pic
pic
  • ۱۳۱

    صفحه 131

    عندك المؤمنون فصدّقهم(1) .

    ومن الواضح: أنّ الشهادة الكتبيّة ليست من مصاديق الشهادة عند الحاكم .

    لا يقال: إنّ هذا مبنيّ على حجّية مفهوم الوصف، والتحقيق عدمها; لأنّا نقول:إنّهم في هذه الروايات بصدد بيان المفهوم، وهذا ظاهر .

    القرينة الخامسة: أنّ كلمة الشهادة تدلّ لغةً على اعتبار الحضور، فمعنى شهده أي حضره، وأشهدني الملائكة بمعنى أحضرني الملائكة ، فالإشهاد طلب تحمّل الشهادة بالمعاينة، أو طلب أداء الشهادة عند القاضي .

    وبعبارة أُخرى: أنّه كما يعتبر في تحمّل الشهادة الحضور والحسّ والمعاينة ، كذلك يعتبر في أدائها، والظاهر عدم الفرق بين معنى الشهادة لغةً، ومعناها شرعاً .

    مذهب الحنفيّة

    أنّهم ذكروا في الشرط الرابع من شروط وجوب الأداء في حقوق العباد، قرب مكان الشاهد في مجلس القضاء، بحيث يمكنه أن يؤدّي الشهادة ويرجع إلى أهله في نفس اليوم(2) . ثمّ فرّعوا على ذلك بأنّه بعد تحقّق شروط الشهادة لو أخّرها من دون عذر ظاهر، فهل الشهادة بعد التأخير صحيحة، أم لا؟(3)

    والظاهر من هذا الكلام اعتبار الحضور في مجلس الحكم، مع أنّ مسألةالكتابة لا تلائم مع تأخير الشهادة; فإنّ التأخير يناسب شرطيّة الحضور فيمجلس القضاء .

    وقدصرّحوا في شروط العامّة للشاهد، أنّه من شرائط الشاهد النطق، فلاتقبل


    (1) الكافي 5 : 299 قطعة من ح1، وعنه وسائل الشيعة 19: 83 ، كتاب الوديعة ب6 قطعة من ح1.
    (2) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 275.
    (3) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 276.

    صفحه 132

    شهادة الأخرس; لأنّه لا عبارة له، وإشارته مشتبهة وغير قاطعة، ولابدّ في الشهادة أن تكون واضحة جليّة حتّى يصحّ الحكم بها لاُناس على آخرين(1) .

    أقول: لو كان النطق في قبال خصوص الأخرس، فلا يدلّ على عدم اعتبار الكتابة . وأمّا لو كان النطق في قبال عدم النطق حتّى يشمل الكتابة، فيدلّ على عدم صحّة الكتابة ، ويؤيّد ذلك قولهم بعد هذه العبارة: وأيضاً فإنّ من شروط صحّة الشهادة أو ركنها على الخلاف أن يقول (أشهد)، وهذا لا يتأتّى منه إلاّ إذا كان ناطقاً(2) . وقولهم في بيان شروط مكان الشاهد: يشترط في المكان شرط واحد; وهو أن يكون مجلس القضاء(3) .

    فاعتبار التنطّق في مجلس القضاء واضح عند الحنفيّة .

    مذهب الشافعيّة

    أنّهم أيضاً اعتبروا من شرائط الشاهد ، أن يكون ناطقاً، فلا تقبل شهادة الأخرس وإن فهمت إشارته(4) .

    وقالوا أيضاً: واختلف أصحابنا في شهادة الأخرس، فمنهم من قال: تقبل ; لأنّ إشارته كعبارة الناطق في نكاحه، وطلاقه، فكذلك في الشهادة، ومنهم من قال: لاتقبل ; لأنّ إشارته أُقيمت مقام العبارة في موضع الضرورة، وهو في النكاح، والطلاق; لأنّها لا تستفاد إلاّ من جهته، ولا ضرورة بنا إلى شهادته; لأنّها تصحّ من غيره بالنطق، فلا تجوز بإشارته(5) .


    (1) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 280.
    (2) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 280.
    (3) موسوعة الفقه الإسلامي 12 : 286.
    (4) مغني المحتاج: 6 / 388 .
    (5) المهذّب 5 : 597.
  • ۱۳۳

    صفحه 133

    مذهب الزيديّة

    ذهبوا إلى لزوم أداء الشهادة عند الحاكم، والظاهر من بين المذاهب أنّهم قد صرّحوا بذلك فقط، ولم تصرّح المذاهب الاُخر بذلك، فقالوا:

    يشترط لصحّة الشهادة أن يكون أداؤها عند حاكم(1)، فلا يصحّ أداؤها إلاّ عند الحاكم المعيّن من قبل من له حقّ تعيينه . ثمّ صرّحوا أيضاً في ضمن الشرائطأن يقول الشاهد بلفظ (أشهد)، والصيغة التي حدّدها الشارع للأداء، فلا تصحّ الشهادة بالرسالة والكتابة; لعدم اللفظ(2) . وقد صرّحوا في موضع آخر: من أنّ حقّ الشهادة أن يأتي بلفظها(3) .

    فهذه المذاهب الثلاثة يعتبرون النطق والحضور للشهادة . وأمّا مذهب المالكيّة والظاهريّة والحنابلة; فإنّهم لم يذكروا النطق من شرائط الشاهد . وعباراتهم ساكتة عن ذلك .

    نظريّة الفقه الوضعي

    قالوا: يجب أن تؤدّى الشهادة شفهاً أمام المحكمة أو القاضي مباشرةً وجهاً لوجه; لأنّه إذا كذب اللسان أو سكت حيث يجب الكلام ; فإنّ هيئة المرء وحالته وطريقة شهادته قد تنمّ عن الحقيقة، أو تساعد على اكتشافها، أو تساعد على تقدير الشهادة(4) .

    وقالوا أيضاً: يجب أن تؤدّى الشهادة في حضور الخصوم، فسحاً لباب السؤال والمناقشة(5) .


    (1 ، 2) التاج المُذهّب لأحكام المذهب 4 : 69.
    (3) التاج المُذهّب لأحكام المذهب 4 : 72.
    (4) رسالة الإثبات 1 : 548 ـ 549 ، الرقم 379 مكرّر.
    (5) رسالة الإثبات 1 : 549 ، الرقم 379 مكرّر أ.

    صفحه 134

    وأورد عليهم المحقّق الحائري بأنّ هذه الاُمور في نظر الفقه الإسلامي ليست شروطاً; بمعنى عدم نفوذ شهادة الشاهد بدونها، وهي احتياطات اتّخذها الفقه الوضعي بعد إغفال شرط العدالة، ولكن لا يبعد القول بأنّ من حقّ الحاكم فرض أمر من هذا القبيل أو غيره مقدّمة للحكم; لأجل تقصّي الحقيقة ممّا هو ليس واجباً بحدّ ذاته في نفوذ الحكم(1) .

    وفيه: أنّه قد عرفت ممّا ذكرنا أنّ حضور الشاهد والنطق في المحكمة من الشروط التي يستفاد من فتاوى الفقهاء خاصّة وعامّة، فراجع .

    الفرق بين البيّنة والشهادة

    يمكن أن يقال: إنّ لحجّية الشهادة في الأدلّة تعبيرين:

    الأوّل: التعبير بلفظ الشهادة، كما ورد في الآية الشريفة: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ} (2)، وفي بعض الروايات من هذا القبيل ، وهذا التعبير ـ كما عرفت ـ لا يشمل الكتابة .

    الثاني: التعبير بلفظ البيّنة، كما ورد في موثّقة مسعدة بن صدقة: والأشياء كلّها على هذا حتّى يستبين لك غير ذلك، أو تقوم به البيّنة(3) . وهي في اللغة بمعنى الحجّة وما به البيان والظهور(4)، وهذا المعنى شامل للكتابة .

    قال السنهوري: البيّنة لها معنيان: معنى عامّ; وهو الدليل أيّاً كان، كتابة، أو شهادة، أو قرائن ، فإذا قلنا: البيّنة على من ادّعى واليمين على من أنكر، فإنّما


    (1) القضاء في الفقه الإسلامي : 547.
    (2) سورة البقرة 2 : 282.
    (3) الكافي 5 : 313 ح40 ، تهذيب الأحكام 7 : 226 ح989 ، وعنهما وسائل الشيعة 17: 89 ، كتاب التجارة، أبواب ما يكتسب به ب4 ح4.
    (4) المنجد : 57.
  • ۱۳۵

    صفحه 135

    نقصد هنا البيّنة بهذا المعنى العامّ. معنى خاصّ; وهو شهادة الشهود دون غيرها من الأدلّة، وقد كانت الشهادة في الماضي هي الدليل الغالب ، وكانت الأدلّة الاُخرى من الندرة إلى حدّ أنّها لا تذكر إلى جانب الشهادة، فانصرف لفظ «البيّنة» إلى الشهادة دون غيرها(1) .

    ثمّ قال: الأصل في الشهادة أن تكون شهادة مباشرة، فيقول الشاهد: ما وقع تحت بصره أو سمعه ـ إلى أن قال: ـ وتكون الشهادة عادة شفويّة ، يدلي بها الشاهد في مجلس القضاء مستمدّاً إيّاها من ذاكرته . وقد نصّت المادّة «216» من تقنين المرافعات على أن تؤدّي الشهادة شفاهاً، ولا تجوز الاستعانة بمفكّرات مكتوبة إلاّ بإذن المحكمة، أو القاضي المنتدب ... ، ومع ذلك فقد نصّت المادّة «205» من تقنين المرافعات على أنّ «من لا قدرة له على الكلام يؤدّي الشهادة إذا أمكن أن يبيّن مراده بالكتابة أو بالإشارة» .

    ويدعى الشاهد عادةً إلى مجلس القضاء ليقول ما رآه، أو سمعه من الوقائع المتعلّقة بالدعوى ، ومع ذلك قد يكتفى في ظروف استثنائيّة بتلاوة شهادته المكتوبة(2) . انتهى كلامه .

    فالمستفاد من كلماته أنّ الكتابة من طرق البيّنة، كما أنّ الشهادة من طرقها ، مضافاً إلى عدم ثبوت حقيقة شرعيّة ولا متشرّعيّة لها، واستعمالها في الكتاب والأخبار بمعناها اللغوي، كقوله ـ تعالى ـ: {قَدْجِئْتُكُم بِبَيِّنَة مِّن رَّبِّكُمْ} (3)، وقيل: قد استعملت في الكتاب في خمسة عشر موضعاً منه بمعناها اللغوي; وهو الظهور والبيان .


    (1) الوسيط في شرح القانون المدني الجديد 2 : 311.
    (2) الوسيط في شرح القانون المدني الجديد 2 : 311 ـ 312.
    (3) سورة الأعراف 7 : 105 .
  • ۱۳۶

    صفحه 136

    هذا، ولكنّ الإنصاف أنّ كلمة «البيّنة» في روايات القضاء ظاهرة في خصوص الشهادة بقرينة مقابلتها مع الأيمان، فقول الرسول (صلى الله عليه وآله) : «البيّنة على من ادّعى، واليمين على من أنكر»(1) ظاهر في المعنى الاصطلاحي; وهو الشهادة بقرينة المقابلة ، وأيضاً قوله (صلى الله عليه وآله) : «إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والأيمان»(2) .

    مضافاً إلى ما ذكره الوالد المحقّق من أنّه لو كان المراد منها المعنى اللغوي ـ أي الحجّة ـ لكان المنكر أيضاً واجداً للحجّة، ولا يبقى فرق بينه وبين المدّعي، ولا وجه لتقديم المدّعي على المنكر بعد الاشتراك في ثبوت الحجّة لهما (3).

    فتلخّص من جميع ما ذكرنا في هذا المقام عدم كفاية الكتابة في البيّنة والشهادة وإن أثبتنا اعتبار الكتابة إجمالاً في المقام الأوّل . نعم ، قد تكون سبباً لعلم القاضي، وطريقاً له، وهذا أمرٌ آخر لا ربط له بالبحث .

    هذا كلّه بعض ما خطر ببالي في هذه المسألة

    وقد تمّ الفراغ منها في شهر شعبان المعظّم سنة 1416 من الهجرة النبويّة

    على مهاجرها آلاف التحيّة والثناء

    والحمد لله ربّ العالمين


    (1) تفسير القمّي 2 : 156 ، وعنه وسائل الشيعة 27 : 293، كتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب25 ذح3.
    (2) الكافي 7 : 414 ح1 ، تهذيب الأحكام 6 : 229 ح552، وعنهما وسائل الشيعة 27: 232، كتاب القضاء، أبواب كيفيّة الحكم وأحكام الدعوى ب2 ح1.
    وفي مستدرك الوسائل 17 : 361 ح21583 و ص 366 ح21594 عن دعائم الإسلام 2 : 518 ح1857.
    (3) القواعد الفقهيّة 1 : 484.
  • ۱۳۷

    صفحه 137

    رسالة في حقيقة الوضع

    وقد ألّفت في سنة 1416 هـ . ق

  • ۱۳۸

    صفحه 138

  • ۱۳۹

    صفحه 139

    بسم الله الرحمن الرحيم

    تمهيد في كيفيّة الدلالة وحقيقة الوضع

    ذهب السيّد الشهيد الصدر (قدس سره) إلى أنّ العلقة الوضعيّة بين اللفظ والمعنى لاتكون أمراً اعتباريّاً صرفاً، بل هي من الاُمور الواقعيّة نشأت عن الاقتران الأكيد بين اللفظ والمعنى، وهو من صغريات قانون الاستجابة الشرطيّة(1).

    وبما أنّ هذه النظريّة ذات أثر مهمّ في شتّى مباحث الاُصول، فالجدير لوضوح البحث أن نبحث عن حقيقة الوضع والمسالك الموجودة فيها. فقنول:

    لا يخفى أنّ البحث عن الوضع وأقسامه من المبادئ التصوّريّة اللغويّة لمسائل علم الاُصول، وثمرته إنّما تظهر في جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد وعدمه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

    وقبل الورود في البحث لابدّ أن نقول: إنّ هنا أمرين قد وقع الخلط بينهما في كلمات القوم :

    الأمر الأوّل : في حقيقة الدلالة الموجودة بين الألفاظ والمعاني، وكيفيّة الارتباط الموجود بينهما .


    (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 81 ـ 82 .
  • ۱۴۰

    صفحه 140

    الأمر الثاني : في حقيقة الوضع، وأنّه ماذا فعل الواضع، وماذا يتحقّق بفعله، ولايذهب عليك أنّ البحث ليس في مفهوم الوضع بحسب اللغة; فإنّه أمر واضح جدّاً ، بل البحث إنّما هو في حقيقة الوضع، وفي كيفيّة عمليّة الوضع، وهذا من فروع الأمر الأوّل . فاعلم أنّ القوم على أقوال ثلاثة :

    ذهب جمع ـ ومنهم عبّاد بن سليمان الصيمري(1) ـ إلى أنّ هذه الدلالة أمر واقعيّ ذاتيّ تكوينيّ ، وذهب جمع ـ منهم المحقّق النائيني(2)ـ إلى أنّه الوسط بين الأمر الواقعي والأمر الجعلي الاعتباري ، وذهب المشهور(3) إلى أنّه أمر جعليّ صرف لا يمسّه الواقع التكوينيّ. وهم اختلفوا أيضاً في كيفيّة الاعتبار على أقوال متعدّدة :

    الأوّل: أنّه عبارة عن جعل الارتباط بين اللفظ والمعنى(4) .

    الثاني: أنّه عبارة عن جعل اللفظ على المعنى (5).

    الثالث: أنّه عبارة عن تنزيل اللفظ منزلة المعنى (6).

    الرابع: أنّه عبارة عن التعهّد (7).

    هذا مجمل الكلام في ما ذهب إليه القوم.

    وأمّا تفصيل البحث هو : أنّ القول بكون دلالة اللفظ على المعنى أمراً واقعيّاً ذاتيّاً، يمكن أن يفسّر بأحد الوجوه الثلاثة :

    الأوّل : أنّ المراد منها كون المعنى من ذاتيّات اللفظ، كما أنّ الزوجيّة من


    (1) المصحول 1:87 ، تمهيد القواعد : 82 ، قوانين الاُصول 1:194، الفصول الغرويّة: 23، مفاتيح الاُصول:2.
    (2) أجود التقريرات 1 : 90 .
    (3) راجع الفصول الغرويّة: 23، ومفاتيح الاُصول: 2.
    (4) بدائع الأفكار للآملي: 29.
    (5) نهاية الدراية للاصفهاني 1 : 44 ـ 47.
    (6) لاحظ شرح الإشارات والتنبيهات 1 : 21 ـ 22 ، ومحاضرات في اُصول الفقه (موسوعة الإمام الخوئي) 1: 43 ـ 44.
    (7) تشريح الاُصول : 25 ، محاضرات في اُصول الفقه (موسوعة الإمام الخوئي) 1 : 48.

۵۴,۸۸۳ الزيارة