pic
pic
  • ۱۶۱

    صفحه 161

    بالوضع، وهذا أمر مترتّب على الوضع ومتفرّع عليه، ولا يكون داخلا في حقيقة الوضع .

    وفيه : أنّ التعهّد كما أنّه يمكن أن يتعلّق بالعمل فكذلك يمكن أن يتعلّق بشيء آخر كالتفهيم، والقائل بالتعهّد يقول بالثاني، فمتعلّق التعهّد إنّما هو تفهيم طبيعيّ المعنى بطبيعيّ اللفظ، مضافاً إلى أنّ التعهّد بالعمل إنّما هو بالنسبة إلى مقام الاستعمال لا بالنسبة إلى مقام الوضع; فإنّ التعهّد فيه كلّي لا يرتبط بالعمل أصلا، لا ذهناً ولاخارجاً، فتدبّر .

    الإيراد الثالث : ما يستفاد من كلمات الشهيد الصدر(1); من أنّ التعهّد مستلزم للتعهّد الضمني بعدم الاستعمال المجازي; بمعنى أنّ الّذي يتعهّد بتفهيم المعنى بلفظ خاصّ فإنّما يتعهّد ضمناً بعدم استعمال اللفظ المخصوص في غير تلك المعنى، وهو كما ترى .

    إن قلت : إنّ التعهّد في مقام الوضع مقيّد بعدم الإتيان بالقرينة، فالتعهّد إنّما في هذه الصورة فقط .

    قلت : هذا مستلزم للغويّة جريان أصالة الحقيقة .

    وتوضيح ذلك : أنّ جريانها إنّما هو في مورد الشكّ في وجود القرينة وعدمه، مع أنّه بناءً على أن يكون التعهّد مقيّداً بعدم إتيان القرينة، يصحّ حمل اللفظ على المعنى الحقيقي فيما إذا أحرزنا عدم القرينة، مع أنّ في فرض الإحراز لا نحتاج إلى إجراء الأصل .

    فهذا الإيراد تامّ جدّاً .

    الإيراد الرابع : ما ذكره والدنا المعظّم (قدس سره) في مجلس بحثه، وهو : أنّ الذهاب إلى


    (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 79 .
  • ۱۶۲

    صفحه 162

    كون كلّ مستعمل واضع خلاف المرتكز العرفي، وهذا يظهر من الرجوع إلى وضعالأعلام الشخصيّة; فإنّه فيها يعيّن الأب لفظاً لولده، والناس يتّبعونه في ذلك من دون صحّة إطلاق الواضع عليهم عرفاً، ومن بطلان اللاّزم ـ أي كون كلّ مستعمل واضع ـ ينتج بطلان الملزوم; أي القول بالتعهّد، فالقول بالتعهّد في الأعلام الشخصيّة بطلانه من الواضحات ، ومن هذا يظهر بطلانه في سائر الألفاظ الكلّيّة; كلفظ «الماء» و«الحيوان» و«الإنسان» وغيرها، ولا يصحّ التفصيل بين الوضع في الأعلام الشخصيّة، والوضع في غيرها(1) .

    وهذا الإيراد أيضاً متين جدّاً .

    الإيراد الخامس : أنّ ما ذكروه من المناسبة بين التعهّد، وبين المعنى اللغوي للوضع ممنوع جدّاً; فإنّ الوضع بمعنى الجعل أو الإقرار غير الالتزام بالعمل، ووضع القانون ليس بمعنى الالتزام بالعمل به، بل الالتزام بالعمل وإجراء القانون يحتاج إلى سبب آخر، فهل وضع القوانين الشرعيّة بمعنى التزام الشارع بالعمل بها؟

    الإيراد السادس : ذكر بعض لبطلان التعهّد أنّه ليس يصحّ أن يقال: إنّ قولنا : وضعت هذا لهذا، بمعنى تعهّدت هذا لهذا .

    وفيه : قد قلنا سابقاً: إنّ النزاع ليس في مفهوم الوضع بحسب اللغة، بل النزاع إنّما هو في حقيقة الوضع، فهذا الإيراد غير قابل للذكر أصلا، لكن للتذكّر لمحلّ النزاع ذكرناه، فتدبّر .

    الإيراد السابع : ما ذكره بعض أهل النظر(2) : من أنّ التعهّد إنّما يصحّ فيما إذا لم يكن الدالّ منحصراً ، أمّا فيما إذا كان منحصراً ـ كما نحن فيه ـ فلا يصحّ . وتوضيح ذلك: أنّ التعهّد إنّما يصحّ في فرض لا ينحصر فيه المفهم للمعنى باللفظ الخاصّ;


    (1) سيرى كامل در اصول فقه 1 : 256.
    (2) منتقى الاُصول 1 : 62 ـ 63.
  • ۱۶۳

    صفحه 163

    بأن كان هناك دالّ آخر من لفظ أو غيره، فيكون لهذا التعهّد معنى معقول، كما يقع التعهّد باستعمال خصوص هذه الآلة في القرب دون غيرها. أمّا مع انحصاره فيه، بحيث لم يكن للمعنى مفهم أصلا غير هذا اللفظ الذي يحتمل مفهميّته بالتعهّد، كان هذا التعهّد غير معقول .

    وفيه : أنّه يكفي في صحّة التعهّد بالتفهيم باللفظ الخاصّ ، صلاحيّة بقيّة الألفاظ لأصل المفهميّة، لا المفهميّة الفعليّة بالنسبة إلى المعنى المخصوص .

    وبعبارة اُخرى : لو لم يكن غير اللفظ المخصوص صالحاً لأصل المفهميّة، بل هي منحصرة ومحدودة باللفظ الخاصّ فقط، لكان التعهّد غير معقول . أمّا إذا كانت الألفاظ الاُخر صالحة لأصل المفهميّة، فالتعهّد باستعمال لفظ خاصّ في مفهميّة المعنى المخصوص يكون أمراً معقولا .

    الإيراد الثامن : ما ذكره المحقّق الأصبهاني(1) من اتّحاد حيثيّة دلالة اللفظ على معناه، بحيث ينتقل من سماعه إلى معناه مع حيثيّة دلالة سائر الدوالّ; كالعَلَم المنصوب على رأس الفرسخ، مع عدم وجود تعهّد من ناصب العَلَم، بل ليس هناك إلاّ وضعه عليه بداعي الانتقال من رؤيته إليه .

    وفيه:ماسيأتي من عدم صحّة قياس دلالة اللفظ على دلالة سائرالدوالّ،فانتظر.

    المسلك الرابع :

    وهو مسلك الاعتبار الذي ذهب إليه المحقّق الأصبهاني، وتبعه جمع منأعلام المتأخّرين(2)، منهم الوالد المعظَّم (قدس سره) (3) ، وتوضيح كلامه مع تلخيص


    (1) نهاية الدراية 1 : 47 ـ 48 .
    (2) لاحظ اُصول الفقه 1 : 19 ـ 20، وحقائق الاُصول 1 : 17ـ 19، وحاشية الكفاية للعلاّمة الطباطبائي: 16ـ18، والمحصول في علم الاُصول 1 : 46ـ 49، وأنوار الاُصول 1 : 33ـ 35.
    (3) سيرى كامل در اصول فقه 1: 261ـ 272. دراسات في الاُصول 1 : 88 .

    صفحه 164

    منّا هو :

    أنّه لا شكّ في ارتباط اللفظ مع المعنى واختصاصه به، إنّما الخلاف في حقيقة هذا الاختصاص، فهو لا يخلو عن احتمالات خمسة: إمّا أن يكون من الاُمور الواقعيّة العرضيّة، أو يكون من الاعتباريّات الذهنيّة، أو يكون من الاُمور الانتزاعيّة التي يكون المنشأ للانتزاع فيها هو الوضع، أو يكون من مقولة الإضافة، أو يكون من الاعتباريّات التي تكون قائمة بنفس المعتبر، ولكنّ الأربعة الاُولى باطلة، فتعيّن الاحتمال الخامس .

    أمّا الاحتمال الأوّل: فبطلانه واضح بالأدلّة الثلاثة :

    الأوّل : أنّ العرض يتوقّف على موضوع في الخارج، مع أنّ الاختصاص لايتوقّف على وجود اللفظ في الخارج، بل ولا في الذهن، بل هو متحقّق بين طبيعيّ اللفظ وطبيعيّ المعنى، لا بقيد كونهما خارجيّاً ولا ذهنيّاً .

    الثاني : أنّ الاُمور الواقعيّة لا تختلف باختلاف الأنظار، بخلاف غيرها، مع أنّ لفظاً عند قوم يدلّ على معنى، ونفس هذا اللفظ يدلّ على معنى آخر عند قوم آخرين .

    الثالث : أنّ العرض كسائر الأجناس العالية إنّما هو للماهيّة ، وبعبارة اُخرى: أنّ المقولات الحقيقيّة أجناس عالية للماهيّات، ولا تصدق المقولة صدقاً خارجيّاً إلاّ إذا تحقّقت تلك الماهيّة في الخارج، وقد عرفت أنّ الاختصاص بين اللفظ والمعنى ليس مقيّداً بالوجدان الخارجي .

    فتبيّن من ذلك أنّ الاختصاص والارتباط بينهما لا يمكن أن يكون من الاُمور الواقعيّة; لأنّ فرضه منها منحصر في كونه عرضاً للّفظ، وقد ظهر عدم إمكانه .

    وأمّا الاحتمال الثاني: فبطلانه من جهة أنّ الاعتباريّات الذهنيّة معروضها

  • ۱۶۵

    صفحه 165

    إنّما هو أمر ذهني; كالكلّيّة التي تكون عارضة للإنسان المتصوّر الموجود في الذهن، وقد قلنا: إنّ معروض الاختصاص ليس هو اللفظ الذهني ولا اللفظ الخارجي .

    وأمّا الاحتمال الثالث: فلأنّ المعتبر في الاُمور الانتزاعيّة حملها أو حمل مايشتقّ منها على منشأ الانتزاع، كمحلّ الفوق على السقف الذي هو منشأ لانتزاع الفوقيّة، وهذا الملاك لا يجري فيما نحن فيه; لأنّه لو قلنا بأنّ قول الواضع : «وضعت» يكون منشأ لانتزاع الاختصاص والارتباط بين اللفظ والمعنى، لما يصحّ حمل الاختصاص أو المشتق منه على كلمة «وضعت» .

    وأمّا الاحتمال الرابع: فلوجود الفرق بين كون الشيء من المفاهيم الإضافيّة، وبين صدق مقولة الإضافة، والمسلّم فيما نحن فيه هو الأوّل الذي لا ينفع للخصم، والذي ينفع له هو الثاني; لأنّ الشيء لا يصدق عليه حدّ مقولة الإضافة، إلاّ إذا وجد في الخارج، وقد قلنا بأنّ الاختصاص غير متوقّف على وجود اللفظ في الخارج .

    فتعيّن الاحتمال الخامس; وهو كونه من الاُمور الاعتباريّة، كالملكيّة والزوجيّة، لكنّها على قسمين : الاُمور الاعتباريّة التسبيبيّة، والاُمور الاعتباريّة المباشريّة . والمراد من الأوّل: أنّ اعتبار المعتبر يحتاج إلى إيجاد سبب، كإيجاد العقد الذي هو سبب لاعتبار الشارع أو العقلاء، والمراد من الثاني: أنّ نفس اعتبار المعتبر مباشرة يكفي في تحقّق المعتبر، والاختصاص الوضعي من هذا القبيل، فالوضع ليس إلاّ اعتبار الارتباط والاختصاص بين لفظ خاصّ ومعنى خاصّ .

    ثمّ قال في أثناء كلامه : إنّه لا شبهة في اتّحاد حيثيّة دلالة اللفظ على معناه، وكونه بحيث ينتقل من سماعه إلى معناه مع حيثيّة دلالة سائر الدوالّ، كالعَلَم المنصوب على رأس الفرسخ; فإنّه أيضاً ينتقل من النظر إليه إلى أنّ هذا الموضع رأس الفرسخ ، غاية الأمر أنّ الوضع فيه حقيقيّ; بمعنى أنّ كون العَلَم موضوعاً على

  • ۱۶۶

    صفحه 166

    رأس الفرسخ خارجيّ ليس باعتبار معتبر، بخلاف اللفظ; فإنّه كان وضع على المعنى ليكون علامة عليه .

    ثمّ إنّه ذكر في أثناء كلامه أيضاً : أنّ الاختصاص والارتباط إنّما هو من آثار الوضع وتوابعه لا نفسه (1)، انتهى ملخّص كلامه قدّس سرّه الشريف .

    وقد اُورد عليه إيرادات :

    الإيراد الأوّل : ما ذكره السيّد المحقّق الخوئي; من أنّ هذا المعنى دقيق وبعيد عن أذهان الواضعين(2).

    وفيه أوّلا : قلنا سابقاً: إنّه لا منافاة بين كون شيء رائجاً عند العرف، مع أنّهم غافلون عن كنهه وحقيقته، وفيما نحن فيه إنّما الموجود عند العرف عمليّة الوضع فقط ، أمّا التوجّه بحقيقتها فلا يقدرون عليها، وليس من شأنهم .

    وثانياً : أنّ الاعتبار بما أنّه خفيف المؤونة فهو أمر سهل، سيّما أنّ الاعتبارات كثيرة عند العرف .

    الإيراد الثاني : أنّ قياس ما نحن فيه بالوضع الخارجي غير صحيح; لأنّ فيه ثلاثة عناوين : الموضوع; وهو في المثال السابق العَلَم ، والموضوع عليه; وهو المكان الذي وضع العلم فيه ، والموضوع له; وهو أنّ العَلَم دالّ على كون هذا المكان رأس فرسخ، مع أنّ في اللفظ والمعنى يكون الموضوع والموضوع له موجوداً من دون تحقّق للموضوع عليه، وإطلاقه على المعنى لو لم يكن من الأغلاط فإنّما هو غير معهود من ناحية المستعملين(3) .

    وفيه : إن كان المراد عدم وجود الموضوع عليه فيما نحن فيه، فعدمه ليس


    (1) نهاية الدراية 1 : 44 ـ 49.
    (2 ، 3) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 47.

    صفحه 167

    بمضرّ، وإن كان المراد منه صحّة إطلاق الموضوع عليه على المعنى، فهو بمكان منالإمكان، وقد صرّح بعض أهل اللغة(1) بأنّ المعنى هو الموضوع عليه .

    الإيراد الثالث : ما جاء في كلمات جمع(2); من أنّ في الدوالّ الخارجيّة كالعَلَم لايكون الموضوع ـ وهو العَلَم ـ دالاًّ على الموضوع له نفسه، بل مسبوق بقرار والتزام الذي هو المستند للدلالة، وإلاّ فمع قطع النظر عن هذا القرار لا يكون العَلم دالاًّ على كون هذا المكان رأس فرسخ، ويترتّب عليه أنّه إذا كانت الدلالة في الوضع الحقيقي غير مستندة إلى الموضوع، ففي الوضع الاعتباري بطريق أولى، فهو في الدلالة متوقّف على سبق القرار، والبناء على دلالة اللفظ على المعنى .

    وهذا الإيراد متين جدّاً من جهة الصدر . وأمّا من جهة الذيل وما ترتّب عليه، ففيه إشكال; لأنّ كلام المحقّق الأصبهاني (قدس سره) ليس مبتنياً على هذا القياس، بل بعد إقامة الدليل على مختاره قد أضاف في ذيل كلامه تشبيهاً وقياساً، فإذا كان فاسداً لم يكن مضرّاً بأصل المدّعى .

    وبالجملة: إنّ الدلالة في العَلَم يكون سابقاً على وضعه في المكان، وفي اللفظ لم يكن كذلك، لكنّه لا يستلزم أن يكون في اللفظ أيضاً مستنداً إلى قرار وبناء سابق على وضع اللفظ .

    الإيراد الرابع : وهو ما يخطر بالبال بالنسبة إلى ما ذكره في ردّ انتزاعيّة الاختصاص، حيث قال : إنّه ليس بأمر انتزاعيّ منتزع من قول: «وضعت»; لعدم صحّة حمله عليه، فنحن نقول : ما الدليل على كون الملاك في الاُمور الانتزاعيّة عبارة عن صحّة حمله أو حمل ما يشتقّ منه على منشأ الانتزاع؟ فهل الدليل


    (1) لم نعثر عليه عاجلاً.
    (2) منهم صاحب بحوث في علم الاُصول 1 : 76، وصاحب منتقى الاُصول 1 : 56 ـ 57.
  • ۱۶۸

    صفحه 168

    استقراء الاُمور الانتزاعيّة، أو البرهان القطعي قائم عليه؟ والظاهر أنّه (قدس سره) بعدأن لاحظ بعض الموارد في الاُمور الانتزاعيّة كالفوقيّة والاُبوّة، فقد حكم بهذا الحكم الكلّي، ولكنّه ينتقض ببعض آخر، نظير الحقّ الذي هو أمر ينتزع من الحكم على ما أثبتناه في رسالة في موضوع الحكم والحقّ والفرق بينهما ، فكلّ حقّ منتزع من حكم من الأحكام الشرعيّة، مع عدم صحّة حمل الحقّ على الحكم .

    وبعبارة اُخرى: إنّ المنتزع إذا كان منتزعاً من شيء خارجيّ، فيصحّ الحمل عليه، وإذا كان منشأ الانتزاع أمراً من الاُمور الاعتباريّة; كالحكم الذي هو منشأ للحقّ ، فلا يعتبر حينئذ حمل الأمر الانتزاعي على منشإه .

    وبناءً على هذا لا يكون مانعاً من كون الاختصاص أو الارتباط بين اللفظ والمعنى أمراً منتزعاً من اعتبار الواضع، فتأمّل .

    المسلك الخامس :

    ما ذهب إليه الشهيد الصدر(1)، ويسمّى بالقرن الأكيد، وهو: أنّ الوضع من صغريات القانون الطبيعيّ التكوينيّ المجعول في ذهن البشر من ناحية الله تبارك وتعالى; وهو انتقال صورة الشيء إلى الذهن عن طريق إدراك الذهن، ما يكون مقترناً بذلك الشيء المنتقل إليه، فمثلا عندما يدرك الذهن اقتران صوت الأسد مع نفسه ينتقل من تصوّر صوته إلى تصوّر نفس الأسد، وهذا ما يسمّى بالمنبّه الشرطي والاستجابة الشرطيّة .

    ولابدّ أن يكون هذا الاقتران على وجه شديد بحيث يكون مترسّخاً في الذهن، وهنا إمّا نتيجة كثرة تكرّر الاقتران خارجاً أمام الذهن، وهذا هو العامل الكمّي ويسمّى بالوضع التعيّني، أو نتيجة ملابسات اكتنفت الاقتران ولو دفعة


    (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 81 ـ 82 .
  • ۱۶۹

    صفحه 169

    واحدة، وهذا هو العامل الكيفي .

    وبالجملة: الواضع يمارس عمليّة الاقتران بين اللفظ والمعنى بشكل أكيد بالغ .

    وقد أثّرت هذه النظريّة تأثيراً وافياً في كثير من المباحث اللفظيّة، ونحن نشير إلى موارد منها:

    الأوّل: أنّ هذه النظريّة توجب تقوية كون البشر واضعاً، وتنفي المبعّدات التي ذكرها الاُصوليّون لبشريّة الواضع ; من جهة أنّه بناءً على نظريّة القرن الأكيد يكون الوضع عملاً طبيعيّاً بسيطاً مأنوساً عند الإنسان من دون أن يحتاج إلى الاعتبارات العقلائيّة. فالسيّد الشهيد وإن استقرب إلهيّة الوضع، واعترف بأنّه من البعيد جدّاً أن يطّلع الإنسان على المعاني واستعمل الألفاظ فيها من دون إلهام من الله تبارك وتعالى، لكنّه قد أبطل المبعّدات التي ذكروها لبشريّة الواضع في ضوء هذه النظريّة(1).

    الثاني: قد اختلف الاُصوليّون في إمكان القسم الرابع من أقسام الوضع; وهو الوضع العامّ والموضوع له الخاصّ، فذهب الكثير(2) إلى استحالته، فقد ذكر السيّد الشهيد أنّه بناءً على كون الوضع أمراً اعتباريّاً صرفاً، فهذا القسم بمكان من الإمكان كسائر الأقسام، لكنّه إذا بنينا على كون حقيقة الوضع عبارة عن القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى، وبعبارة اُخرى: قلنا بكون الوضع أمراً واقعيّاً، فلابدّأن يتصوّر الواضع المعنى الخاصّ بالحمل الشائع حتّى يحقّق الاقتران بين اللفظ والمعنى الخاصّ. ثمّ إنّه صرّح بأنّه بناءً على هذه النظريّة يتحقّق هذا القسم عن طريق تكرار الاقتران بين اللفظ والمعاني الخاصّة(3).


    (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 85 .
    (2) كفاية الاُصول: 24 ـ 25، فوائد الاُصول 1 : 31، نهاية الأفكار 1 : 37، منتقى الاُصول 1 : 73ـ 80 .
    (3) بحوث في علم الاُصول 1 : 92 ـ 93.

    صفحه 170

    الثالث: تأثير هذا المعنى في تقسيم الوضع إلى التعييني والتعيّني; فإنّ الوضع التعييني بناءً على القرن الأكيد عبارة عن إيجاد القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى بإنشاء واحد. وأمّا الوضع التعيّني; فإنّه بناءً على مسلك الاعتبار في حقيقة الوضع،عبارة عن إيجاد العلقة الوضعيّة بسبب كثرة الاستعمال. أمّا بناءً على القرن الأكيد، فيتحقّق الوضع التعيّني بتكرار الاقتران بين اللفظ والمعنى في الاستعمالات الكثيرة حتّى ينجرّ إلى التلازم التصوّري بينهما(1).

    الرابع: معقوليّة الوضع بالاستعمال بناءً على القرن الأكيد; فإنّ استعمال اللفظ في المعنى غير المعهود استعماله فيه سابقاً يكون بنفسه مصداقاً للقرن الخارجي، بخلاف المسالك الاُخر في حقيقة الوضع; فإنّ الوضع بالاستعمال بناءً عليها مشكل جدّاً; لأنّ المجعول الاعتباري والتعهّد الاعتباري أمرٌ نفسانيّ لا ينطبق على الاستعمال الخارجي، ويحتاج إلى عناية زائدة على الاستعمال حتّى يمكن أن يفهم أنّ المستعمل يتعهّد بنفس هذا الاستعمال تفهيم المعنى الحقيقي(2).

    الخامس: عدم إمكان تقييد العلقة الوضعيّة بناءً على مسلك القرن الأكيد; لأنّها أمر واقعيّ تكوينيّ لا يناله يد الاعتبار والجعل، وليس مجعولاً حتّى يمكنأن تتقيّد بحالة دون حالة اُخرى، بخلاف مسلك الاعتبار أو التعهّد; فإنّ تقييد العلقة الوضعيّة بمكان من الإمكان، ويعقل أن يشترط الواضع الاعتبار بشرط أو بحالة، أو أن يتعهّد في حالة دون حالة اُخرى(3).

    السادس: أنّ الدلالة اللفظيّة بين اللفظ والمعنى يكون تصوّريّاً بناءً على القرن الأكيد، بخلاف مسلك التعهّد; فإنّ الدلالة بينهما تصديقيّة; لأنّ الملازمة بين اللفظ


    (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 95 ـ 96.
    (2) بحوث في علم الاُصول 1 : 97.
    (3) بحوث في علم الاُصول 1 : 102 ـ 103.

    صفحه 171

    والمعنى إنّما هي بين الوجودين، لا بين التصوّرين(1).

    السابع: أنّ تبعيّة الدلالة للإرادة غير معقولة بناءً على مسلك التعهّد; لأنّ الدلالة بناءً عليه دلالة تصديقيّة، وقصد المعنى متعلّق للإرادة في الدلالة التصديقيّة، ولايكون من شروط المعنى. وأمّا بناءً على مسلك القرن الأكيد، فالتبعيّة غير معقولة جدّاً; لأنّ الوضع عبارة عن الاقتران بين اللفظ والمعنى في الذهن. وهذا الاقتران يوجب الملازمة بين تصوّر اللفظ وتصوّر المعنى، وكلاهما غير قابل للتقييد(2).

    الثامن: إمكان الترادف والاشتراك بناءً على نظريّة القرن الأكيد، كما هو كذلك بناءً على نظريّة الاعتبار. أمّا بناءً على مسلك التعهّد فهما مشكل ثبوتاً وإن ذكر (قدس سره) في آخر كلامه طريقاً لإمكانيّة الترادف والاشتراك حتّى بناءً على مسلك التعهّد والاعتبار، فراجع(3).

    التاسع: معقوليّة علاقة التبادر بناءً على مسلك القرن الأكيد; لأنّ انسباق الذهن إلى المعنى فرع وجود الملازمة بين اللفظ والمعنى، وهذه الملازمة فرع الاقتران بينهما، وهذا أمر واقعيّ خارج عن مقولة العلم والتصديق، فالتبادر غير موقوف على العلم بالوضع(4).

    فتبيّن أنّ هذه النظريّة ذو أثر مهمّ في شتّى مباحث الاُصول.

    ويتلخّص مرامه في اُمور :

    الأوّل : أنّ الذهن بعد إدراك الاقتران بين أمرين يقدر عند تصوّر أحدهما


    (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 104.
    (2) بحوث في علم الاُصول 1 : 106.
    (3) بحوث في علم الاُصول 1 : 116.
    (4) بحوث في علم الاُصول 1 : 165.

۵۴,۸۷۹ الزيارة