موضوع: الواجب التعیینی و التخییری
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/١٣
شماره جلسه : ۷۰
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
إعادة قراءة الخصائص المشهورة للواجب الكفائيّ في ضوء مبنى الإمام الخميني
-
منطلق البحث: نفي الاستغراق والمصير إلى «أحد المكلّفين»
-
مناقشة الخصائص الثلاث عند المحقّق الأصفهاني
-
المناقشة في «عصيان الجميع»
-
المناقشة في «سقوط التكليف عن الآخرين»
-
التحليل النهائيّ: محوريّة «صرف وجود الفعل» ودور العقل
-
الصيغة الصحيحة للجعل: صرف وجود الفعل
-
دور العقل والمرتكز العقلائيّ في الامتثال
-
الفصل بين ساحتي الجعل والامتثال: تطبيقات ونماذج
-
مكانة العقل: لزوم الامتثال لا جعل التكليف
-
صفوة القول والنتيجة النهائيّة
-
المصادر
-
الجلسة ۲۸
-
الجلسة ۲۹
-
الجلسة ۳۰
-
الجلسة ۳۱
-
الجلسة ۳۲
-
الجلسة ۳۳
-
الجلسة ۳۴
-
الجلسة ۳۵
-
الجلسة ۳۶
-
الجلسة ۳۷
-
الجلسة ۳۸
-
الجلسة ۳۹
-
الجلسة ۴۰
-
الجلسة ۴۱
-
الجلسة ۴۲
-
الجلسة ۴۳
-
الجلسة ۴۴
-
الجلسة ۴۶
-
الجلسة ۴۷
-
الجلسة ۴۸
-
الجلسة ۴۹
-
الجلسة ۵۰
-
الجلسة ۵۱
-
الجلسة ۵۲
-
الجلسة ۵۳
-
الجلسة ۵۴
-
الجلسة ۵۵
-
الجلسة ۵۶
-
الجلسة ۵۷
-
الجلسة ۵۸
-
الجلسة ۵۹
-
الجلسة ۶۰
-
الجلسة ۶۱
-
الجلسة ۶۲
-
الجلسة ۶۳
-
الجلسة ۶۴
-
الجلسة ۶۵
-
الجلسة ۶۶
-
الجلسة ۶۷
-
الجلسة ۶۸
-
الجلسة ۶۹
-
الجلسة ۷۰
-
الجلسة ۷۱
-
الجلسة ۷۲
-
الجلسة ۷۳
-
الجلسة ۷۴
-
الجلسة ۷۵
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
لعلّ الركن الركين في التحقيق الذي أفاده الإمام الخميني (قدّس سرّه) هو امتناع تعلّق الوجوب الكفائيّ بجميع المكلّفين على نحو العموم الاستغراقيّ. فقد صرّح (قدّس سرّه) بأنّه في موردٍ لا يوجد فيه سوى فعلٍ واحدٍ وغرضٍ واحدٍ وخطابٍ واحد، لا يُعقل أن ينحلّ هذا الوجوب استغراقاً ليشمل كافّة الأفراد. ومن هذا المنطلق، نفى الاستغراق وبنى على تعلّق الوجوب بـ «أحد المكلّفين» على نحوٍ غير متعيّن.
كنّا قد أوردنا في الدورة السابقة إشكالاً على الخصيصة الثانية (عصيان الجميع)، وحاصله الاستشكال في صحّة الحكم بكون «جميع مكلّفي الأرض» عصاةً لو فُرض بقاء الميّت بلا دفن. من البديهيّ أنّ الجاهلين بوجود الميّت وبوجوب دفنه معذورون عقلاً. ولو قيل: «إنّ العصيان يختصّ بالعالمين بالموضوع والحكم»، لظلّ السؤال قائماً عن المبرّر للحكيم ـ العالم منذ الأزل بأنّ المطّلعين على الواقعة لن يتجاوزوا عدداً محدوداً كالعشرة أو المائة ـ في توجيه الخطاب والمسؤوليّة ابتداءً إلى عموم المكلّفين كافّة! إنّ جعلَ قانونٍ عامٍّ كهذا، مع العلم بأنّ الغالبيّة الساحقة ستبقى غافلةً عنه، يعدّ لغواً في مقام التشريع. وإنّ الالتزام بأنّ الخطاب متوجّهٌ للجميع بالفعل ولكنه غير منجَّزٍ في حقّ الأكثرية لجهلهم، هو بحدّ ذاته قرينةٌ تشهد بأنّ بناء الشارع في الواجب الكفائيّ لم ينعقد من الأساس على اشتغال ذمم الجميع.
المعيار الصحيح للعصيان في الواجب الكفائيّ
وأمّا الخصيصة الثالثة ـ القائلة بسقوط التكليف عن الباقين بفعل الواحد ـ فهي تبتني في جوهرها على فرضيّة مسبقة مفادها اشتغال ذمم الجميع بذلك الواجب في المرحلة الأولى، ثمّ عروض السقوط والبراءة بفعل ذلك الواحد.
وهذا التصوير (سقوط التكليف عن الآخرين) ـ على الأقلّ في نطاق إطلاقه ـ لا يلتئم مع مبنى الإمام الخميني ولا مع المرتكزات العقليّة. ذلك أنّ قاعدة «لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى» تقتضي عدم تحمّل الفرد وزرَ غيره، وبطريقٍ أولى، تقتضي أن لا يُسقط الفعلُ العباديّ الصادر من الغير تكليفاً واقعيّاً ثابتاً في ذمّة الفرد، إلا إذا التزمنا بعدم ثبوته عليه من الأساس. فالعبادات ذاتُ صبغةٍ شخصيّة، وكما لا تُجزي صلاةُ زيدٍ عن صلاة عمروٍ، فليس من المنطقيّ في باب الواجب الكفائيّ القول بأنّ التكليف كان ثابتاً واقعاً في حقّي، ثمّ سقط بفعل غيري.
وعليه، فالتحقيق يقتضي القول بأنّ ذمم الجميع لم تكن مشغولةً بالواجب الكفائيّ منذ البدء كي نلتمس للسقوط سبباً في فعل الغير. بل التكليف الواقعيّ قد استقرّ حصراً في عهدة من بادر بالفعل إلى الامتثال، وفعله كاشفٌ عن ذلك الاشتغال. وأمّا الآخرون، فلم يتوجّه إليهم خطابٌ مماثلٌ لهذا الوجوب الخاصّ أصلاً، حتّى يُبحث عن سقوطه بفعل الغير.
محوريّة "نفس الفعل" عند المحقّق البروجردي والعلاّمة الحلّي
وهنا تبرز أهميّة الطرح الذي قدّمه المحقّق البروجردي (قدّس سرّه) ـ والذي يمكن تلمّس جذوره في كلمات العلاّمة الحلّي (رضوان الله عليه) ـ حيث ذهب إلى أنّ «المولى في الواجب الكفائيّ يطلب ذات الفعل، ويتعلّق غرضه بتحقّقه الخارجيّ، من دون ضرورةٍ لإقحام الجميع في دائرة التكليف». وهذا الجوهر الأساسيّ مقبولٌ في حدّ ذاته، ولكنّنا نفترق عنه في حيثيّةٍ أخرى؛ إذ أردف المحقق البروجردي ذلك بقوله: «إنّ الجميع مكلّفون، ولكنّ المباشرة ليست شرطاً».
وههنا يعود التساؤل المتقدّم ليفرض نفسه عن الوجه المبرّر للشارع الحكيم ـ العالم بأنّ الجميع لا يتسنّى لهم المباشرة، أو في الموارد التي لا يقبل فيها الفعل إلا وجوداً وحيداً ـ في إدخال كافّة المكلّفين تحت مظلّة الخطاب، ثمّ إناطة سقوط التكليف عنهم بفعل البعض؟! إنّ جعل دائرة التكليف بهذه السعة، مع العلم بعدم إمكان انبعاث الجميع أو لغويّته، ممّا لا وجه له.
النتيجة: تمايز العينيّ والكفائيّ في الغرض لا في الاشتغال العامّ
وتأسيساً على ما سلف، يمكن بلورة الفارق الجوهريّ بين الواجبين العينيّ والكفائيّ في الصيغة التالية: ففي الواجب العينيّ، قد تعلّق الغرض الشرعيّ بصدور الفعل من كلّ مكلّفٍ بعينه، بمعنى أنّ طبيعة الفعل ملحوظةٌ بالإضافة إلى كلّ فردٍ مقيّدةً بالصدور منه شخصيّاً. وأمّا في الواجب الكفائيّ، فمصبّ الغرض هو تحقّق «صرف وجود الفعل» في الخارج وكفى. فمَن بادر إلى تحققه، استقرّ عليه الثواب وترتّب في حقّه أثر الوجوب. وأمّا الآخرون، فلم تستقرّ في ذممهم منذ البدء عهدةٌ بمعنى الاشتغال العامّ، بل إنّما يتوجّه إليهم استحقاق العقاب في فرضٍ واحدٍ فقط، وهو ما إذا استند إليهم ترك الفعل عرفاً، مع توفّر العلم والقدرة.
استلهاماً ممّا أُفيد في كلمات الإمام الخميني (قدّس سرّه)، يمكن القول بأنّنا لو سلّمنا بمبنى «الخطابات القانونيّة»، فإنّ التحليل الوحيد الذي ينسجم معه في تفسير الواجب الكفائيّ هو إرجاعه إلى «صرف وجود الفعل». ذلك أنّ رتبة الجعل في الخطابات القانونيّة خاليةٌ من لحاظ «المكلَّف» كفردٍ متعيّن، فلا مجال فيها لطرح عناوين من قبيل «أحد المكلّفين» وما شاكلها.
وبعد الفراغ من إعلان المطلوبيّة ووجوب الفعل، يأتي دور العقل ليحكم بأنّ «كلّ فعلٍ تعلّق به الطلب الإلزاميّ للمولى، يجب تحقيقه خارجاً». ولازم هذا الحكم العقليّ تصدّي كلّ قادرٍ من المكلّفين للإنجاز. وفي هذه المرحلة، لا حاجة للتكلّف بصياغاتٍ من قبيل «توجّه الخطاب الشرعيّ إلى أحد المكلّفين لا بعينه»، أو «انصباب الوجوب على صرف وجود المكلّف». فهذه التعابير ضربٌ من التكلّف التحليليّ. فالشارع في الواجب الكفائيّ يكتفي بقوله «هذا الفعل مطلوبٌ لي»، ثمّ يتولّى العقل وبناء العقلاء تتميم الأمر بالحكم: «ما دام المانع مفقوداً، فعلى القادر أن ينهض بالامتثال».
ونظير هذا المسار نجده في بحث دلالة صيغة الأمر على الوجوب. حيث يُطرح التساؤل عن منشأ استفادة الوجوب حينما يقول المولى: «صَلِّ»؟ فالميرزا النائيني (قدّس سرّه) يُرجع الوجوب إلى حكم العقل، بينما يُسنده الإمام الخميني (قدّس سرّه) إلى بناء العقلاء (مع التحفّظ على الفارق بين حكم العقل والسيرة العقلائيّة). وفي باب الواجب الكفائيّ، يمكن استعادة هذا البيان وتطبيقه بنحوٍ ما.
بيد أنّ النكتة الهامّة التي لا ينبغي الغفلة عنها هي أنّ العقل لا شأن له بـ «إشغال الذمّة» شرعاً. فذلك وظيفة الجعل الشرعيّ حصراً. وإنّما يدرك العقل أنّ «هذا الفعل، ما دام لم يتحقّق بنحوٍ وافٍ بالغرض، فلا بدّ من إيجاده، وأنّ تحقّق الامتثال يلازم صدوره من فردٍ قادرٍ واحدٍ على الأقلّ». بل في الواجبات التوصّليّة، يذهب العقل إلى أبعد من ذلك، حاكماً بعدم لزوم المباشرة من المكلّف نفسه؛ لأنّ المدار على تحقّق طبيعة الفعل. ففي مثل دفن الميّت، لو صُمّم جهازٌ يتولّى الدفن وفق الموازين الشرعيّة، لحكم العقل بحصول غرض الشارع وانتفاء موضوع الإلزام، من دون حاجةٍ إلى توسّط مباشرٍ بشريٍّ في الساحة.
وهكذا يتّضح أنّ جوهر الواجب الكفائيّ يكمن في مطلوبيّة «صرف وجود الفعل»، وأنّ تعيين الفاعل وتنجيز المسؤوليّة موكولٌ إلى حكم العقل والارتكاز العقلائيّ، بعيداً عن التعقيدات الثبوتيّة في كيفيّة توجيه الخطاب للأشخاص. إنّ نقطة الانطلاق في هذا التحقيق هي عين البيان الذي يُستفاد من كلمات صاحب الجواهر والمحقّق البروجردي (رضوان الله عليهما). فقد ذهبا ـ تصريحاً أو تلويحاً ـ إلى فهم الواجب الكفائيّ بوصفه طلباً لـ «صرف وجود الفعل». بمعنى أنّ الشارع يطلب تحقّق طبيعة الفعل في الخارج على نحو صرف الوجود، من دون أن يقحم في متن الجعل مسألة اشتغال ذمم الجميع أو تعيين مكلّفٍ خاصّ.
يتجلّى هذا الفصل بوضوح في الموارد الخارجيّة. ففي دفن الميّت، يصرّح الشارع بأنّ «دفن الميّت واجبٌ على نحو الكفاية». وهنا يتدخّل العقل لتشخيص أنّ هذا الميّت يجب مواراته، وأنّه بحسب الظروف يكفي لذلك فردٌ واحدٌ أو أفرادٌ قلائل. وليس من المعقول القول بأنّ الشارع قد نصّ في متن الجعل على أنّ «الدفن واجبٌ على ثلاثة أنفار» مثلاً. فهذا التعيين الكمّي من سنخ التشخيص العقليّ في مقام الامتثال، لا من سنخ الجعل الشرعيّ.
وفي الجهاد، يقول الشارع: «كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ»،[2] ويُستفاد من سائر الأدلّة والسيرة المتشرّعيّة أنّ القتال في بعض مراتبه تكليفٌ كفائيّ. وأمّا كونه يتحقّق تارةً بعشرين مقاتلاً وأخرى بمائةٍ أو ألف، فهو تابعٌ لتشخيص العقل وتدبير العقلاء بحسب مقتضيات الظروف، لا أنّ الشارع قد شرّع عدداً خاصّاً لكلّ زمانٍ في صلب الحكم.
وفي الصلاة على الميّت، مفاد الخطاب الشرعيّ: «الصلاة على الميّت واجبةٌ كفايةً». فبمجرد تحقّق صلاةٍ واحدة، يُستوفى الغرض الشرعيّ وينتفي موضوع الوجوب الكفائيّ. والصلوات التي تُؤدى لاحقاً، تندرج من حيث الثواب والرجحان في دائرة المستحبّات أو الثواب التفضّليّ، لا أنّ لها دخلاً في تحقيق الغرض الأصلي للوجوب الكفائيّ.
ولا بدّ من التأكيد هنا على أنّ العقل لا يملك حقّ المولويّة ولا صلاحيّة جعل التكليف. وهي نكتةٌ طالما شدّد عليها الإمام الخميني (قدّس سرّه) في أبحاثه الأصوليّة. ففي الواجب العينيّ، ينشأ اشتغال الذمّة من قِبل الشارع مباشرةً (بقوله: «أَقِمِ الصَّلاةَ»). أمّا في الواجب الكفائيّ، فيكتفي الشارع بالإعلام: «هذا الفعل واجبٌ ومطلوبٌ لي كفايةً»، ثمّ يحكم العقل بأنّ: «امتثال هذا الإعلان لازمٌ خارجاً، ويجب أن يقع الفعل بواسطة القادرين».
إنّ الحصيلة النهائيّة لهذا التحقيق تفيد أنّ كافّة الاحتمالات التي تداولتها كلمات الأصوليّين في تحديد موضوع التكليف في الواجب الكفائيّ ـ سواء القول بتعلّقه بالعموم الاستغراقيّ للمكلّفين، أو بـ «أحدهم» معيّناً أو غير معيّن، أو بالمجموع من حيث المجموع، أو بصرف وجود المكلّف ـ تبتني بأسرها على افتراضٍ مسبقٍ فحواه «أنّ الشارع قد وجّه خطابه مباشرةً إلى المكلَّف الشخصيّ». بيد أنّا لو سلّمنا بأنّ الشارع في الواجبات الكفائيّة يكتفي في مقام الجعل بالتصريح بأنّ «هذا الفعل واجبٌ على نحو الكفاية»، لانتفت الحاجة إلى تلك الصياغات المتكلّفة، ولأصبح المتعلَّق الواقعيّ للجعل الشرعيّ هو «صرف وجود الفعل» لا غير.
ويمكن تلخيص الرأي المختار في عبارةٍ وجيزة: «إنّ الجعل الشرعيّ في الواجب الكفائيّ متعلّقٌ بـ (صرف وجود الفعل)، والشارع في مقام الجعل لا يخاطب مكلّفاً بخصوصه. وإنّما يحكم العقل في مقام الامتثال بضرورة تحقيق هذا المطلوب الشرعيّ بواسطة القادرين، ولا يتوجّه العقاب إلا إلى من أحجموا عن الامتثال مع توفّر العلم والقدرة لديهم». وبهذا المنهج، نكون قد تحرّرنا من التكلّفات الزائدة في بحث «موضوع التكليف» للواجب الكفائيّ، وفي الوقت عينه، ميّزنا بوضوحٍ الحدودَ الواقعيّةَ لدور كلٍّ من الشرع والعقل في هيكليّة هذا النحو من الوجوب.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
[2]- بقره: 216.
-----------------
المصادر
- الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، محمود هاشمی شاهرودی، ۷ ج، قم، موسسه دائرة المعارف فقه اسلامي بر مذهب اهل بيت عليهم السلام، 1417.
نظری ثبت نشده است .