درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٠/٢٣


شماره جلسه : ۶۰

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • دراسة احتمال «المكلَّف الواحد المعيّن عند الله» في الواجب الكفائيّ

  • دفع هذا الاحتمال في كلام المحقّق الأصفهاني

  • الإشكال الأوّل للسيّد الخوئي على احتمال «المكلَّف الواحد المعيّن عند الله»

  • مناقشة استظهار «طبيعيّ المكلّف» من ظواهر الأدلّة

  • الإشكال الثاني للسيّد الخوئي

  • توضيح وتقييم الإشكال

  • الإشكال الثالث للسيّد الخوئي

  • مناقشة استلزام «جريان البراءة» لـ «لغويّة التكليف»

  • الإشكال الجوهريّ: «التخصيص بلا مخصّص» ومنافاة روح الواجب الكفائيّ

  • المصادر

الجلسات الاخرى
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
 
مُحصّل البحث المتقدّم

تطرّقنا في الجلسة السابقة إلى مناقشةٍ مبنائيّةٍ للدعوى القائلة بأنّ كلّ حكمٍ تكليفيّ يفتقر بالذات إلى مكلَّفٍ متعيّن، وقمنا بنقدها في ضوء نظريّة «الخطابات القانونيّة». فقد ذهب المشهور ـ وعلى رأسهم المحقّق الأصفهاني والسيّد الخوئي ـ إلى أنّ الحكم من سنخ الأمور الإضافيّة التي تفتقر إلى موضوعٍ (المكلّف) كافتقارها إلى متعلّقٍ (الفعل)، فلا يُعقل التكليف من دون لحاظ مكلّفٍ شخصيٍّ في صلب حقيقة الإنشاء. وقد صاغ السيّد الخوئي هذه الدعوى على أساس المبانى الأربعة المعروفة في حقيقة الحكم (وهي الإرادة التشريعيّة، والطلب الإنشائيّ، والبعث والتحريك، واعتبار الفعل في ذمّة المكلّف). وفي مقام نقد هذه الاستدلالات، اعتمدنا التفكيك بين «مقام إنشاء الحكم» و«مقام الامتثال والإجراء» كأصلٍ محوريّ في البحث.

فإنشاء الحكم يمكن أن يتحقّق بمجرّد إعلان مطلوبيّة فعلٍ ما أو إيجابه، من دون أن يُلحظ في ذات هذا الإعلان مكلّفٌ مشخّصٌ كركنٍ اعتباريّ، بل يُستفاد إلزام المكلّف في رتبةٍ لاحقةٍ من القرائن وحكم العقل في مقام الامتثال. وقد تبيّن أنّ التقريبات الأربعة للسيّد الخوئي لا تخلو إمّا من خلطٍ بين هذين المقامين (كالخلط بين التحريك التكوينيّ والتحريك التشريعيّ)، أو من مصادرةٍ على المطلوب بأخذ قيد «على ذمّة المكلّف» في تعريف حقيقة الحكم. وفي سياق استكمال البحث، طُرحت نظريّة «الخطابات القانونيّة» للإمام الخميني بوصفها تفسيراً بديلاً. فالشارع في مقام الجعل إنّما يسنّ قانوناً كلّيّاً ولا يوجّه خطاباً شخصيّاً لآحاد المكلّفين. فالقانون كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ يتعلّق بعنوانٍ نوعيّ، ولا يفتقر في لحظة الجعل إلى لحاظ أفرادٍ متعيّنين حضوراً أو غياباً. وتأسيساً على ذلك، ينتفي القول بانحلال الخطاب بعدد المكلّفين، كما تسقط ضرورة لحاظ المكلّف الشخصيّ في ذات الحكم. وفي الختام، فُسّر التمايز بين الواجبين العينيّ والكفائيّ على محور «غرض الشارع». ففي الواجب العينيّ، يكمن الغرض في تحقّق الفعل من قِبل كلّ فردٍ بعينه، بينما ينحصر الغرض في الواجب الكفائيّ في حصول صرف الوجود للفعل خارجاً. وعليه، يُستكشف كون الوجوب عينيّاً أو كفائيّاً من خلال طبيعة الغرض والفعل وحكم العقل في مقام الامتثال، لا من خلال صورة الصيغة أو دعوى لزوم أخذ المكلّف في حقيقة الإنشاء.

دراسة احتمال «المكلَّف الواحد المعيّن عند الله» في الواجب الكفائيّ

بعد الفراغ من تقرير ونقد آراء الأصوليّين في حقيقة الواجب الكفائيّ، تصل النوبة إلى إعادة قراءة المحتملات التي أثارها المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) في هذا الصدد، بُغية الكشف عن التقريب الأقرب إلى روح هذا الواجب. ومن جملة المحتملات في كلامه أن يُدّعى أنّ المكلَّف في الواجبات الكفائيّة هو شخصٌ واحدٌ متعيّنٌ عند الله في واقع الأمر، وإن كان مجهولاً لدينا إثباتاً.

وبعبارةٍ أخرى، إنّ تكليف الواجب الكفائيّ في عالم الثبوت ينصبّ حصراً على عهدة فردٍ خاصّ، فلو تصدّى هو لإنجاز الفعل، تحقّق الامتثال وبرئت ذمّته. ولو سبقه غيره وأتى بالفعل عينه، سقط التكليف عن عهدة ذلك الفرد المتعيّن أيضاً، بمعنى أنّ صدور الفعل من الغير يسقط التكليف الثابت في ذمّة ذلك الفرد المخصوص. وكأنّ الشارع في مقام الجعل قد وجّه الإلزام إلى شخصٍ واحدٍ فقط، بيد أنّ امتثال تكليفه يتحقّق حتّى بفعل سواه. وعليه، فإنّ سائر الأفراد لم يقعوا أصلاً تحت طائلة الخطاب الابتدائيّ في عالم الجعل، وإن كان فعلهم في مقام سقوط التكليف يمارس دور المُسقط في حقّ ذلك الفرد المعيّن.

دفع هذا الاحتمال في كلام المحقّق الأصفهاني

يُقصي المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) هذا الاحتمال بتعبيرٍ بالغ الإيجاز والحسم في آنٍ واحد، ففي سياق نفيه لفرضيّة «الواحد المعيّن» يقول:

أمّا الواحد المعيّن: فمفروض العدم هنا.[1]

ومفاد هذه العبارة أنّ مسألة الواجب الكفائيّ تبتني من أساسها على فرض عدم أخذ «واحدٍ معيّن» كمكلَّفٍ وموضوعٍ للتكليف. فتعيّن شخص المكلَّف ـ سواءٌ عندنا أم عند الله ـ ليس جزءاً من مفروض المسألة، بل هو مفروض العدم. وبناءً عليه، فإنّ صياغة فرضيّةٍ للواجب الكفائيّ يحمل فيها التكليفَ فردٌ واحد متعيّن واقعاً (وإن جهلناه) تُعدّ خروجاً عن محلّ النزاع.

وتأسيساً على ذلك، صُوّر الواجب الكفائيّ منذ البدء كتكليفٍ غير متوجّهٍ إلى شخصٍ بعينه. فلو قيل إنّ موضوع التكليف هو شخصٌ واحدٌ متعيّنٌ عند الله واقعاً وأنّ الآخرين ليسوا مخاطبين ابتداءً، لآل الأمر حقيقةً إلى كونه واجباً عينيّاً شخصيّاً، لا واجباً كفائيّاً بالمعنى المبحوث عنه. ومن هنا، وكما صرّح المحقّق الأصفهاني، فإنّ فرض «الواحد المعيّن» مفروض العدم ههنا، ولا يصحّ الركون إليه كتحليلٍ معتبرٍ لحقيقة الواجب الكفائيّ.

الإشكال الأوّل للسيّد الخوئي على احتمال «المكلَّف الواحد المعيّن عندالله»

يطرح السيّد الخوئي (قدّس سرّه) هذا التصوير ضمن الوجوه المحتملة في الواجب الكفائيّ، ثمّ يكرّ عليه بالنقض عبر ثلاثة إشكالات. ففي «المحاضرات»،[2] وبعد استعراض هذا الوجه، يقول (قدّس سرّه):

وما قيل أو يمكن أن يقال في تصويره وجوه:

الأوّل: أن يقال إنّ التكليف متوجّهٌ إلى واحدٍ معيّنٍ عند اللّٰه، ولكنّه يسقط عنه بفعل غيره لفرض أنّ الغرض واحد، فإذا حصل في الخارج فلا محالة يسقط الأمر.

ويردّه: أوّلًا أنّ هذا خلافُ ظواهرِ الأدلّة، فإنّ الظاهر منها هو أنّ التكليف متوجّهٌ إلى طبيعيِّ المكلَّف، لا إلى فردٍ واحدٍ منه المعيَّن في علم اللّٰه، كما هو واضح.

ومفاد إشكاله الأوّل يكمن في أنّ ظواهر أدلّة الواجبات الكفائيّة تقضي بتوجّه الخطاب إلى «طبيعيّ المكلّف»، لا إلى شخصٍ واحدٍ متعيّن. وعليه فإنّ فرضيّة تعلّق التكليف بفردٍ خاصٍّ متعيّنٍ عند الله تصادم هذا الظهور وتكون مردودةً.

مناقشة استظهار «طبيعيّ المكلّف» من ظواهر الأدلّة

تكمن النكتة الأساسيّة في هذا التقريب في دعوى الظهور اللفظيّ للأدلّة في تعلّق التكليف بطبيعيّ المكلّف. والتحقيق أنّ هذه الدعوى على إطلاقها قابلةٌ للمناقشة. ففي كثيرٍ من أدلّة الواجبات الكفائيّة يأتي لسان الدليل على شاكلة: «دفنُ الميّت واجبٌ»، أو «الصلاةُ على الميّت واجبةٌ»، أو «يجب تجهيز الميّت» وما ضاهاها. وفي مثل هذه التعابير لم يُذكر المكلَّف صراحةً كموضوعٍ للخطاب، بل بنية الجملة تقوم على حمل عنوان «الواجب» على طبيعة الفعل، لا توجيه الخطاب لعنوانٍ من قبيل «يا أيّها المكلّفون» أو «يجب على كلّ مكلّفٍ دفنُ الميّت».

فالقدر المتيقّن المستفاد بوضوحٍ من ظواهر هذه الأدلّة هو ثبوت الطلب ووجوب نفس الفعل. أمّا تحديد هويّة الموضوع في مقام الجعل ـ وهل حمل الشارع التكليف على «طبيعيّ المكلّف» أم على «آحاد المكلّفين» أم على «واحدٍ معيّنٍ عند الله» ـ فهو أمرٌ لا يُستفاد من اللفظ مباشرةً، بل هو وليد تحليلٍ عقليٍّ وأصوليٍّ لاحق. وعليه فإنّ القول بأنّ نفس ألفاظ «دفن الميّت واجب» تمتلك ظهوراً لفظيّاً متعيّناً في «طبيعيّ المكلّف» كموضوعٍ للخطاب، فيه مجالٌ للخدشة. نعم، أقصى ما يمكن ادّعاؤه هو أنّه لمّا كان الحكم متعلّقاً بطبيعة الفعل، وكان الفعل قابلاً للصدور من جميع الأفراد، أُدرك عقلاً وعرفاً أنّ دائرة الإلزام تشمل كلّ فردٍ بنحوٍ من الأنحاء. بيد أنّ هذا ليس ظهوراً فنيّاً ولفظيّاً في «طبيعيّ المكلّف»، بل هو استظهارٌ يبتني على تحليل ماهيّة الجعل وبناء العقلاء على تعميم الخطاب.

وصفوة القول أنّ أصل الفكرة القاضية بعدم اختصاص الواجب الكفائيّ بشخصٍ واحدٍ متعيّن وسعة شموله للمكلّفين بنحوٍ نوعيّ، هي فكرةٌ معقولةٌ ومقبولةٌ في حدّ ذاتها. بيد أنّ توظيف هذه النكتة لإبطال احتمال «المكلَّف الواحد المعيّن عند الله» بدعوى مخالفته لـ «ظواهر الأدلّة»، لا يخلو من مبالغة. فأدلّةٌ من قبيل «دفن الميّت واجبٌ» لا تملك بطبيعتها ظهوراً تصريحيّاً في «طبيعيّ المكلّف» لكي تنقض فرضيّة «الواحد المعيّن» بشكلٍ مباشر، بل هذه النتيجة أقرب ما تكون إلى التحليل الأصوليّ الثانويّ. ومن هنا يتّضح عدم تماميّة الإشكال الأوّل للسيّد الخوئي. فعلى أقلّ تقدير، لا يصحّ اتّخاذه ظهوراً كلاميّاً غنيّاً عن البيان لتفنيد احتمال «المكلَّف الواحد المعيّن عند الله».

الإشكال الثاني للسيّد الخوئي

إذا افترضنا أنّ الواجب الكفائيّ متوجّهٌ ثبوتاً إلى «واحدٍ معيّنٍ عند الله» ـ بحيث يستقرّ التكليف في عالم الجعل على ذمّة ذلك الشخص المعيّن حصراً ويسقط عنه بفعل غيره ـ فإنّ السيّد الخوئي (قدّس سرّه) يسجّل إشكالاً ثانياً ناظراً إلى قاعدة سقوط التكليف، حيث يقول في «المحاضرات»:

وثانياً: لو كان الأمر كذلك فلا معنى لسقوط الواجب عنه بفعل غيره، فإنّه على خلاف القاعدة فيحتاج إلى دليل، وإذا لم يكن دليلٌ فمقتضى القاعدة عدم السقوط.

ودعوى أنّ الدليل في المقام موجودٌ لفرض أنّ التكليف يسقط بإتيان بعض أفراد المكلّف، وإن كانت صحيحةً من هذه الناحية، إلا أنّه من المعلوم أنّ ذلك من ناحية أنّ التكليف متوجّهٌ إليه ويعمّه، ولذا يستحقّ الثواب عليه، لا من ناحية أنّه يوجب سقوط التكليف عن غيره كما هو ظاهر.

وينطوي هذا البيان على شقّين:

١. أصل القاعدة: لو سلّمنا بتوجّه الواجب الكفائيّ إلى فردٍ متعيّن، فإنّ سقوط هذا الواجب عن عهدته بفعل غيره يُعدّ أمراً «على خلاف القاعدة» يفتقر إلى دليلٍ خاصّ. فالقاعدة الأوّليّة تقضي بأنّ سقوط التكليف المستقرّ في ذمّة شخصٍ منوطٌ بامتثال ذلك الشخص نفسه، ومع انتفاء الدليل على السقوط بفعل الغير «فمقتضى القاعدة عدم السقوط».

٢. دفع توهّم وجود دليلٍ عامّ: قد يُدّعى وجود دليلٍ في الواجب الكفائيّ يثبت سقوط التكليف بفعل البعض، فيُتّخذ ذلك دليلاً على مسقطيّة فعل الغير في حقّ الفرد المتعيّن. ويجيب المحقّق الخوئي بأنّ هذه الدعوى «وإن كانت صحيحةً من هذه الناحية»، إلا أنّ منشأ السقوط فيها يختلف. فسقوط التكليف عن الباقين بفعل أحدهم إنّما ينشأ من كون فعل الفاعل امتثالاً لتكليفه هو أوّلاً وبالذات لشمول الخطاب له، ومن هنا يستحقّ الثواب عليه. وأمّا سقوط التكليف عن الآخرين فهو أثرٌ تبعيٌّ لهذا الامتثال المشترك، وليس نابعاً من كون فعله مُسقطاً مستقلاً لتكليفٍ لم يُخاطب به أساساً بل خُوطب به غيره.

توضيح وتقييم الإشكال

تكمن النكتة الجوهريّة في الإشكال الثاني للسيّد الخوئي في مبدأ عدم سقوط التكليف الشخصيّ بفعل الغير إلا بدليلٍ خاصّ. ومثاله الواضح في باب النيابة في الحجّ. فلو عجز المكلّف وحجّ عنه نائبه، فإنّما يسقط التكليف عن ذمّة المنوب عنه استناداً إلى النصوص الخاصّة الواردة في باب النيابة. وكذا في باب الديون. فلو اشتغلت ذمّة زيدٍ لدائن وتبرّع عمرو بأداء الدَّين، فإنّ براءة ذمّة زيدٍ تبتني على الدليل الخاصّ بقضاء الدَّين. وفيما عدا ذلك، فالأصل يقضي بأنّ التكليف الثابت في ذمّة شخصٍ لا يسقط إلا بامتثاله هو، ولا ينهض فعل الغير مقام مسقط التكليف بلا دليل.

وفي المقام، لو افترضنا أنّ الواجب الكفائيّ هو «تكليفٌ شخصيٌّ واحدٌ» مجعولٌ في حقّ فردٍ متعيّنٍ عند الله، وأردنا الالتزام بأنّ «فعل غيره مسقطٌ لتكليفه»، لاحتجنا إمّا إلى نصٍّ خاصٍّ وهو مفقود، وإمّا إلى استظهار قاعدةٍ عامّةٍ من ماهيّة الواجب الكفائيّ ذاته تقضي بمسقطيّة فعل الغير لتكليف ذلك الفرد المعيّن. وقد أبطل السيّد الخوئي الشقّ الثاني أيضاً، نظراً لأنّ المستفاد من أدلّة الواجبات الكفائيّة هو شمول الخطاب لنوع المكلّفين. فالفاعل إنّما يمتثل تكليفه المنجّز عليه ويستحقّ الثواب بموجبه، وما سقوط التكليف عن الباقين إلا أثرٌ طبيعيٌّ لامتثاله لتكليفه الخاصّ، لا أنّه مأمورٌ بـ «إسقاط تكليف الغير» والحال أنّ ذلك الغير هو المكلَّف الواقعيّ الأوحد.

وبعبارةٍ أخرى، إنّ التخريج الصحيح لـ «كفاية امتثال أحدهم» في الواجب الكفائيّ يبتني على تعلّق التكليف بالجميع أو بطبيعيّ المكلّف بنحوٍ من الأنحاء. فبامتثال أيّ فردٍ يسقط تكليفه الخاصّ، وينتفي موضوع التكليف عن الباقين في آنٍ واحد. أمّا بناءً على الفرضيّة المبحوثة ـ القائلة باختصاص التكليف منذ البدء بـ «فردٍ متعيّن» وخروج الباقين عن دائرة الخطاب ـ فإنّ سقوط تكليف ذلك الفرد بفعل سواه يفتقر إلى مبرّر، ويعدّ أمراً «على خلاف القاعدة، فيحتاج إلى دليل».

وتأسيساً على ما سلف، يتّضح جلاء الإشكال الثاني للسيّد الخوئي ومكانته العلميّة. فدعوى سقوط التكليف الشخصيّ بفعل الغير بلا نصٍّ أو استظهارٍ معتبر تصادم القواعد الأصوليّة، وتشكّل نقضاً قويّاً على فرضيّة «المكلَّف الواحد المعيّن عند الله».

الإشكال الثالث للسيّد الخوئي

يرتقي المحقّق الخوئي (قدّس سرّه) في الإشكال الثالث ليقرّر امتناع فرضيّة «الواحد المعيّن عند الله» ثبوتاً، حيث يقول في بيانه:

(وثالثاً) إنّ مثل هذا التكليف غير معقول، وذلك لأنّ المفروض أنّ توجّه هذا التكليف إلى كلّ واحدٍ من أفراد المكلّف غير معلوم، فيكون كلٌّ منهم شاكّاً في ذلك، ومعه لا مانع من الرجوع إلى البراءة عنه عقلاً وشرعاً، لفرض أنّ الشكّ في أصل ثبوت التكليف وهذا هو القدر المتيقّن من موارد جريان البراءة.

وعلى هذا فلا يمكن أن يصل هذا التكليف إلى المكلّف أصلاً، لما ذكرناه من أنّ وصول التكليف يتوقّف على وصول الكبرى والصغرى له معاً، والمفروض في المقام أنّ الصغرى غير واصلة، ضرورة أنّ من كان مكلَّفاً بهذا التكليف في الواقع غير معلوم وأنّه من هو؟ ومن الطبيعي أنّ جعل تكليفٍ غير قابلٍ للوصول إلى المكلّف أصلاً لغوٌ محضٌ فلا يترتّب عليه أيُّ أثر، ومن المعلوم أنّ صدور اللغو من الحكيم مستحيل.

خلاصة الاستدلال هي أنّه لو فرضنا تعلّق التكليف بفردٍ متعيّنٍ عند الله، لَشَكّ كلّ مكلّف في كونه هو الشخص المخاطب أم لا. وهذا الشكّ يندرج تحت عنوان «الشكّ في أصل ثبوت التكليف»، وهو القدر المتيقّن لمجرى البراءة العقليّة والشرعيّة. وبناءً عليه، ينسدّ طريق وصول «الصغرى» (انطباق التكليف على شخصٍ بعينه) إلى المكلّفين كافّة. ولمّا كان تنجّز التكليف ووصوله منوطاً بوصول كليّة أركانه (الكبرى والصغرى معاً)، فإنّ هذا التكليف لا يبلغ مرتبة الوصول الفعليّ لأيّ مكلّف. وجعل تكليفٍ يمتنع وصوله وتنجّزه على المخاطَب يعدّ «لغواً محضاً» وعبثاً يتنزّه عنه الشارع الحكيم. وتفريعا على ذلك، يثبت امتناع أن يكون موضوع الواجب الكفائيّ هو الواحد المعيّن عند الله. ثمّ يوسّع السيّد الخوئي دائرة إشكاله ليشمل فرضيّة «الواحد المعيّن عند المكلّفين» أيضاً، مقرّراً أنّها تستلزم «التخصيص بلا مخصّص والترجيح من غير مرجّح».

مناقشة استلزام «جريان البراءة» لـ «لغويّة التكليف»

ينطلق السيّد الخوئي في شقّه الأوّل من الإشكال من الملازمة بين الشكّ في توجّه التكليف الشخصيّ وبين جريان البراءة المؤدّي للغويّة الجعل. بيد أنّ هذا التحليل يستدعي وقفاتٍ تأمّليّة. فالشكّ هنا ليس منصرفاً إلى «أصل التكليف النوعيّ»؛ إذ الكبرى الكلّيّة معلومةٌ للجميع كـ «وجوب دفن الميّت» وتجهيزه. فالعلم التفصيليّ بالجعل ومتعلّقه متحقّق، وينحصر الجهل في «تعيين شخص الحامل لهذا التكليف» فحسب. وهذا يضاهي قول المولى لعبيده: «أحدكم مكلَّفٌ بكذا»، مع احتفاظه بعلم التعيين لنفسه. ففي هذه الحالة، يتشكّل «علمٌ إجماليٌّ» لدى العبيد بثبوت التكليف في حقّ أحدهم. وهل يسوغ لكلّ فردٍ أن يدرأ هذا العلم الإجماليّ بمجرّد التمسّك بـ «أصالة البراءة» عن نفسه بحجّة «لعلّي لست المخاطب»؟ هذه المسألة من أمّهات المباحث الأصوليّة، وتدور مدار مبنى تنجيز العلم الإجماليّ المردّد بين «تكليف النفس» و«تكليف الغير».

ونظير هذا البحث يجري في التكليف الزمانيّ المردّد. فلو عيّن المولى عند نفسه زماناً خاصّاً لتوجّه التكليف، وكان المكلّف يعلم إجمالاً بفعليّة التكليف في أحد الأزمنة المحتملة، لم يَسغ له عرفاً أن يتمسّك بالبراءة في كلّ زمانٍ محتملٍ بحجّة الشكّ البدويّ؛ إذ يؤول ذلك إلى ترك الامتثال في كافّة الأزمنة ونقض غرض المولى. وعليه، فإنّ إطلاق القول بأنّ الشكّ في تعيّن المكلَّف هو «القدر المتيقّن من موارد جريان البراءة»، وترتيب لغويّة الجعل عليه حتماً، يُعدّ إطلاقاً محفوفاً بالتأمّل. فهو على أقلّ تقديرٍ يفتقر إلى تفصيلٍ وابتناءٍ على مسلكٍ خاصٍّ في مدى تنجيز العلم الإجماليّ، ولا ينهض ـ بنحوٍ باتٍّ ومطلق ـ ليكون برهاناً على الاستحالة الثبوتيّة لفرضيّة «الواحد المعيّن عند الله».

الإشكال الجوهريّ: «التخصيص بلا مخصّص» ومنافاة روح الواجب الكفائيّ

ومع ذلك، يُشير السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في ذيل عبارته إلى نكتةٍ تبدو هي حجر الزاوية في إبطال هذا الفرض. فبعد نفيه لـ «الواحد المعيّن عند الله»، يصرّح قائلاً:

فإذن يستحيل أن يكون موضوعه هو الواحد المعيّن عند اللّٰه، كما أنّه لا يمكن أن يكون موضوعه هو الواحد المعيّن مطلقاً حتّى عند المكلّفين، وذلك لأنّه مضافاً إلى كونه مفروض العدم هنا يلزم التخصيص بلا مخصِّص والترجيح من غير مرجِّح، فإنّ نسبة ذلك الغرض الواحد إلى جميع المكلّفين على صعيدٍ واحد، وعليه فتخصيص الواحد المعيّن منهم بتحصيله لا محالة يكون بلا مخصِّص.

ومحصّل بيانه أنّ غرض الشارع في الواجبات الكفائيّة ينصبّ على تحقّق طبيعة الفعل كدفن الميّت، وهذا الغرض تتساوى نسبته إلى كافّة المكلّفين في عرضٍ واحد، لانتفاء أيّ ملاكٍ يخصّ فرداً بعينه دون سواه. فلو ادُّعي في مقام الجعل أنّ التكليف متوجّهٌ إلى «زيدٍ حصراً» متعيّناً عند الله، لكان هذا التعيين تخصيصاً بلا مخصّصٍ وترجيحاً من غير مرجّح. وهو ما عناه المحقّق الأصفهاني بعبارته الموجزة «الواحد المعيّن مفروض العدم هنا»؛ إذ الافتراض التأسيسيّ للواجب الكفائيّ يقتضي تجرّد التكليف في مرحلة الجعل عن أيّ تعيّنٍ شخصيٍّ للمكلّف.

وعليه، فإنّه حتّى لو سلّمنا بورود المناقشة على الاستدلال المبتني على البراءة واللغويّة، فإنّ أصل فرضيّة تعلّق الواجب الكفائيّ بفردٍ متعيّن تسقط وتنهار أمام إشكال «التخصيص بلا مخصّص». إذ لا ينسجم هذا التخصيص مع روح الواجب الكفائيّ ولا مع المرتكز العقلائيّ القاضي بتعميم الخطاب لجميع الموارد المتكافئة، ممّا يوجب ردّ هذه الفرضيّة ورفضها.

خلاصة المطاف

والمتحصّل من دراسة إشكالات السيّد الخوئي الثلاثة: أنّ الإشكال الثاني (كون سقوط التكليف الشخصيّ بفعل الغير خلافاً للقاعدة) متينٌ وتام. وكذا الشقّ المرتبط بـ «التخصيص بلا مخصّص» من الإشكال الثالث، فهو واردٌ بقوّة على فرضيّة «المكلَّف الواحد المعيّن عند الله». أمّا الشقّ المستند إلى جريان البراءة ولغويّة التكليف بإطلاقه المذكور في العبارة، فهو مرهونٌ بتبنّي مسلكٍ خاصٍّ في تنجيز العلم الإجماليّ ومحلّ الابتلاء، فلا ينهض تامّاً على إطلاقه.

وبضمّ هذه الملاحظات إلى بعضها، يتبيّن بوضوحٍ أنّ احتمال تعلّق الواجب الكفائيّ بـ «واحدٍ متعيّنٍ عند الله» ممّا لا يمكن الالتزام به تحقيقاً. والمتعيّن هو المصير إلى ما أفاده المحقّق الأصفهاني من جعله «مفروض العدم»، وإخراجه من دائرة الاحتمالات المعقولة لتفسير حقيقة الواجب الكفائيّ.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

-------------------
[1]. ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 277، پانویس 2.
[2]. ‏خویی، ابوالقاسم، «محاضرات فی أصول الفقه»، با محمد اسحاق فیاض، ج 4، ص 52-53.

---------------------
المصادر
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ ج، قم، دارالهادی، 1417.

الملصقات :

البراءة العلم الإجمالي الواجب العيني الواجب الكفائي المكلَّف الواحد المعيّن طبيعيّ المكلَّف سقوط التكليف بفعل الغير لغويّة التكليف التخصيص بلا مخصّص الترجيح بلا مرجّح

نظری ثبت نشده است .