pic
pic
  • ۷۱

    صفحه 71

    والاستدلال بها من وجوه :

    الأوّل : أنّ الظاهر من العمل بعمله والصلاة بصلاته; هو صحّة العمل وإجزاؤه عن الوظيفة الأوّليّة .

    الثاني : أنّ التعبير بالرحمة والمنّة صريح في الإجزاء ; فإنّ الإعادة أو القضاء مناف للتفضّل والرحمة .

    الثالث : أنّ قوله (عليه السلام) : «موسّعاً عليه» يدلّ على الإجزاء أيضاً ، فالإعادة أو القضاء مخالف للتوسعة .

    الرابع : يستفاد من الرواية أنّ التقيّة من مصاديق الترخيص، ويحبّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أن يؤخذ برخصه، فينتج أنّ التقيّة محبوبةلله تباركوتعالى، ومن المعلوم أنّ العمل غير الصحيح لا يكون محبوباً ، والعجب كلّ العجب من القائلين بعدم الإجزاء; إذ مع وجود هذه التعبيرات العالية في الروايات ، فهل يكون الشيء محبوباً ورحمةً ومنّةً ومستعملاً في الدين، ومع ذلك يكون باطلاً وغير صحيح؟ كلاّ ثمّ كلاّ .

    إن قلت : إنّ قوله (عليه السلام) : «أن يدين الله ـ تعالىـ في الباطن بخلاف ما يظهر لمن يخافه» ظاهر في إعادة ما يأتي به تقيّةً .

    قلت : إنّ الظاهر من الكلام; أنّ لمهيّة العبادات مصداقين مختلفين : التقيّة وعدمها، لكنّ التقيّة مصداق ظاهري، وعدمها مصداق باطنيّ .

    ومنها : رواية سفيان بن سعيد، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، وفيها : يا سفيان من استعمل التقيّة في دين الله فقد تسنّم الذروة العليا من القرآن(1) .


    (1) معاني الأخبار: 385 ح20، وعنه وسائل الشيعة 16: 208، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح17.
  • ۷۲

    صفحه 72

    وجه الاستدلال: أنّ الظاهر من استعمال التقيّة في دين الله ، أنّ ما يرتبط بالشارع ويعدّ من الدين اُصولاً وفروعاً يأتي فيه التقيّة ، والتعبير بأنّه «تسنّم الذروة العليا من القرآن» ظاهر بل نصّ في صحّة العمل ، على أنّ ما يستعمل في دين الله يكون صحيحاً ومصداقاً للمأمور به ، وقد جاء نظير هذا التعبير في بعض آخر، فراجع(1) .

    ومنها : ما عن سعد بن عبد الله في بصائر الدرجات بسنده الصحيح عن معلّى ابن خنيس قال : قال لي أبو عبد الله (عليه السلام) : يا معلّى ، اكتم أمرنا ولا تذعه ; فإنّه من كتم أمرنا ولا يذيعه أعزّه الله في الدنيا، وجعله نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنّة .

    يا معلّى، إنّ التقيّة من ديني ودين آبائي، ولا دين لمن لا تقيّة له .

    يا معلّى، إنّ الله يحبّ أن يعبد في السرّ كما يحبّ أن يُعبد في العلانية، يا معلّى، والمذيع لأمرنا كالجاحد له(2) .

    بيان الاستدلال : أنّ العبادة سرّاً ـ المستفاد من قوله (عليه السلام) : «إنّ الله يحبّ أن يُعبد


    (1) التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمّد الحسن بن عليّ العسكري (عليهما السلام) : 175 ـ 176، الاحتجاج 1: 555 ـ 557، آخر الرقم 134، وعنهما وسائل الشيعة 16: 228، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب29 ح11.
    وفي بحار الأنوار 75: 418 ح72 عن الاحتجاج.
    (2) مختصر بصائر الدرجات : 235 ح291، وعنه وسائل الشيعة 16: 210، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح24، وفي ص485 ح6 عن الكافي 2: 223 ح8 والمحاسن 1: 397 ح890 .
    وأخرجه في بحار الأنوار 2: 73 ح41 وعوالم العلوم 3: 308 ح20 عن المحاسن، وفي ج75: 76 ح25 عن الكافي.
    وفي بحار الأنوار 75: 421 ح80 ، ومستدرك الوسائل 12: 255 ح14041 عن مشكاة الأنوار 1: 87 ح171.
  • ۷۳

    صفحه 73

    فى السرّ» ـ ظاهرة في العبادة على نعت التقيّة ، بقرينة العبارات الواردة قبل هذه العبارة ، وواضح أنّ العمل الباطل لا يُعدّ عبادةً .

    وقد ورد في بعض الروايات: «أنّ التقيّة أحبُّ شيء يُعبد به الله»; كموثّقة هشام بن سالم قال : سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول : ما عبد الله بشيء أحبّ إليه من الخبء ، قلت : وما الخبء؟ قال : التقيّة(1) . والمراد أنّ العبادة تقيّةً أحبّ من العبادة في غير التقيّة ، والله العالم .

    ومنها : موثّقة سماعة قال : سألته عن رجل كان يصلّي، فخرج الإمام وقد صلّى الرجل ركعة من صلاة فريضة ؟ قال : إن كان إماماً عدلاً فليصلّ اُخرى وينصرف ويجعلها تطوّعاً، وليدخل مع الإمام في صلاته كما هو ، وإن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو، ويصلّي ركعة اُخرى، ويجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله (صلى الله عليه وآله) ، ثمّ ليتمّ صلاته معه على ما استطاع ; فإنّ التقيّة واسعة، وليس شيء من التقيّة إلاّ وصاحبها مأجور عليها إن شاء الله(2) .

    وقد استدلّ الشيخ الأنصاري(3)، والسيّد الإمام الخميني(4) بها على الإجزاء ، ودلالتها عليه أوضح من بعض الروايات المبحوثة عنها ; فإنّها كالنصّ فيصحّة الصلاة معهم; لأنّ قوله (عليه السلام) : «على ما استطاع» بمعنى أنّ فعله صحيح بالمقدار الذي يستطيع أن يفعل ، ولو لم يستطع على إتيان جزء فلا محذور فيه ، بل


    (1) معاني الأخبار: 162 ح1، وعنه وسائل الشيعة 16: 207، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح15.
    (2) الكافي 3: 380 ح7، تهذيب الأحكام 3: 51 ح177، وعنهما وسائل الشيعة 8: 405، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة ب56 ح2.
    (3) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 92.
    (4) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 192.

    صفحه 74

    مأجور عليه ، والرواية وإن كانت واردة في الصلاة، لكن نتعدّى عنها بجهة التعليل الوارد في ذيلها .

    والسيّد المحقّق الخوئي قد أورد على الشيخ الأنصاري بأنّ تفسيره للروايةغير صحيح، وقال : إنّ الشيخ قد حمل الجملة الثانية أعني قوله (عليه السلام) : «وإن لم يكن إمام عدل» على أنّه يجعل ما بيده من الفريضة تطوّعاً، ويسلّم في الثانية ويأتمّ بالإمام(1) .

    مع أنّ عبارة الشيخ في رسالته تنادي بخلافه ; فإنّه قال : فإنّ الأمر بإتمام الصلاة على ما استطاع مع عدم الاضطرار إلى فعل الفريضة في ذلك الوقت ـ معلّلاً بأنّ التقيّة واسعة ـ يدلّ على جواز أداء الصلاة في سعة الوقت على جميع وجوه التقيّة(2) ، انتهى كلامه .

    ثمّ قال : إنّ الاستدلال بالرواية غير تامّ، ولا يستفاد منها الإجزاء ; لأنّ مضمون الرواية الاقتداء بالإمام بقدر ما يستطيعه من الإبراز والإظهار ، وهذا لااختصاص له بالائتمام من أوّل الصلاة ، بل لو أظهر الائتمام في أثناء الصلاة أيضاً كان ذلك تقيّة ، وعلى ذلك لا دلالة للرواية على جواز الاكتفاء في الصلاة معهم بما يتمكّن منه من الأجزاء والشرائط .

    وبالجملة: إنّ المراد من الرواية; إظهار الائتمام وصورة الائتمام بقدر ما يستطيع من الإظهار ، واستشهد لذلك بالعنوان الذي ذكره صاحب الوسائل لهذا الباب الذي ذكر فيه الرواية ; فإنّ عنوان الباب هو: استحباب إظهار المتابعة في أثناء الصلاة مع المخالف ، وقال في آخر كلامه : ولعلّ الشيخ لم يلفت نظره الشريف إلى


    (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5 : 248 .
    (2) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 90.

    صفحه 75

    عنوان الباب في الوسائل(1); انتهى كلامه .

    وفيه أوّلاً : أنّ قوله (عليه السلام) : «على ما استطاع» متعلّق بقوله (عليه السلام) : «ليتمّ معه»، والمعنى: أنّ الائتمام مع الإمام واجب على نحو يكون مستطيعاً ، والمعيّة ظاهرة في الاقتداء الواقعي لا الصوري ، وبعبارة اُخرى : المعيّة الظاهريّة تحتاج إلى قيد ، بخلاف المعيّة الواقعيّة، فيكفي فيها الإطلاق .

    وثانياً : أنّ ما فهمه صاحب الوسائل ليس حجّة حتّى يحتجّ به على الشيخ ، فإنّا إذا تتبّعنا نجد بعض العناوين الواردة في أبواب الكتاب، أنّه غير مرتبطة بالأحاديث التي ذكرها تحت ذاك العنوان، فليراجع .

    فالاستدلال بالرواية للإجزاء تامّ ، لكن بقي هنا إشكال الإضمار في سندها ، والمضمر هو سماعة، وهو ليس كزرارة ومحمّد بن مسلم وأضرابهما من الأجلاّء الذين لا يناسبهم السؤال عن غير أئمـّتهم(عليهم السلام)، بل هو من الواقفيّة ، ومن الممكنأن يسأل عن غير أئمـّتنا(عليهم السلام) .


    (1) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 249.
  • ۷۶

    صفحه 76

  • ۷۷

    صفحه 77

    الفصل الثامن : هل ترك التقيّة يفسد العمل، أم لا؟

    لو ترك التقيّة وأتى بالعمل على خلافها، فهنا صورتان :

    الاُولى ـ وهي التي لم يتعرّض لها الشيخ في رسالته ـ : أن يترك المكلّف العمل رأساً، فلا يأتي به تقيّة، ولا على طبق الوظيفة الأوّليّة ، بل يعمل عملاً ثالثاً ، كما إذا اقتضت التقيّة الوقوف بعرفات يوم الثامن من ذي الحجّة، والمكلّف قد ترك الوقوف في ذلك اليوم وفي اليوم التاسع على حسب عقيدته ، وكما إذا اقتضت غسل الرجلين، ولكن المكلّف ترك الغسل والمسح معاً .

    ذهب السيّد الخوئي في هذه الصورة إلى أنّه لو استندنا في صحّة العمل المتّقى به إلى السيرة الجارية من زمان الأئمـّة(عليهم السلام) إلى عصرنا هذا، فلا إشكال في الحكم بالبطلان ، حيث يكفي فيه مخالفته للوظيفة الواقعيّة ، والمخالف للواقع باطل .

    وبعبارة اُخرى : السيرة إنّما تحقّقت فيما إذا كان العمل المخالف للواقع موافقاًللعامّة; بأن يؤتى به متابعة لهم . وأمّا ما كان مخالفاً للواقع، ولم يكن موافقاً لهمفلم تقم أيّة سيرة على صحّته . وأمّا إذا استندنا في الصحّة إلى الأدلّة اللفظيّة; كقوله (عليه السلام) :«ماصنعتم من شيء»(1) إلخ، فإن استفدنامن الأدلّة اللفظيّة انقلاب الوظيفة


    (1) تقدّم في ص63.

    صفحه 78

    الواقعيّة الأوّليّة إلى ما يعتقده العامّة، فلابدّ من الحكم بالبطلان; لعدم مطابقةالمأتيّ به لما هو الوظيفة في ذلك الحال . وأمّا إذا استفدنا وجوب التقيّة فقط من دون انقلاب في البين فلايبعد الحكم بالصحّة(1) .

    الصورة الثانية ـ وهي التي تعرّضها الشيخ الأنصاري (قدس سره) ـ أن يفعل المكلّف على طبق الوظيفة الواقعيّة الأوّليّة، وترك العمل على طبق مذهب العامّة(2) ، ولا خلاف في صحّة المعاملة في هذا الفرض ، وإنّما وقع الخلاف في صحّة العبادة، وفيها أقوال ثلاثة :

    الأوّل : صحّة العمل مطلقاً ، ذهب إليه جمع، منهم: السيّد الإمام الخميني (قدس سره) (3) .

    الثاني : عدم الصحّة مطلقاً، ذهب إليه صاحب الجواهر(4)، وقد جزم به الفقيه الهمداني(5) .

    الثالث : التفصيل بين لزوم رعاية التقيّة في الأجزاء والشرائط التي تكون متّحدةمع العبادة ، وبين الأجزاء والشرائط التي كانت خارجة عنها ، ففي الأوّل ترك التقيّة موجب للبطلان، بخلاف الثاني ، والأوّل كالسجدة على التراب فيما إذااقتضت التقيّة تركها، والثاني كترك التكتّف، وغسل الرجلين في الوضوء ، ذهب إليه الشيخ الأنصاري(6) ، ووافقه المحقّق النائيني(7) ، وتبعه السيّد الخوئي(8) في خصوص


    (1) التنقيح، في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 278 ـ 279.
    (2) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 96.
    (3) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 186.
    (4) جواهر الكلام 2: 239.
    (5) مصباح الفقيه 2: 435.
    (6) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 96.
    (7) كتاب الصلاة تقريرات بحث النائيني (رحمه الله) للشيخ محمّد تقي الآملي (رحمه الله) 2 : 299.
    (8) التنقيح في شرح العروة الوثقى 5: 281 ـ 282.

    صفحه 79

    ما إذا اقتضت التقيّة ترك شيء، ولكن يفعله المكلّف ، أمّا فيما إذا اقتضت شيئاً كالتكتّف، ولكن يتركه المكلّف، فعمله صحيح مطلقاً .

    حجّة القول الأوّل : أنّ الصحّة مطابقة للقواعد ; لأنّ التقيّة وإن كانت واجبة ، لكنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن الضدّ ، فالأمر بالتقيّة لا يقتضي النهي عن ضدّها حتّى يكون فاسداً(1) ، وبناءً على هذا يكون التارك للتقيّة عاصياً فقط .

    وفيه : أنّا لا نحتاج لإثبات النهي إلى هذه القاعدة الاُصوليّة حتّى يقال بعدم إقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن الضدّ ، بل يستفاد من التعليلات الواردة في روايات التقيّة أنّ تركها موجب لوهن المذهب(2) ، ـ كقولهم(عليهم السلام): يغفر الله للمؤمن كلّ ذنب ـ إلى أن قال ـ : ما خلا ذنبين: ترك التقيّة و...(3)، أو ليس منّا من لم يلزم التقيّة(4) ـ وأنّ الفعل على خلاف مذهبهم يكون منهيّاً عنه ، وإلاّ فمسألة الحرمة التكليفيّة محلّ مناقشة، مع أنّها مسلّمة قطعاً .

    حجّة القول الثاني : وهي اُمور :

    الأوّل : وله تقريبان :

    التقريب الأوّل : أنّ تارك التقيّة تارك للفعل المأمور به ، وترك المأمور به


    (1) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 186ـ 187.
    (2) لاحظ ما تقدّم في ص44 ـ 48.
    (3) تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري (عليه السلام) : 321 ح166، وعنه وسائل الشيعة 16: 223، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب28 ح6.
    (4) أمالي الطوسي: 281 ح543، وعنه وسائل الشيعة 16: 212 ، كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أبواب الأمر والنهي ب24 ح28.

    صفحه 80

    مساوق لفساد العمل(1) .

    وأجاب عنه الشيخ الأعظم في رسالته بأنّ ترك التكتّف لا يكون إخلالاً بالمأمور به ; فإنّ التكتّف واجب مستقلّ خارج عن المأمور به . ثمّ أورد على نفسه إيراداً، وأجاب عنه .

    والإيراد هو: أنّ لازم كلامكم صحّة الوضوء لو ترك المسح على الرجلين وعلى الخفّين معاً ; لأنّ المسح على الخفّين واجب مستقلّ ، وتركه غير مخلّ في المأمور به ، مع أنّ الإجماع قائم على البطلان .

    وأجاب: أنّ البطلان ليس من جهة ترك التقيّة ، بل من جهة ترك أصل المسح ; فإنّ التقيّة تقتضي إلغاء قيد المماساة بين الماسح والممسوح ، ولا تقتضي إلغاء أصل المسح .

    وبالجملة : ذهب الشيخ في مسألة المسح إلى الانحلال، واعتقد بالانحلال إلى أصل المسح، وإلى المسح على البشرة ، والثاني ينتفي في فرض التقيّة ، فبقي الأوّلبحاله ، واستدلّ برواية عبد الأعلى مولى آل سام(2)، ثمّ إنّه قد أيّد الانحلال بفتوى الفقهاء بتقديم غسل الرجلين فيما إذا دار الأمر بين غسلهما، وبين المسح على الخفّين; فإنّ علّة التقديم أنّ في الغسل يكون إيصال الرطوبة موجوداً، بخلاف المسح على الخفّين ، فهذا شاهد على الانحلال(3) .

    وقد أورد عليه السيّد الإمام في رسالته بأنّ هذا النحو من التحليل ليتّسع الخرق على الواقع ; لإمكان أن يقال : إنّ المسح ينحلّ إلى أصل الإمرار ولو بغير


    (1) جواهر الكلام 2: 239، مصباح الفقيه 2: 435.
    (2) تهذيب الأحكام 1: 363 ح1097، الاستبصار 1: 77 ح240، الكافي 3: 33 ح4، وعنها وسائل الشيعة 1: 464، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء ب39 ح5.
    (3) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم): 96 ـ 98.

    صفحه 81

    اليد، وعلى غير الرجل ، فإذا تعذّر المسح باليد وعلى الرجل يجب مسح شيء بشيء آخر، وهو كما ترى(1) . انتهى كلامه .

    ولنا على الشيخ إشكالان :

    الإشكال الأوّل : عدم جريان هذا الجواب في الجزء والشرط ، ففيما إذا وجب ترك جزء، فلو فعله لفَعَل غير ما هو المأمور به في حال التقيّة، ويكون فاسداً .

    الإشكال الثاني : أنّ الظاهر من أدلّة التقيّة إتيان العمل على نحو يعتقده العامّة، فإذا اعتقدوا بشرطيّة التكتّف للصلاة، فتركه مخلّ بالمأمور به قطعاً .

    التقريب الثاني لهذا الدليل : أنّ التقيّة وعدمها موضوعان مختلفان للحكم الواقعي الأوّلي والثانوي ، ولا ريب في تبدّل الحكم بتبدّل الموضوع، كالمسافر والحاضر ، ففي فرض التقيّة يتبدّل الحكم والأمر ، ومخالفته موجب لفساد العمل .

    إن قلت : التبدّل مسلّم فيما إذا كان التبدّل في الخطاب والملاك معاً ، أمّا لو كان التبدّل في الخطاب مع بقاء الملاك فلا يتبدّل الحكم ، فيصحّ العمل ; لتوقّف الصحّة على الملاك دون الخطاب .

    قلت : لا طريق لإحراز الملاكات إلاّ الخطابات ، ومع سقوط الخطاب وعدم وجود طريق آخر، لا طريق إلى إحراز بقاء الملاك ، ومع عدم إحراز بقاء الملاك لايصحّ الحكم بالصحّة .

    إن قلت : الطريق للإحراز هو الاستصحاب ، ففي فرض التقيّة نعلم برفع الخطاب، ونشكّ في سقوط الملاك ، فنستصحب بقاء الملاك .

    قلت : إنّ هذا الأصل مثبت ، فتدبّر .


    (1) الرسائل ، رسالة في التقيّة 2 : 187 .

۵۴,۸۶۷ الزيارة