pic
pic
  • ۱۴۱

    صفحه 141

    ذاتيّات الأربعة .

    الثاني : أنّ المراد بالواضع ما لم يهمل المناسبة بين اللفظ والمعنى، كما هو مذهب أهل الاشتقاق; فإنّهم قد ذكروا أنّ الفصم بالفاء لكسر الشيء مع عدم الإبانة(1)، والقصم بالقاف لكسر الشيء مع الإبانة(2); للفرق بين الفاء والقاف في الشدّة والرخاء (3).

    الثالث : أنّ المراد من الذاتيّة: كون الدلالة بينهما أمراً غير قابل للتغيير والتبديل وإن كان اعتباريّاً، لكن بعد تحقّق الاعتبار وتماميّته لا يتبدّل ولا يتغيّر .

    وقد استدلّوا بوجهين :

    الوجه الأوّل : أنّه لو لم تكن الدلالة ناشئة من سنخيّة ذاتيّة بين اللفظ والمعنى لكان كلّ لفظ صالحاً للدلالة على المعنى، واختيار لفظ لمعنى دون لفظ آخر موجب للترجيح بلا مرجّح، وللتخصيص بلا مخصّص، وهو محال (4).

    ويرد عليه أوّلا : عدم امتناع الترجيح بلا مرجّح، وإنّما المحال هو ما إذا كان بنحو الترجّح بلا مرجّح، هذا بناءً على عدم رجوع الترجيح إلى الترجّح، وإلاّ فهو أيضاً محال .

    وثانياً : أنّ المرجّح في مقام الوضع والجعل موجود; وهو إرادة الواضع أو سبق اللفظ إلى الذهن .

    الوجه الثاني : أنّه لو كانت الدلالة أمراً اعتباريّاً لكانت متقوّمة بالاعتبار ووجود المعتبر، وينهدم بانقراضه، مع أنّا نرى بالوجدان بقاء الدلالة في الألفاظ في جميع الأزمنة (5).


    (1، 2) المصباح المنير 2 : 650 و 695.
    (3) قوانين الاُصول 1 : 194، مفاتيح الاُصول: 2.
    (4) المحصول 1 : 89 ، قوانين الاُصول 1 : 194، الفصول الغرويّة: 23، مفاتيح الاُصول: 2.
    (5) مقالات الاُصول: 62 ـ 64، بدائع الأفكار للآملي: 30، تهذيب الاُصول 1 : 22.
  • ۱۴۲

    صفحه 142

    وفيه : أنّ هذا أمر صحيح لا ينكر، وهذا هو الفارق الأساسي بين الاُمور الواقعيّة التكوينيّة; التي لا تتقوّم بوجود جاعل، ولا بفرض فارض، والاُمور الاعتباريّة التي تتقوّم بالمعتبر والفارض، ولكن انهدام المعتبر لا يستلزم انقراض الدلالة; لتبعيّة الباقي عنه في الاعتبار، وتأييدهم لبقاء الدلالة عملا .

    وبعد إبطال الوجهين نقول : إنّ القول بالذاتيّة باطل جدّاً من حيث الثبوت; لأنّه مضافاً إلى دفعه بوجود الوضع للنقيضين أو الضدّين يقال: إنّ القول بها مدفوع بطريقين :

    الطريق الأوّل : أنّ الاُمور الواقعيّة على قسمين :

    الأوّل: الاُمور الخارجيّة التي يكون الخارج ظرفاً لوجودها، وتنقسم إلى الجواهر والأعراض .

    الثاني: الاُمور النفس الأمريّة التي لها واقعيّة، من دون أن يكون الخارج ظرفاً لوجودها، بل الخارج ظرف لأنفسها، كاستحالة اجتماع النقيضين، والملازمات الواقعيّة بين طلوع الشمس ووجود النهار وأمثالها .

    ومن الواضح: أنّ العلقة الموجودة بين اللفظ، والمعنى ليست من القسم الأوّل; لعدم كونها من الجواهر، حيث إنّها وجودات لا في موضوع، والدلالة أمر ربطيّ لا وجود لها غير الطرفين، وأيضاً ليست من قبيل الأعراض التي لها وجود في الموضوع; لأنّها موجودة بين طبيعيّ اللفظ وطبيعيّ المعنى، ولا تتوقّف على وجود اللفظ واستعماله، مع أنّه لو كانت من الأعراض لوجب أن تتحقّق بعد وجود اللفظ خارجاً.

    وهكذا ليست العلقة والدلالة من قبيل الاُمور الواقعيّة النفس الأمريّة; لعدم وجود التبديل والتغيير فيها; فإنّ استحالة اجتماع النقيضين أمر غير قابل للتغيير والتبديل، وهكذا الملازمات العقليّة، مع أنّ الدلالة قد تتغيّر بسبب النقل من المعنى

  • ۱۴۳

    صفحه 143

    اللغوي إلى الشرعي أو العرفي . فثبت أنّ العلقة الموجودة بين اللفظ والمعنى ليست من الاُمور الواقعيّة .

    الطريق الثاني :

    ما ذكره الوالد المعظَّم في بحثه، وهو: أنّ القول بالذاتيّة لا يخلو عن أربع كلّها مخدوشة (1):

    الأوّل : أن يكون وجود اللفظ علّة تامّة لوجود المعنى، وهذا مع أنّه لم يقل به أحد ، بديهيّ البطلان أيضاً; لتحقّق المعاني قبل تحقّق الألفاظ، كما هو واضح في أسماء الأعلام .

    الثاني : أن يكون اللفظ علّة تامّة للانتقال إلى المعنى، وهذا باطل أيضاً; لاستلزام أن يكون كلّ شخص عالماً بالمعنى بمجرّد سماع اللفظ، وهو كما ترى .

    الثالث : أن يكون اللفظ مقتضياً لوجود المعنى، وهذا أيضاً باطل لنفس ماقلناه في الاحتمال الأوّل .

    الرابع : أن يكون اللفظ مقتضياً للانتقال إلى المعنى، وهذا مخدوش أيضاً; لوجود الألفاظ الدالّة على ا لضدّين، مع وضوح عدم إمكان الشيء الواحدلأن يكون مقتضياً للضدّين، على أنّ هذا القول مستلزم لوجود التركّب في ذات البارئ تعالى; لتعدّد الأسماء والألفاظ في ذات البارئ ـ تعالى ـ في اللغة الواحدة; لاقتضاء كلّ لفظ جهة خاصّة لا يقتضيها اللفظ الآخر، وهذا موجب للتركّب المحال في ذات البارئ تعالى .

    ثمّ إنّه يستفاد من كلمات المحقّق العراقي والمحقّق النائيني أنّ الدلالة الموجودة بين اللفظ والمعنى أمر وسط بين الاعتباري والواقعي ، ولابدّ أن نذكر كلامهما مع


    (1) سيرى كامل در اصول فقه 1 : 200ـ 202، دراسات في علم الاُصول 1 : 75 ـ 77.

    صفحه 144

    المناقشات الواردة عليهما .

    1 ـ كلام المحقّق العراقي:

    ذكر المحقّق المذكور كلاماً طويلا في هذا المقام في مقالاته، واختلف الأعلام فيما يستفاد من كلامه، ولا سيّما أنّ كلامه في هذا المجال مضطرب جدّاً ، ونحن نذكر لُبّ مختاره، وأساس مرامه، فنقول :

    إنّه بعد أن أنكر الذاتيّة وذهب إلى أنّ العلقة الموجودة بينهما إمّا أن تكون بجعل الجاعل، أو بكثرة الاستعمال، فهي حادثة لا ذاتيّة ، قال ما ملخّصه :

    أوّلا : أنّ الارتباط بينهما من قبيل ارتباط المرآة مع المرئي ، فكما أنّ الانتقال إلى المرآة عبارة عن نفس الانتقال إلى المرئي، وليس بينهما تغاير، فكذلك الانتقال من اللفظ عين الانتقال إلى المعنى، وهذا هو السبب لسراية صفات المعنى إلى اللفظ وبالعكس، وبهذا البيان يتّضح أنّ دلالة اللفظ ليست من قبيل دلالة الدخان على النار، حيث إنّ الانتقال إلى أحدهما يكون مغايراً مع الانتقال إلى الآخر .

    وثانياً : أنّ هذه العلقة أمر اعتباريّ من جهة أنّها مجعولة بتوسّط جعل الجاعل، لكن ليست اعتباريّة محضة حتى تزول بتوهّم المعتبر أو غفلته، بل اعتباريّ بمعنى عدم وجود ما بإزاءها في الأعيان ، ومن جهة اُخرى أنّها أمر واقعيّ لتعلّق الالتفات إليها تارة، والغفلة اُخرى ، وأيضاً اعتباريّتها من جهة عدم إيجاد تغيير في اللفظ والمعنى، بخلاف النسب الخارجيّة التي توجب تغييراً في الهيئة الخارجيّة، ومن جهة أنّها بنفسها خارجية ـ لا بوجودها ـ تكون من الاُمور الواقعيّة .

    وثالثاً : أنّ الاعتبار ليس واسطة في الثبوت بالنسبة إلى هذه الدلالة حتّى يكون علّة لتحقّقها ، بل طريق إلى الواقع، كالقضايا الحقيقة التي يكون فرض وجود الموضوع طريقاً إليها .

  • ۱۴۵

    صفحه 145

    ورابعاً : أنّه (قدس سره) قد عبّر عن الدلالةتارةً بالملازمة بين اللفظ والمعنى ، واُخرى باختصاص اللفظ بالمعنى، وثالثة بقالبيّة اللفظ أو مبرزيّته للمعنى، والظاهر أنّ هذه التعبيرات مآلها إلى شيء واحد في نظره الشريف .

    فنتيجة كلامه أنّ الواضع قد وضع الملازمة الواقعيّة بين طبيعي اللفظ وطبيعي المعنى، ومن هذه الجهة لها موطن ذهنيّ، كما أنّ لها موطن خارجيّ أيضاً بين وجود اللفظ ووجود المعنى، وعدم انحصارها بالذهن دليل على عدم كونها من الاعتباريّات المحضة، والاعتبار ليس علّة لثبوتها، بل طريق إلى الملازمة الواقعيّة.

    واستدلّ في مجموع كلماته لعدم كونها من الاعتباريات المحضة بأمرين :

    الأوّل: زوال الاعتبار بنوم المعتبر، أو غفلته .

    الثاني: أنّا نرى في ما إذا كانت الدلالة معلولة لكثرة الاستعمال بقاءهاوإن اعتبر خلافها، مع أنّ الاُمور الاعتباريّة تزول باعتبار الخلاف(1) .

    وقد أورد عليه المحقّق الخوئي بأنّه إن أراد وجود الملازمة مطلقاً حتّىللجاهل بالوضع، فبطلانه من الواضحات; لاستلزام كون سماع اللفظ علّة للانتقال إلى المعنى، ولازمه استحالة الجهل باللغات ، وإن أراد ثبوتها للعالم بالوضع فقط، فيرد عليه: أنّها وإن كانت ثابتة للعالم فقط، إلاّ أنّها ليست بحقيقة الوضع، بل هي متفرّعة عليها; بمعنى أنّها أثر الوضع لا حقيقته، ومحلّ النزاع إنّما هو في تعيين حقيقة الوضع التي تترتّب عليها الملازمة(2) .

    وفيه ـ مضافاً إلى أنّ القول باختصاص الملازمة للعالم بالوضع مستلزم للدور; لتوقّف الوضع على العلم بالوضع وبالعكس ـ : أنّ الملازمة من جهة العلم بالوضع وعدمه مهملة، وليست بمطلقة ولا مقيّدة، كسائر الملازمات الواقعيّة; فإنّه ليس


    (1) مقالات الاُصول 1: 59 ـ 63.
    (2) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 41 ـ 42.

    صفحه 146

    يصحّ أن يقال: هل الملازمة الموجودة في قولنا: «لو كانت الشمس طالعة فالنهار موجود » مختصّة بالعالم بها، أو الأعمّ منه ومن الجاهل ، بل من هذه الجهة مهملة .

    والصحيح في الإيراد على المحقّق العراقي أن يقال : إنّ الالتزام بكون الاعتبار يمكن أن يكون طريقاً إلى الواقع ، غير معقول جدّاً، بل الاعتبار في الاُمور الاعتباريّة دائماً يكون من قبيل الواسطة في الثبوت.

    والدليل على ما ذكرنا لزوم السنخيّة بين العلّة والمعلول; لأنّه لا يمكن أن يكون الاعتبار علّة للأمر الواقعي التكويني . فنحن نسأل عنه أنّ المراد من كون الاعتبار طريقاً إلى الواقع ، هل هو طريق إلى تحقّق الواقع، فيرجع إلى كونه واسطة في الثبوت التي فررتم منها ، أم هو طريق إلى كشف الواقع، فيلزم تحقّق الملازمة قبل تحقّق الوضع، وهو غير مرامكم ومقصودكم؟ فالقول بأنّ الاعتبار طريق إلى الواقع ليس له محصّل .

    أمّا القياس بين ما نحن فيه، وبين القضايا الحقيقيّة، فهو قياس مع الفارق; لأنّ في القضايا الحقيقيّة يكون فرض وجود الموضوع طريقاً إلى إنشاء حكم كلّي الذي هو من الاُمور الاعتباريّة، بخلاف ما نحن بصدده; لأنّ الادّعاء كون الاعتبار طريقاً إلى الواقع الحقيقي .

    2 ـ كلام المحقّق النائيني

    قد ذهب إلى أنّ الوضع أمر يعتبره الشارع، وهو السبب لتخصيص اللفظ بالمعنى ، وبناءً عليه لا معنى لتقسيم الوضع إلى التعيين والتعيّن، بل منحصر في الأوّل ، وتوضيح ذلك ـ على ما جاء في فوائد الاُصول ـ : أنّه أنكر استناد الوضع إلى البشر بدليلين ، ثمّ أضاف إليهما مبعّدين .

    أمّا الدليل الأوّل: ـ وهو مرتبط بمقام الثبوت ـ هو: أنّ مع كثرة الألفاظ والمعاني أو عدم تناهيهما، كيف يقدر البشر المتناهي على جعل الألفاظ للمعاني؟

  • ۱۴۷

    صفحه 147

    ومع قطع النظر عن عدم التناهي، فنفس كثرة الألفاظ والمعاني بحيث تكونخارجة عن قدرة البشر كافية لعدم استناد الوضع إلى البشر .

    وأمّا الدليل الثاني: ـ وهو مرتبط بمقام الإثبات ـ أنّه لو كان الواضع واحداً من أفراد البشر لذكر اسمه في التواريخ ; فإنّ هذا من المسائل المهمّة التي ثبتت عادةً في التاريخ، فمن عدم ذكره في التاريخ نكشف عن عدم وجود واضع بين البشر .

    وأمّا المبعّدان، فالأوّل منهما: أنّه لو كان الواضع إنساناً، فهل تحقّق الوضع منه دفعةً، أو تحقّق تدريجاً؟ لا سبيل إلى الأوّل; لامتناعه عادةً، والثاني غير قابل للالتزام; لأنّه نسأل عن أنّه قبل الوضع، كيف يفهمون الناس مقاصدهم إلى الآخرين، مع وضوح تحقّق التفهيم والتفهّم بينهم ؟ .

    أمّا المبعّد الثاني: أنّ الواضع حينما أراد الوضع كيف فعل؟ فهل أنّه قال : وضعت، أو قال : يا أيّها الناس ، مع أنّ الناس لا يقدرون على فهم هذه الكلمات .

    وبالجملة: لابدّ أن يستند الوضع إلى الله تبارك وتعالى; فإنّه أمر اعتباريّ يعتبره الشارع، لكنّه خلاف سائر الاعتباريات الشرعيّة التي وصلت إلى الناس بطريق الرسل والأنبياء(عليهم السلام) ، بل الشارع يعلّم الناس عن طريق الإلهام، فيلهم إليهم أنّهم حينما أرادوا المائع السائل ، يقولون: «الماء»، فالشارع يخصّص لفظ «الماء» للمعنى المقصود، وهذا التخصيص ناشئ عن علمه ـ تبارك وتعالى ـ بوجود مناسبة ذاتيّة بينهما لئلاّ يلزم الترجيح بلا مرجّح ، فالوضع من ناحية: أمر اعتباريّ يعتبره الشارع، ومن ناحية اُخرى: أمر واقعيّ وهو لحاظ المناسبة الذاتيّة بينهما التي أدركها الشارع فقط(1) ، انتهى ملخّص كلامه مع توضيح منّا.

    وبهذا البيان يتّضح ضعف ما أورده المحقّق الخوئي عليه; من أنّا لا نتعقّل حقيقة


    (1) فوائد الاُصول 1 : 30 ـ 31.
    صفحه 148

    ثالثة بين الواقع والجعل، والاُمور لا تخرج من هذين(1) .

    ووجه الضعف: أنّه لم يرد من هذا الكلام حقيقة ثالثة، بل أراد أنّه من جهة يرتبط بالاعتبار; لأنّ الشارع قد اعتبر، ومن جهة يرتبط بالواقع بلحاظ المناسبة الذاتيّة بينهما .

    وبهذا التفسير يظهر الضعف أيضاً فيما فسّره بعض أهل النظر; من أنّ المراد من الواسطيّة أنّ الوضع ليس كسائر الاُمور الاعتباريّة الشرعيّة التي تتقدّمه بإبلاغ الرسل، بل أمر اعتباريّ يتحقّق بواسطة الإلهام من الله إلى الناس(2) .

    ووجه الضعف: أنّه لا يكون بين التبليغ والإلهام فرق من جهة الواقعيّة والاعتباريّة، فتدبّر .

    ويرد على الدليل الأوّل: أنّه تامّ إذا كان الوضع دفعيّاً من شخص واحد، مع أنّالمشهور(3) يعتقدون بتدريجيّة الوضع من أشخاص بحسب احتياج كلّ شخص أو قوم إلى ما هو المقصود لهم. وبهذا البيان يتّضح ما في الدليل الثاني; فإنّه تامّ إذا كان الواضع شخصاً واحداً . أمّا إذا كانوا متعدّدين فلا وجه لذكرهم في التواريخ .

    وأمّا مسألة الإلهام، فلا يصحّ الالتزام به; فإنّا نسأل أنّ الله ـ تعالى ـ هل ألهم كلّ الناس بالنسبة إلى لفظ خاصّ، أو ألهم شخصاً خاصّاً؟ كلاهما غير صحيح جدّاً ، أمّا الأوّل; فللزوم عدم جهالة الإنسان بمعنى لفظ من الألفاظ ، وأمّا الثاني; فلأنّه بعد إلهام إليه من الله ـ تعالى ـ فكيف يفهم الآخرين بدلالة هذا اللفظ لذلك المعنى مع عدم إلهامه بالنسبة إليهم .

    هذا، مضافاً إلى أنّ مسألة الإلهام لو كانت لبيّنت في الكتب السماويّة، مع


    (1) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 37.
    (2) منتقى الاُصول 1 : 50.
    (3) نهاية الأفكار 1 : 24، محاضرات في اُصول الفقه 1 : 38ـ 40، تهذيب الاُصول 1 : 21ـ22.
  • ۱۴۹

    صفحه 149

    خلوّها عن هذا .

    فالنتيجة: أنّه لا مانع من كون البشر واضعاً من حيث الإمكان، بل الاعتبار مساعد له، وكون الواضع هو الله تبارك وتعالى، خصوصاً في الأعلام الشخصيّة ممّا لا يقبله الذوق السليم والفكر المستقيم .

    نعم، قد استدلّ بعض(1) بكون الله ـ تبارك وتعالى ـ هو الواضع ، ببعض الآيات الشريفة :

    الآية الاُولى : قوله ـ تعالى ـ : ( وَ مِنْ ءَايَـتِهِ خَلْقُ السَّمَـوَ تِ وَ الاَْرْضِ وَاخْتِلَـفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوَ نِكُمْ) (2) .

    وجه الاستدلال: أنّ المراد من اختلاف الألسن هو الاختلاف من حيث اللغة، فبعض يتكلّم بالعربيّة، وبعض آخر يتكلّم بالفارسيّة، وهكذا، وليس المراد منهالاختلاف من جهة الأصوات، كما احتمله بعض المفسِّرين(3) . وعلى هذا يكون استناد اختلاف الألسن إليه ـ تعالى ـ وجعله من آياته دليلا على كونه واضعاً للّغات، سيّما اقترانه في الآية مع خلق السماوات والأرض واختلاف الألوان التي هي من الاُمور التكوينيّة ، فجعل الاختلاف في الألسن بينها قرينة على استناده إليه ـ تعالى ـ حتّى من جهة التكوين .

    وفيه : أنّه لا منافاة بين كون الواضع إنساناً، مع استناد الاختلاف في الألسن إليه تعالى، وبعبارة اُخرى: لا ملازمة بين كون الاختلاف مستنداً إليه تعالى، وبين كون الواضع هو الله تبارك وتعالى، وهذا نظير قوله ـ تعالى ـ : ( عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) (4);


    (1) المحصول 1 : 90 ، الفصول الغروية: 23 ـ 24، مفاتيح الاُصول: 4.
    (2) سورة الروم 30 : 22 .
    (3) التبيان في تفسير القرآن 8 : 217، مجمع البيان 8 : 50.
    (4) سورة الرحمن 55 : 4.
  • ۱۵۰

    صفحه 150

    فإنّ البيان يصدر من الإنسان بإرادته، مع أنّه مستند إليه تعالى، فتدبّر .

    الآية الثانية : قوله ـ تعالى ـ : ( وَعَلَّمَ آدَمَ الاَْسْمَاءَ كُلَّهَا) (1) . وجه الاستدلال: أنّ كلمة «الأسماء» جمع اسم ، الذي هو دالّ على المسمّى، فلازم تعليم آدم (عليه السلام) وجود الأسماء قبل خلقه (عليه السلام) ; وهو بمعنى وضع الله تبارك وتعالى .

    وفيه : أنّ المراد من الأسماء ليست الأسماء المتداولة بين الألسن ، بل المراد منها ـ خصوصاً بقرينة رجوع ضمير ذوي العقول في قوله ـ تعالى ـ : ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ) (2) ، وقوله ـ تعالى ـ : ( أَ نبِـُونِى بِأَسْمَآءِ هَـؤُلاَءِ) (3) ، إلى الأسماء ـ الأسماء الخاصّة التي وردت في بعض الروايات(4) .

    وبالجملة: من الواضح أنّه ليس المراد منها مثلا كلمة «الماء» ونظائرها، خصوصاً مع استعمال الملائكة، واعتراضهم على الله، واستعمالهم الكلمات المتداولة، مع أنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ يصرّح في هذه الآيات بعدم علم الملائكة بالأسماء .

    ثمّ إنّه قد ذكر في بعض الكلمات مبعّدات لبشريّة الواضع لا بأس بذكرها :

    الأوّل : أنّ الإنسان الابتدائي كيف قدر أن يفهم أنّ من طرق إفادةالمقاصد استخدام الألفاظ، ولا يمكن توجيه الاستخدام إلاّ بالإلهام من الله تبارك وتعالى ؟

    الثاني : أنّه وإن سلّمنا قدرته على فهم الاستخدام، لكنّه كيف كان قادراً لتفهيم الآخرين؟ وهل للتفهيم استخدم ألفاظاً؟ فنسأل عنها كيف كانوا قادرين على فهمها ؟

    الثالث : أنّ حقيقة الوضع البشري طبقاً للمسالك الموجودة عند الاُصوليّين


    (1 ـ 3) سورة البقرة 2 : 31.
    (4) التفسير المنسوب إلى الإمام أبي محمّد الحسن بن علي العسكري (عليهما السلام): 217، تأويل الآيات الظاهرة: 47ـ 48.

    صفحه 151

    ـ كجعل الملازمة أو الهوهويّة أو التعهّد ـ أمر كان خارجاً عن درك البشر الابتدائي والواضع الأوّلي .

    الرابع : أنّه لو كان الواضع مجموع الموجودين في الزمان الأوّل، بحيث جلسوا واتّفقوا على كون لفظ «الماء» لذاك المعنى الخارجي، لكان هذا بعيداً بحسب حساب الاحتمالات، ولو كان شخصاً واحداً لاتّبعوه القوم، فهذا يناسب كون الواضع رئيساً للقوم، والبقيّة تابع له، مع أنّ هذه الكيفيّة ـ أي تبعيّة القوم لشخص واحد ـ أمر لم يكن في البشر الابتدائي(1) .

    وبعد هذه المبعّدات نحن نحتمل ـ كما احتمل الشهيد الصدر ـ بل نطمئنّ بأنّ كيفيّة صياغة الدلالة ليست بقول مطلق، ولا مجال لأن نقول: إنّ الواضع هو الله ـ تبارك وتعالى ـ في جميع الألفاظ، وفي جميع المعاني حتّى بالنسبة إلى الأعلام الشخصية والاختراعات الجديدة، ولا أن نقول بأنّ أوّل شخص خلق كآدم على نبيّنا وآله وعليه السلام قد وضع الألفاظ على المعاني، بل لابدّ من التفصيل بهذه الكيفيّة.

    وهي: أنّ دلالة الألفاظ على المعاني كانت في أوّل الخلقة بين الموجودين بإلهام من الله تبارك وتعالى، سيّما بالنسبة إلى آدم (عليه السلام) وحواره مع حوّاء، سيّما قبل هبوطهما إلى الأرض ، فمن البيّن جدّاً أنّ آدم (عليه السلام) حينما أراد أن يتكلّم مع حوّاء بالنسبة إلى الشجرة المعروفة فألهمه الله ـ تبارك وتعالى ـ ألفاظاً مخصوصة حتّى يستخدمها حين الاحتجاج والتكلّم .

    ثمّ إنّه بعد مرور الزمان وسعة الاحتياجات قد وضع الإنسان ألفاظاً لمعان تقليداً من الله تبارك وتعالى، كما في سائر الاُمور التقليديّة منه تبارك وتعالى، كصنعة


    (1) بحوث في علم الاُصول 1 : 85 .

۵۴,۸۶۹ الزيارة