موضوع: الواجب التعیینی و التخییری
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/١٩
شماره جلسه : ۷۲
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
تقرير مبنى المحقّق النائيني: اشتراط التكليف والتزاحم بين المكلّفَين
-
أصل المبنى: وحدة الغرض وتعدّد الخطاب المشروط
-
ملاحظةٌ حول دخالة «تعدّد الغرض»
-
إعادة قراءة تحليليّة لكلام النائيني في فرع المتيمّمين
-
الصبغة الكفائيّة للفرع على مبنى النائيني
-
تفصيل السيّد الخوئي ومناقشته للميرزا النائيني
-
الصورة الأولى: فرضيّة التسابق نحو الماء
-
الصورة الثانية: انتفاء التسابق والمزاحمة
-
التلازم بين وجوب الوضوء وبطلان التيمّم: نقدٌ لمبنى النائيني
-
تدقيقٌ في العلاقة بين كلام النائيني وإشكال الخوئي: تفكيك موضوعي التيمّم والوضوء
-
إعادة تقييم فرض التسابق والتمانع على ضوء مبنى النائيني
-
نقد دعوى التلازم عند الخوئي في ضوء تفكيك النائيني
-
المصادر
-
الجلسة ۲۸
-
الجلسة ۲۹
-
الجلسة ۳۰
-
الجلسة ۳۱
-
الجلسة ۳۲
-
الجلسة ۳۳
-
الجلسة ۳۴
-
الجلسة ۳۵
-
الجلسة ۳۶
-
الجلسة ۳۷
-
الجلسة ۳۸
-
الجلسة ۳۹
-
الجلسة ۴۰
-
الجلسة ۴۱
-
الجلسة ۴۲
-
الجلسة ۴۳
-
الجلسة ۴۴
-
الجلسة ۴۶
-
الجلسة ۴۷
-
الجلسة ۴۸
-
الجلسة ۴۹
-
الجلسة ۵۰
-
الجلسة ۵۱
-
الجلسة ۵۲
-
الجلسة ۵۳
-
الجلسة ۵۴
-
الجلسة ۵۵
-
الجلسة ۵۶
-
الجلسة ۵۷
-
الجلسة ۵۸
-
الجلسة ۵۹
-
الجلسة ۶۰
-
الجلسة ۶۱
-
الجلسة ۶۲
-
الجلسة ۶۳
-
الجلسة ۶۴
-
الجلسة ۶۵
-
الجلسة ۶۶
-
الجلسة ۶۷
-
الجلسة ۶۸
-
الجلسة ۶۹
-
الجلسة ۷۰
-
الجلسة ۷۱
-
الجلسة ۷۲
-
الجلسة ۷۳
-
الجلسة ۷۴
-
الجلسة ۷۵
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
ينطلق الميرزا النائيني في تحقيقه للواجب الكفائيّ من أصلٍ محوريّ، وهو أنّ «وحدة الغرض تستلزم وحدة الخطاب». ففي المورد الذي يكون للشارع غرضٌ واحدٌ (كتحقّق دفن الميّت)، لا يُعقل القول بأنّ «كلّ واحدٍ من المكلّفين مخاطبٌ بتكليفٍ مستقلٍّ مشروطٍ بترك الآخر»؛ إذ في فرض وحدة الملاك، يكون تكثير الخطابات المشروطة بعدد المكلّفين (كمائة خطابٍ مثلاً: «يجب عليك بشرط ترك الآخرين») مجرّد تكثيرٍ اعتباريٍّ بلا مبرّرٍ واقعيّ.
نعم، يستدرك الميرزا (قدّس سرّه) فيقرّر إمكانيّة قبول هيكليّة «الاشتراط» في المورد الذي تتعدّد فيه الملاكات والأغراض. فلو افترضنا وجود غرضين مستقلّين يترتّب كلٌّ منهما على فعل مكلّفٍ مغاير، مع استحالة الجمع بين استيفائهما معاً في الخارج، ففي هذه الحالة يُجعل لكلّ مكلّفٍ خطابٌ خاصّ مشروطٌ بترك الآخر، بحيث «لا محالة يكون التكليف المتوجَّه إلى كلٍّ منهما مشروطاً بعدم تحقّق الآخر». فإذا بادر أحدهما وأنجز فعله، استوفى الغرض المترتّب عليه، وسقط التكليف عن الآخر لانتفاء موضوعه (أو شرطه). وأمّا لو أطبق الجميع على الترك مع القدرة، استند الترك إليهم كافّةً واستحقّوا العقاب جميعاً.
والجدير بالذكر أنّ السيّد الخوئي (قدّس سرّه) في «المحاضرات» ـ حين تعرّضه لفرع المتيمّمين ـ أعرض عن التعرّض لتفصيل أستاذه بين «وحدة الغرض» و«تعدّده»، ممّا يكشف بوضوحٍ أنّ هذه المقدّمة لا مدخليّة لها ـ بنظره ـ في ذلك الفرع، سواءٌ بنينا على وحدة الغرض أم تعدّده. وهو ما يوافق المختار أيضاً؛ إذ لا مدخليّة لهذا الفرض المسبق في صلب الفرع المبحوث عنه.
ومن الناحية المبنائيّة، فإنّ أصل فرضيّة «تعدّد الغرض» في الواجب الكفائيّ هي بحدّ ذاتها محلّ نظر. فقد مثّل لها المحقّق النائيني بإنقاذ الغريقين، وكأنّ إنقاذ هذا الغريق يحقّق غرضاً مستقلاً مبايناً للغرض المتحقّق بإنقاذ ذاك، ثمّ حاول تعميم هذا التحليل ليشمل بعض مصاديق الواجب الكفائيّ، مدّعياً إمكانيّة تغاير الغرض المترتّب على فعل زيدٍ عن الغرض المترتّب على فعل عمرو.
بيد أنّ الوجدان العرفيّ والتحليل العقليّ يأبيان قبول هذا التصوير في جلّ الواجبات الكفائيّة. ففي مثال دفن الميّت، لا يُعقل وجود أكثر من غرضٍ واحد، وهو «مواراة الميّت شرعاً». وكذا في الصلاة عليه، لا يصحّ الادّعاء بأنّ كلّ صلاةٍ من كلّ مكلّفٍ تستوفي غرضاً نوعيّاً مستقلاً. بل حتّى في مثال إنقاذ الغريقين، لو دقّقنا النظر لوجدنا أنّ الملاك واحدٌ نوعاً وهو «حفظ النفس المحترمة»، وإنّما تكثّر بتكثّر المصاديق، لا أنّه ملاكان متباينان نوعاً.
لنعُد الآن إلى تفكيك التحليل الذي قدّمه الميرزا النائيني في هذا الفرع، بشكلٍ مستقلٍّ ومفصّل. صورة المسألة هی أنه شخصان تيمّما لفقد الماء، ثمّ وجدا في الوقت ماءً لا يكفي إلا لوضوء أحدهما. ويرى المحقّق النائيني أنّ الموقف الفقهيّ هنا يتقوّم بثلاثة أركان:
١. دليل وجوب الوضوء: ومقتضاه أنّ فعليّة الوجوب متوقّفةٌ على صيرورة الماء تحت تصرّف المكلّف بالفعل. فما لم یَستَول المکلف على الماءَ ويتحقّق عنوان «كون الماء في تصرّفه»، لم يصدق عليه أنّه «واجدٌ للماء» ولم يتنجّز الوجوب في حقّه.
٢. دليل وجوب حيازة الماء: وبموازاة ذلك، يوجد دليلٌ يُلزِم كلاً منهما بالسعي لتحصيل هذا الماء الموجود وحيازته مقدّمةً للوضوء.
٣. القدرة على الحيازة: ومن حيث القدرة التكوينيّة، فإنّ كلاً منهما متمكّنٌ «في نفسه» من حيازة الماء.
والنقطة المحوريّة في تقريره (قدّس سرّه) هي أنّ وجوب الحيازة قد جُعل في حقّ كلّ واحدٍ منهما على نحو الاشتراط. فيجب على زيدٍ الحيازة «بشرط عدم سبق عمرو»، والعكس صحيح. وهذه الصياغة الجعليّة تمثّل نموذجاً لـ «التزاحم في مرحلة الفعليّة» بين مكلّفين اثنين، حيث يتوجّه الخطاب لكلٍّ منهما باستحقاقٍ، ولكن مشروطاً بترك الآخر للمزاحمة.
الاستدلال بإطلاق «وجدان الماء»
ومن جهةٍ أخرى، يستظهر الميرزا النائيني من آيات التيمّم ورواياته أنّ المناط في صحّة التيمّم هو «عدم وجدان الماء»، وأنّ مجرّد تحقّق التمكّن من الماء يُخرج المكلّف عن عنوان «الفاقد» ويُبطل تيمّمه. وبعبارته، إنّ بطلان التيمّم مترتّبٌ على «وجدان الماء في ظرف القدرة على الحيازة»، لا على «فعليّة وجوب الوضوء». وبناءً عليه، ففي هذا الفرع، لمّا كان كلٌّ منهما قادراً على تحصيل الماء، عُدّا بنظر الميرزا «واجدين للماء في ظرف القدرة»، وحُكم ببطلان تيمّمهما معاً بمقتضى إطلاق الأدلّة.
ووفقاً لهذا التحليل، تترتّب النتائج التالية:
1. لو بادر أحدهما وحاز الماء وتوضّأ، كان ممتثلاً واستوفى غرض الشارع في هذه الواقعة. وأمّا الآخر، فيسقط عنه تكليف الوضوء في هذه النوبة لانتفاء موضوعه، وعليه استئناف التيمّم.
2. لو أحجم كلاهما عن الوضوء، فبما أنّهما كانا قادرين على الحيازة لحظة وجدان الماء وخرجا عن عنوان الفاقد، فإنّ الترك يستند إليهما معاً، ويستحقّان العقاب جميعاً.
3. لو تلف الماء، عاد كلاهما إلى حكم «فاقد الماء» ووجب عليهما التيمّم من جديد.
یستهلّ السيّد الخوئي تحليله بافتراض حالةٍ يبادر فيها كلا المتيمّمين إلى التسابق ومزاحمة الآخر لحيازة الماء. ولهذا الفرض حالتان:
١. التمانع التامّ وتكافؤ القوى حتّى ضيق الوقت
فلو تساوت القوى وتكافأت القدرات البدنيّة لكليهما في ميدان المزاحمة، بحيث صدّ كلّ واحدٍ منهما صاحبه عن الوصول إلى الماء، واستمرّت هذه الممانعة حتّى ضاق الوقت ولم يتمكّن أحدٌ منهما من استعمال الماء خارجاً، ففي هذه الحالة، يقرّر السيّد الخوئي أنّ «التمكّن الفعليّ من استعمال الماء» لم يتحقّق لأيٍّ منهما؛ إذ لم يظفر أحدٌ بالماء لكي يصدق عليه عرفاً أنّه «واجدٌ للماء». وعليه، لا وجه للحكم ببطلان تيمّمهما معاً، ولا ببطلان تيمّم أحدهما، بل يبقى تيمّم كليهما محكوماً بالصحّة؛ لاندراجهما تحت عموم قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾.
٢. غلبة أحدهما في التسابق
وأمّا لو تفاوتت القوى، وكان لأحدهما الغلبة على الآخر في حلبة المزاحمة، بحيث تمكّن الأقوى من تنحية منافسه وحيازة الماء والوضوء به، ففي هذا الفرض، يحكم السيّد الخوئي ببطلان تيمّم الشخص الأقوى بلا ريب؛ لتحقّق الظفر الفعليّ بالماء وصدق عنوان «الواجد» و«المتمكّن من الاستعمال» عليه، فيجب عليه الوضوء وينتقض تيمّمه بمقتضى الآية. وأمّا بالنسبة إلى الشخص الأضعف، فلمّا كان عاجزاً عمليّاً عن الوصول إلى الماء، فإنّ هذا العجز الخارجيّ يكشف ـ بنظر الخوئي ـ عن عدم قدرته الواقعيّة على الوضوء واستعمال الماء، وأنّه كان طيلة الوقت باقياً في حكم «فاقد الماء». ولذا، يحكم بصحّة تيمّمه.
وفي خاتمة المطاف، يركّز السيّد الخوئي نقده على نكتة «التلازم» المستفاد من الآية الشريفة بين حكمي «وجوب الوضوء» و«بطلان التيمّم». ومفادها أنّه حيثما تحقّق عنوان «وجدان الماء»، ترتّب عليه الأمران معاً: فعليّة وجوب الوضوء وانتقاض التيمّم. وحيثما انتفى وجوب الوضوء، انتفى البطلان بالتبع. وعلى ضوء ذلك، يسجّل (قدّس سرّه) ملاحظتين على كلام أستاذه:
أوّلاً: نقد التفكيك بين الحكمين
حيث ذهب الميرزا النائيني ـ كما أسلفنا ـ إلى القول ببطلان تيمّم الشخصين معاً بمجرّد التمكّن من الحيازة، مع الالتزام بعدم فعليّة وجوب الوضوء في حقّهما معاً في عرضٍ واحد، بل جعل الوجوب منوطاً بخصوص من يحوز الماء خارجاً، بينما يسقط عن الآخر لانتفاء الموضوع. ويرفض السيّد الخوئي هذا التفكيك، مُتسائلاً عن وجهِ معقوليّة الحكم ببطلان تيمّم المكلّف، والحال أنّ وجوب الوضوء غير ثابتٍ في حقّه فعلاً؟! مع أنّ ظاهر الآية يقتضي دوران الحكمين مدار موضوعٍ واحدٍ وهو «وجدان الماء»، وجوداً وعدماً.
ثانياً: نقد إطلاق الحكم بالبطلان في جميع الصور
والملاحظة الثانية هي أنّ الميرزا النائيني قد أطلق الحكم ببطلان تيمّم كليهما من غير تفصيلٍ بين حالات التسابق وعدمه. والحال أنّه ـ بنظر السيّد الخوئي ـ لا مناص من الالتزام بالتفصيل الثلاثيّ المتقدّم:
1. عدم بطلان أيٍّ منهما عند التمانع وتكافؤ القوى.
2. بطلان تيمّم الأقوى وصحّة تيمّم الأضعف عند الغلبة.
3. بطلان كليهما عند انتفاء التسابق والمزاحمة.
ومن هنا، يرى (قدّس سرّه) أنّ إطلاق الفتوى ببطلان كلا التيمّمين في كافّة الفروض ـ كما يلوح من ظاهر كلام الميرزا ـ ممّا لا يمكن المساعدة عليه.
تدقيقٌ في العلاقة بين كلام النائيني وإشكال الخوئي: تفكيك موضوعي التيمّم والوضوء
والآن، يحسن بنا التوقّف مليّاً لتمحيص العلاقة الواقعيّة بين تقرير الميرزا النائيني وإشكال تلميذه السيّد الخوئي، لا سيّما مع الالتفات إلى أنّ الميرزا قد اعتمد في المقام نوعاً من التفكيك بين موضوع «صحّة التيمّم» وموضوع «وجوب الوضوء».
تَغايُر معيار "وجدان الماء" عند النائيني
المستفاد من مجموع عبائر «أجود التقريرات» أنّ الميرزا النائيني وإن استخدم مصطلح «وجدان الماء» في كلا البابين (التيمّم والوضوء)، إلا أنّه لا يقصد به معنىً واحداً في الموردين:
أ) في باب التيمّم: يرى أنّ المناط في صحّة التيمّم وبقائه هو «عدم التمكّن من الماء». فمتى ما حصل للمكلّف تمكّنٌ واقعيٌّ من تحصيل الماء واستعماله، خرج عن عنوان «فاقد الماء» وانتقض تيمّمه، حتّى لو حال مزاحمٌ خارجيٌّ أو عارضٌ طارئٌ دون استعماله للماء عمليّاً. وبعبارةٍ أخرى، إنّ «مجرّد التمكّن الواقعيّ من الماء» يعدّ مبطلاً للتيمّم عنده، والمعيار هو ذات القدرة الواقعيّة على التحصيل والاستعمال، لا التحقّق الخارجيّ للاستعمال.
ب) في باب وجوب الوضوء: وفي الضفّة المقابلة، يربط الميرزا النائيني فعليّة وجوب الوضوء بـ «الحيازة الخارجيّة». فما لم يستولِ المكلّف على الماء خارجاً ويصدق عليه «كون الماء في تصرّفه»، لم يتنجّز الوجوب في حقّه. فالمقصود بـ «وجدان الماء» ههنا هو الظفر الفعليّ بالماء وإمكان الاستعمال الخارجيّ، ولا تكفي مجرّد القدرة الكامنة على الحيازة لفعليّة الوجوب.
وعليه، يمكن تلخیص مبنى النائيني في المعادلة التالية:
- في التيمّم: الغاية الرافع للمشروعيّة هو «مجرّد حصول التمكّن الواقعيّ من الماء».
واستناداً إلى هذا التفكيك الدقيق، لو عدنا إلى «صورة التسابق والتمانع التامّ» التي طرحها السيّد الخوئي، لوجدنا أنّ النتيجة ستختلف جذريّاً. فبمجرّد وجود الماء، ولوحظ كلّ واحدٍ من المتيمّمين مع قطع النظر عن الآخر، فإنّ التمكّن الواقعيّ من الحيازة ثابتٌ لكليهما؛ إذ كلّ واحدٍ منهما قادرٌ ذاتاً على تحصيل الماء. وإنّما ينشأ التزاحم من قصور الماء عن الجمع بين الحيازتين في الخارج، لا من قصور القدرة الذاتيّة لكلّ فرد. ولمّا كان موضوع صحّة التيمّم هو «عدم التمكّن»، فإنّه بحصول التمكّن الواقعيّ لكلا الشخصين، يخرجان معاً عن عنوان «فاقد الماء»، وينتفي شرط استدامة التيمّم في حقّهما. والنتيجة الحتميّة على مبنى الميرزا هي بطلان تيمّمهما معاً بمجرّد حصول هذه القدرة الواقعيّة، حتّى لو آل الأمر ـ بسبب التمانع ـ إلى عدم توفيق أيٍّ منهما للوضوء خارجاً.
ارتكز السيّد الخوئي في إشكاله على أستاذه على دعوى «التلازم» بين وجوب الوضوء وبطلان التيمّم، مقرّراً أنّ «وجوب الوضوء لا ينفكّ عن بطلان التيمّم». بيد أنّه على ضوء ما تقدّم من تحليل، يتبيّن أنّ هذا التلازم إنّما يتمّ ويسلم لو كان المراد من «وجدان الماء» في كلا البابين واحداً وفي مرتبةٍ واحدةٍ من التمكّن. أمّا لو استظهرنا من عبائر «أجود التقريرات» أنّ المحقّق النائيني قد اعتبر في باب التيمّم «التمكّن الواقعيّ» مناطاً للخروج عن عنوان الفاقد، بينما اشترط في باب الوضوء «التمكّن الفعليّ المسبوق بالحيازة الخارجيّة»، ففي هذه الحالة، قد يبطل تيمّم المكلّف بمجرّد حصول التمكّن الواقعيّ من الماء (قبل الحيازة)، والحال أنّه لم يَحُز الماءَ بعد ولم يحصل له التمكّن الفعليّ من الاستعمال، فلا يبلغ وجوب الوضوء في حقّه مرتبة الفعليّة. وعليه، ينفكّ البطلان عن الوجوب الفعليّ، ولا تتمّ دعوى التلازم.
وبناءً على ذلك، فإنّ إشكال السيّد الخوئي القائم على دعوى التلازم واستبعاد التفكيك بين الحكمين، لا يجد سبيلاً للورود على مبنى الميرزا النائيني؛ إذ إنّ الإشكال يبتني أساساً على فرضيّة «وحدة الموضوع» في البابين، والحال أنّ الميرزا قد سلك مسلك التعدد واعتمد معيارين متغايرين.
وصفوة القول هی أنّنا إذا أخذنا بنظر الاعتبار ذلك التفكيك الدقيق الذي اعتمده النائيني بين موضوع التيمّم وموضوع الوضوء، أمكننا القول بأنّ مناقشات المحقّق الخوئي ـ سواءٌ في دعوى التلازم المطلق، أم في الحكم بصحّة التيمّم عند التسابق والتمانع ـ لا تنهض لنقض تمام مبنى أستاذه من جذوره. نعم، قد تكون تلك المناقشات تامّةً وفق مبانٍ أخرى (كحمل «فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً» على الوجدان الفعليّ العرفيّ الواحد في كلا البابين)، ولكنّها لا تلزم الميرزا وفقاً لمبناه الخاصّ.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
- خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ ج، قم، دارالهادی، 1417.
نظری ثبت نشده است .