• ۹۱

    خلافآ لرأي النائيني(رحمه الله)؛ وتختلفان عن الخطابات القانونية في أنّ موضوعهما قابل للصدق على الأفراد؛ فإنّ العنوان في الخارجيّة مقيّد بقيد لا ينطبق إلّا على الأفراد الموجودة محقّقةً، وليس الحكم فيها متعلّقآ بذات الأفراد وأشخاصها الخارجيّة مباشرةً، وأمّا القضايا الحقيقيّة فالموضوع فيها ذو قابلية يصلح أن ينطبق على الأفراد الموجودين حسب مرور الزمان، لا بمعنى كون الطبيعة حاكيةً عنها، بل لا تدلّ إلّا على نفس الطبيعة، وهي قابلة للصدق على الأفراد، ومتحدة معها في الخارج؛ فإنّ الحكم فيها بما له بقاء في عالم الإعتبار محمول على العنوان الذي ينطبق على مصاديقه بالتدريج وما هو الموجود فيلحظ المتكلّمُ تلک المصاديقَ بالعرض.

    هذا، والخطاب القانوني وإن كان كلّيآ عامّآ متوجّهآ إلى عموم المكلّفين إلّا أنّه لاينحلّ إلى كلّ مكلّف ولا يتوجّه خطاب خاصّ أو تكليف مستقلّ إلى كلّ أحد، فلا يشترط فيه كون جميع الأفراد واجدآ للشرائط، ولا يعتبر فيه إلّا إحتمال إنبعاث طائفة من المكلّفين وإنزجارهم بالبعث والزجر في الأعصار والأمصار.


    المطلب الخامس: علاقة بحث تعلّق الأمر بالطبيعة والخطابات القانونية

    من المسائل التي تساعد على فهم نظرية الخطابات القانونية هي مسألة أنّ الأوامر والنواهي هل تتعلّق بالطبائع أو بالأفراد؟ ومحلّ البحث حول علاقة هذا البحث بالخطابات القانونية فهل أنّ القول بالخطابات القانونية ينسجم مع القول بأنّ الأوامر والنواهي تتعلّق بالأفراد، أو أنّه يوافق مع القول بأنّ الأوامر والنواهي تتعلّق بالطبائع؟

    وقبل الجواب على هذا السؤال، لا بدّ أولا أن نوضّح محلّ النزاع في هذه المسألة :

  • ۹۲

    قال المحقّق النائيني(رحمه الله) في الفوائد :

    والذي يمكن أن يكون محلّ النزاع على وجه يرجع إلى أمر معقول: هو أن يكون النزاع في سراية الأمر بالطبيعة إلى الأمر بالخصوصيات ولو على النّحو الكلي، أي خصوصية ما بحيث تكون الخصوصية داخلةً تحت الطلب تبعآ، فالقائل بتعلّق الأحكام بالأفراد يدّعى السّراية والتبعيّة، والقائل بتعلّق الأحكام بالطبائع يدّعي عدم السراية وأنّ المأمور به هو الطبيعة المعرّاة عن كلّ خصوصيّة، أي الساذجة الغير الملحوظ معها خصوصيّة أصلا ولا يسري الأمر إلى الخصوصيّات بوجه من الوجوه.

    هذا، وقد يعتقد السيّد الإمام (قدس سرّه): أنّ محطّ البحث هنا ليس في تعلّق الأحكام بالكلّي الطبيعي أو أفراده ممّا هو المصطلح في المنطق؛ فإنّ الماهيّات الإعتباريّة المخترعة كالصلاة والحجّ ليست من الكلّيّات الطبيعيّة، ولا مصاديقها مصاديق الكلّي الطبيعي، وليست موجودة في الخارج؛ لأنّ المركّب الإختراعي لا تقع تحت أيّ مقولة من المقولات العشر؛ بل المراد من الطبيعي هاهنا هو العنوان الكلّي، سواء كان من الطبائع الأصيلة أم لا.[1]

    وعلى أيّ حال، بقطع النظر عن هذا الإختلاف، يطرح سؤال هو: هل أنّ الشارع حينما يأمر بشيء يأمر بطبيعة ذلک الشيء أو أنّه يأمر الأفراد مباشرةً؟

    قد إختلف الأصوليون في ذلک: فمنهم من بنى الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في المسألة الفلسفية، أي أصالة الوجود أو الماهية، فقال إن بنينا على القول بأصالة الماهية فحينئذ يكون متعلّق الأوامر والنواهي هو الطبيعة، وأما إن قلنا إنّ الأصالةَ للوجود فحينئذ تكون الأوامر والنواهي متعلّقةً بالأفراد.[2] ومنهم


    1 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 64.

    2 ـ كفاية الأصول (طبع آل البيت) : 139.

  • ۹۳

    من بنى المسألة على مسألة هل أنّ الكلّي موجود بوجود أفراده أو لا؟ بمعنى هل تسري الإرادة للخصوصيّات اللاحقة للطبيعة في الخارج أو تقف على نفس الطبيعة؟[1] ومنهم بنى المسألة على البحث اللغوي حيث تشبّث بالتبادر في إثبات تعلّقها بالطبائع، فهل يستفاد من نفس الدليل تعلّق الأمر بالطبيعة أو بالأفراد؟[1] إلى غير ذلک.

    وقد ذهب المشهور إلى أنّ الأمر يتعلّق بالطبيعة بما هي حاكية عن الأفراد في الخارج. قال المحقّق الخوئي(رحمه الله) في المحاضرات :

    إنّ متعلّق الأوامر والنواهي هو الطبائع الكلّية التي يمكن إنطباقها على الأفراد والمصاديق الخارجية بشتّى ألوانها وأشكالها.[3]

    هذا، ويذهب الإمام الخميني (قدس سرّه) إلى أنّ الأوامر والنواهي متعلّقةً بالطبائع، بمعنى أنّ الآمر قبل تعلّق أمره بشيء يتصوّره بكلّ ما هو دخيل في غرضه، ويبعث المكلّف نحوه ليوجده في الخارج، فإذا لم تكن للخصوصيّات الفرديّة دخالة في غرض الآمر لا يمكن أن يبعث نحوها، لأنّ البعث تابع للإرادة التشريعيّة التابعة للمصالح، وتعلّقها بما هو غير دخيل في تحصيلها ممتنع، كتعلّقها إبتداء بأمر بلاغاية.[4]

    ثمّ إنه يصرّح (قدس سرّه) بأنّ الأمر يتعلّق بالطبيعة من دون ملاحظة الحكاية عن الخارج. يقول (قدس سرّه) في المناهج :

    إنّ الطبيعة لا يعقل أن تكون مرآةً لشيء من الخصوصيّات الفرديّة اللاحقة لها في الخارج، ومجرّد اتّحادها معها خارجآ لا يوجب الكشف والدلالة، فالآمر إذا


    1 ـ نهاية الأفكار :1 384 386.

    2 ـ الفصول الغروية في الأصول الفقهية: 107.

    3 ـ محاضرات في أصول الفقه (طبع دار الهادى) :4 169.

    4 ـ مناهج الوصول إلى علم الأصول :2 65.

  • ۹۴

    أراد توجيه الأمر إلى الطبيعة لا بدّ من لحاظها في نفسها، وإذا أراد الأمر بالأفراد لا بدّ من لحاظها: إمّا بعنوان إجماليّ، وهو مباين لعنوان الطبيعة في العقل، وإمّا تفصيلا مع الإمكان، وهو أيضآ غير لحاظ الطبيعة؛ فإنّ تصوّر الأفراد غير تصوّر الطبيعة، ضرورة أنّ تصوّر الخاصّ الجزئيّ من شئون القوى النازلة للنفس، وتعقّل الطبيعة من شئون العاقلة بعد تجريد الخصوصيّات، فربّما يتصوّر الأفراد مع الغفلة عن نفس الطبيعة و بالعكس.[1]

    وفي الأخير يقول: إنّ متعلّق الأحكام ليس الوجود الخارجيّ، لأنّ تعلّق الحكم بالوجود الخارجيّ أو الإيجاد بالحمل الشائع لا يمكن إلّا في ظرف تحقّقه، والبعث إلى إيجاد المتحقّق تحصيل للحاصل، كما أنّ الزجر عمّا وجد خارجآ ممتنع، ولا الوجود الذهنيّ بما هو كذلک، لأنّه غير ممكن الإنطباق على الخارج، فلا محالة يكون المتعلّق نفس الطبيعة، لكن لما كانت الطبيعة لا يمكن أن تصير متعلّقةً لحكم إلّا أن تصير متصوّرةً، والتصوّر هو الوجود الذهنيّ، فلامحالة يكون ظرف تعلّق الحكم بها هو الذهن، فالطبيعة متعلّقة للحكم في الذهن، لا بما هي موجودة فيه، ولا بما هي موجودة في الخارج، ولا بما هي مرآة للوجود.[2]

    إذآ، وبعد أن تبيّن لک الأمر، نقول إنّ هذين البحثين يختلفان موضوعآ؛ فإنّ ما تتعلّق به الأوامر والنواهي غير الموضوع الذي تتعلّق به الخطابات القانونية؛ فإنّ الموضوع الذي يتعلّق به الأمر والنهي هو نفس الطبيعة المأمور بها وهي الصلاة مثلا، وأما الخطابات القانونية فالخطاب فيها ليس في متعلّق التكليف، بل المدار في ما يرتبط بالموضوع والمخاطب، فيبحث فيه عن كيفية إلقاء الشارع لخطاباته وكيفية جعله وتقنينه.

    أضف إلى ذلک أنّ القول بكون الخطابات قانونيةً تتوقّف على القول بأنّ الأمر


    1 ـ نفس المصدر.

    2 ـ المصدر :2 130.

  • ۹۵

    يتعلّق بالطبيعة فيدعى أنّ الخطاب واحد والإنشاء واحد، ولا تنحلّ الخطابات العامّة إلى خطابات متعدّدة بعدد نفوس المكلّفين إذا يتعلّق ذلک الخطاب بالطبيعة. وأما لو قلنا إنّ الأمر لا يتعلّق بالطبيعة فلا يمكن أن يقال بكون الخطابات قانونيةً. وبكلمة أخرى، إنّه لو قلنا إنّ الأوامر متعلّقة بالأفراد فحينئذ لا يمكن أن نقول بأنّ الخطابات قانونية.


    المبحث الثاني: الخطابات القانونية عند تلامذة السيّد الإمام (قدس سرّه)

    ثمّ إنّه لا بأس بأن نشير إختصارآ إلى إنعكاس هذه النظرية في كتب المحقّقين الأفاضل من تلامذة الإمام الخميني (قدس سرّه) وإن إختلفوا تجاه هذه النظرية، فمنهم الفقيه الاُصولي الشيخ محمّد الفاضل اللنكراني(رحمه الله) الذي يؤكّد على ثبوتها ومنهم من إستشكل على هذه النظرية كآية الله جعفر السبحاني التبريزيحفظه الله وآية الله محمّد المؤمن القمي حفظه الله.


    المطلب الأوّل: الخطابات القانونية عند الفقيه الأصولي الشيخ الفاضل اللنكراني(رحمه الله)

    يقول سماحته(رحمه الله) في كتاب الدراسات :

    إنّ الخطابات الشرعيّة خطابات كلّيّة متوجّهة إلى عامّة المكلّفين، بحيث يكون الخطاب في كلّ واحد منها واحدآ والمخاطب متعدّدآ حسب تعدّد المكلّفين، والمصحّح لهذا النوع من الخطاب العامّ إنّما هو ملاحظة حال نوع المخاطبين دون كلّ واحد منهم، فإن كانوا بحسب النوع قادرين بالقدرة العقليّة والعاديّة صحّ خطاب الجميع بخطاب واحد، ولا يكون عجز البعض عقلا أو عادةً موجبآ لإستهجان الخطاب العامّ بعد عدم خصوصيّة مميّزة للعاجز، وهكذا بالنسبة إلى العاصي والكافر، فإنّ المصحّح لتوجيه الخطاب العامّ الشامل للعاصي

  • ۹۶

    وللكافر أيضآ إنّما هو إحتمال التأثير بالنسبة إلى النوع وإن علم بعدم تأثيره بالنسبة إلى بعض المخاطبين.[1]

    ثمّ إنّه(رحمه الله) يؤكّد على تلک النظرية في موضع آخر ويقول :

    وهناک قرينة مهمّة على عدم إنحلال الخطابات العامّة مثل: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ)[2] وهي أنّ من خالفها في مقام العمل نعبّر عنه بالعاصي، وهو عبارة عمّن توجّه إليه الخطاب ولكنّه خالف التكليف، ومن لا يتوجّه إليه التكليف لا ينطبق عليه عنوان العاصي، فنستكشف من ذلک العنوان أنّ العصاة مكلّفون بها كالمطيعين، وبعد كون الآمر هو الباري تعالى الذي يكون عالمآ بمخالفة العصاة، فإن قلنا بإنحلالها يكون تكليف العصاة وبعثهم لغوآ، فتوجّه التكليف إليهم قرينة على عدم إنحلال الخطابات العامّة. وهكذا في الكفّار؛ إذ تتحقّق قاعدة فقهيّة بأنّ الكفّار مكلّفون بالفروع كتكليفهم بالأصول، وتخصيص بعض الخطابات العامّة بالمؤمنين مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)[3] يكون بعنوان التجليل لهم أو لعلل أخرى؛ إذ الحقّ أنّ الكفّار مكلّفون بجميع الفروع، فإن قلنا بإنحلال الخطابات العامّة يكون الخطاب الشخصي بالنسبة إليهم لغوآ، فلا بدّ من الإلتزام بعموميّتها وعدم إنحلالها، سيّما بعد عدم إنحصار الكفّار والعصاة بمنطقة خاصّة أو لسان خاصّ أو قبيلة خاصّة.[4]

    والمتلخّص: أنّ الأوامر الكلّية القانونية لا تنحلّ إلى خطابات شخصية وأوامر متعدّدة فردية، بحيث كان لكلّ مأمور خطاب مستقلّ مشروط بشرائطه، والوجه فيه لزوم مفاسد كثيرة مذكورة في محلّه، بل هي أمر واحد وقانون فارد ثابت على


    1 ـ دراسات في الأصول :3 380 381.

    2 ـ سورة البقرة: 42.

    3 ـ نفس السورة: 183.

    4 ـ دراسات في الأصول :2 211.

  • ۹۷

    الجميع، ولا يكون مشروطآ بثبوت القدرة لكلّ فرد فرد. وعليه فالعجز في بعض الأفراد لا يوجب سقوط الأمر الكلّي وإرتفاع القانون العامّ.[1]


    المطلب الثاني: الخطابات القانونية عند الفقيه المحقّق الشيخ السبحاني حفظه الله

    يقول سماحته حفظه الله: إنّ الخطاب على قسمين :

    تارة، يكون من الشخص إلى الشخص وحده، ففي مثله يشترط وراء القدرة العقلية، كون مورد النهي، ممّا يبتلى المكلّف أو وجود الداعي إلى ارتكابه.

    وأُخرى، يكون من مقام إلى أُمّة بعنوان: «الناس» و«المؤمنين» و«المواطنين» إلى غير ذلک فليس هناک خطابات وإنبعاث، بل هناک خطاب واحد متعلّق بالعنوان حجّة في حقّ الكلّ ممّا رآه أو سمعه ووقف على شموله له.

    والخطابات القانونية سواء كانت من مصدر الوحي، أو من مقام بشري كلّها من هذا القبيل، فليست هناک خطابات ولا إرادات في لوح المكلّف لا حقيقةً ولا إنحلالا، وإنّما الموجود وجود خطاب وبعث واحد متعلّق بالعنوان العام بحيث يعدّ حجّة لكلّ من ينطبق عليه العنوان. هذا، والعرف ومجلس الشورى الإسلامي ببابک، وقبلهما وجدانک إذا دعوت أهل المسجد إلى إنجاز عمل، فهل ترى من نفسک تعدّد الإرادة وإنحلال الخطاب بالنسبة إلى كلّ واحد؟

    ومن هنا يتغيّر ملاک صحّة الخطاب؛ فإنّ ملاكها إذا كان الخطاب شخصيآ هو وجود القدرة العقلية والعادية في كلّ فرد، وأمّا ملاكها إذا كان قانونيآ فيكفي وجودهما في مجموعة كبيرة منهم. فعندئذ يصحّ الخطاب الكلّي العام ويكون الخطاب شاملا لكلّ الأفراد قادرها وعاجزها، متمكّنها عادةً وغير متمكّنها، واجدها للداعي وفاقدها، إذا كان الغالب قادرآ ومتمكّنآ وذات داع إلى الفعل أو


    1 ـ تفصيل الشريعة، (الطهارة) :3 384.

  • ۹۸

    إنصراف عنه. غاية الأمر يكون العجز الشخصي عذرآ لدى العقل. وهذا لا بمعنى سقوط الخطاب أو التكليف عنه، بل الخطاب والتكليف بالصورة القانونية باقية، غاية الأمر جهل المكلّف وعجزه عذر قانوني في مقابل الحجّة القائمة فيقدّم عليها.[1]


    المطلب الثالث: الخطابات القانونية عند الفقيه الخبير الشيخ محمّد المؤمن حفظه الله

    إنّ سماحته حفظه الله قد أوضح مسلک المشهور في بادء الأمر ثمّ بين ما تلقّاه من أستاذه الإمام الخميني (قدس سرّه) وإليک لفظه :

    لا ريب في أنّ قوام التكليف الشّخصي الموجّه إلى شخص خاصّ بلحاظ أنّ الغرض منه إنبعاثه، بإحتمال إنبعاثه، إذ الإنبعاث غاية له، والغاية علّة فاعليّة الفاعل، فلا بدّ من إحتمال ترتّبه في صدور ذيها، وعليه فلو علم المولى بعدم إنبعاث العبد من بعثه لما أمكن صدور البعث الجدّي منه. وأمّا التكليف القانوني الموجّه الى أشخاص كثيرين داخلين تحت عنوان واحد فظاهر كلماتهم أنّه أيضآ مشروط بشرائط الخطاب الشّخصيّ، وكان قوله (صلي الله عليه وآله): «يجب على كلّ مسلم صلاة الظهر» مثل بمنزلة أن يخاطب كلّآ منهم بالخصوص بهذا الخطاب، فيعتبر في توجّه هذا الخطاب العامّ إلى كلّ منهم ما يعتبر فيه لو إنفرد بالخطاب، ولذلک قالوا : بعدم فعليّة الخطاب بالنسبة إلى الخارج عن محلّ الإبتلاء، وإستتبع ذلک عدم منجّزيّة العلم الإجمالي بما يكون بعض أطرافه خارجآ عن الابتلاء.

    هذا ظاهر كلمات الأصحاب، إلّا أنّ الحقّ إختلاف مبادىء الخطابات القانونيّة والشّخصية، فلا يعتبر في القانون إلّا إحتمال إنبعاث طائفة من المكلّفين، وإن علم بعدم إنبعاث طائفة أخرى عصيانآ أو عذرآ، فالخطاب القانونيّ متوجّه حتّى إلى


    1 ـ المحصول في علم الأصول :3 492.

  • ۹۹

    العاصي والمعذور أيضآ، والشّاهد عليه ملاحظة سيرة العقلاء في ذلک، ومعلوم أنّ الشّارع لم يكن له في جعل الأحكام سنّة حديثة، مضافآ إلى أنّهما لو إتحدا في الشرائط لزم منه عدم تكليف العصاة والكفّار، إذ المولى عالم بعدم إنبعاثهم ـوالإنبعاث هو الغرض المقوّم للخطاب الشّخصي ولزم منه أيضآ عدم صحّة جعل الأحكام الوضعيّة في الخارج عن محلّ الإبتلاء، أمّا على القول بإنتزاعها عن التكليفية فواضح، وأمّا على غيره فلأنّ الوضع جعله مقدّمة لجعل التكليف، فجعله حيث لا تكليف لغو، فمنه يتبيّن أنّه لا بأس بشمول التكليف القانوني للعاجز عن الإطاعة أيضآ.[1]


    المبحث الثالث: إشكاليات الخطابات القانونية

    كان الكلام إلى هنا في مقام التعريف والتحليل، فعرفنا معنى النظرية ومواصفاتها وما لها من خصوصيات، ولكن هذا كلّه لا يوصلنا إلى مقام التحقيق والتدقيق، وبغية أن نتبين تلک الفكرة بشكل كامل ينبغي لنا أن نستعرض الإشكاليات التي طرحت بشأن الموضوع وساعدت في رفع كثير من التساؤلات والإبهامات حول النظرية، ليكون الناظر على بصيرة ويتبيّن مبلغ صحّة هذا الإتجاه. ثمّ نذكر ما أورد شيخنا الأستاذ حفظه الله على هذا المقال.


    المطلب الأول: إيرادات المحقّقين على هذه النظرية والإجابة عنها

    الإشكالية الأولى: إنّ الإهمال وإن كان في مقام الإثبات أمر ممكن، ولكنّه لا يتصوّر ذلک في مقام الثبوت بمعنى عدم علم المولى بما يطلبه من المكلّف؛ فانّ اللفظ وإن كان غير ناظر إلى حالات المكلّفين إلّا أنّ المولى غير غافل عن


    1 ـ تسديد الأصول :1 337.

  • ۱۰۰

    حالات نوعهم من واجدي القدرة وغير واجديها، وواجدي العلم وغير واجديه، والمبتلين بالمزاحم وغير المبتلين. فيرى موقف المكلّف من إبتلائه بالحجّتين مع عدم سعة الوقت إلّا لواحدة منهما، وحينئذ لو سئل المولى عن إنبساط طلبه وشموله لصورة التزاحم، فإن أجاب بالإيجاب، لزم منه الأمر بغير المقدور بالنتيجة، وهذا ما لا يرضى به أحد؛ وإن أجاب بالسلب، فقد رفع يده عن إحدى الحجّتين تعيينآ أو تخييرآ، وهذا ينتج عدم التحفظ على كلا الأمرين، وهو خلاف مختاره (قدس سرّه).

    وإن شئت قلت: إنّ اللفظ و إن كان لا يدلّ على شرطية قدرة المكلّف أو علمه بالمكلّف به باعتبار أنّ الحاكم بذلک هو العقل ولكن طلب المولى مقصور على ما إذا وجد فيه هذان الشرطان.[1]

    هذا وأجاب عنه السيّد الامام (قدس سرّه) في التهذيب: بأنّه ليس معنى عدم الإهمال الثبوتي أنّ الحاكم حين الحكم يلاحظ جميع الحالات الطارئة على التكليف والمكلّف، ويقايس التكليف مع سائر تكاليفه جمعآ ومزاحمةً؛ ضرورة بطلان ذلک؛ بل المراد من عدم الإهمال هو أنّ الآمر بحسب اللبّ إمّا أن تتعلّق إرادته وحكمه بنفس الطبيعة بلا قيد فتكون الطبيعة بنفسها تمام الموضوع، وإمّا أن تتعلّق بها مع قيد أو قيود فيكون موضوعها المقيّد. وأمّا الحالات الطارئة للمكلّف أو للتكليف بعد جعله، فهي ليست دخيلة في الموضوع حتّى يتقيّد بها أو يكون الحاكم ناظرآ إليها، فالحاكم في مقام الحكم لا ينظر إلّا إلى موضوع حكمه وكلّ ما هو دخيل فيه لا غير.[2]

    ولكن ينتقده شيخنا الأستاذ حفظه الله بأنّ هذه الإجابة مصادرة بالمطلوب وأنّ


    1 ـ المحصول في علم الاصول :2 86.

    2 ـ تهذيب الاصول :1 446.

۲۵,۲۹۶ بازدید