pic
pic
  • ۲۸۱

    صفحه 281

    الصورة الاُولى: أن يكون المقصود من التأثير هو أنّ المفهوم من الأدلّة، نظير القرآن الكريم، والسنّة يتغيّر بسبب مرور الزمان والظروف; أي أنّ الدليل الذي كان له معنىً معيّناً في زمان، يفقد ذلك المعنى في زمان آخر، وهذا النحو من التأثير باطل بلا شكّ، فالأدلّة اللفظيّة تبتني في دلالتها على المعاني والمفاهيم على قواعد أدبيّة خاصّة في تلك اللغة، وهذه القواعد واللغة لا تتغيّر بمرور الزمان، مثلاً لا يمكن القول بأنّ صيغة الأمر أو النهي في السابق كانت تدلّ على معنىً خاصّ في اللغة، ولكنّها الآن وبسبب مرور الزمان فقدت دلالتها على ذلك المعنى.

    وطبعاً، فالمعاني العرفيّة قابلة للتغيير، وبإمكان المتكلِّم أيضاً استعمال الألفاظ في غير معانيها اللغويّة مع ضمّ القرينة إليها.

    الصورة الثانية: أن يكون المقصود هي الشرائط الموجودة في الأدلّة حين صدورها; أي أنّ الحكم الصادر ضمن شرائط وخصوصيّات معيّنة يزول بزوال تلك الخصوصيّات، وتغيّر تلك الشرائط، وهذا النحو من التأثير لا يتصوّر إلاّ في الروايات. أمّا بالنسبة للقرآن الكريم، فلا وجود لهذا النحو من التأثير.

    ولهذا النحو من التأثير في دائرة الروايات نظائر كثيرة:

    1 ـ ما ورد في عدم خضاب أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد رحلة النبيّ (صلى الله عليه وآله) ، فاعترض عليه البعض وقال: لم لا تخضب; فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد خضب؟ فقال (عليه السلام) : كان ذلك والإسلام قُلٌّ، فأمّا الآن فقد اتّسع نطاق الإسلام، فامرُؤٌ، وما اختار(1). ولذا فإنّ ذلك الحكم قد فقد شرائطه وخصوصيّاته.

    2 ـ طبقاً لما ورد في بعض الروايات يستحبّ حلق الشارب وإعفاء اللّحى; لأنّ اليهود في ذلك الزمان كانوا يحلقون لحاهم ويعفون شاربهم، فأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)


    (1) لسان العرب 6: 209، نهج البلاغة: 471 ح17، وعنه وسائل الشيعة 2: 87 ، كتاب الطهارة، أبواب آداب الحمّام ب44 ح2.
  • ۲۸۲

    صفحه 282

    بالعمل بخلاف ذلك(1)، فكان ذلك لإظهار المخالفة العمليّة لهم. وعليه: فإنّ اليهود في هذه الأيّام ليسوا كأسلافهم، أو على الأقلّ لا يلتزمون بتلك الكيفيّة بصورة شاخصة، فمن البديهي أن لا يكون لاستحباب حلق الشارب وجه معقول.

    3 ـ في عصر الإمام الباقر والصادق (عليهما السلام) كان نشر الأحكام الإسلاميّة مهمّاً جدّاً، ومن جهة أُخرى كان الاختلاف بين المذاهب الإسلاميّة على أشدّه، ولكنّ الإمامين الباقر والصادق (عليهما السلام) واجها تلك المسألة بحكمة بالغة، ففي ظاهر الأمر كانا (عليهما السلام) يبيّنان الفقه السائد، والذي كان يقوم عليه نظام الحكم في ذلك الزمان إنّما هو لأجل تجنّب إثارة الخلاف في الاُمّة الإسلاميّة، ولكن في حال الخفاء مع الأصحاب المخلصين يبيّنان الحكم الواقعيّ للمسألة، ويأمران أصحابهما بالتقيّة، فعلى هذا كانت التقيّة في ذلك المناخ، وتلك الظروف الزمانيّة، ضروريّاً جدّاً(2).

    الصورة الثالثة: أن يكون المقصود هو: أنّه مع مرور الزمان، وتطوّر العلوم والمعارف البشريّة، سيحصل الفقيه على أصحّ فهم وأكثر جامع من الأدلّة الشرعيّة، وهذا النحو من التأثير صحيح، وله واقعيّة في دائرة العمل.

    الروايات التي تدلّ على أنّ للقرآن بطن، وللبطن بطن(3)، يمكن حملها على هذا المعنى أيضاً، أو الروايات التي تدلّ على أنّ الله ـ تعالى ـ أنزل سورة التوحيد; لأنّه سوف يكون هناك قوم في آخر الزمان يمكنهم فهم المعاني العميقة والسامية للقرآن(4).

    أو الرواية الواردة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ، التي تقرّر كراهة التبوّل في الماء; لأنّ


    (1) الفقيه 1: 76 ح332 و 334، معاني الأخبار: 291 ح1، وعنهما وسائل الشيعة 2: 116، كتاب الطهارة، أبواب آداب الحمّام ب67 ح1 ـ 3.
    (2) مقدّمة رياض المسائل، تاريخ فقه أهل البيت (عليهم السلام) 1: 24 ـ 25.
    (3) المحاسن 2: 7 ح1076، تفسير العيّاشي 1: 12 ح8 ، وعنهما بحار الأنوار 92: 91 ح37 وص95 ح48.
    (4) الكافي 1: 91 ح3، التوحيد: 283 ح2، وعنه بحار الأنوار 3: 264 ح21.
  • ۲۸۳

    صفحه 283

    للماء أهلاً(1)، وقد أثبتت العلوم الحديثة أنّ الماء يحوي على أحياء مجهريّة قد تموت بذلك العمل.

    ولعلّ كلمة الأهل الواردة في هذه الرواية كانت تُفسَّر في الأزمنة القديمة بمعنى الناس، أي بما أنّ الناس سوف ينتفعون بهذا الماء، فلذا كره التبوّل فيه، ولكنّه قد اتّضح في هذا الزمان أنّ المراد من الأهل هي تلك الأحياء المجهريّة في الماء التي لاترى إلاّ بالمجهر.

    وعلى هذا الأساس، فتأثير الزمان والمكان بمعنى الفهم الدقيق والجامع للأدلّة أمرٌ صحيح ولا شكّ فيه.

    وهناك لابدّ من ذكر نكتة، وهي: أنّ البعض في هذا العصر توهّم بأنّ ألفاظ الكتاب والسنّة تتعلّق بالزمان الماضي فقط طبقاً للقاعدة المقرّرة في علم الألسنة واللغات; وأنّ اللغة أمرٌ تاريخيّ، وكلّ لغة من اللغات في أيّ مجتمع، وفي أيّ حضارة وعصر، تتعلّق بذلك العصر والمجتمع وتلك الحضارة، والسياق اللغوي لحضارة بشريّة معيّنة لا يمكن أن يكون ناظراً إلى حضارة أُخرى.

    وقد استنتج البعض من هذا البيان بأنّ الألفاظ من قبيل قوله ـ تعالى ـ : {أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} (2) تشمل البيع الذي كان سائداً في زمان نزول القرآن فقط، ولا يمتدّ ليستوعب في دلالته جميع الأعصار والمجتمعات.

    وبطلان هذا التوهّم واضح جدّاً; لأنّ الألفاظ الواردة في القرآن الكريم وردت بعنوانها تكليفاً مشتركاً، وقانوناً عامّاً، وبشارة، وإنذاراً لجميع البشر في جميعالأعصار، والخلاف إنّما هو في دائرة الخطابات الشفاهيّة، وأنّها هل تشمل الغائبين


    (1) تهذيب الأحكام 1: 34 ح90، الاستبصار 1: 13 ح25، وعنهما وسائل الشيعة 1: 341، كتاب الطهارة أبواب أحكام الخلوة ب24 ح3.
    (2) سورة البقرة 2: 275.
  • ۲۸۴

    صفحه 284

    والمعدومين أم لا؟

    وهذا الاختلاف من حيث شمول الألفاظ فقط، وإلاّ لا شكّ في الاشتراك من ناحية الملاك.

    الإمام الراحل (قدس سره) في مسألة «التأمين» يقول ضمن استعراضه للإشكالات التي يحتمل ورودها على القول بصحّة التأمين: «إذا أشكل شخص بأنّ العمومات من قبيل {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (1) إنّما تتناول العقود والشروط المعهودة المتعارفة بين الناس في زمن صدورها، ومن المتسالم عليه أنّ مثل هذا العهد لم يكن متعارفاً بينهم حتّى يدخل في نطاقها، وليس لنا غير العمومات دليل آخر نركن إليه في تصحيحه، فيكون مثل هذا العهد داخلاً في الباطل المنهيّ عنه في قوله ـ تعالى ـ : (وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَ لَكُم بَيْنَكُم بِالْبَـطِـلِ) (2).

    وفيه ما لا يخفى من التعسّف; فإنّ دعوى قصر العمومات على العهود المتداولة في زمن الوحي والتشريع خلاف المفهوم منها وتضييق لدائرتها، حيث إنّ تلك القضايا العامّة تأبى عن مثل هذا الجمود والتحجّر المخالف للشريعة السمحة السهلة، ولا أظنّ أنّه يختلج ببال أحد من العرف ـ العارف باللسان العاري الذهن عن الوساوس ـ أنّ قوله ـ تعالى ـ : {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} (3) الوارد في مقام التقنين المستمرّ إلى يوم القيامة منحصر في العهود المعمول بها في ذلك الزمان; فإنّ مثل هذا الجمود مستلزم للخروج عن دائرة الفقه، بل عن ربقة الدِّين نعوذ بالله من ذلك. لعمرك إنّ هذا الجمود ليس بأقلّ من جمود بعض المذاهب الإسلاميّة على كثير من الظواهر، الذي هو أبرد من الزمهرير(4).


    (1) سورة المائدة 5 : 1.
    (2) سورة البقرة 2: 188.
    (3) سورة المائدة 5 : 1.
    (4) قراءات فقهيّة معاصرة في الاقتصاد الإسلامي 5: 14.

    صفحه 285

    وهنا نجد من الضروري تذكير أرباب الفقه والفقاهة والمحقِّقين في بحر الفقه الواسع بأنّ تحديد مدلول ألفاظ الكتاب والسنّة في دائرة المصاديق السائدة في زمان الصدور، مضافاً إلى منافاته الواضحة والبديهيّة لشموليّة الدِّين، وخلود معجزته، وهي القرآن; فإنّه لاينسجم، وتفسير الأئـمّة المعصومين(عليهم السلام) للآية الشريفة. فمثلاً ورد في الروايات في تفسير الآية الشريفة {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} : أنّ المراد من العقود; العهود(1)، وقد تمّ توسعة دائرتها.

    وبعبارة اُخرى: إذا قلنا بتحديد هذه العمومات، فلماذا لم يذكر الأئـمّة المعصومين(عليهم السلام) هذه الملاحظة، بل حكموا بخلافها؟

    من هنا نأسف جدّاً كيف ذهب بعض المعاصرين ـ رغم تضلّعهم في الفقه والتفسير ـ إلى أنّ أكثر عمومات الكتاب والسنّة محدودة بالمصاديق السائدة في زمن النزول؟

    فقد ذكر في كلماته أنّ تسعين في المائة من عمومات القرآن تتعلّق بالمصاديق المعهودة في ذلك الزمان، وكذلك الكلام في العمومات الواردة في أحاديث النبيّ (صلى الله عليه وآله) وأئـمّة الدِّين(عليهم السلام)!!(2).

    وعلى هذا، فمن الواضح جدّاً أنّ الأدلّة التي تتضمّن بيان أحكام الشريعة لها إطلاق زمانيّ، وجارية في الفقه الحالي، إلاّ في الموارد التي قام الدليل القطعي على نسخها.

    2 ـ الزمان والمكان، ومباني الاجتهاد

    المراد من مباني الاجتهاد: القواعد والضوابط الاُصوليّة والرجاليّة، وسائر


    (1) تفسير القمّي 1: 160.
    (2) لم نجده عاجلاً.
  • ۲۸۶

    صفحه 286

    القواعد التي يحتاجها الفقيه في عمليّة استنباط الأحكام لتكون كبرى في دليله; منقبيل حجّية خبر الثقة، وأمثال ذلك، فهل تغيير الشرائط والظروف وحدوث خصوصيّات جديدة يؤثِّر في مباني الاجتهاد هذه، أم لا؟

    الظاهر أنّ هذه المسألة لا تؤثِّر إطلاقاً في مباني الاجتهاد. ولا يمكنأن تتعرّض القواعدبسبب ذلك ـ كحجّية خبرالثقةوأمثالها ـ للتغيير،ولكن هذه المسألة ترتبط من بعض الجهات بمباني الاجتهاد، ونشير هنا إلى ثلاث جهات منها:

    الاُولى: بسبب مرور الزمان وحدوث فروع جديدة، قد يكون الفقيه بحاجة إلى قواعد أُصوليّة جديدة. فالكثير من الفقهاء العظام استخرجوا القواعد الاُصوليّة المهمّة من متن الفقه وفروعه، وهذا المنهج هو المشهور والمشهود من مباحث الشيخ الأعظم (قدس سره) في الاُصول، فعلى هذا قد يستكشف الفقيه بمرور الزمان قواعد جديدة أُصوليّة، أو غير أُصوليّة.

    ولتوضيح هذا المطلب نذكر هذا المثال، وهو: أنّ فقهاء العصور القريبة من عصر المعصومين(عليهم السلام) أمثال السيّد المرتضى (رحمه الله) ، التفتوا إلى أنّ جميع ما لديهم من أخبار الآحاد، محفوفة بالقرائن القطعيّة، وأساساً فإنّ خبر الواحد المجرّد من القرينة إمّا أن لا يكون لديهم منه شيء، أو إذا وجد فهو نادر جدّاً، ولكن عندما ازدادت الفاصلة تدريجيّاً مع عصر المعصومين(عليهم السلام) تلاشت هذه القرائن، فاضطرّ الاُصوليّون إلى العمل بالخبر الواحد المجرّد عن القرينة، واعتباره أحد الأدلّة الشرعيّة.

    وهكذا يمكننا ذكر تقسيم الخبر إلى الأقسام الأربعة: الصحيح، الموثّق، الحسن، الضعيف، فلدى المتقدِّمين ينقسم الخبر إلى قسمين فقط: الصحيح والضعيف، ولكن منذ زمان أحمد بن موسى بن طاووس كما ذهب إليه صاحب المعالم في منتقى الجمان(1)، أو منذ زمان العلاّمة الحلّي كما ذهب إليه الشيخ البهائي في


    (1) منتقى الجمان 1: 14.
  • ۲۸۷

    صفحه 287

    مشرق الشمسين(1)، تمّ تقسيم الخبر إلى أربعة أقسام، وأصبح للصحيح في مصطلح المتأخِّرين معنىً جديداً.

    الجهة الثانية: لهذه المسألة دور هامّ في الشروط المذكورة لفعليّة التكليف، مثل شرطيّة القدرة في نظر المشهور(2)، والابتلاء في نظر الشيخ الأنصاري (قدس سره) (3)، وبديهيّ أنّ الشيء يمكن أن يكون مقدوراً للشخص في زمان معيّن، وغير مقدور له في زمان آخر، وهكذا في مسألة الابتلاء بشيء يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة; أي يمكن أن يقع الشيء في زمان خاصّ وظروف معيّنة مورداً للابتلاء، ولكنّه لايكون كذلك في ظروف أُخر، فعلى هذا الأساس فإنّ شروط التكليف المبحوثة في البحوث الاجتهاديّة الاُصوليّة متأثّرة بالزمان والمكان على مستوى المصداق.

    الجهة الثالثة: ما يخصّ ارتباط الزمان والمكان مع بناء العقلاء، فواضح أنّ أحد الأدلّة المهمّة للأحكام الشرعيّة، والتي يستدلّ بها الفقهاء والاُصوليّون، هو بناء العقلاء وسيرتهم، فرغم أنّ الزمان والمكان ليس لهما دور في أصل حجّية السيرة العقلائيّة، ولكن لهما تأثير في تحقّق مصاديق متعدّدة وجديدة.

    د) حدود تأثير الزمان والمكان

    1 ـ الزمان والمكان، والحكم الأوّلي والثانوي

    أحد التقسيمات المذكورة للأحكام في الفقه هو تقسيم الحكم إلى الأوّلي والثانوي، فالحكم المترتّب على موضوع معيّن بما هو موضوع، وبدون أيّ قيد


    (1) مشرق الشمسين: 30 ـ 32.
    (2) كفاية الاُصول: 130، فوائد الاُصول 4: 51 ـ 55، بحوث في علم الاُصول 2: 75، 335، 374، وج5:284ـ 285، دروس في علم الاُصول، الحلقة الثالثة، القسم الأوّل: 303، منتقى الاُصول 1: 416ـ 417.
    (3) فرائد الاُصول 2: 233ـ 234.
  • ۲۸۸

    صفحه 288

    آخر. يسمّى بالحكم الأوّلي، مثل الحكم بالوجوب المترتّب على موضوع الصلاة بما هي صلاة، ولهذا أُطلق عليه الحكم الأوّلي. وأمّا إذا ترتّب الحكم على موضوع بعنوان آخر، مثل عنوان الضرر أو الحرج، فيسمّى بالحكم الثانوي.

    ورغم أنّ الزمان والمكان لا يرتبطان بالأحكام، والأدلّة الشرعيّة بصورة مباشرة، ولكنّه قد يطرح هذا السؤال، وهو: أنّه فيما لو حدث تغيّر في موضوعات أو متعلّقات الأحكام، وتبعه حدوث تغيّر في الحكم، فهل الحكم الجديد يكون من قبيل الحكم الأوّلي، أو الثانوي؟

    ذهب البعض في تفسيره للحكم الأوّلي على خلاف الاصطلاح السائد، وقال في تعريفه: هو ذلك النوع من الأحكام الإسلاميّة الموضوعة على أساس الحاجات الثابتة(1).

    وفي تعبير آخر: ذكر أنّ الحكم أو الأحكام المقرّرة على أساس المادّي والمعنوي(2).

    وعلى أساس هذين التعريفين، وخاصّة التعريف الأوّل، فالأحكام المتغيِّرة تبعاً لتغيّر الحاجات والضرورات، أو تبعاً لتبدّل الموضوعات، هي من الأحكام الثانويّة. وعليه: فبما أنّ مسألة الزمان والمكان ترتبط بالحاجات غير الثابتة للإنسان، فهي دائماً تمهِّد الأرضيّة للأحكام الثانويّة.

    أمّا على أساس التعريف الاُصولي السائد والشائع للحكم الأوّلي والثانوي، فالمسألة تختلف عمّا سبق; لأنّ في مسألة تأثير الزمان والمكان، إذا حصل تغيّر في الموضوعات أو في متعلّقاتها، فالحكم الجديد الحاصل بتبع ذلك هو من نوع الحكم الأوّلي.


    (1) ثابتها ومتغيّرها، كيهان انديشه، العدد 10، السنة التاسعة، الاُستاذ محمّد تقي الجعفري.
    (2) المصدر السابق.
  • ۲۸۹

    صفحه 289

    ولكن في موارد ما إذا أوجب مرور الزمان، وتبدّل المكان حصول عناوينثانويّة من قبيل الحرج والضرر، فحينذاك فقد تدخل الأحكام الحاصلة في باب الحكم الثانوي.

    ويتّضح من هذا المطلب أنّ التفكيك بين مذهب أهل السنّة، ومبنى الإمام الراحل (قدس سره) في هذا القسم من البحث، هو أمر غير صحيح. وطبعاً فقد ادّعى البعض(1) طبقاً لمبنى العامّة أنّ التغيير الذي اُحدث في الأحكام بحسب الزمان والمكان كان عنوان ثانوي، ولكن طبقاً لمبنى الإمام الخميني (قدس سره) يكون من الحكم الأوّلي، وهذا الادّعاء غير صحيح أيضاً; لأنّه على أساس ما تقدّم أنّ الحكم يكون من الحكم الأوّلي على كلا المذهبين.

    2 ـ الزمان والمكان، والأحكام الضروريّة

    تنقسم الأحكام والاعتبارات الشرعيّة إلى قسمين: ضروريّ وغير ضروريّ، والسؤال هو: هل تأثير الزمان والمكان يقتصر على الأحكام غير الضروريّة، أو يمتدّ إلى دائرة أوسع؟

    ويتأكّد هذا السؤال إذا علمنا بأنّ المقرّر في علم الاُصول أنّ الاجتهاد لا يرد في المسائل الضروريّة، وعنوان بحثنا هو تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد.

    الأشخاص الذين أنكروا تأثير الزمان والمكان في العبادات، لو ذهبوا إلى أنّ دائرة الاُمور الضروريّة منحصرة في العبادات، فمن الطبيعي أن ينكر أصحاب هذا الرأي تأثير هذاالعامل في الاُمور الضروريّة، ولكن من الواضح أنّ الاُمور الضروريّة لا تنحصر في إطار الأُمور العباديّة، بل أنّ بعض الأحكام غير العباديّة ضروريّة أيضاً.


    (1) كيهان انديشه، العدد 50، الفرق الرابع من المطلب التاسع، آية الله إبراهيم الجنّاتي.

    صفحه 290

    الإمام الراحل (قدس سره) في مسألة الحجّ(1) ـ حيث إنّ وجوبه من الضروريّات ـ بيّن أنّ هذا العنصر المهمّ يتدخّل حتى في الاُمور العباديّة. وعليه: فإنّ تأثير الزمان والمكان لا يقتصر على المسائل المبحوثة في دائرة الاجتهاد، ومن هنا ندرك جيّداً التأثير العميق لهذا العنصر في الفقه.

    الدليل الوحيد على تأثير هذا العامل في الاُمور الضروريّة هو: أنّه بما أنّ هذا العامل له دور في تغيير الموضوعات والمتعلّقات، فمع تغييرها يترتّب حكم آخر عليها، والحكم الضروري إنّما يكون ضروريّاً فيما لو لم يحدث أيّ تغيير، لا في الموضوع، ولا في المتعلّق.

    وهنا لابدّ من الانتباه إلى أنّ عنصر الزمان والمكان لا يمكنه الخدشة في كون الحكم ضروريّاً مع حفظ الموضوع والمتعلّق، بل فيما لو كان الحكم ضروريّاً، فسوف يبقى تحت هذا العنوان دائماً، وتترتّب عليه آثار الأحكام الضروريّة.

    3 ـ تأثير الزمان والمكان مع وجود النصّ الخاصّ

    من الاُمور التي تشغل ذهن الفقيه هو: أنّ تأثير الزمان والمكان، وتغيّر الشرائط والظروف، هل يختصّ في الموارد التي لم يرد فيها نصّ خاصّ أو يشمل ماورد فيه نصّ خاصّ أيضاً؟

    أغلب فقهاء أهل السنّة يرون أنّ تغيّر الشرائط والظروف الزمانيّة والمكانيّة والأعراف والعادات والتقاليد الاجتماعيّة يؤثّر في تغيير وتبدّل الأحكام، وهذا الأمر ضروريّ في تغيير التقاليد الاجتماعيّة، ونظام الحكم، ومن علمائهم أمثال الظاهريّة، وسفيان بن سعيد الثوري، والأوزاعي يرون أنّ عنصر الزمان والمكان لايتدخّل حتّى في هذا النوع من الأحكام.


    (1) تقدّم في ص260.

    صفحه 291

    وكذلك في الموارد التي ورد فيها نصّ خاصّ، ينقسم علماء أهل السنّة إلى فريقين: فمنهم كأبي حنيفة، ومحمّد بن الحسن الشيباني، ومحمّد بن إدريس الشافعي، وداود بن علي الظاهري الأصبهاني، لا يجيزون مخالفة النصّ الخاصّ والحكم على خلافه(1)، وبديهيّ أنّ هذه النظريّة تتحقّق في فرض أنّ الموضوع يبقى بعيداً عن أيّ تغيّر وتبدّل، ولذلك يبقى الحكم على حاله.

    والتحقيق أنّه لا فرق في تأثير الزمان والمكان بمعناه الواقعي بين الموضوعات التي ورد فيها نصّ خاصّ، وبين غيرها، والدليل على ذلك هو دور الزمان والمكان وارتباطهما بالموضوعات والمتعلّقات، فلو حدث تغيّر بسبب مرور الزمان في دائرة الموضوع، والشرائط، والخصوصيّات، فمن الطبيعي سيكون لذلك الموضوع حكم آخر; سواء كان لذلك الموضوع نصّ خاصّ، أو لم يكن.


    (1) راجع تاريخ المذاهب الإسلاميّة: 370ـ 373، 413ـ 418، 447 ـ 457، 513 ـ 516، 530 و567ـ 578، تاريخ التشريع الإسلامي: 186ـ 202 و281 ـ 287، النظريّات العامّة في الفقه الإسلامي وتاريخه: 372ـ 422، المذاهب الفقهيّة الإسلاميّة والتعصّب المذهبي: 161ـ 163، تاريخ الفقه الإسلامي، أفكار ورجال: 161ـ167، المدخل للتشريع الإسلامي: 236ـ 249، 254ـ 258، 267ـ 271 و286 ـ 291، ويژگيهاى اجتهاد و فقه پويا: 337 ـ 338.

    صفحه 292

    الفصل الثالث: دور الزمان والمكان، وبعض الشبهات، والإجابة عنه

    أ) منافاتهما لبعض الروايات

    1 ـ «حلال محمّد (صلى الله عليه وآله) حلال أبداً إلى يوم القيامة».

    من الروايات المشهورة والمتداولة على ألسنة الفقهاء، على أساس أنّها رواية معتبرة ينبغي العمل بها، هي رواية: حلال محمّد (صلى الله عليه وآله) حلال أبداً إلى يوم القيامة، وحرامه حرام أبداً إلى يوم القيامة(1).

    فقد توهّم البعض أنّ القول بتأثير الزمان والمكان في الأحكام ينافيمدلول هذه الرواية الشريفة، ولذا أنكر تأثير هذا العامل في الأحكامالشرعيّة(2).

    ولابدّ في مقام الجواب على هذا التوهّم من التحقيق في الرواية من جهة الدلالة، فرغم أنّ دلالة هذه الرواية ليست مجملة، أو متشابهة، إلاّ أنّه ذكرت عدّة احتمالات في المراد منها:

    الأوّل: أن يكون المراد أنّ ما حكم به الرسول (صلى الله عليه وآله) في كلّ أمر وموضوع، فهو


    (1) الكافي 1: 58 ح19، بصائر الدرجات 1: 148 ح ب13 ح7.
    (2) راجع مجموعه آثار كنگره بررسى مبانى فقهى امام خمينى (رحمه الله) ، نقش زمان و مكان در اجتهاد 14: 245.

۵۴,۸۸۵ الزيارة