pic
pic
  • ۱۱۱

    صفحه 111

    صحّة الوصيّة بالكتابة في حال الاختيار، فقال:

    وتكفي الإشارة الدالّة على المراد قطعاً في إيجاب الوصيّة مع تعذّر اللفظ لخرس، أو اعتقال لسان بمرض ونحوه ، وكذا تكفي الكتابة كذلك مع القرينة الدالّة قطعاً على قصد الوصيّة بها لا مطلقاً; لأنّها أعمّ، ولا تكفيان مع الاختيار وإن شوهد كاتباً، أو علم خطّه، أو علم الورثة ببعضها خلافاً للشيخ(1) في الأخير(2) .

    والظاهر أنّ صحّة الوصيّة بالكتابة مع العجز عن النطق والقرينة الدالّة على إرادة الوصيّة منها ليست محلاًّ للخلاف، كما عن التنقيح(3) والعلاّمة(4) وولده(5)والشهيدين(6) والمحقّق الثاني(7) والحلّي(8)، بل عن الإيضاح الإجماع على ذلك(9) .

    وذهب في الرياض(10) والنافع(11) إلى صحّة الوصيّة بالكتابة مع القرينة القطعيّة حتّى مع الاختيار، كما احتملها في التذكرة(12) في أوّل كلامه .

    والظاهر أنّ مراد المانعين من صحّة الوصيّة بالكتابة في حال الاختيار ، هو عدم صدق العقد على الوصيّة الكتبيّة، لا عدم إجراء حكم الوصيّة عليها; لوضوح


    (1) النهاية: 621 ـ 622.
    (2) الروضة البهيّة 5 : 18 ـ 19 .
    (3) التنقيح الرائع 2: 364.
    (4) تحرير الأحكام الشرعيّة 3: 330.
    (5) إيضاح الفوائد 2: 473.
    (6) اللمعة الدمشقيّة: 104، الروضة البهيّة 5: 18 ـ 19.
    (7) جامع المقاصد 10: 20.
    (8) السرائر 3: 222.
    (9) إيضاح الفوائد 2: 473.
    (10) رياض المسائل 9: 433.
    (11) المختصر النافع: 263.
    (12) تذكرة الفقهاء 2: 452، الطبعة الحجريّة.

    صفحه 112

    أنّ إطلاق الأدلّة شامل للوصيّة الكتبيّة أيضاً ، وعلى ذلك المعنى حمل صاحب الجواهر(1) كلمات المانعين .

    ويستفاد من كلماته أنّه اختار صحّة الوصيّة بالكتابة حتّى في حال الاختيار، كما صرّح بصحّة الكتابة في الإقرار، فقال: لا يبعد في النظر الاكتفاء بالكتابة في الإقرار والوصيّة مع ظهور إرادة ذلك منها ، فضلاً عن صورة العلم; ضرورة حجّية ظواهر الأفعال كالأقوال في الجملة(2) .

    وكيف كان، فالظاهر عدم وجود نصّ خاصّ دالّ على اشتراط النطق في الوصيّة، وإطلاق أدلّة الوصيّة شامل للكتابة أيضاً، مع ما عرفت من أنّها مطابقة للقاعدة الأوّلية، فالكتابة في الوصيّة مع القرينة الدالّة على إرادة الوصيّة معتبرة يجب العمل بها، والله العالم .

    3 ـ التحيّة على وجه الكتابة

    وقد اختلفوا في أنّ التحيّة على وجه الكتابة هل هي موجبة لوجوب ردّها والجواب عليها، أم لا؟ ذهب العلاّمة في التذكرة إلى عدم تحقّق التحيّة بالكتابة وحصرها بالنداء، فقال: لو ناداه من وراء ستر أو حائط وقال: السلام عليكم يافلان، أو كتب كتاباً وسلّم فيه عليه، أو أرسل رسولاً فقال: سلّم على فلان، فبلغه الكتاب والرسالة، قال بعض الشافعيّة: يجب عليه الجواب; والوجه أنّه إن سمع النداء وجب الجواب، وإلاّ فلا(3).

    وقد استحسنه صاحب الجواهر فقال بعد ذكر هذا الكلام: وهو جيّد; ضرورة


    (1) جواهر الكلام 28 : 249 .
    (2) جواهر الكلام 28: 250.
    (3) تذكرة الفقهاء 9: 22 ـ 23.
  • ۱۱۳

    صفحه 113

    عدم صدق التحيّة على الكتابة التي هي النقوش، بل ولا على الرسالة التي هي نقل السلام، لا الاستنابة من الرسول في التحيّة، إذ الثانية لا ريب في أنّها تحيّة، بخلاف الاُولى(1)، انتهى كلامه .

    ولا يبعد عدم الفرق بين التحيّة على وجه النداء، والتحيّة على وجه الكتابة، كما يظهر من مراجعة اللغة; فإنّها عبارة عن دعاء السلام ونحوه من البرّ، قال في القاموس: التحيّة: السلام من دون تقييد بالقول(2) . وقال في المغرب: حيّاه; بمعنى أحياه تحيّة، كبقّاه; بمعنى أبقاه تبقية، هذا أصلها، ثمّ سمّي ما يحيا به من سلام ونحوه تحيّة(3)، وقيل: يشمل كلّ برّ من القول والفعل، كما يظهر من عليّ بن إبراهيم في تفسيره،حيث قال:السلاموغيره من البرّ(4) ، فظهرعدم اختصاص التحيّة لغةً بالقول .

    هذا، مضافاً إلى إطلاق الآية الشريفة: { وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} (5)، وأنّ قوله تعالى: «بتحيّة» يشمل جميع أنواع التحيّة من القول والفعل والكتابة ، ويؤيّد ذلك مافي بعض الروايات من أنّ جارية جاءت للحسن (عليه السلام) بطاقة ريحان، فقال لها: أنت حرّة لوجه الله، فقيل له في ذلك ؟ فقال: أدّبنا الله تعالى فقال: { وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّة فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَآ} الآية، وكان أحسن منها إعتاقها(6) .

    ومع ذلك كلّه إنّا لا نطمئنّ بشمول التحيّة للسلام على نحو الكتابة; لاحتمال خصوصيّة المخاطبة في السلام، والأحوط وجوب الردّ فيها .


    (1) جواهر الكلام 11: 110.
    (2) القاموس المحيط 4: 350.
    (3) المغرب في ترتيب المُعرِب: 82 .
    (4) تفسير القمّي 1: 145، وعنه تفسير الصافي 1 : 441 ، والبرهان في تفسير القرآن 2 : 140 ح2598، وبحار الأنوار 76 : 7 ح27، وج84 : 273، وتفسير كنز الدقائق 2: 555.
    (5) سورة النساء 4 : 86 .
    (6) مناقب آل أبي طالب (عليهم السلام) 4 : 18 ، وعنه بحار الأنوار 43: 343 قطعة من 15 و ج84 : 273.
    صفحه 114

    4، 5 ـ تحقّق الكذب والغيبة بالكتابة

    وقد وقع الخلاف في باب المفطرات من كتاب الصيام في أنّ الكذب على الأئمـّة والأنبياء(عليهم السلام) ـ الذي هو من المفطرات ـ هل يتحقّق بالكتابة، أم لا؟وهل يتحقّق موضوع الغيبة بالكتابة، أم لا؟ فذهب صاحب الجواهر إلى تحقّق الغيبة بالكتابة، فقال: بل المعلوم أنّ حرمتها بالقول باعتبار إفادته السامع ما ينقصه ويعيبه وتفهيمه ذلك، وحينئذ فيعمّ الحكم كلّ ما يفيد ذلك; من الكتابة التي هي إحدى اللسانين، والحكاية التي هي أبلغ في التفهيم من القول والتعريض والتلويح وغيرها(1) . وتفصيل الموردين يحتاج إلى بحث موسّع موكول إلى محلّه .

    فتحصّل ممّا ذكرنا إلى هنا عدم اختصاص للّفظ، سيّما في الإخباريات إلاّ بدليل خاصّ في مورد خاصّ.

    وبعد هذه المقدّمة يمكن أن يستدلّ لكفاية الكتابة بوجهين:

    الوجه الأوّل: قوله ـ تعالى ـ : (يَـأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْن إِلَى أَجَل مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبُ بِالْعَدْلِ وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ . . .) (2) .

    فقد استدلّ المحقّق الأردبيلي (قدس سره) بهذه الآية المباركة على اعتبار الكتابة، فقال:

    ثمّ اعلم أنّ هذه التأكيدات في أمر الكتابة تدلّ ظاهراً على أنّها معتبرة وحجّة شرعيّة، مع أنّهم يقولون بعدم اعتبارها، فكأنّه للإجماع والأخبار، فتكون للتذكرة وهو بعيد، ويمكن أن تكون حجّة مع ثبوت أنّه إملاء من عليه الدَّين، وأنّه مكتوب بالعدل وما دخل عليه التغيير والتزوير بإقراره أو بالشهود، ولهذا شرط الإملاء منه، فدلّت على اعتبار الكتابة في الجملة ، ومثلها معتبرة عندهم، فيخصّص عدم


    (1) جواهر الكلام 22 : 64 .
    (2) سورة البقرة 2 : 282 .
  • ۱۱۵

    صفحه 115

    اعتبار الكتابة، ودليله إن كان بغير ذلك، فإذا قال شخص: هذه وصيّتي وأعلم بجميع ما فيها مشيراً إلى صكّه ، ينبغي قبوله والشهادة عليه والعمل به، والذي يظهر من القواعد(1) خلافه، وهكذا ينبغي قبول قول أمثاله فافهم(2)، انتهى كلامه رفع مقامه .

    والمستفاد من هذه العبارات أنّه قال:

    أوّلاً: أنّ التأكيدات في الآية الشريفة على الكتابة وكيفيّتها وشرائطها تدلّ على أنّها حجّة معتبرة مستقلّة عند الشارع المقدّس .

    وثانياً: أنّ فتوى الفقهاء وعدولهم عن ظاهر الآية الشريفة، والذهاب إلى عدم اعتبارها إنّما هو من جهة الإجماع ووجود الأخبار; وبناءً على ذلك تكون الكتابة تذكرة لمن كتب، وليست دليلاً وحجّة .

    وثالثاً: يحتمل أن تكون الكتابة حجّة في الجملة لا بالجملة ، وقد مال الفقهاء إلى اعتبار هذا النوع من الكتابة، وهو خارج من أدلّة عدم اعتبار الكتابة بالخروج التخصيصي .

    واللازم هنا البحث عن الآية الشريفة ومدى دلالتها، وأنّها هل تدلّ على اعتبار الكتابة وحجّيتها مستقلاًّ أم لا؟

    اختلف المفسِّرون في أنّ الآية الشريفة هل هي دالّة على الحكم المولوي الشرعي، أم لا، بل يدلّ على الحكم العقلائي الإرشادي؟ وعلى تقدير كون الحكم مولويّاً هل هي دالّة على الحكم الوجوبي أو الاستحبابي؟ وعلى فرض الوجوب هل هو على نحو الوجوب الكفائي أم لا؟

    ذهب جمع من الخاصّة والعامّة: إلى أنّ الأمر بالكتابة دالّ على الوجوب


    (1) قواعد الأحكام 2: 445.
    (2) زبدة البيان في براهين أحكام القرآن : 563 ـ 564.

    صفحه 116

    استناداً إلى ظاهر الأمر، وهو مذهب عطاء وابن جريح والنخعي من العامّة(1) .

    وقال آخرون: إنّ هذا الأمر محمول على الندب، ذهب إليه المحقّق الأردبيلي(2)وجمع من المفسّرين، كالفخر الرازي ـ في تفسيره ـ على ما يستظهر من كلامه واستدلّ عليه بأمرين:

    الأوّل: الإجماع العملي على عدم وجوبها، وذلك أنّا نرى جمهور المسلمين في جميع ديار الإسلام يبيعون بالأثمان المؤجّلة من غير كتابة، ولا إشهاد .

    الثاني: أنّ في إيجاب الكتابة التشديد العظيم على المسلمين، مع أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) يقول: بعثت بالحنيفيّة السهلة السمحة(3) ،(4).

    وقال الآلوسي: والجمهور على استحبابه لقوله ـ سبحانه ـ : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ أَمَـنَتَهُ} (5) .

    وذهب بعض، كالحسن والشعبي والحكم بن عيينة: إلى أنّ الكتابة كانت واجبة، إلاّ أنّ ذلك صار منسوخاً بقوله ـ تعالى ـ : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} (6) .

    وقال أمين الإسلام الطبرسي في مجمع البيان:

    واختلف في هذا الأمر; فقيل هو مندوب إليه، وهو الأصحّ، ويدلّ عليه قوله ـ تعالى ـ : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} (7) .

    وأورد عليه المحقّق الأردبيلي: بأنّ هذه الآية تدلّ على عدم وجوب الكتابة في


    (1) التبيان في تفسير القرآن 2: 372، التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 92.
    (2) زبدة البيان في براهين أحكام القرآن: 560.
    (3) مسند أحمد بن حنبل: 8 / 303 ح22354، الكافي 5 : 494 ح1، الأمالي للطوسي: 528 قطعة من ح1162.
    (4) التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 92.
    (5) روح المعاني 3: 75.
    (6) التفسير الكبير للفخر الرازي 3: 92.
    (7) مجمع البيان 2 : 219.
  • ۱۱۷

    صفحه 117

    فرض الإئتمان لا بصورة مستقلّة، وبعبارة اُخرى: لا تدلّ على عدم الوجوب مطلقاً(1) .

    وقال الحائري الطهراني في تفسيره:

    واختلف في الكتابة هل هي فرض أم لا؟ فقيل: هي فرض على الكفاية، كالجهاد ونحوه، عن الشعبي وجماعة من المفسِّرين والرّماني، وجوّز الجبائيأن يأخذ الكاتب والشاهد الاُجرة على ذلك (2).

    وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي: وعندنا لا يجوز ذلك ، وأمّا الورق الذي يكتب فيه على صاحب الدين دون من عليه الدين، ويكون الكتاب في يده; لأنّه له ، وقال السدي واجب على الكاتب في حال فراغه ، وقال مجاهد وعطاء: هو واجب إذا أمر ، وقال الضحّاك: نسختها قوله: (وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ) (3)،(4) .

    وذهب القرطبي إلى أنّ المقصود من الآية الشريفة ليس مجرّد الكتابة ، بل الكتابة منضمّاً بالإشهاد، فقال: أمر بالكتابة، ولكنّ المراد الكتابة والإشهاد; لأنّ الكتابة بغير شهود لا تكون حجّة(5) .

    وفيه أوّلاً: أنّ هذا خلاف الظاهر ، بل الصريح في الآية الشريفة .

    وثانياً: أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ في هذه الآية الشريفة أمر في المداينة بأمرين: أحدهما: الكتابة،والثاني: الإشهاد; وهو قوله ـ تعالى ـ : {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} ، والظاهر أنّ كلاًّ منهما مستقلّ عن الآخر، ولا يكون الإشهاد شرطاً للكتابة .


    (1) زبدة البيان في براهين أحكام القرآن : 561 ..
    (2) لم نعثر على كتابه.
    (3) سورة البقرة 2: 282.
    (4) التبيان في تفسير القرآن 2: 372.
    (5) الجامع لأحكام القرآن 3 : 382.
  • ۱۱۸

    صفحه 118

    وقال الشيخ أحمد الجزائري:

    الأمر بكتابة الدين; لئلاّ يذهب المال بطول المدّة، وعند عروض النسيان، أو الموت، ويكون قاطعاً لسبيل النزاع في الزيادة والنقصان، فالأمر حينئذ يكون هنا للإرشاد، وعند بعضهم أنّه للندب، وعند آخرين أنّه للوجوب، والأخير ضعيف; لأصالة عدمه، ولاستمرار السلف على تركه غالباً، ولعموم قوله (عليه السلام) : «الناس مسلّطون على أموالهم»(1) يفعلون بها كيف شاءوا، وهذا ظاهر(2) .

    أقول: كلامه في إرشاديّة الأمر جيّد، إلاّ أنّ الاستدلال لعدم الوجوب بأصالة العدم غير صحيح; لأنّه يقال في مقابله: الأصل عدم الاستحباب، مع أنّ ظاهر صيغة الأمر يدلّ على الوجوب، ومع وجود هذا الظاهر لا وجه للاستدلال بالأصل، وكذلك الاستدلال بحديث السلطنة غير تامّ; لما ثبت في محلّه من أنّ الحديث ليس مشرّعاً، والسلطنة إنّما هي على الأموال لا على الأحكام، على ما ذهب إليه الشيخ الأنصاري(3)، وهو الحقّ وإن خالفه في ذلك بعض، كالسيّد اليزدي ـ على ما هو ببالي ـ في حاشيته(4)، فراجع .

    وقال بعض المعاصرين: إنّ القرآن قد أتى بأرقى مبادئ الإثبات في العصر الحديث; وهي الكتابة على ما نصّ به في آية التداين، ولكن لمـّا كانت حضارة العصر تقصر دون ذلك ـ لغلبة الأُميّة ـ لم يستطع الفقهاء إلاّ أن يسايروا حضارة عصرهم ، فإذا بالفقه الإسلامي يرتفع بالشهادة إلى مقام تنزل عنه الكتابة نزولاً بيّناً . ومن العجب أنّ عصر التقليد في الفقه الإسلامي لم يدرك العوامل التي كانت


    (1) عوالي اللئالي: 1 / 222 ح99 و ص457 ح198 ، وج3 / 208 ح49.
    (2) قلائد الدرر في بيان آيات الأحكام 2 : 258.
    (3) المكاسب (تراث الشيخ الأعظم) 3 : 87 .
    (4) حاشية كتاب المكاسب 3: 449.
  • ۱۱۹

    صفحه 119

    وراء تقديم الشهادة على الكتابة، فظلّ يردّد ما قاله الفقهاء الأوّلون في تقديم الشهادة(1) .

    وقال المحقّق الحائري في الردّ على ذلك:

    إنّ الآية المباركة لا دلالة فيها على كون الكتابة مصدراً للإثبات فيالقضاء عند المرافعة، وأنّ البيّنة مصدر ثانويّ للإثبات، وإنّما الآية أكّدت علىضرورة الكتابة، وقد يكون ذلك للتذكير والمنع عن النزاع. ثمّ الكتابة حينما تفيد العلم خصوصاً القريب من الحسّ، فإغفالها إنّما هو صادق بشأن الفقه السنّي . أمّا الفقه الشيعي، فقد اعترف بحجّية علم القاضي وتقدّمه على البيّنة، وحينما لا تفيدالعلم ، فالعلم الحسّي للبيّنة كان أقرب إلى الواقع من ظنّ القاضي الناشئ من الكتابة لدى الشارع(2) .

    والتحقيق: أنّ المستفاد من الآية الشريفة اُمور والله العالم:

    الأوّل: أنّ الآية الشريفة ليست بصدد بيان حكم شرعيّ مولويّ حتّى يقع الخلاف في دلالتها على الوجوب الشرعي أو الاستحباب، بل الآية الشريفة في مقام إرشاد الناس إلى طريق صحيح مانع عن ظهور الاختلاف، وعن الزيادة والنقصان، ويؤيّد ذلك قوله ـ تعالى ـ : {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا} (3) .

    الثاني: أنّ الشارع قد أمضى في هذه الآية المباركة اعتبار الكتابة عند العقلاء وإن كان بينهما فرق من جهة الشرائط والخصوصيّات المعتبرة في كيفيّة الكتابة .

    الثالث: أنّ الآية لا تختصّ بمورد السَّلم حسب ما تخيّله بعض المفسِّرين ، بل الحكم عامّ جار في جميع المعاملات والعقود ، بل في جميع ما اعتبر العقلاء فيه


    (1) هامش الوسيط في شرح القانون المدني الجديد 2: 356.
    (2) القضاء في الفقه الإسلامي : 542 .
    (3) سورة البقرة 2 : 283.
  • ۱۲۰

    صفحه 120

    الكتابة; فإنّها حجّة معتبرة شرعيّة، كما هي حجّة معتبرة عقلائيّة .

    وبعبارة اُخرى: أنّ الأمر بالكتابة أمر إرشاديّ; وهو في العموميّة والخصوصيّة تابع للمرشد إليه، ومن الواضح: أنّ اعتبار الكتابة عند العقلاء لايختصّ بمورد خاصّ .

    إن قلت: إنّ الشارع قد أمضى هذا العمل العقلائيّ في مورد خاصّ; وهو الدَّين وبيع السَلم، ولا يجوز التعدّي عن هذا المورد .

    قلت: هذا صحيح لو كان بصدد الإمضاء في خصوص المورد، مع أنّ الظاهر أنّ الشارع في مقام تطبيق الأمر العقلائي على هذا المورد، وهذا يكفي في إمضاء الشارع بالنسبة إلى جميع ما اعتبر العقلاء فيه الكتابة، فتدبّر .

    الرابع: أنّ الآية لا تدلّ على إنشاء الدَّين بالكتابة ; يعني أنّها لم تستعمل في إنشاء عقد الدَّين ، بل هي دالّة وصريحة في أنّه بعد تحقّق الدَّين يجب الكتابة;للاحتجاج بها في مقام الاختلاف بالنسبة إلى الزيادة والنقيصة .

    الخامس: بناءً على كون الأمر في الآية إرشاديّاً لا مجال للبحث عن تحقّق النسخ فيها وعدمه; لأنّ النسخ إنّما هو في الأحكام الشرعيّة المولوية . وأمّا الأحكام الإرشاديّة، فلا يعقل النسخ فيها .

    السادس: المستفاد من الآية الشريفة حجّية الكتابة في الاُمور غير الإنشائيّة ، وبعبارة اُخرى: حجّية الكتابة بعنوان الطريق لإثبات الادّعاء في مقام الخلاف، ولاتدلّ على اعتبار الكتابة في الاُمور الإنشائيّة .

    الوجه الثاني: السيرة الموجودة بين العقلاء من اعتبار الكتابة بينهم، وهذا ممّا لا يقبل الإنكار; فإنّه لا فرق عندهم بين اللفظ والكتابة، فالبيع كما ينعقد عندهم بطريق الألفاظ، كذلك ينعقد عندهم بطريق الكتابة كالأفعال ، فالعقلاء يعاملون معها معاملة البيع اللفظي والإجارة اللفظيّة وهكذا، ولم يدلّ دليل في الشريعة على

۵۴,۸۷۷ الزيارة