درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٠/٢١


شماره جلسه : ۵۸

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • التحليل النهائيّ للمحقّق الأصفهاني في الواجب الكفائيّ

  • انحلال الحكم ودور وحدة الغرض في سقوط التكليف عن الآخرين

  • وحدة الغرض في الواجب الكفائيّ وتساوي نسبته إلى المكلّفين

  • الصور الثلاث الرئيسة للواجب الكفائيّ على مبنى الانحلال ووحدة الغرض

  • المقارنة مع الواجب التخييريّ ونقد صياغة «توارد العلل» للآخوند

  • الاستدراك النهائيّ للمحقّق الأصفهاني: فرضيّة الاشتراك في الدفن

  • حصيلة البحث وآفاق نقد مسلك الانحلال

  • المصادر

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین


مُحصّل البحث المتقدّم

استعرضنا في البحث السابـق البنيان الفلسفيّ ـ الأصوليّ للمحقّق الأصفهاني في تحليله للوجوب الكفائيّ وتعيينه لـ «المكلَّف». وقد ذهب (قدّس سرّه) إلى أنّ كلّ تكليف يفتقر بالضرورة إلى «مكلَّفٍ بالخصوص»، مضافاً إلى المكلِّف والمكلَّف به، ولا يُعقل تحقّق البعث والإرادة التشريعيّة من دون لحاظ فاعلٍ متعيّن. فالبعث يضاهي الحركة في تقوّمه بطرفين هما «المبعوث إليه» (الفعل المأمور به) و«المبعوث» (شخص المكلّف). وعليه فقد أبطل النظريّة القائلة بأنّ الواجب الكفائيّ يقتصر على إيجاب «الفعل» مع غضّ النظر عن فاعله. ومن هذا المنطلق، يبرز التساؤل المحوريّ عن هويّة المكلَّف في الواجب الكفائيّ. وقد استقصى المحقّق الأصفهاني الاحتمالات في خمسة وجوه هي الواحد المعيّن، والواحد المردّد، وصرف الوجود من المكلّف، والمجموع من حيث المجموع، والجميع. وقد عدّ الاحتمال الأوّل مفروض العدم لخروجه عن حقيقة الواجب الكفائيّ. كما أردى الاحتمال الثاني (الواحد المردّد) استناداً إلى مبناه في استحالة «الفرد المردّد» لانتفاء ثبوته ماهيّةً وهويّةً وللزوم محذور انقلاب المتعيّن والمردّد. 
وفي مقام تفسير الاحتمال الثالث (صرف الوجود)، ناقش المحقّق الأصفهاني ثلاثة معانٍ أصوليّة، وهي ناقض العدم المطلق أو أوّل الوجود، والوجود المبهم المهمل، واللابشرط القسميّ. فأبطل المعنيين الأوّلين لقصورهما عن الانطباق على المكلَّف بالواجب الكفائيّ ولِما يلزم من بطلان الإهمال في الواقع. كما ردّ المعنى الثالث (اللابشرط القسميّ) نظراً لأنّه يجعل الموضوع نوعيّاً وواسعاً، ممّا يستلزم انحلال الحكم وتعدّده بتعدّد الأفراد، فتعود بذلك المعضلة الأساسيّة للواجب الكفائيّ إلى الواجهة مجدّداً، والمتمثّلة في كيفيّة سقوط التكليف عن الباقين بفعل البعض. ثمّ فرّق في الاحتمال الرابع (المجموع من حيث المجموع) بين تعلّق الحكم بـ «مجموع الأفعال» كأجزاء المركّب العباديّ وهو أمرٌ معقول، وبين تعلّقه بـ «مجموع الأشخاص». ورفض الشقّ الثاني لكون مجموع الأشخاص لا يمثّل شخصاً واحداً ينقدح في نفسه الداعي، مضافاً إلى منافاته لجوهر الواجب الكفائيّ المتقوّم بسقوط التكليف بفعل البعض. والمتحصّل من ذلك كلّه أنّ المكلَّف في الواجب الكفائيّ ليس هو الواحد المعيّن ولا المردّد، ولا صرف الوجود بمعانيه المذكورة، ولا مجموع الأشخاص. وعليه يتعيّن صياغة التحليل الصحيح على أساس انحلال الحكم بعدد المكلّفين، وهو ما سيتكفّل المبحث القادم بتبيینه وتفصيله.

التحليل النهائيّ للمحقّق الأصفهاني في الواجب الكفائيّ

انحلال الحكم ودور وحدة الغرض في سقوط التكليف عن الآخرين

بعد أن صوّر المحقّق الأصفهاني خمسة احتمالاتٍ ثبوتيّةٍ في تعيين مكلَّف الواجب الكفائيّ وأخضعها للنقد على أساس قاعدته القاضية بأنّ «كلّ تكليفٍ لا بدّ له من مكلِّف، ومكلَّفٍ به، ومكلَّفٍ بالخصوص»، انتهى إلى انحصار الأمر في صورةٍ معقولةٍ واحدة، صاغها بقوله:[1]

فينحصر الأمر في الشقّ الأخير، وهو تعلّق الحكم بالجميع، ولو بنحو سراية الحكم من الطبيعيّ إلى أفراده.

ومفاد ذلك لزوم القول بتعلّق الوجوب بـ «جميع المكلّفين»، ولو عبر سريان الحكم من عنوان «طبيعيّ المكلّف» إلى أفراده. وتؤول هذه الصياغة في حقيقتها إلى «انحلال الحكم الواحد ظاهراً إلى أحكامٍ متعدّدةٍ واقعاً بعدد المكلّفين». وعلى هذا المبنى ينتفي أيّ إشكالٍ في تعدّد الامتثال والعصيان وترتّب الثواب والعقاب على الجميع، كما صرّح (قدّس سرّه):

ولا إشكال بعد تعدّده في تعدّد الامتثال والعصيان وثواب الجميع وعقابهم.

فكلّ من امتثل، فقد أطاع الأمر الخاصّ المتوجّه إليه واستحقّ الثواب، وكلّ من ترك، فقد عصى أمره واستوجب العقاب. والواجب الكفائيّ من هذه الزاوية يضاهي الواجب العينيّ في استتباعه لتكاليف متعدّدة وثوابٍ وعقابٍ متعدّدين. بيد أنّ المعضلة تكمن في نقطةٍ أخرى أشار إليها بقوله:

إنّما الإشكال في سقوط الأمر بفعل البعض.

فمع الالتزام بانحلال الحكم إلى تكاليف متكثّرة، يبرز تساؤلٌ جوهريٌّ عن وجه سقوط الأوامر المتوجّهة للآخرين بمجرّد امتثال البعض. وهنا يعمد المحقّق الأصفهاني إلى معالجة هذا الإشكال متشبّثاً بفكرة «وحدة الغرض» في الواجب الكفائيّ.

وحدة الغرض في الواجب الكفائيّ وتساوي نسبته إلى المكلّفين

يرتكز حلّ الإشكال عند المحقّق الأصفهاني على نكتةٍ جوهريّةٍ مفادها أنّ غرض الشارع من أصل الفعل في الواجبات الكفائيّة هو غرضٌ واحدٌ في حقيقته. حيث يقول:

ويندفع: بأنّه لمّا كان الغرض واحداً في ذاته كدفن الميّت، أو وجوداً واحداً منه لزوميّاً كالصلاة عليه القابلة للتعدّد دفعيّاً... .

وتوضيحه أنّ غرض المولى قد يكون «واحداً في ذاته» كدفن الميّت، إذ الغرض منصبٌّ على مواراة هذا الميّت، ولا يُتصوّر تعدّد الدفن. وقد يكون الغرض «وجوداً واحداً لزوميّاً» لسنخٍ معيّنٍ من الأفعال، كالصلاة على الميّت، حيث يتعلّق الغرض اللزوميّ بصلاةٍ واحدة، وإن كانت طبيعة الصلاة قابلةً للتكرار، فيقع ما زاد عليها على نحو الاستحباب. وفي كلتا الحالتين، يكون المحرّك للوجوب هو «غرضٌ واحدٌ نوعيّ»، لا أغراض متعدّدة بتعدّد الأفعال أو المكلّفين. والنكتة الثانية تتمثّل في تساوي نسبة هذا الغرض الواحد إلى كافّة المكلّفين، كما أشار إليه بقوله:

وكان نسبة ذلك الغرض الواحد إلى كلٍّ من المكلّفين على السويّة.

فليس للغرض اختصاصٌ بفردٍ بعينه، بل المكلّفون جميعاً في عرضٍ واحدٍ من حيث الملاك وصلاحيّة تحصيل الغرض. ومن هنا، يكون تخصيص فردٍ معيّن (كزيدٍ مثلاً) بالوجوب ترجيحاً «بلا مخصّص». كما أنّ «تخصيص المردّد» (أحدهم لا بعينه) محالٌ عقلاً لانتفاء ثبوت الفرد المردّد في نفس الأمر. وأمّا «المجموع بما هو مجموع»، فقد تقدّم امتناع جعله موضوعاً للحكم، لاستحالة تعلّق الحكم الواحد الشخصيّ بمجموع الأشخاص وانحلاله إلى تعدّد البعث. وعليه، لا محيص من القبول بالنتيجة التالية:

فتخصيص أحدهم المعيّن بتحصيله بلا مخصّص، وتخصيص المردّد محالٌ في نفسه، والمجموع ـ بما هو ـ كذلك، فلا محالة يوجب على الجميع... .

وبناءً على هذا التحليل، يُجعل الوجوب على جميع المكلّفين، فيكون كلّ واحدٍ منهم مأموراً استقلالاً بتحصيل ذلك الغرض الواحد. وفي المقابل، لمّا كان الغرض واحداً ويُستوفى بفعل أيّ مكلّف، يثبت لكلّ فردٍ «جواز الترك في فرض تحقّق الغرض بفعل الآخر»، وهو ما عبّر عنه بقوله:

ويجوز ترك كلٍّ منهم مع فعل الآخر.

فالهيكليّة الثبوتيّة للواجب الكفائيّ على هذا المبنى تتلخّص في «جعل الحكم على جميع المكلّفين» وانحلاله بعددهم، بيد أنّ فعليّة هذا الوجوب في حقّ كلّ فردٍ تستمرّ إلى ما قبل تحقّق الغرض. فإذا استُوفي الغرض بمبادرة بعض المكلّفين، انتفت فعليّة الوجوب عن الباقين، وصار تركهم جائزاً من هذه الحيثيّة. وهذا يعني أنّ «جواز الترك» متفرّعٌ على سقوط الغرض وانقضاء البعث، وليس ترخيصاً مستقلاً مجعولاً في عرض الوجوب.

الصور الثلاث الرئيسة للواجب الكفائيّ على مبنى الانحلال ووحدة الغرض

وعلى ضوء هذا التحليل، تتجلّى بوضوحٍ المواقف الثلاثة الأساسيّة في باب الواجب الكفائيّ.

١. فعل الجميع: الامتثال والمثوبة العامّة

فلو بادر كافّة المكلّفين واجدي الشرائط إلى إتيان الواجب الكفائيّ، عُدّوا جميعاً ممتثلين. ومثاله لو صلّى مليون شخصٍ دفعةً واحدةً على ميّت، فإنّ نسبة الغرض اللزوميّ للشارع من أصل الصلاة متساويةٌ إلى كافّة هذه الصلوات. ولا وجه لافتراض كون إحداها «واجبةً» والباقي «مستحبّاً»، لانتفاء التقدّم الزمانيّ والتعيّن الخارجيّ لأيٍّ منها على الأخرى. وقد عبّر المحقّق الأصفهاني عن ذلك بقوله:

فإذا صلّوا عليه دفعةً، كان نسبة ذلك الغرض اللزوميّ بالإضافة إلى أفعالهم على السويّة، فيكون كلٌّ منهم مؤدّياً للواجب وممتثلاً.

وعليه، يتحقّق «امتثال الجميع» في هذا الفرض على نحو «تعدّد الامتثال». فكلّ صلاةٍ تُعدّ أداءً مستقلاً لذلك الواجب، ولا يؤول الأمر إلى كون المجموع امتثالاً واحداً يُوزّع ثوابه على الأفراد.

٢. ترك الجميع: العصيان والعقاب العامّ

ولو أطبق كافّة المكلّفين على ترك الواجب الكفائيّ، فبمقتضى انحلال الوجوب بعدد الأفراد، يكون كلّ واحدٍ منهم قد ترك الأمر الخاصّ المتوجّه إليه. وإلى هذا أشار بقوله:

وإذا تركه الكلّ، كان كلٌّ منهم تاركاً للواجب ـ بنحو تركٍ غير مقارنٍ لفعل الآخر ـ فيعاقب عليه.

أي أنّ ترك كلّ فردٍ يُعدّ تركاً للواجب المنجّز عليه، لعدم اقترانه بفعل غيره الذي كان من شأنه إسقاط الغرض. ونتيجته استحقاق الجميع للعقاب، فيتساوى الواجب الكفائيّ هنا مع الواجب العينيّ من حيث ترتّب العقاب المتعدّد.

٣. فعل البعض وترك البعض: سقوط التكليف عن التاركين

وفي صورة قيام بعض المكلّفين بالواجب وإحجام الآخرين عنه، فإنّ الغرض المولويّ الواحد قد استُوفي بفعل هؤلاء المبادرين. وبحصول الغرض، ينتفي مبرّر استمرار البعث والداعويّة تجاه الباقين، فيسقط الوجوب عنهم بالتبع. وعليه، يكون الفاعلون هم «مؤدّو الواجب» والمستحقّون للمثوبة. أمّا التاركون، فلمّا كان تركهم مقارناً لفعل الغير واستيفاء الغرض، لم يتوجّه إليهم العقاب. وهذا يفسّر الخصيصة الجوهريّة للواجب الكفائيّ المتمثّلة في «سقوط التكليف عن الباقين بفعل البعض»، والتي تجد تخريجها المنسجم وفقاً لمبنى «انحلال الحكم» المشفوع بـ «وحدة الغرض».

المقارنة مع الواجب التخييريّ ونقد صياغة «توارد العلل» للآخوند

لقد سلّم المحقّق الخراساني (الآخوند) بالآثار الثلاثة المذكورة للواجب الكفائيّ، ولكنّه لجأ في مقام التخريج إلى التعبير الشهير قائلاً:

كما هو قضيّة توارد العلل المتعدّدة على معلولٍ واحد.[2]

وكأنّه صوّر أفعال المكلّفين المتعدّدة بمثابة «عللٍ متعدّدة» تتوارد لتوليد «معلولٍ واحد» (وهو الغرض). بيد أنّ المحقّق الأصفهاني يوجّه نقده لهذا البيان مفصّلاً. إنّ هذا التشبيه لا يصحّ إلا في الفرض الذي يشترك فيه الجميع لإنجاز «فعلٍ واحدٍ شخصيّ». كأن يشترك جماعةٌ حقيقةً في تغسيل ميّتٍ وتكفينه ودفنه، فيتحقّق فعلٌ جماعيٌّ واحدٌ يكون كلّ مشاركٍ فيه جزءاً من العلّة. ففي مثل هذا الفرض، يمكن الحديث بنحوٍ ما عن «توارد عللٍ ناقصةٍ على معلولٍ واحد».

أمّا في الموارد التي تتعدّد فيها الأفعال استقلالاً، كأن يصلّي مائة شخصٍ دفعةً واحدةً على الميّت، فالأمر يختلف جذريّاً. فهنا نحن أمام مائة صلاةٍ مستقلّة، لكلٍّ منها وجودها الخاصّ وصلاحيّتها لتوليد الغرض، ويكون كلّ مصلٍّ ممتثلاً مستقلاً للأمر ومؤدّياً للواجب (أو للمستحبّ بعد سقوط الوجوب). وفي ظلّ هذا التعدّد، ينتفي موضوع «المعلول الواحد الفلسفيّ» ليصحّ وصف الأفعال المتعدّدة بـ «توارد العلل المتعدّدة على معلولٍ واحد». بل الصحيح أنّ الغرض «واحدٌ نوعاً»، وهذه الأفعال المتعدّدة ما هي إلا مصاديق متكثّرة لذلك الغرض الواحد.

وتأسيساً على ذلك، يتجلّى التحليل الدقيق للواجب الكفائيّ في مثل الصلاة على الميّت. إنّ «الغرض النوعيّ الواحد» المترتّب على الصلاة يتّحد سنخاً في كلّ صلاةٍ تُقام عليه. فلو صلّى شخصٌ واحد، تحقّق مصداقٌ لزوميٌّ لهذا الغرض. ولو صلّى عشرةٌ دفعةً واحدة، تحقّقت عشرة مصاديق لذلك الغرض النوعيّ. ومع ذلك، فإنّ الواجب الكفائيّ يكتفي بـ «وجودٍ واحدٍ لزوميّ» لاستيفاء الغرض، لتنقلب الصلوات اللاحقة إلى مستحبّاتٍ وتخرج عن دائرة الإلزام، إلا في فرض «الدفعة الواحدة» حيث يقع الجميع في عرضٍ واحدٍ مأمورين بامتثال ذلك الوجوب الكفائيّ. وعليه، يمكن تفسير الخصائص الثلاث للواجب الكفائيّ بوضوحٍ وجلاءٍ استناداً إلى ثنائيّة «انحلال الحكم» و«وحدة الغرض»، من دون حاجةٍ للتكلّف باللجوء إلى مقولة «توارد العلل». وهذا التقرير أقوم صناعةً وأدقّ من التمثيل الفلسفيّ الذي اعتمده الآخوند.

الاستدراك النهائيّ للمحقّق الأصفهاني: فرضيّة الاشتراك في الدفن

ورغم هذا الإحكام التحليليّ، يستدرك المحقّق الأصفهاني في ذيل كلامه، مسلّطاً الضوء على فرضٍ خاصٍّ من الواجب الكفائيّ، وهو الفرض الذي يشترك فيه الجميع لإنجاز «فعلٍ واحدٍ شخصيّ»، كمشاركة جماعةٍ في دفن ميّتٍ واحد. يقول (قدّس سرّه):

نعم، فيما إذا اشترك الكلّ في دفن الميّت ـ مثلاً ـ يرد الإشكال على تحقّق الامتثال من الكلّ؛ إذ لم يحصل من كلٍّ منهم دفن الميّت، ولا أمر إلاّ بدفن الميّت، فما معنى امتثال كلٍّ منهم للأمر بدفن الميّت؟

ومَنشأ الإشكال أنّ الخطاب الشرعيّ قد تعلّق بعنوان «دفن الميّت»، لا بعنوان «المشاركة في الدفن». والحال أنّ عنوان «الدفن» لم يتحقّق بتمامه من أيّ فردٍ منهم على حدة، بل هو محصّلةٌ لمجموع أفعالهم المتظافرة (كأن يحفر أحدهم، ويضع الآخر الجسد، ويهيل الثالث التراب، ويسوّي الرابع القبر). فإذا رمنا القول بأنّ «كلّ فردٍ قد امتثل الأمر بالدفن»، واجهتنا معضلةٌ تحليليّة؛ إذ المتعلّق هو طبيعة «الدفن»، وهو لم يصدر مستقلاً من أيٍّ منهم، فيصعب تطبيق عنوان «الامتثال» على فعل كلّ فردٍ بانفراده. وقد صرّح الأصفهاني بعمق المعضلة قائلاً:

وليس المجموع هنا متعلّق الأمر، ولا واحدٌ بالاجتماع حقيقةً؛ ليكون هو الممتثل للأمر بالدفن.

إذ لا يصحّ القول بأنّ متعلّق الأمر هو «مجموع أفعالهم بما هو مجموع»، لأنّ المفروض أنّ الأمر منصبٌّ على «ذات الدفن». كما يمتنع ادّعاء أنّ «مجموع الأشخاص» يمثّل وحدةً حقيقيّةً اجتماعيّةً ليصحّ اعتباره الفاعل الأوحد والممتثل للأمر، لِما قرّرناه سابقاً من أنّ «مجموع الأشخاص بما هو مجموع» لا يشكّل فاعلاً حقيقيّاً واحداً ينقدح فيه الداعي. ويواصل المحقّق الأصفهاني سدّ الثغرات، رافضاً قياس هذه الفرضيّة على مثال «رفع الحجر الثقيل»، حيث يقول:

ولا يُقاس ما نحن فيه بصورة الأمر برفع الحجر القائم بالمجموع؛ ليؤول إلى الأمر بما لكلّ أحدٍ منهم من المدخليّة في رفعه؛ إذ المفروض تعلّق الأمر بالدفن بكلٍّ منهم.

وبيان ذلك أنّه في مثال «رفع صخرةٍ لا يرفعها إلا العشرة»، يتعلّق الأمر منذ البداية بـ «الرفع القائم بالمجموع»، ممّا يسمح بتحليل التكليف إلى أمرٍ لكلّ فردٍ بـ «إعمال قدرته بمقدار مدخليّتها بشرط الانضمام». أمّا في المقام، فالمفروض أنّ الأمر بـ «دفن الميّت» متوجّهٌ إلى كلّ فردٍ على نحو الاستقلال، لا إلى «حفر القبر» أو «هيل التراب» بشرط الانضمام. ولذا، يمتنع تخريج المسألة على غرار رفع الحجر. وتفريعا على ذلك، يظلّ إطلاق عنوان «امتثال الأمر بالدفن» على فعل كلّ شريكٍ بانفراده ـ من حيث الدقّة الصناعيّة ـ محفوفاً بالإشكال. بيد أنّ المحقّق الأصفهاني يستدرك ليؤكّد أنّ هذا الإشكال الاصطلاحيّ لا يمسّ الجوهر العمليّ لهيكليّة الواجب الكفائيّ، موضّحاً ذلك بقوله:

وهذا الإشكال لا ينافي سقوط الأمر بحصول الغرض منه. كما لا ينافي استحقاق المدح عقلاً لمكان الانقياد للمولى بتحصيل غرضه الوحدانيّ بنحو الاجتماع، كما لا ينافي استحقاق كلٍّ منهم للعقاب لفرض ترك الواجب من كلٍّ منهم.

وهذا البيان يكرّس الآثار الثلاثة:

1. سقوط الأمر: بتحقّق دفن الميّت عبر تظافر الجهود، يكون الغرض المولويّ الواحد قد استُوفي بتمامه، فيسقط الأمر بالتبع، وإن تعذّر الانطباق اللفظيّ الدقيق لـ «الامتثال» على فعل الفرد.

2. استحقاق المثوبة: لقد جسّد كلّ مشاركٍ ـ بمقدار سهمه ـ حالة الانقياد والتسليم للمولى سعياً لتحصيل غرضه، فيحكم العقل باستحقاق الجميع للمدح والمثوبة، وإن لم يصدق عنوان «الامتثال الفرديّ التامّ».

3. استحقاق العقاب: لو تواطأ الجميع على الترك المطبق، لكان كلّ فردٍ تاركاً للواجب المنجّز عليه، فاستحقّ العقاب، وهذا لا ينافي الإشكال المذكور بوجه.

ويكشف هذا الاستدراك عن نكتةٍ دقيقة وهي أنّه في بعض الفروض الخاصّة (كالفعل الواحد القائم بالجماعة)، تبرز معضلةٌ تحليليّةٌ في «صدق عنوان الامتثال الاستقلاليّ» على الأفراد. بيد أنّ هذه المعضلة لا تزعزع الأركان العمليّة للواجب الكفائيّ، من سقوط الأمر بحصول الغرض، واستحقاق المدح بالانقياد، وثبوت العقاب بالترك.

حصيلة البحث وآفاق نقد مسلك الانحلال

والمتحصّل من مجموع ما أفاده المحقّق الأصفهاني هو أنّه بناءً على كبرى «كلّ تكليفٍ لا بدّ له من مكلَّفٍ بالخصوص»، تنسدّ كافّة سبل الاحتمالات الأخرى في تحديد مكلَّف الواجب الكفائيّ. فيسقط القول بـ «الواحد المعيّن»، و«الواحد المردّد»، و«صرف الوجود»، و«المجموع من حيث المجموع». ولا يبقى في البين سوى صورةٍ معقولةٍ واحدة، وهي أن يُجعل الأمر على «جميع المكلّفين» وينحلّ بتعدّدهم. وقد عُولجت إشكاليّة «سقوط التكليف عن الباقين بفعل البعض» من خلال التشبّث بـ «وحدة الغرض» و«تساوي نسبته إلى الجميع». وهذا التحليل ينهض بتفسير الخصائص الثلاث المعروفة للواجب الكفائيّ (امتثال الجميع عند الفعل الجماعيّ، وعقاب الجميع عند الترك المطبق، وسقوط التكليف عن الآخرين بفعل أحدهم) بوضوحٍ تامٍّ في الموارد التي تتعدّد فيها الأفعال استقلالاً، كالصلاة على الميّت. أمّا في موارد الاشتراك الحقيقيّ في إنجاز فعلٍ واحد (كدفنٍ واحدٍ قائمٍ بجماعة)، فإنّه وإن برزت تعقيداتٌ صناعيّةٌ حول صدق عنوان «الامتثال» على الأفراد، إلا أنّ الجوهر العمليّ ـ من سقوط الأمر بحصول الغرض واستحقاق الثواب والعقاب ـ يظلّ ثابتاً ومحفوظاً.

ومع ذلك، وكما ألمحنا في مواضع أُخر، يمكن الارتقاء بالبحث لِطرح تساؤلٍ جذريّ عمّا إذا کانت كبرى «لزوم لحاظ مكلَّفٍ بالخصوص في كلّ تكليف» تامّةٌ على إطلاقها كما ذهب إليه المحقّق الأصفهاني والإمام والمحقّق البروجردي والسيّد الخوئي وغيرهم، أم يمكن في بعض التكاليف تصويرُ وجهٍ آخر لا يتقوّم فيه التشريع والجعل بتعيّنٍ مسبقٍ للمكلَّف. وهذا هو ما يمكن طرحه كـ «احتمالٍ سادس» في قبال الوجوه الخمسة للأصفهاني، وهو احتمالٌ انعكس بنحوٍ ما في كلمات الشهيد الصدر، وإن كان الأصفهاني نفسه قد عدّه «واضح البطلان».

إنّ استيفاء البحث في هذا الاحتمال وإخضاع مسلك الانحلال للنقد النهائيّ، يستدعي مجالاً مستقلاً سنعقد له بحثاً نقديّاً لاحقاً. أمّا في حدود المبنى المقرّر للمحقّق الأصفهاني، فإنّ ما سطرناه يمثّل أنصع تقريرٍ لتصويره حقيقة الواجب الكفائيّ وآثاره.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

-------------------------
[1]- ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 279-280.
[2]- ‏آخوند خراسانی، محمد کاظم، «کفایة الأصول»، ج 1، ص 265.


-----------------------
المصادر
- آخوند خراسانی، محمد کاظم، کفایة الأصول، ۳ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1430.
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.


الملصقات :

صرف الوجود الامتثال الثواب والعقاب وحدة الغرض الواجب العيني الواجب الكفائي الواحد المردّد توارد العلل انحلال الحكم العصيان المحقّق الأصفهاني المجموع من حيث المجموع جميع المكلّفين

نظری ثبت نشده است .