موضوع: الواجب التعیینی و التخییری
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/١٨
شماره جلسه : ۷۱
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
فرعٌ فقهيّ: حكم المتيمّمينِ عند وجدان ماءٍ يكفي لأحدهما فقط
-
نظريّة المحقّق النائيني
-
مبنى النائيني في وجوب حيازة الماء والتزاحم بين المكلّفين
-
تحليل الأركان الثلاثة في مسألة المتيمّمين
-
التطبيق على التيمّم: وجدان الماء وبطلان كلا التيمّمين
-
التزاحم بين المكلّفَين في مقام الامتثال
-
تفصيل السيّد الخوئي ومناقشته لمبنى المحقّق النائيني
-
تقرير السيّد الخوئي لمبنى أستاذه
-
مناقشة السيّد الخوئي والتفصيل في الفروض
-
الملازمة بين وجوب الوضوء وبطلان التيمّم: نقدٌ لمبنى النائيني
-
تحقيقٌ في مفاد قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ونقد مبنى النائيني
-
المصادر
-
الجلسة ۲۸
-
الجلسة ۲۹
-
الجلسة ۳۰
-
الجلسة ۳۱
-
الجلسة ۳۲
-
الجلسة ۳۳
-
الجلسة ۳۴
-
الجلسة ۳۵
-
الجلسة ۳۶
-
الجلسة ۳۷
-
الجلسة ۳۸
-
الجلسة ۳۹
-
الجلسة ۴۰
-
الجلسة ۴۱
-
الجلسة ۴۲
-
الجلسة ۴۳
-
الجلسة ۴۴
-
الجلسة ۴۶
-
الجلسة ۴۷
-
الجلسة ۴۸
-
الجلسة ۴۹
-
الجلسة ۵۰
-
الجلسة ۵۱
-
الجلسة ۵۲
-
الجلسة ۵۳
-
الجلسة ۵۴
-
الجلسة ۵۵
-
الجلسة ۵۶
-
الجلسة ۵۷
-
الجلسة ۵۸
-
الجلسة ۵۹
-
الجلسة ۶۰
-
الجلسة ۶۱
-
الجلسة ۶۲
-
الجلسة ۶۳
-
الجلسة ۶۴
-
الجلسة ۶۵
-
الجلسة ۶۶
-
الجلسة ۶۷
-
الجلسة ۶۸
-
الجلسة ۶۹
-
الجلسة ۷۰
-
الجلسة ۷۱
-
الجلسة ۷۲
-
الجلسة ۷۳
-
الجلسة ۷۴
-
الجلسة ۷۵
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
وقد صوّر (قدّس سرّه) المسألة ضمن احتمالاتٍ ثلاثة تتردّد بين الصحّة والبطلان:
1. بطلان تيمّم كليهما بمجرّد العثور على هذا المقدار من الماء.
2. بقاء صحّة تيمّم كليهما وعدم انتقاض تيمّم أيٍّ منهما.
3. بطلان تيمّم أحدهما على البدل؛ بمعنى أن ينتقض تيمّم خصوص من يتصدّى للوضوء فعلاً، ويبقى تيمّم الآخر محكوماً بالصحّة.
يشرع الميرزا النائيني (قدّس سرّه) في بيان المسألة بتأسيس أصل وجوب حيازة الماء في فرض الشخصين الفاقدين، مبتنياً في ذلك على مسلكه في الواجب الكفائيّ، حيث يقول:
فإذا فرضنا شخصين فاقدي الماء وجدا في وقت الصلاة ماءً لا يكفي إلاّ لوضوء أحدهما، فبما أنّ ملاكَ وجوبِ الحيازة في كلٍّ منهما تامٌّ بلا نقصان، والمفروض أنّه لا يمكن استيفاءُ الملاكين معاً لفرض عدمِ وفاءِ الماء إلا لوضوء واحد، فلا محالة يكون إلزامُ كلٍّ منهما بالحيازة مشروطاً بعدمِ سبق الآخر؛ فإن سبقَ أحدُهما سقط التكليفُ عن الآخر، كما أنّه إذا تركاها معاً استحقّ كلٌّ منهما العقاب.
ومحصّل كلامه (قدّس سرّه) أنّه في فرض وجدان ماءٍ لا يسع إلا واحداً، فإنّ الملاك المقتضي لوجوب الحيازة متحقّقٌ في حقّ كلٍّ منهما على حدّ سواء. ولكن لمّا كان الماء قاصراً عن استيعاب الوضوءين، استحال استيفاء الملاكين في الخارج معاً. وعليه، يكون وجوب الحيازة المجعول في حقّ كلّ فردٍ مقيّداً ومشروطاً بـ «عدم سبق الآخر». فمن بادر وحاز الماء، سقط التكليف عن صاحبه. وأمّا لو تواطآ على الترك، استحقّ كلاهما العقاب على ترك الحيازة.
وفي سبيل التمهيد للبحث في حكم التيمّم، يميّز المحقّق النائيني بين ثلاثة عناصر يجب تفكيكها بدقّة:
1. الأمر بالوضوء: وهو الدليل الدالّ على شرطيّة الوضوء للصلاة.
2. الأمر بالحيازة: وهو الدليل الملزم للمكلّف فاقد الماء بالسعي لتحصيل الماء وحيازته.
3. القدرة على الحيازة: وهي تحقّق التمكّن الخارجيّ من تحصيل الماء.
وقد فصّل القول في هذه الأمور بقوله:
في المقام أمورٌ ثلاثة: (الأوّل) الأمرُ بالوضوء، (الثاني) الأمرُ بالحيازة، (الثالث) القدرةُ على الحيازة.
لا إشكال في أنّ الأمرَ بالوضوء مترتّبٌ على الحيازةِ الخارجيّة، وكونِ الماء في تصرّف المكلَّف. وأمّا الأمرُ بالحيازة، فقد عرفتَ أنّه مشروطٌ بعدم سبقِ الآخر وحيازته. وأمّا القدرةُ على الحيازة، فهي بالنسبة إلى كلا الشخصين المفروضين فعليّة؛ إذ المفروضُ تمكّنُ كلٍّ منهما على حيازة الماء في نفسه... .
ومحصّل كلامه أنّ فعليّة وجوب الوضوء في حقّ كلّ مكلّفٍ تتوقّف على تحقّق الحيازة الخارجيّة وصيرورة الماء تحت تصرّفه؛ فما لم يملك الماء، لا يصدق عليه أنّه «واجدٌ للماء». وأمّا وجوب الحيازة ـ كما أسلفنا ـ فهو مشروطٌ في حقّ كلٍّ منهما بعدم سبق الآخر إليه. ولكنّ «القدرة على الحيازة» تعدّ ـ بنظره ـ فعليّةً بالنسبة إلى كلا الشخصين في مرتبة الاقتضاء؛ بمعنى أنّ كلّ واحدٍ منهما، لو لوحظ مع قطع النظر عن الآخر، فهو قادرٌ ذاتاً على حيازة الماء. وإنّما ينشأ التزاحم من قصور الماء عن الكفاية إلا لواحد، وهذا التزاحم إنّما هو في «مقام فعليّة الحيازة الخارجيّة»، لا في «أصل القدرة» عليها. وإلى هذا أشار بقوله:
والآن، لنعد إلى الفرض الأساسي، وهو كون الشخصين قد تيمّما قبل العثور على الماء لفقده. وهنا يطرح المحقّق النائيني تساؤله:
إذا كان كلٌّ من واجدي الماء في الفرضِ المزبورِ مُتيمِّماً، فهل يبطل تيمّمُ كلٍّ منهما، أو لا يبطلُ شيءٌ منهما، أو يبطلُ واحدٌ منهما على البدل؟
ويجيب فوراً بالحكم القاطع:
الأقوى هو الأوّل.
أي أنّ الأقوى هو الحكم ببطلان تيمّم كليهما. ويرتكز بيانه في ذلك على نكتةٍ دقيقة، وهي أنّ بطلان التيمّم ـ بحسب لسان الدليل ـ قد عُلِّق على مجرّد عنوان «وجدان الماء»، لا على فعليّة «الأمر بالوضوء». حيث يقول (قدّس سرّه):
وبما أنّ بطلانَ التيمّم لم يُترتّب في لسانِ الدليل على الأمر بالوضوء، بل هو مترتّبٌ على وجدانِ الماء المتحقّق في ظرفِ القدرةِ على الحيازة، فيبطل التيمّمان معاً.
ومفاد ذلك أنّ المعيار في انتقاض التيمّم ليس ثبوت وجوب الوضوء فعلاً في حقّ الشخصين، بل صدق عنوان «وجدان الماء في ظرف القدرة على الحيازة». فمتى ما صدق على المكلّف أنّه واجدٌ للماء وهو قادرٌ على حيازته، انتفى موضوع قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، وحُكم ببطلان التيمّم لا محالة.
وفي محلّ الكلام، لمّا كان كلّ واحدٍ من الشخصين ـ مع غضّ النظر عن الآخر ـ يمتلك القدرة الفعليّة على حيازة الماء، فإنّه يصدق في حقّه أنّه متمكّنٌ من الحيازة «في نفسه». وبناءً عليه، يتحقّق عنوان «واجد الماء في ظرف القدرة على الحيازة» بالنسبة إليهما معاً. وإلى هذا المعنى يشير الميرزا النائيني بقوله:
وبما أنّ بطلانَ التيمّم... مترتّبٌ على وجدانِ الماء المتحقّق في ظرفِ القدرةِ على الحيازة، فيبطل التيمّمان معاً... وبالجملة، الحُكمُ ببطلانِ كلا التيمّمين إذا لم يترتّب عليه محذورٌ عقليٌّ، فلا مناصَ من الالتزامِ به لإطلاقِ ما دلّ على بطلانِ التيمّم بوجدانِ الماء، المفروضِ تحقّقُه في مفروضِ الكلام كما عرفت.
وهنا يسلّط الميرزا النائيني الضوء على نكتةٍ دقيقة، وهي مسألة «التزاحم بين المكلّفين». فالمعهود في مباحث التزاحم أن يقع مكلّفٌ واحدٌ أمام تكليفين متزاحمين (كإنقاذ غريقين مع انحصار القدرة في واحد)، حيث ينشأ التزاحم من تعدّد المتعلّق (الأمرين بالإنقاذ) ووحدة المكلّف.
بيد أنّ التزاحم في المقام يتّخذ صورةً مغايرة؛ إذ ثمّة مكلّفان يواجهان فعلاً ذا موضوعٍ مشترك (استعمال مقدارٍ محدّد من الماء للوضوء). فمن حيث الملاك، المقتضي لوجوب الوضوء تامٌّ في حقّ كلّ واحدٍ منهما، ولكن لقصور الماء عن الكفاية لأكثر من وضوءٍ واحد، يمتنع عليهما في مقام الامتثال استخدامه في عرضٍ واحد. ونتيجةً لذلك، يبرز التزاحم في مرحلة جعل وجوب الحيازة على شكل اشتراط «عدم سبق الآخر»، وأمّا في مرحلة الوضوء، فإنّ الوجوب يتنجّز عمليّاً في حقّ السابق منهما فحسب.
النتيجة النهائيّة
عقب طرح المحقّق النائيني (قدّس سرّه) لفرع المتيمّمين في «أجود التقريرات» واختياره القول ببطلان كلا التيمّمين استناداً إلى مبناه في «وجدان الماء»، انبرى السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في «محاضرات في أصول الفقه»[2] لمناقشة هذا المختار، منتهياً إلى التفصيل في المسألة، ورافضاً لكلٍّ من التفكيك الذي اعتمده النائيني بين «بطلان التيمّم» و«وجوب الوضوء»، ولإطلاق الحكم ببطلان التيمّمين في جميع الصور.
استهلّ المحقّق الخوئي كلامه بتلخيص مبنى أستاذه النائيني قائلاً:
بقي هنا فرعٌ ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه)... إذا فرضنا شخصين فاقدي الماء فتيمّما، ثمّ بعد ذلك وجدا ماءً لا يكفي إلا لوضوء أحدهما... قد اختار (قدّس سرّه) الوجهَ الأوّل، وأفاد في وجهِ ذلك أنّ في المقام أموراً ثلاثة: (الأوّل) الأمرُ بالوضوء. (الثاني) الأمرُ بالحيازة. (الثالث) القدرةُ على الحيازة... .
ثمّ استعاد البيان الذي ساقه الميرزا حول الأركان الثلاثة. فوجوب الوضوء منوطٌ بالحيازة الخارجيّة وصيرورة الماء تحت تصرّف المكلّف ليصدق عليه عنوان «الواجد». ووجوب الحيازة مشروطٌ في حقّ كلٍّ منهما بعدم سبق الآخر. والقدرة على الحيازة «فعليّةٌ» بالنسبة إليهما معاً، بمعنى تمكّن كلّ واحدٍ منهما في نفسه من حيازة الماء. ثمّ لخّص (قدّس سرّه) نتيجة كلام أستاذه بما نصّه:
...بطلانُ التيمّم لا يترتّب على وجوب الوضوء لهما فعلاً، بل هو مترتّبٌ على تمكّن المكلَّف من استعمال الماء وقدرته عليه عقلاً وشرعاً، والمفروض أنّ القدرة على الحيازة بالإضافة إلى كليهما موجودة فعلاً... وعلى الجملة فبما أنّ بطلان التيمّم... منوطٌ بوجدان الماء، وقد ذكرنا أنّ المراد منه القدرة على استعماله عقلاً وشرعاً، فلا محالة يبطل تيمّمُ كلٍّ منهما؛ لفرض أنّه واجدٌ للماء ومتمكّنٌ من استعماله كذلك... .
وشرع السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في مناقشة أستاذه بتقسيم حال الشخصين إلى فرضين:
ولنأخذْ بالمناقشةِ على ما أفاده (قدّس سرّه)، وهي أنّ هذين الشخصين لا يخلوانِ من أن يتسابقا إلى أخذِ هذا الماء المفروض وجودُه أم لا.
وتفرّع على ذلك صورتان رئيستان:
الصورة الأولى: التسابق نحو الماء
وفي هذه الصورة، يبادر كلاهما لمحاولة حيازة الماء، ولهذا التسابق حالتان:
أ) التمانع التامّ وتساوي القوى حتّى ضيق الوقت
فلو كانت قوّة كلٍّ منهما مكافئةً لقوّة الآخر بحيث يمنع كلّ واحدٍ صاحبه:
إن كان كلٌّ منهما مانعاً عن الآخر، كما إذا فُرض كونُ قوّةِ أحدهما مساويةً لقوّةِ الآخر، فتقعُ الممانعةُ بينهما والمزاحمةُ إلى أن يضيق الوقت، فلا يتمكّن واحدٌ منهما من الوصول إلى الماء... .
ففي هذا الفرض، لم يتحقّق التمكّن من استعمال الماء لأيٍّ منهما واقعاً حتّى انقضاء الوقت، ولم يصدق عليهما عنوان «وجدان الماء». وعليه، يقرّر السيّد الخوئي النتيجة بقوله:
فعندئذٍ لا وجهَ لبطلانِ تيمّمِهما أصلاً، ولا لبطلانِ تيمّمِ أحدِهما؛ لفرضِ عدم تمكّنهما من استعمال الماء.
ومعناه أنّ التيمّم يبقى صحيحاً في حقّهما معاً؛ لبقاء عجزهما الواقعيّ عن استعمال الماء واندراجهما تحت قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
ب) غلبة أحدهما في التسابق
وأمّا لو تفاوتت القوى وكان لأحدهما الغلبة على الآخر:
وإذا كان أحدُهما أقوى من الآخر، فالباطلُ هو تيمّمُ الأقوى دونَ الآخر.
والوجه فيه أنّ الشخص الأقوى قد ظفر بالماء فعلاً، فصار مصداقاً للواجد وانتقض تيمّمه. وأمّا الطرف الأضعف، فيبقى تيمّمه محكوماً بالصحّة؛ إذ إنّ عجزه عن نيل الماء في ميدان التسابق يكشف عن عجزه الواقعيّ عن الوضوء. وإلى هذا يشير (قدّس سرّه) بقوله:
فلكشفِ ذلك عن عدمِ قدرتِه على الوضوء أو الغسل، وأنّه باقٍ على ما كان عليه من عدمِ الوجدان.
وبهذا التفصيل، يتّضح وجه المناقشة لإطلاق كلام الميرزا النائيني. ففي حالة التسابق، لا يصحّ الحكم ببطلان كلا التيمّمين مطلقاً، بل الأمر دائرٌ بين بقائهما معاً على الصحّة (عند التكافؤ والتمانع)، وبين بطلان تيمّم الأقوى خاصّةً (عند الغلبة).
الصورة الثانية: انتفاء التسابق والتمانع
وأمّا لو انتفى التسابق من الأصل، ولم يُبادر أيٌّ منهما لمزاحمة الآخر في تحصيل الماء:
وعلى الثاني، فيبطل كلا التيمّمين معاً. والوجهُ في ذلك هو أنّ كلاً منهما قادرٌ على حيازة هذا الماء واستعماله في الوضوء أو الغسل من دونِ مانعٍ من الآخر، لفرضِ عدم تسابقهما إلى أخذه وحيازته... .
ففي هذا الفرض، يتحقّق عنوان القدرة الفعليّة على الحيازة والاستعمال بالنسبة إلى كليهما، لخلوّ الساحة من الموانع الخارجيّة. وبناءً عليه، يصدق في حقّ كلّ واحدٍ منهما أنّه «واجدٌ للماء» و«متمكّنٌ من استعماله عقلاً وشرعاً». ولمّا كان مدار وجوب الوضوء وبطلان التيمّم في الآية الكريمة هو تحقّق الوجدان، كانت النتيجة الحتميّة هي البطلان في حقّهما معاً. وإلى هذا المعنى خلص السيّد الخوئي بقوله:
فيصدقُ على كلٍّ منهما أنّه واجدٌ للماءِ ومتمكّنٌ من استعماله عقلاً وشرعاً، ومعه لا محالة يبطل كلا التيمّمين معاً. وقد ذكرنا في محلّه أنّ وجوبَ الوضوء وبطلانَ التيمّم... مترتّبانِ على وجدانِ الماء؛ فإذا كان المكلَّفُ واجداً له وجبَ الوضوءُ و بطل تيمّمُه، وإلاّ فلا.
وفي خاتمة بحثه، وجّه السيّد الخوئي (قدّس سرّه) سهام نقده إلى ركيزتين أساسيّتين في كلام أستاذه:
أوّلاً: نقد التفكيك بين بطلان التيمّم ووجوب الوضوء
حيث ذهب الميرزا النائيني في بعض الفروض إلى القول ببطلان تيمّم الشخصين معاً، رغم عدم فعليّة وجوب الوضوء في حقّهما. وقد استغرب السيّد الخوئي هذا التفكيك، عادّاً إيّاه منافياً لظاهر الآية الكريمة، حيث قال:
العجبُ من شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) كيف فصل بين بطلانِ التيمّم وعدمِ وجوبِ الوضوء، مع أنّ وجوبَ الوضوء لا ينفكّ عن بطلانِ التيمّم كما هو مقتضى الآية الكريمة.
ومفاد نقده أنّ الآية الشريفة أسّست ملازمةً وثيقة. فمتى ما صدق عنوان «وجدان الماء»، ترتّب عليه الأمران معاً، فعليّة وجوب الوضوء، وانتقاض التيمّم. ومتى انتفى وجوب الوضوء لعدم الوجدان، انتفى بطلان التيمّم بالتبع. ولا مجال للفصل بينهما.
ثانياً: نقد إطلاق الحكم بالبطلان في كافّة الصور
كما أورد (قدّس سرّه) على إطلاق حكم الميرزا ببطلان تيمّم كليهما من غير تفصيلٍ، قائلاً:
كما أنّه لا وجهَ لما ذكره (قدّس سرّه) من بطلانِ تيمّمِ كليهما معاً، لما عرفتَ من أنّه لا بدّ من التفصيل في ذلك.
ومحصّل النقد أنّه لا يمكن الالتزام بإطلاق كلام الميرزا، لا من جهة فكّ الملازمة بين الحكمين، ولا من جهة إغفال الفوارق بين حالات التسابق وعدمه. وعليه، يستقرّ رأي السيّد الخوئي في المسألة على التفصيل الثلاثيّ التالي:
1. في فرض التسابق مع التمانع وتكافؤ القوى حتّى ضيق الوقت: لا يبطل تيمّم أيٍّ منهما، لعدم تحقّق التمكّن من استعمال الماء لأحد.
2. في فرض التسابق مع غلبة أحدهما: يبطل تيمّم الأقوى خاصّةً (لصدق الوجدان)، ويبقى تيمّم الآخر محكوماً بالصحّة.
3. في فرض عدم التسابق وتوفّر القدرة لهما بلا مانع: يبطل تيمّم كليهما، لصدق عنوان الواجد عليهما معاً.
إنّ التحقيق يقتضي تركيز البحث في هذا الفرع حول الفهم الدقيق للعبارة القرآنيّة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.[3] فقد فسّر الميرزا النائيني (قدّس سرّه) قوله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ بـ «عدم القدرة على الماء»؛ موازناً بين «وجدان الماء» وبين «القدرة العقليّة على تحصيله وحيازته»، وإن لم يكن الماء تحت اليد فعلاً. وتفريعاً على ذلك، حكم في مسألة المتيمّمين والماء الواحد بأنّ كليهما «واجدٌ للماء»، نظراً لامتلاك كلّ واحدٍ منهما ـ بقطع النظر عن الآخر ـ القدرةَ على الحيازة، ممّا يوجب بطلان تيمّمهما معاً بمقتضى إطلاق الأدلّة.
ولا ريب في أنّ أصل مبدأ لزوم سعي المكلّف نحو تحصيل الماء بالحدود المتعارفة ممّا تسالم عليه الفقه. فمن كان بمقدوره نيل الماء ببضع خطواتٍ أو بقطع مسافةٍ متعارفة (كسهمين)، عُدّ عرفاً «واجداً للماء» ولزمه الطلب لأجل الوضوء. كما أنّ من كان تحصيل الماء عليه حرجيّاً أو خارجاً عن المتعارف، فهو في حكم «فاقد الماء».
بيد أنّ جوهر البحث يكمن في تحديد المراد الجدّي من قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾. فهل يجب حمله على «عدم القدرة العقليّة» ـ كما ذهب إليه النائيني ـ بحيث يُحكم في فرض الماء الواحد والمحتاجَيْن بأنّ كليهما قادرٌ عقلاً، وبالتبعيّة واجدٌ للماء؟ أم أنّ الظهور العرفيّ للآية ينصرف إلى «الوجدان الفعليّ العرفيّ»، لا مجرّد القدرة العقليّة على التحصيل؟
والمقصود بـ «الوجدان الفعليّ العرفيّ» هو أن يصدق لدى العرف أنّ هذا الشخص متمكّنٌ فعلاً من استخدام الماء. ففي الفرض المذكور (ماءٌ واحدٌ يكفي لشخصٍ واحد)، كيف يكون قضاء العرف؟ ممّا لا شكّ فيه أنّ العرف لا يحكم بأنّ «كلا الشخصين قادرٌ على الاستعمال»، بل حكمه هو «أنّ واحداً منهما فقط يستطيع الوضوء»، وذلك الواحد هو من يظفر بالماء فعلاً، فيكون هو «الواجد».
خروج القدرة التقديريّة عن محلّ الكلام
وما استند إليه المحقّق النائيني من لحاظ قدرة كلّ واحدٍ منهما «مع قطع النظر عن الآخر»، هو في الحقيقة خروجٌ عن محلّ النزاع؛ إذ إنّنا بصدد تشخيص الحكم في الواقع العينيّ الخارجيّ حيث يتزاحم الشخصان على ماءٍ واحد، لا في الفروض الذهنيّة التقديريّة المنفصلة. والآية الشريفة ناظرةٌ إلى هذا الواقع العينيّ، ولا بدّ من استظهار معنى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ في هذا الفضاء.
وبناءً عليه، فإنّه وإن كان مسلّماً أنّ المراد من «عدم الوجدان» ليس مجرّد فقدان الماء «بين اليدين»، بل يلزم المكلّفَ السعيُ المتعارف في طلبه، إلا أنّ هذا السعي والوجدان والقدرة، كلّها محكومةٌ بالمعايير العرفيّة، لا بالدقّة الفلسفيّة أو القدرة العقليّة المحضة. وحتّى لو فُسّر عدم الوجدان بـ «عدم القدرة»، فالمراد هي القدرة العرفيّة، لا مطلق القدرة العقليّة المتصوّرة.
وتأسيساً على هذا الفهم العرفيّ، فإنّه في فرض الماء الواحد والمحتاجَيْن، لا يصدق عنوان «القدرة العرفيّة على استعمال الماء» إلا في حقّ واحدٍ منهما فقط. فمَن سبق منهما خارجاً وحاز الماء وتوضّأ، فهو الذي ينطبق عليه عرفاً عنوان «واجد الماء»، فيتوجّه إليه وجوب الوضوء وينتقض تيمّمه. وأمّا الآخر الذي حُرِم من الماء عمليّاً، فلم يندرج يوماً تحت حكم الواجد، ويبقى تيمّمه محكوماً بالصحّة.
ومن هنا يتّضح الخلل في تحليل الميرزا النائيني المرتكز على فكرة التزاحم؛ إذ إنّ التزاحم في مقام الامتثال إنّما يُتصوّر فيما لو تحقّق موضوع «وجدان الماء» في حقّ كليهما معاً. والحال أنّ الموضوع هنا متحقّقٌ في حقّ أحدهما ومنتفٍ عن الآخر. وهذا نظير ما لو خصّص شخصٌ ثالثٌ الماءَ ووضعه تحت تصرّف أحد المتيمّمين دون الآخر. ففي مثل هذا الفرض، لا يتوهّم أحدٌ وقوع التزاحم، بل يكون أحدهما واجداً للماء وتيمّمه باطل، والآخر فاقداً وتيمّمه صحيح. وهذا عين ما يقتضيه التحقيق في المقام.
وصفوة القول في نقد مبنى المحقّق النائيني في هذا الفرع هی أنّ منشأ الإشكال يكمن في حمله لقوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا﴾ على مجرّد «القدرة العقليّة على الحيازة»، ممّا حدا به إلى اعتبار كلا الشخصين «واجدين للماء». والحال أنّ المفاد العرفيّ للآية الشريفة ينصرف إلى «الوجدان الفعليّ العرفيّ». وفي فرض انحصار الماء بمقدار وضوء واحدٍ مع تعدّد المتيمّمين، لا يرى العرف إلا واحداً منهما «واجداً للماء»، بينما يعدّ الآخر ـ طيلة الوقت ـ باقياً تحت حكم «فاقد الماء».
[3]- نساء: 43.
- خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ ج، قم، دارالهادی، 1417.
- نائینی، محمدحسین، أجود التقریرات، ابوالقاسم خویی، ۲ ج، قم، مطبعة العرفان، 1352.
نظری ثبت نشده است .