالنسبة إلى جميع الموارد ، فمن

  • ۳۰

    صفحه 30

    الواضح انصراف الاطلاقات إلى الموارد التي لا تكون موجبة لفساد الدين .

    ولا يخفى أنّ هذين الدليلين تامّان بالنسبة إلى التقيّة بالمعنى الأخصّ ، وقاصران عن التقيّة بالمعنى الأعمّ .

    الدليل الثالث : وهو المختصّ بالتقيّة بالمعنى الأعمّ ، وقد قلنا سابقاً(1) بجريان قواعد التزاحم فيها ، ومن البديهي أنّ حفظ الدين أهمّ بمراتب من التقيّة .

    الدليل الرابع : ما جاء في بعض الروايات المعتبرة من أنّ التقيّة إذا كانت مستلزمة لفساد الدين فغير جائزة :

    1 ـ ما عن عليّ بن إبراهيم ، عن هارون بن مسلم ، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، وفيه : وتفسير ما يتّقى مثل أن يكون قوم سوء ظاهر حكمهم وفعلهم على غير حكم الحقّ وفعله ، فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدّي إلى الفساد في الدين; فإنّه جائز(2) .

    والرواية معتبرة سنداً ; فإنّ مسعدة بن صدقة وإن لم يكن في مورده توثيق خاصّ، لكن روايته معتبرة من جهتين :

    الجهة الاُولى : أنّ له توثيقاً عامّاً; لوجوده في أسناد كتاب كامل الزيارات وتفسير عليّ بن إبراهيم(3) ، وهذا المقدار يكفي في الوثاقة مالم يكن في مقابله تضعيف خاصّ معتبر .

    الجهة الثانية : أنّ ما رواه مطابق من جهة المضمون والمدلول لما جاء في الروايات الصحيحة ، فالرواية تامّة من حيث السند . وأمّا وجه الدلالة; فإنّ فيها ضابطة كلّية لموارد التقيّة، فقد حدّد الإمام (عليه السلام) مشروعيّتها بما إذا لم يؤدّي إلى الفساد


    (1) في ص20 و 21 ـ 23.
    (2) الكافي 2: 168 ح1 ، وعنه وسائل الشيعة 16: 216 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب 25 ح6 .
    (3) كامل الزيارات، مقدّمة المؤلّف: 37، تفسير القمّي، مقدّمة الكتاب: 4.

۵۴,۸۷۲ الزيارة