pic
pic
  • ۲۷۱

    صفحه 271

    3 ـ ملاكات الأحكام الشخصيّة

    توجد في علم الفقه بعض الأحكام يطلق عليها عنوان «الأحكام الشخصيّة» والمراد منها: الأحكام التي يكون موضوعها، أو متعلّقها غير مرتبط بالمجتمع ونظام الحكم فيه، بل يؤخذ الشخص بما هو شخص في موضوعها.

    وبعبارة أُخرى: إنّ ملاك هذا النمط من الأحكام وجود المصلحة أو المفسدة المتعلّقة بالشخص فحسب، دون المجتمع، من قبيل المعاملات الشخصيّة التي تُعقد بين شخصين.

    فمثل هذه المعاملة تقع صحيحة شرعاً، ويؤخذ في هذا الحكم الملاك الشخصي. وهكذا الحال في وجوب الصلاة، وكثير من الأحكام العباديّة، فالشارع المقدّس قد وضع الصلاة على الشخص المكلّف بعنوان تكليف فرديّ، فيجب عليه امتثاله والإتيان به في جميع الظروف، وفي كلّ زمان ومكان، وهذا الحكم وإن كان لا يخلو من فوائد اجتماعيّة، ولكنّ الملاك الأساسي فيه هي المصلحة المتعلِّقة بالأفراد.

    وهنا لابدّ من ذكر هذا الأمر; وهو: أنّ بعض العناوين والموضوعات، كالبيع مثلاً، تارةً: تكون شخصيّة، مثل كثير من المعاملات المنعقدة بين الناس، وتارةً أُخرى: تخرج عن الإطار الشخصي، مثل شراء بضاعة من شركة صهيونيّة، فمع الأخذ بنظر الاعتبار أنّ ربح هذه المعاملة سيصبّ في جيب الصهاينة، ويؤدّي إلى تقوية هذه الدولة الغاصبة، ففي هذه الصورة لا يمكن القول بجواز هذه المعاملة.

    4 ـ ملاكات الأحكام الاجتماعيّة

    الأحكام التي يُلحظ فيها جهة حفظ مصالح المجتمع، ونظامه السياسيّ، لها خصوصيّة متميِّزة في علم الفقه، ورغم أنّ هذه الأحكام لم تُبحث بشكل مستقلّ في الفقه، ولكن يمكن العثور على مثل هذه الأحكام ضمن أبواب الفقه وأحكامه.

  • ۲۷۲

    صفحه 272

    وهذا النوع من الأحكام له ارتباط وثيق بالأحكام الحكوميّة، وقد ذهب البعض إلى أنّ هذه الأحكام من حيث الكمّية والمقدار أكثر بكثير من الأحكام الشخصيّة في الشريعة المقدّسة، وأنّ الأحكام الجزائيّة والقضائيّة في الفقه هي من هذا النوع من الأحكام.

    وبديهيّ أنّ الملاك الأساسي في مثل هذه الأحكام هو حفظ الدِّين والمجتمع والنظام الاجتماعي، ومن جهة أُخرى: من البديهي أنّ المصالح تختلف باختلاف الظروف والأزمنة، وعليه: فإنّ الأحكام المتعلِّقة بالنظام الاجتماعي سوف تتغيّر تبعاً لتغيّر الزمان واختلاف المكان، وأحد الأركان والمراجع المهمّة في الفقه الإسلامي، الذي يمكنه تشخيص المصلحة في الأزمنة المختلفة، وإعطاء الحكم وفقاً لتلك المصلحة هو الوليّ الفقيه.

    النتيجة: أنّ الزمان والمكان بالمعنى الاصطلاحي له صلاحيّة التأثير في ملاكات الأحكام الشرعيّة، ولكن هذا التأثير يكون محدوداً جدّاً في دائرة الأحكام العباديّة، والشخصية، وواسع جدّاً في دائرة الأحكام المعاملاتيّة والاجتماعيّة.

    ب) تأثير الزمان والمكان في موضوعات ومتعلّقات الأحكام

    1 ـ تعريف الموضوع والمتعلّق

    إنّ كلّ قضيّة تتضمّن حكماً شرعيّاً لابدّ أن يكون لها موضوع يترتّب عليه الحكم، وكذلك لابدّ أن يكون لها متعلّق يتعلّق به الحكم، ولهذين الأمرين ـ أي الموضوع، والمتعلّق ـ اصطلاحات مختلفة لدى الاُصوليّين، فالمحقّق النائيني (قدس سره) (1)


    (1) لاحظ فوائد الاُصول 3 : 37 ـ 43.
  • ۲۷۳

    صفحه 273

    يقول في مثال حرمة شرب الخمر: إنّ الحكم عبارة عن الحرمة، والمتعلّق هوالشرب، والموضوع هو الخمر، وفي مثال وجوب الزكاة يكون الوجوب هو الحكم، والأشياء متعلِّق الحكم، والزكاة موضوعه أو متعلّق المتعلّق.

    الموضوع عبارة عن شيء مفروض الوجود في مرتبة سابقة على الحكم، بخلاف المتعلّق; فإنّه ليس كذلك، بل هو في مرتبة الأمر والحكم، ومن خلال الأمر يكون المكلّف مأموراً بالإتيان به، وكذلك بالنهي يكون مأموراً بتركه.

    والبعض الآخر(1) يرى أنّ الموضوع في المثالين المذكورين ـ أي حرمة شرب الخمر، ووجوب الزكاة ـ هو الإنسان المكلّف.

    والحكم غير قابل للتغيّر من دون تغيّر الموضوع، أو قيوده، أو المتعلّق. إلاّأن يكون المراد من تغيير الحكم: أنّ نظر الفقيه على أثر مرور الزمان، وسعة إحاطته العلميّة يكون أقوى من السابق في دائرة الاستنباط من الأدلّة الشرعيّة، ويأخذ بنظر الاعتبار مباني جديدة في حركة الاجتهاد.

    والبحث هنا يدور حول كيفيّة تأثير الزمان والمكان في الموضوعات أو المتعلّقات، فالزمان والمكان لاتأثير لهما في نفس عناوين الموضوعات والمتعلّقات; بمعنى أنّ الموضوع أو المتعلّق لا يخرج عن إطار عنوانه مع تغيّر الظروف والخصوصيّات الزمانيّة والمكانيّة; أي أنّ شرب الخمر مثلاً يبقى دائماً متعلِّقاً للحرمة، والتأثير الوحيد الذي يمكن تحقيقه في هذا المجال، هو أن يقوم بتغيير الشرائط والخصوصيّات التي تمّ جعل الحكم بالنظر لها، والإتيان بشرائط وخصوصيّات جديدة ممّا يستتبع تبدّل الحكم.

    والملاحظة المهمّة التي لابدّ أن تؤخذ بنظر الاعتبار هي: أنّ الفقيه يجب عليه أن يدرك جيّداً ـ من خلال التأمّل والتدبّر ـ أنّ هذه الخصوصيّة والحيثيّة


    (1) لم نعثر عليه عاجلاً .
  • ۲۷۴

    صفحه 274

    الملازمة للموضوع، هل يمكنها أن تكون مؤثِّرة في تغيير وتبدّل الموضوع إلى موضوع آخر، أم لا؟

    وببيان أوضح: من الممكن أن يحمل حكم على موضوع معيّن بنحو الإطلاق; أي أنّ الظاهر هو أنّ الدليل يترتّب الحكم على ذلك الموضوع بجميع شرائطه وخصوصيّاته، ولكن يجب الانتباه إلى أنّ الواقع هل هو كذلك؟

    مثلاً يمكن أن يدّعي أحد الأشخاص ـ على أساس رواية واردة في هذا الموضوع ـ أنّ الشطرنج الذي كان حسب الظاهر من أدوات القمار في مرحلة الحدوث، قد حرّمه الشارع على الدوام، وحرّم جميع أنحاء استعمالاته، حتّى في الزمن الذي خرجت فيه هذه اللعبة عن عنوان القماريّة ، فالذي هو المهمّ في هذا المورد، ومحلّ تأكيد الإمام الراحل (قدس سره) أيضاً أنّ الفقيه يجب أن يعلم أنّ الأحكام الصادرة من الشرع لم تطرح يوماً من دون اعتبار الخصوصيّات، والظروف المحيطة بالموضوع في ذلك الزمان، بل تمّ جعل ذلك الحكم على ذلك الموضوع مع الأخذ بنظر الاعتبار تلك الخصوصيّات والظروف.

    ومن أجل توضيح وتكميل هذا المطلب لابدّ من بيان أنواع الموضوع وأقسام التغيير على سبيل الإجمال.

    2 ـ أقسام التغيير في خصوصيّات وشرائط الموضوع

    الأوّل: أحياناً تحدث تغيّرات على أثر مرور الزمان في بعض الموضوعات، بحيث يخرج ذلك الموضوع من العلّة التي أوجبت طروّ الحكم عليه، ويدخل في علّة جديدة توجب حكماً جديداً له، مثلاً في مسألة بيع وشراء الدم، حيث لم يحدث تغيّر في ذات الموضوع; أي الدم، بل إنّ الدم لم تكن فيه منفعة محلّلة مقصودة لدى العقلاء، وهذا هو السبب في بطلان المعاملة، ولكن في هذا الزمان خرج الموضوع من دائرة تلك العلّة ودخل في علّة أُخرى; وهي عبارة عن المنفعة المقصودة لدى

  • ۲۷۵

    صفحه 275

    العقلاء، ومن هنا يدخل في دائرة الحكم بالصحّة والجواز.

    وعلى هذا الأساس يمكن القول بأنّه مع أثر مرور الزمان وحدوث تغييرات جديدة في الموضوع، إذا خرج الموضوع من دائرة التعليل لذلك الحكم، ودخل في تعليل آخر، استوجب حكماً جديداً. وينحصر هذا الأمر بالموضوعات التي تمّ التصريح بعلّة حكمها، أو علمنا بالعلّة بشكل قطعيّ.

    الثاني: في بعض الموضوعات للقضيّة المتضمِّنة للحكم لا يوجد تعليل خاصّ للحكم، بل ذكر الحكم للموضوع بنحو مطلق، ففي مثل هذه الموارد إذا كان الموضوع أمراً عباديّاً، ولا طريق لنا للوصول إلى العلّة بشكل قطعيّ، فمرور الزمان، وتغيّر الظروف لا يستوجب أيّ تغيير في الحكم، بل تجري حينئذ قاعدة الأهمّ فالأهمّ، بحيث يقدّم الأمر الآخر الذي له ملاك أقوى وأهمّ، على هذا الموضوع العبادي.

    وطبعاً; فإنّ بعض الموضوعات العباديّة رغم عدم وجود علّة الحكم في ظاهر الدليل، إلاّ أنّنا بإمكاننا الوثوق بعلّة الحكم في نظر الشارع، مثلاً في رمي الجمرات حيث نستفيد من مناسبات الحكم والموضوع أنّ طول وعرض الجمرة لا دخل له في ترتّب الحكم، بل نحن على ثقة بأنّ رمي الجمار إنّما يحكي عن تذكير الناس بعمل إبراهيم وآدم (عليهما السلام) ، ولغرض امتثال أمر الله تعالى.

    وعليه: يمكننا الفتوى بجواز رمي المقدار الزائد، بخلاف ما ذهب إليه بعض الفقهاء العظام من الإشكال في هذا المورد(1).

    وأمّا لو كان الموضوع غير عباديّ; أي لم يؤخذ في الإتيان به قصد القربة، فعلى الفقيه أن يسعى للعثور على العلّة الأساسيّة للحكم، مثلاً في تحريم الموسيقى لم تذكر علّة خاصّة في لسان الشريعة، فيكون هذا الأمر بعهدة الفقيه ليتحقّق ويرى أنّ هذا


    (1) المعتمد في شرح المناسك (موسوعة الإمام الخوئي) 29: 227 ـ 228.
  • ۲۷۶

    صفحه 276

    العنوان واقع ضمن أيّ من العناوين المحرّمة في الشريعة، هل هو محكوم بالحرمة من باب اللهو، أو من باب شمول عنوان الباطل له، أو لعلل أُخر؟

    ما هو الجدير بالذكر أنّ القطع بالعلّة في مثل هذه الموارد غير ضروريّ، بل يكفي الوثوق بها، ويرى المحقّق البروجردي (قدس سره) ـ في بحث أسانيد الروايات ـ أنّه لو كان الحديث غير متواتر، ولكنّ الفقيه يثق بصدوره بسبب تعدّد النقل، كفى هذا المقدار للعمل بذلك الحديث(1)، فهذه النظريّة يمكنها أن تكون حلاًّ مناسباً لما نحن فيه.

    ففي نظرنا أنّ العلّة الأساسيّة للاختلاف في تأثير الزمان والمكان في الفتوى الاجتهاديّة هو هذا الأمر، حيث يذهب المنكرون للتأثير أنّ الموارد التي لم يرد فيها بيان علّة الحكم بصورة قطعيّة، لا يمكننا تغيير الحكم بسبب اختلاف الأزمنة وتغيّر الأمكنة، في حين أنّنا لو ذهبنا إلى أنّ الفقيه يمكنه من خلال التتبّع في الموارد المماثلة الوثوق بالعلّة، فيكون هذا المورد بحكم مقطوع العلّية، ويجب أن يترتّب عليه حكم جديد بسبب خروج موضوعه من العلّة الاُولى، ودخوله في علّة أُخرى.

    ومسألة الشطرنج من هذا القبيل، رغم أنّ الروايات(2) ذكرت تحريمه بصورة مطلقة، ولكن بالتأمّل والتدقيق يتّضح لنا بأنّ هذه الآلة بسبب أنّها كانت من آلات القمار ـ بضميمة وجود المراهنة ـ ورد تحريمها في الشرع(3).

    وعلى هذا الأساس المهمّ جدّاً هو أن يقوم الفقيه بالتحقيق في الموضوعات غير العباديّة، والتي لها علّة غير تعبّديّة طبعاً، بل تعتمد على نكتة ارتكازيّة عقلائيّة، وتكون مورد درك العقلاء أيضاً، ويرى ما هي النكتة الأساسيّة لذلك الحكم، وطبعاً بعد الوثوق من العلّة يتحرّك لتطبيقها على صغريات مسألة تأثير


    (1) لم نعثر عليه عاجلاً.
    (2 ، 3) وسائل الشيعة 17: 318 ـ 323، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب102 و103.
  • ۲۷۷

    صفحه 277

    الزمان والمكان مع اختلاف الشرائط والظروف.

    ولأجل توضيح المطلب نستعين بذكر مثال آخر في هذا الباب، فقد ورد في الروايات الصحيحة أنّ المرأة الزانية غير المحصنة ـ مضافاً إلى عقوبة الجلد ـ يجب أن يُحكم بتبعيدها عن موطنها(1)، وجملة من الفقهاء أفتوا بلزوم التبعيد استناداً إلى هذه الروايات(2)، في حين أنّ جماعة الاُخر بعد التأمّل والتدقيق أفتوا بعدم جواز التبعيد، وعلّلوا ذلك بأنّ تلك المرأة رغم وجودها في إطار الاُسرة ارتكبت ما ينافي العفّة، فكيف لو خرجت من ذلك الإطار؟ فإنّ احتمال البغي والفساد سيشتدّ في شأنها(3).

    وهذه الفتوى صدرت في زمان لم يكن فيه سجن خاصّ بالنساء.

    ولكن في الحال الحاضر حيث توجد مثل هذه السجون الخاصّة بالنساء المجرمات، فمن الطبيعي أن يكون التبعيد جائزاً، ويجب الانتباه إلى أنّ السجن هو غير التبعيد، فالمراد من التبعيد هو أن يعيش الشخص في محلّ بعيد عن المحلّ الذي يعرفه الناس فيه، وطبعاً نفس معرفة الناس هذه تسبّب في وجود روابط وعلاقات خاصّة، ولكن في مسألة السجن لا يختلف الحال بين سجن مدينته، أو سجن مدينة أُخرى.

    ومن هنا نستنتج بأنّ الأمر بالتبعيد في هذه الروايات أمرٌ إرشاديّ،والشارع قد ذكر هذه العقوبة من أجل إبعاد المجرم عمّن يعرفه في عمليّةعلاج هذه الواقعة.


    (1) وسائل الشيعة 28: 61 ـ 65، كتاب الحدود والتعزيرات، أبواب حدّ الزنا ب1 ح2، 9 ، 12.
    (2) مختلف الشيعة 9: 150 نقلاً من ابن أبي عقيل، مسالك الأفهام 14: 369ـ 370.
    (3) المبسوط 8: 2، الخلاف 5 : 368 مسألة 3 ، غنية النزوع: 423، شرائع الإسلام 4: 937، كشف اللثام 2: 399، جواهر الكلام 41: 328، تفصيل الشريعة في شرح تحرير الوسيلة، كتاب الحدود: 180 ـ 181.
  • ۲۷۸

    صفحه 278

    والجدير بالذكر أنّ علاج وحلّ بعض المشاكل الاجتماعيّة ـ ممّا لا ينسجم مع ما ورد في الروايات ـ يدور في هذا الإطار، فيجب على الفقيه المتبحِّر التحقيق ابتداءً في التكاليف الواردة في الروايات ليرى هل أنّ ذلك التكليف هو تكليف مولويّ لا يقبل التغيير والتبديل، أو أنّه تكليف إرشاديّ قابل للتغيير مع تغيّر خصوصيّات الموضوع المُشار إليه؟ وهذه المسألة ـ مضافاً إلى كونها تفيد هذه الفائدة ـ تمثِّل إحدى طرق حلّ التعارض الظاهري بين الروايات. وهناك أمثلة كثيرة لهذا المطلب في الفقه.

    الثالث: في بعض الموارد تتغيّر خصوصيّات الموضوع، بعد تغيّر الظروف بمرور الزمان، دون أن يكون هناك بحث في العلّة، مثلاً في صحّة البيع لا يوجد هناك فرق بين بيع المسلم والكافر، فالمعاملة في كلا الحالين صحيحة، ولكن في الظروف الحاليّة قد يستوجب البيع والشراء من الكفّار تقوية موقعهم السياسي، وحينئذ قد يستشكل في جواز البيع في هذا المورد، ففي هذا المثال حدث تغييرات في الموضوع; أي في خصوصيّات البيع على مستوى البائع والمشتري، فدخل تحت قاعدة «نفي السبيل».

    وعليه: فالتغييرات التي حصلت للموضوع، وأدّت إلى نشوء خصوصيّات جديدة له; فمن الطبيعي أن يكون له ـ مع هذه الخصوصيّات الجديدة ـ حكم جديد.

    ويتّضح من خلال ما تقدّم أنّ إحدى المهامّ والوظائف المهمّة للفقيههي الالتفات إلى أنّ الموضوع في حال تغيير الشرائط، وحدوث خصوصيّات جديدة، سوف يدخل في أيّ دائرة من الأدلّة والموضوعات. فالفقيه مع تسلّطهفي جميع الأبواب الفقهيّة، وإحاطته الكاملة بجميع المباني الاُصوليّة، وجميعالأدلّة يمكنه في حال تغيّر الشرائط إدراك أنّ هذا الموضوع مصداق لأيّ عنوانمن العناوين.

  • ۲۷۹

    صفحه 279

    وهنا تتّضح حركة وفاعليّة الفقه المتداول والموروث. وعلى هذا الأساس فالفقيه قادر على حفظ حركة الفقه، ورشده بذلك المنهج المتداول الذي يصطلح عليه بـ «فقه الجواهري»، ويمكنه وضع كلّ موضوع في دائرة دليله الخاصّ مع مرور الزمان.

    إنّ أكثر المعاملات الجارية في زماننا الحاضر، والسائدة بين العقلاء; هي في الموضوعات التي أصبح لها حكم جديد مع تغيّر الظروف وحدوث خصائص جديدة لذلك الموضوع.

    الرابع: بعض الموضوعات لم يكن لها وجود في السابق، بل وُجدت مع مرور الزمان، وحدوث احتياجات وارتباطات جديدة للبشر، والتي يعبَّر عنها بالمسائل المستحدثة، ومن وظائف الفقيه المهمّة هي: دراسة هذه الموضوعات واستنباط حكمها الشرعيّ، من قبيل: التلقيح الصناعي، وحقّ التأليف، وزرع الأعضاء من الحيّ إلى الحيّ، أو من الميّت إلى الحيّ.

    فهذه الموضوعات وإن لم يكن لها وجود في السابق، ولكن يمكننا اكتشاف حكمها من خلال الملاكات المشتركة بينها، وبين نظائرها. وكذلك من خلال العمومات والإطلاقات الواردة، مثلاً في مسألة التلقيح الصناعي لابدّ من البحث أنّه هل هذا العمل يتنافى مع وجوب حفظ الفرج الوارد في الشرع في قوله ـ تعالى ـ : {قُل لِّلْمُؤْمِنَـتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَـرِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}(1)، أم لا؟

    وبعبارة اُخرى: هل يمكن القول بأنّ حذف المتعلِّق يدلّ على العموم؟ أي أنّ حفظ الفرج واجب عن كلّ شيء لم يقم الدليل على عدم لزوم حفظه تجاهه، وبما أنّه لم يقم دليل على عدم لزوم حفظ الفرج من إدخال منيّ الأجنبي، فهو داخل تحت


    (1) سورة النور 24: 31.
  • ۲۸۰

    صفحه 280

    ذلك العموم، أو لابدّ يُقال بأنّ الكبرى الكلّية لهذا الدليل مخدوشة; وهي : أنّ حذف المتعلّق يدلّ على العموم، بل يجب الأخذ ـ بنظر الاعتبار في تحقّق العموم ـ بالمناسبات العرفيّة والقرائن المحفوفة بالكلام.

    ومن أجل تحصيل حكم شرعيّ في بعض موارد هذا النوع من الموضوعات، لا يمكن الدخول من خلال الإطلاق، أو العموم، أو الملاك المشترك، بل من خلال المبنى الاُصوليّ للفقيه، فمثلاً في حقّ التأليف يجب البحث في أنّ السيرة العقلائيّة القائمة الآن هل تكون حجّة في الشرع، أو أنّ السيرة العقلائيّة لا تكون حجّة معتبرة إلاّ إذا كانت موجودة في زمن الشارع، وتمّ إمضاؤها من قبله، أو على الأقلّ لم تقع مورد ردع الشارع ونهيه؟

    النتيجة هي: أنّه يمكننا من أجل تحصيل الحكم الشرعيّ سلوك أحد هذه الطرق الأربعة:

    1 ـ من طريق الإطلاقات.

    2 ـ من طريق العمومات.

    3 ـ من طريق الملاك المشترك.

    4 ـ من طريق المباني الاُصوليّة.

    ج) تأثير الزمان والمكان في مفاد الأدلّة، ومباني الاجتهاد

    1 ـ الزمان والمكان، ومفاد الأدلّة

    إنّ من جملة المطالب الضروريّة هو: هل للزمان والمكان، والتغيّرات الحالّة فيهما تأثير في مفاد الأدلّة، أم لا؟

    هناك عدّة صور لبيان كيفيّة تأثير الزمان والمكان في مفاد الأدلّة، حيث يجب دراستها كلاًّ على حِدة:

۵۴,۸۸۲ الزيارة