pic
pic
  • ۹۲

    صفحه 92

    الثاني(1) .

    الرابع : التفصيل بين التقيّة من المخالفين، فلا يعتبر مطلقاً أو في الجملة ، ومن غيرهم فيعتبر ، ذهب إليه الإمام الخميني (قدس سره) (2) .

    الخامس : التفصيل بين ما إذا كان الإذن الوارد إذناً لامتثال أوامر التقيّة فيعتبر ، وبين ما إذا كان إذناً لامتثال أوامر الأوّليّة المتعلّقة بالعبادات فلايعتبر، وهذا التفصيل هو الذي بيّنه الشيخ الأنصاري بعنوان التصحيح لكلام المحقّق الثاني وقال : لو كان مراده من تفصيله هذا التفصيل، فهو صحيح ، لكن يحتاج إلى قيد; وهو التقييد بغير الأجزاء والشرائط الاختياريّة ; لأنّ المسألة بناءً على التفصيل تصير من مصاديق ذوي الأعذار، والأجزاء والشرائط الاختياريّتان خارجتان عن هذه المسألة(3) .

    السادس : اعتبار المندوحة في المندوحة العرضيّة مع تبديل موضوع التقيّة ، وعدم اعتباره في المندوحة العرضيّة مع انعدام الموضوع ، وقد قلنا في الأمر الثالث : إنّ اعتبار المندوحة العرضيّة مع انعدام موضوع التقيّة أمر مسلّم بينهم ، وعلى هذا لا يكون كلام الشيخ تفصيلاً في المسألة ، بل هو ممّن ذهب إلى اعتبار عدم المندوحة.

    السابع : نفس التفصيل الذي ذهب إليه السيّد الإمام ، لكن مع تفصيل في التقيّة من العامّة ; فإنّها قد تكون في ترك الواجب، أو في الإتيان بالحرام ، فيعتبر عدم المندوحة ، واُخرى في ترك جزء، أو شرط ، أو الإتيان بالمانع فلا يعتبر ،وإن شئت قلت : التقيّة من العامّة قد تكون في غير العبادة، وقد تكون في العبادة; وهو الذي ذهب إليه السيّد الخوئي(4) .


    (1) رسائل المحقّق الكركي 2: 52.
    (2) الرسائل، رسالة في التقيّة 2: 201.
    (3) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم) : 84 .
    (4) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5 : 264 ـ 272.
  • ۹۳

    صفحه 93

    والصحيح: عدم إمكان المساعدة للتفصيل الذي ذهب إليه المحقّق الثاني; لعدم الفرق بين الإذن الخاصّ والعامّ; من جهة أن الإذن في العمل الذي يتّقى به إن كان أمراً بالامتثال بتلك الصورة تقيّةً، فيكون فرداً اضطراريّاً للطبيعة المأمور بها ، فيكون مجزئاً حتّى في الإذن العامّ ، وإن لم يكن أمراً بالامتثال، بل شرّعت التقيّة لأجل التحفّظ والتخلّص عن شرّهم، فالإذن الخاصّ أيضاً لا يفي بالإجزاء .

    وبعد هذا نقول : إنّه بعد عدم صحّة هذا التفصيل، وخروج القول الخامس عن محلّ النزاع، ورجوع قول الشيخ الأنصاري إلى القول الأوّل على ما بيّناه في تحرير محلّ النزاع ، وبعد عدم وجود الخلاف في اعتبار عدم المندوحة في التقيّة من غير العامّة ; لعدم صدق الضرورة والاضطرار في صورة المندوحة، وكذلك عدم النزاع في التقيّة من العامّة إذا كانت بصورة ترك الواجب، أو إتيان الحرام ، انحصر البحثفي اعتبار عدم المندوحة في التقيّة من العامّة في دائرة العبادات .

    والتحقيق: اعتبار عدم المندوحة فيما إذا كانت العبادة تقيّةً خوفيّة ، وعدم اعتباره فيما إذا كانت على نحو المداراة:

    أمّا الأوّل: فلعدم صدق الخوف والضرر في صورة وجود المندوحة .

    وأمّا الثاني: فلإطلاق الروايات الواردة في العبادة معهم(1)، والحضور في جماعاتهم(2)، وأنّ الصلاة معهم كالصلاة مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3)، ولا شكّ أنّ هذه التعبيرات والترغيبات ينافي الاشتراط بصورة عدم المندوحة ; لأنّه مستلزم لنقض الغرض، وممّا يلزم من وجوده عدمه; فتحصّل من ذلك وجوه ثلاثة :

    الوجه الأوّل : إطلاق الروايات ; فإنّها غير مقيّدة بعدم المندوحة .

    الوجه الثاني : وجود الحثّ والترغيب فيها، والتعبيرات الواردة فيها ، وهي منافية للاشتراط .


    (1 ـ 3) وسائل الشيعة 8 : 299 ـ 302 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ب5.

    صفحه 94

    الوجه الثالث : أنّ بعض الروايات في مقام إعطاء الضابطة الكلّية ; كرواية مسعدة بن صدقة المتقدّمة(1); أعني قوله (عليه السلام) : «فكلّ شيء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدّي إلى الفساد في الدين; فإنّه جائز»; فلو كان في البين قيد لوجب ذكره.

    نعم، هنا أخبار ربما يعارض ظاهرها مع هذه المطلقات، نشير إلى الأهمّ منها :

    1 ـ رواية أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، عن إبراهيم بن شيبة قال : كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولّى أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يرى المسح على الخفّين ، أو خلف من يحرّم المسح وهو يمسح؟ فكتب (عليه السلام) :إن جامعك وإيّاهم موضع فلم تجد بدّاً من الصلاة فأذّن لنفسك وأقم، فإن سبقك إلى القراءة فسبّح(2) .

    دلّت الرواية على أنّ الصلاة مع من يمسح على الخفّين جائزة إذا لم يجد بُدّاً من ذلك ، وفي صورة المندوحة يوجد بُدٌّ .

    ويرد عليه أوّلاً : أنّ الرواية على ما ذكره السيّد الخوئي ضعيفة السند ; لأنّ إبراهيم بن شيبة لم يوثّق ، وما في كلام المحقّق الهمداني(3) من إسناد الرواية إلى إبراهيم ابن هاشم من سهو القلم(4) .

    وثانياً : أنّ مورد الرواية هو التقيّة في المسح على الخّفين ، وقد دلّت الروايات على عدم جريان التقيّة فيه، وفصّلنا الكلام فيه سابقاً(5). وبما أنّ صلاة الرجل كانت


    (1) تقدّم في ص68.
    (2) تهذيب الأحكام 3 : 276 ح807 ، وعنه وسائل الشيعة 8 : 363 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ب33 ح2.
    (3) مصباح الفقيه 2: 442.
    (4) التنقيح في شرح العروة الوثقى (موسوعة الإمام الخوئي) 5: 270.
    (5) في ص35 ـ 41.
  • ۹۵

    صفحه 95

    محكومة بالبطلان في مورد الرواية; فلذا منع الإمام (عليه السلام) عن الصلاة خلفه ، فهي خارجة عن محلّ الكلام .

    وثالثاً : أنّ الرواية لو دلّت على الاعتبار لدلّت على اعتبار عدم المندوحة الطوليّة أيضاً ، مع أنّ عدم اعتباره إجماعيّ(1) ، فيلزم تخصيص الرواية بالإجماع ، بينما إنّ لسان الحديث يأبى عن التخصيص .

    2 ـ ما عن دعائم الإسلام بسنده عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال : لا تصلّوا خلف ناصب ولا كرامة ، إلاّ أن تخافوا على أنفسكم أن تشهروا ويشار إليكم، فصلّوا في بيوتكم، ثمّ صلّوا معهم ، واجعلوا صلاتكم معهم تطوّعاً(2) .

    ودلالة الرواية على جواز الصلاة في صورة عدم المندوحة واضحة .

    لكن يرد عليه أوّلاً : أنّ روايات دعائم الإسلام غير قابلة الاعتماد .

    وثانياً : أنّها قاصرة الدلالة على المدّعى ; لاختصاصها بالناصب ، وهو خارج عن محلّ الكلام ; لأنّه محكوم بالكفر .

    ثمّ لو أغمضنا عن الإيرادات الواردة على هذه الروايات لوجب الجمع بينها وبين المطلقات ، فذهب المحقّق البجنوردي إلى أنّ مقتضى الجمع عرفاً بينهما; هو حمل هذه الأخبار على إمكان التخلّص في نفس وقت التقيّة، بدون التأجيل وتأخير امتثال الواجب إلى زمان ارتفاع التقيّة، أو بدون انتقاله إلى مكان آخر للفرار عن التقيّة ، بل يمكن في نفس المكان والزمان أن يأتي بالواقع الأوّلي ، ففي مثل هذا المورد لا يجوز أن يتّقى بإتيان الواجب موافقاً لهم (3).

    ولا يخفى عدم صحّة هذا الجمع ; فإنّ الحمل على ذاك المورد بمعنى الحمل على


    (1) رسائل فقهيّة (تراث الشيخ الأعظم) : 85 ، مصباح الفقيه 2 : 440 ـ 444 ، التنقيح في شرح العروة الوثقى(موسوعة الإمام الخوئي) 5: 264 ـ 270.
    (2) دعائم الإسلام 1: 151 ، وعنه مستدرك الوسائل 6: 458 ، كتاب الصلاة ، أبواب صلاة الجماعة ب6 ح1.
    (3) القواعد الفقهيّة 5 : 72 .
  • ۹۶

    صفحه 96

    المندوحة العرضيّة ، وقلنا(1) : إنّ هذا النحو من المندوحة العرضيّة الذي يرجع إلى تبديل موضوع التقيّة ، محلّ الخلاف .

    والصحيح أن يقال : إنّ مورد كثير من هذه الأخبار هي التقيّة الخوفيّة، وقد مرّ(2) اعتبار عدم المندوحة فيها ، وبعضها ـ كصحيحة عليّ بن يقطين قال : سألت أباالحسن (عليه السلام) عن الرجل يصلّي خلف من لا يقتدى بصلاته والإمام يجهر بالقراءة؟ قال : أقرأ لنفسك، وإن لم تسمع نفسك فلا بأس(3); فإنّه يدلّ على إتيان القراءة بمقدار الممكن، ويكون عامّاً شاملاً للتقيّة الخوفيّة والمداراتيّة ، فيمكن أن يقال : إنّه من موارد ارتفاع موضوع التقيّة خوفاً أو مداراة ; لأنّ القراءة على هذا النحولا تكون مخلاًّ بالمداراة ، فيخرج عن محلّ النزاع، كما مرّ في الأمر الثالث(4) .

    فما في كلمات الإمام الخميني (قدس سره) (5) من الحمل على الاستحباب، لا يمكن المساعدة عليه ; لعدم بقاء الموضوع في هذا الفرض ; بمعنى أنّ التقيّة في هذا الفرض ليس بمشروع، لا وجوباً، ولا استحباباً .


    (1) في ص89 ـ 90 .
    (2) في ص 93.
    (3) تهذيب الأحكام 3 : 36 ح129 ، الاستبصار 1: 430 ح1663 ، وعنهما وسائل الشيعة 8 : 363، كتاب الصلاة، أبواب صلاة الجماعة ب33 ح1.
    (4) في ص 90 ـ 92.
    (5) الرسائل ، رسالة في التقيّة 2: 207.

    صفحه 97

    رسالة في اعتبار الكتابة في الفقه الإسلامي

    وقد ألّفت في سنة 1416 هـ . ق بمناسبة تشكيل

    المؤتمر لذكرى المحقّق الأردبيلي (قدس سره)
  • ۹۸
  • ۱۰۰

    صفحه 100

    المقام الأوّل: في أنّ الكتابة هل هي حجّة شرعيّة في عداد سائر الحجج الشرعيّة، كالبيّنة والحلف والإقرار؟ وهل كلّ ما هو مكتوب ـ الذي قد يعبّر عنه في هذه الأزمنة بالأسناد ـ حجّة شرعيّة، أم لا؟ ودائرة هذا البحث لا تختصّ بمسألة القضاء ، بل يجري في جميع أبواب الفقه، ويتفرّع عليه فروع كثيرة، مثلاً:

    هل العقود والمعاملات المنشأة على نحو الكتابة صحيحة كسائر المعاملات التي تجري فيها الألفاظ؟ وبعبارة أُخرى: ما هو مقتضى القاعدة الأوّليّة في الكتابة في جميع ما يمكن أن يقع بطريق الألفاظ، أو الأفعال؟

    فهل في الكتابة قصور، أو فتور عن الدلالة والإنشاء على ما هو المقصود بين الأشخاص؟ وهل الدلالة فيها أضعف من دلالة الألفاظ؟ وما هو موضع الشارع المقدّس، والشريعة السمحة السهلة في قبال هذا الأمر المهمّ المتعارف بين الناس؟ فهل الشارع قد منع في شريعته عن صحّة الكتابة وكفايتها، أم لا؟

    وهل البيع على نحو الكتابة صحيحة لازمة، أم لا؟ وهل البيّنة الكتبيّة حجّة لدى القاضي، ويجب عليه الأخذ بها، أم لا؟ وهل الحلف بصورة الكتابة كافية، أم لا؟

    وهكذا هل الإجازة أو الردّ في العقد الفضولي تتحقّقان بنحو الكتابة، أم لا؟ وهل حكم القاضي بنحو الكتابة نافذ يجب الأخذ به، أم لا؟

    ومن الواضح أنّ محلّ البحث والكلام إنّما هو فيما إذا لم يشترط اللفظ في موضوع شيء، كالصلاة; فإنّ القراءة أو اللفظ معتبرة في موضوعها ومتعلّقها عند التيسّر، وأيضاً محلّ النزاع فيما إذا لم يشترط فيه فعل خاصّ، كالقبض في النقدين وإجراء الحدود والتعزيرات والضمان ، فمن الواضح عدم اعتبار الكتابة في هذه الاُمور، بل إمّا أن تتحقّق بالألفاظ المعتبرة كالصلاة ، أو بالأفعال المشخّصة المعيّنة ، ففي سوى ذلك ما هو شأن الكتابة واعتبارها عند الشارع المقدّس؟

۵۴,۸۶۶ الزيارة