pic
pic
  • ۱۸۱

    صفحه 181

    رسالة في شرطيّة الابتلاء في منجّزيّة العلم الإجمالي

    وقد ألّفت في سنة 1415 هـ . ق بمناسبة المؤتمر العالمي
    للشيخ مرتضى الأنصاري (قدس سره)

  • ۱۸۲

    صفحه 182

  • ۱۸۳

    صفحه 183

    بسم الله الرحمن الرحيم

    موضوع البحث :

    ذهب المشهور(1) إلى وجوب الموافقة القطعيّة في العلم الإجمالي ; وهي تحصل بالاجتناب عن جميع الأطراف ، لكنّ الشيخ الأعظم الأنصاري (قدس سره) (2) قد اشترط في منجّزيّة العلم الإجمالي كون التكليف فعليّاً بالنسبة إلى جميع الأطراف على تقدير كون الحرام كلّ واحد من الأطراف ، واحترز بهذا الشرط عن اُمور :ثالثها: ما إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء، فلا يجب الاجتناب عن الطرف الآخر الذي هو داخل في محلّ الابتلاء .

    وهذا البحث ـ أي شرطيّة الابتلاء ـ ممّا اخترعه الشيخ الأعظم ، ولم يسبقه إليه أحدٌ قبله ، كما صرّح به المحشّي التبريزي في كتابه(3) ، وصرّح به أيضاً المحقّق الأشتياني، حيث قال : ثمّ إنّ شرطيّة الابتلاء . . . وإن لم نقف على التصريح به في كلماتهم ، بل المترائى منها في قصر شرائط التكليف ، وحصرها في أربعة عدم


    (1) فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) 2: 210، بحوث في علم الاُصول 5: 170.
    (2) فرائد الاُصول (تراث الشيخ الأعظم) 2: 233ـ 234.
    (3) أوثق الوسائل : 346.
  • ۱۸۴

    صفحه 184

    اشتراطه . ومن هنا كان بعض مشايخنا كثيراً ما يطعن على شيخنا الاُستاذ بكونه منفرداً في تأسيس هذا الأصل .

    ثمّ قال في تأييد هذا المبنى : إلاّ أنّه يجده المنصف المتأمّل المتتبّع; ألا ترى(1)فتوى الفقيه بوجوب تعلّم مسائل الحيض والنفاس مثلاً على العامّي غير المزوّج، وكذا بوجوب تعلّم مسائل الجهاد على العوامّ وهكذا، مع أنّه لا يمتنع عقلاً تحقّق الحاجة إليه بالنسبة إلى هذه المسائل، حاشا ثمّ حاشا ، مع أنّه يجب تعلّمها واستنباطها على المستنبط(2) .

    وبعد هذا فينبغي لنا أن نبحث عن ذلك الأصل ; فإنّه أصلٌ مهمّ ذو ثمرات متعدّدة في كثير من أبواب الفقه ، ويترتّب عليه فوائد جليلة ، وباب واسع ينحلّ منه الإشكال عمّا علم من عدم وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة في مواقع على حسب اعتقاد الشيخ(3) ; فإنّ هنا أمثلة موجودة من باب الشبهة المحصورة مع عدم وجوب الاحتياط ، بل وجواز المخالفة القطعيّة فيها ، فربما يتوهّم خروجها من حكم الشبهة المحصورة لدليل خاصّ في كلّ مورد مع انتفائه قطعاً ، مضافاً إلى أنّ حرمة المخالفة القطعيّة وقبحها أمر عقليّ لا يقبل التخصيص .

    ومن هنا ذهب بعض(4) إلى أنّ عدم وجوب الاحتياط في هذه الأمثلة دليل على البرائة في الشبهة المحصورة ، ولكنّ الشيخ (قدس سره) اعتقد أنّ الطريق الصحيح لحلّ هذه الأمثلة ما ذهب إليه من أنّه في جميع هذه الموارد يكون بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء . وإليك بعض الأمثلة التي ذكرها الشيخ وغيره :


    (1) هكذا في النسخ التي بأيدينا ، والصحيح : أترى، بدل «ألا ترى»، والاستفهام إنكاري .
    (2) بحر الفوائد 2: 102.
    (3) فرائد الاُصول 2: 234 ـ 235.
    (4) مدارك الأحكام 1: 107 ـ 108.
  • ۱۸۵

    صفحه 185

    منها : ما إذا علم إجمالاً بوقوع النجاسة في إنائه ، أو في موضع من الأرض التي لا يبتلي بها المكلّف عادةً .

    ومنها : ما إذا علم إجمالاً بوقوع النجاسة في ثوبه ، أو ثوب غيره الذي لا يكون مورداً لابتلائه ; فإنّ الثوبين من باب الشبهة المحصورة قطعاً ، مع عدم وجوب الاجتناب عن شيء منها، حتّى ثوب نفسه الذي هو طرف للعلم الإجمالي بالنجاسة .

    ومنها : أنّ زوجة شخص لو شكّت في أنّها هي المطلّقة، أو غيرها من ضرّاتها ، لم يجب عليها الاحتياط ، وجاز لها ترتيب أحكام الزوجيّة على نفسها ، مع أنّ الشبهة محصورة ، لكن غيرها من الضرّات خارجة عن محلّ ابتلائها . نعم ، يجب على الزوج الاجتناب عن الجميع لو شكّ في المطلّقة ، ودار أمرها بين كلّ واحدة من زوجاته .

    ومنها : ما ذكره المحقّق الآشتياني في حاشيته; وهو وقوع طين السوق في الشتاء ، أو طين الطريق على لباس الشخص أو بدنه مع حصول العلم الإجمالي بنجاسة بعض ما فيها على وجه ينتهي إلى الشبهة المحصورة قطعاً ; فإنّ محلّ ابتلاء المكلّف خصوص ما وقع في لباسه ، أو بدنه . وأمّا الموجود في أرض السوق والطريق ، فهو خارج عن محلّ ابتلائه ، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة الطهارة بالنسبة إلى ما وقع في بدنه ولباسه; فيجوز له الصلاة في تلك الحال من دون إزالة الطين فضلاً عن تطهير البدن .

    ومنها : ما ذكره أيضاً ; وهو أنّه لو علم الزوج بحيض بعض زوجاته ، مع عدم ابتلاء بعضهنّ به ، كما إذا كانت غائبة عنه ، وأراد الوقاع مع الحاضرة ; فإنّه يجوز له ذلك .

    ومنها : ما لو علم الزوج بارتداد بعض زوجاته مع غيبة بعضهنّ ; فإنّه يجوز

  • ۱۸۶

    صفحه 186

    إجراء الاستصحاب بالنسبة إلى الحاضرة (1).

    ومن الأمثلة التي لم تُذكر في الكتب لكنّه يصحّ أن يكون مثالاً للبحث ، وهو مهمّ جدّاً ، أنّه إذا فرضنا فرضاً بعيداً أنّ شخصاً قد علم إجمالاً بوقوع التحريف في مجموع القرآن ، فبما أنّ المتشابهات خارجة عن باب الاستدلال; لعدم وجود الظاهر لها ، صحّ التمسّك بالمحكمات . وبعبارة اُخرى: المتشابهات خارجة عن محلّ الابتلاء ، فلذا يكون العلم الإجمالي منجّزاً ، فصحّ التمسّك بالمحكمات التي هي داخلة في محلّ الابتلاء ، إلى غير ذلك من الأمثلة التي يجدها المتتبّع .

    ووافق الشيخ ـ في هذا الأصل ـ المشهور من المتأخّرين عنه ، منهم: المحقّق الخراساني(2) ، والمحقّق النائيني(3) ، وخالفه جملة من المحقّقين: كالسيّد الإمام الخميني(4) ، والسيّد المحقّق الخوئي (رحمهم الله)(5) . وقبل الورود في البحث يجب التعرّض لاُمور :

    الأمر الأوّل : أنّ هذا البحث لا ينحصر بمسألة العلم الإجمالي والشبهة المحصورة وإن ذكره الشيخ في هذا المجال; لكن دائرته تشمل جميع التكاليف ، وبعبارة اُخرى: وقع البحث في أنّه هل من شرائط تنجّز التكليف ابتلاء المكلّف بمتعلّقه أم لا؟

    الأمر الثاني : في معنى الابتلاء والخروج عن محلّ الابتلاء ، فاعلم أنّه يظهر من بعض الكلمات أنّ المراد من الخروج هو خصوص عدم القدرة العادية للمكلّف فقط; كما يظهر من كلمات المحقّق النائيني في الجواب عن النقض الذي أورد


    (1) بحر الفوائد 2: 103.
    (2) كفاية الاُصول : 410.
    (3) فوائد الاُصول : 50 وما بعدها.
    (4) معتمد الاُصول 2: 119.
    (5) مصباح الاُصول (موسوعة الإمام الخوئي) 2: 459 ـ 461.

    صفحه 187

    على الشيخ(1) .

    ويظهر من المحقّق الحائري(2) أنّ المراد بالخروج أعمّ من أن يكونالفعل غير مقدور للمكلّف عادةً، كما إذا كان في بعض البلاد البعيدة ، أو كان مقدوراً عادةً ، ولكن على نحو يكون بعض الناس معرضاً عنه عادةً ، ويكون دواعيهم مصروفة عنه كذلك ، والميزان استهجان العقلاء للخطاب المتعلّق به .

    وخلاصة كلامه ترجع إلى أنّ الابتلاء إمّا أن يكون شخصيّاً ، فمقابله أيضاً شخصيّ ، وإمّا أن يكون نوعيّاً ، فمقابله أيضاً نوعيّ ، ونتيجة هذا خروج الأفعال التي كانت منافرة للطبع عن محلّ الابتلاء ، ويظهر هذا المعنى من عبارة الكفاية(3) ، وحاشية الماتن أيضاً .

    هذا، وقد يظهر من كلام الشيخ الأعظم أنّ المراد خصوص عدم وجود القدرة العادية; سواء كان للمكلّف ، أو لنوع الناس ، ولا يشمل كلامه ما إذا كان الشيء منفوراً عند الناس ; فإنّ الشيخ قد فرّع الخروج عن الابتلاء على عدم تنجّز التكليف ، بينما أنّ تنجّز التكليف فيما إذا كان الشيء منفوراً منه عند الناس واضح ، فحرمة كشف العورة منجّزة وإن كان منفوراً منه عند جميع الناس .

    وهنا معنىً رابع يستفاد من صحيحة عليّ بن جعفر الآتية(4)، بناءً على التفسير الذي ذكره الشيخ ، وهو: أنّ الخروج عن محلّ الابتلاء ليس منحصراً بعدم وجود القدرة العادية ، بل يشمل عدم الاحتياج إليه ، وعدم كونه مورداً للحاجة فعلاً ، والظاهر أنّ المحقّق الآشتياني(5) يميل إلى هذا المعنى، كما يستفاد من أمثلته للمقام ;


    (1) فوائد الاُصول 4 : 54 .
    (2) درر الفوائد : 464.
    (3) كفاية الاُصول: 410.
    (4) في ص 191 ـ 192.
    (5) بحر الفوائد 2 : 103.
  • ۱۸۸

    صفحه 188

    فإنّه حكم بأنّ غيبة بعض الأزواج سبب للخروج عن محلّ الابتلاء مع وجود القدرة العادية بالنسبة إليه ، فتدبّر.

    فتحصّل من جميع ذلك أنّ لنا فروضاً ثلاثة :

    الفرض الأوّل : كون الشيء خارجاً عن القدرة العادية ، ولا شكّ أنّه داخلٌ في محلّ البحث .

    الفرض الثاني : كون الشيء داخلاً تحت القدرة العادية ، ولكنّه لا يكون مورداً للحاجة فعلاً، كخارج الإناء الذي يستفاد من صحيحة علي بن جعفر(1); لأنّه خارج عن محلّ الابتلاء بناءً على التفسير الذي ذكره الشيخ ، والظاهر أنّ هذا المورد داخلٌ في محلّ البحث .

    الفرض الثالث : كون الشيء داخلاً تحت القدرة العادية ، ولكنّه ممّا ينفر الطبع عنه ، ويعرض العقلاء عنه عادةً; والظاهر أنّه ليس داخلاً في محلّ البحث; لاستلزامه عدم منجّزيّة أكثر النواهي ، وهذا بعيد جدّاً .

    الأمر الثالث : أنّ الخروج عن محلّ الابتلاء إذا كان قبل العلم الإجمالي ، أو مقارناً للعلم الإجمالي، فهو مانع عن تنجّز العلم الإجمالي . وأمّا إذا كان بعد العلم الإجمالي، فهو الاضطرار الطارئ لا يكون مانعاً عن التنجّز(2) .

    الأمر الرابع : قد وقع البحث في أنّ هذا المطلب هل يرتبط باشتراط الدخول في محلّ الابتلاء في حصّة التكليف، أم لا يرتبط؟ أي أنّنا لو قلنا بأنّ الدخول في محلّ الابتلاء شرط في صحّة التكليف، لوجب أن نذهب إلى عدم منجّزيّة هذا العلم الإجمالي ، وإن أنكرنا اشتراط الدخول، فيجب أن نعتقد بمنجّزيّة هذا العلم الإجمالي، كما هو مذهب السيّد المحقّق الخوئي (قدس سره) .(3)


    (1) تأتي في ص 191 ـ 192.
    (2) درر الفوائد للحائري : 464 .
    (3) مصباح الاُصول (موسوعة الإمام الخوئي) 2: 459 ـ 461.

    صفحه 189

    وقد أنكر الشهيد الصدر (قدس سره) (1) هذا الارتباط فقال : إنّ منجّزيّة هذا العلم الإجمالي لا يرتبط بهذه المسألة أصلاً ، بل حتّى على القول بفعليّة التكليف في موارد الخروج عن محلّ الابتلاء لا يكون هذا العلم الإجمالي منجّزاً. وقال في توضيح هذا الكلام : إنّ الدخول في محلّ الابتلاء لا يمكن أن يكون دخيلاً في الملاك ; لأنّ هذا الوصف لا يمكن أن يكون محصّصاً إلى حصّتين ، حصّة داخلة في محلّ الابتلاء ، وحصّة خارجة ; إذ فرض وقوعه هو فرض دخوله في محلّ الابتلاء ، والملاك محرز على كلّ حال، وهو كاف في التنجيز .

    وأيضاً ، اشتراط الخطاب بهذا القيد غير صحيح ; لعدم وجود الاستهجان عند الخروج عن محلّ الابتلاء .

    وفيه أوّلاً : أنّ قوله (قدس سره) : إنّ منجّزيّة هذا العلم الإجمالي لا يرتبط بهذه المسألة أصلاً ، محلّ تأمّل ; فإنّ الملازمة في جانب الإثبات ممّا لا يقبل الإنكار ، فكلّ من قال بشرطيّة الدخول في محلّ الابتلاء في صحّة التكليف; يجب أن يقول بعدم منجّزيّة هذا العلم الإجمالي، ولعلّ مراده (قدس سره) هذا وإن كانت العبارة تأبى عن ذلك .

    وثانياً : أنّ نفي الملازمة في جانب النفي إنّما يصحّ بناءً على عدم جريان الأصل الترخيصي في الشيء الخارج عن الابتلاء ، وسنذكر لكم بطلانه في الجواب عن الدليل الثاني الآتي .

    وثالثاً : سيأتي ـ إن شاء الله ـ في الدليل الأوّل أنّ الخطاب ، أو التكليفوإن لم يكن ملاكه مقيّداًبهذا القيد;لرجوع الابتلاءإلى القدرة العادية ،وهي كالقدرة العقليّة غير دخيلة في الملاك ، إلاّأنّ فعليّة الخطاب وتنجّزه مشروط بهذا القيد .

    وبعد بيان هذه الاُمور يجب البحث في مقامين :

    المقام الأوّل : في أنّه هل يكون الابتلاء وإمكانه شرطاً في التكليف ، أم لا؟


    (1) بحوث في علم الاُصول 5 : 286 .
  • ۱۹۰

    صفحه 190

    وهل يكون شرطاً في ملاك التكليف ، أو يكون شرطاً في الخطاب فعليّاً ، أو تنجّزاً؟ وبعد كونه شرطاً في أصل التكليف، هل يكون أيضاً من شرائط منجّزيّة العلم الإجمالي، أم لا؟

    المقام الثاني : في أنّه بعد كونه شرطاً ، إذا شككنا في أنّ الابتلاء هل دائرة مفهومه يشمل الشيء الفلاني، أم لا؟ فما هو المرجع في ذلك؟ هل المرجع إطلاقات أدلّة المحرّمات الواقعيّة، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاري(1) وإن تردّد في آخر كلامه، أم المرجع أصالة البراءة عن الخطاب التنجيزي، كما ذهب إليه المحقّق الخراساني؟(2)

    أمّا المقام الأوّل : فإنّه يستفاد من كلام الشيخ الأعظم(3) أنّ الابتلاء من شرائط منجّزيّة العلم الإجمالي ، كما أنّه من شرائط نفس التكليف ; فإنّه ذهب إلى أنّ من شرائط منجّزيّة العلم الإجمالي أن يكون التكليف في كلّ من طرفيه فعليّاً ، بحيث لو علمنا بالتحريم في كلّ واحد من طرفيه لكان التكليف ثابتاً منجّزاً ، واحترز بهذا الشرط عن اُمور:

    منها : إذا كان بعض الأطراف خارجاً عن محلّ الابتلاء، وكلامه (قدس سره) وإن كان كلّياً شاملاً لجميع التكاليف أمراً ونهياً; لكنّه يظهر من دليله الأوّل الآتي : أنّ الدخول في محلّ الابتلاء شرط لصحّة النهي ، وسيأتي تفصيل ذلك في تحليل كلمات المحقّق النائيني .

    واستدلّ على ذلك بأدلّة ثلاثة ـ على ما يستفاد من مجموع كلماته (قدس سره) ـ يختصّ بعضها بشرطيّة الابتلاء في أصل التكليف ، وبعضها الآخر بمنجّزيّة العلم الإجمالي .

    الدليل الأوّل : أنّ المقصود من النهي حمل المكلّف على الترك ، وهذا مختصّ


    (1) فرائد الاُصول 2: 237 ـ 238.
    (2) كفاية الاُصول : 410.
    (3) فرائد الاُصول 2 : 233.

۵۴,۸۶۵ الزيارة