موضوع: الواجب التعیینی و التخییری
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/٦
شماره جلسه : ۶۶
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
التقريران المختلفان للمحقّق النائيني في الواجب الكفائي
-
تقرير «فوائد الأصول»: جميع المكلّفين «على وجه البدليّة»
-
تقرير «أجود التقريرات»: تعلّق الوجوب بـ «صرف وجود المكلَّف»
-
تطابق مبنى المحقّق الخوئي مع تقرير «أجود التقريرات»
-
مناقشة مبنى «صرف الوجود من المكلّفين»
-
١- العجز عن تفسير «امتثال الجميع» في الواجبات القابلة للتكرار
-
٢- تصحيح مراد الميرزا من «صرف الوجود» وتقييم نقد الأصفهاني
-
٣- الإشكال العرفي وإشكاليّة البعث والانبعاث
-
مبنى العلامة الحلّي وتأييد نظريّة المحقّق البروجردي
-
المصادر
-
الجلسة ۲۸
-
الجلسة ۲۹
-
الجلسة ۳۰
-
الجلسة ۳۱
-
الجلسة ۳۲
-
الجلسة ۳۳
-
الجلسة ۳۴
-
الجلسة ۳۵
-
الجلسة ۳۶
-
الجلسة ۳۷
-
الجلسة ۳۸
-
الجلسة ۳۹
-
الجلسة ۴۰
-
الجلسة ۴۱
-
الجلسة ۴۲
-
الجلسة ۴۳
-
الجلسة ۴۴
-
الجلسة ۴۶
-
الجلسة ۴۷
-
الجلسة ۴۸
-
الجلسة ۴۹
-
الجلسة ۵۰
-
الجلسة ۵۱
-
الجلسة ۵۲
-
الجلسة ۵۳
-
الجلسة ۵۴
-
الجلسة ۵۵
-
الجلسة ۵۶
-
الجلسة ۵۷
-
الجلسة ۵۸
-
الجلسة ۵۹
-
الجلسة ۶۰
-
الجلسة ۶۱
-
الجلسة ۶۲
-
الجلسة ۶۳
-
الجلسة ۶۴
-
الجلسة ۶۵
-
الجلسة ۶۶
-
الجلسة ۶۷
-
الجلسة ۶۸
-
الجلسة ۶۹
-
الجلسة ۷۰
-
الجلسة ۷۱
بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
ذهب المحقّق النائيني في «فوائد الأصول» ـ ضمن الوجه الرابع الذي ارتضاه ـ إلى القول:
والبحث في الواجب الكفائي هو البحث في الواجب التّخييري، غايته أنّ البحث في الواجب التّخييري كان بالنسبة إلى المكلّف به ومتعلّق التّكليف، وفي الكفائي بالنسبة إلى الفاعل والمكلّف، ويكون المكلّف هو جميع الآحاد وجميع الأشخاص على وجه يكون كلّ واحدٍ بدلاً عن الآخر، ومن هنا يتّجه عقاب الجميع عند ترك الكلّ، أو ثواب الجميع عند فعل الكلّ دفعةً واحدة؛ لعصيان كلّ واحد حيث إنّه ترك متعلّق التكليف لا إلى بدل، أي مع عدم قيام الآخر به، وإطاعة كلّ واحد حيث فعل متعلَّق التكليف... .[1]
ومحصّل هذا البيان أنّه استعار نفس المنطق الحاكم في الواجب التخييري (حيث يقع الترديد في المكلّف به، أي أحد الفعلين على وجه البدليّة)، وطبّقه في الواجب الكفائي في ناحية «الفاعل» و«المكلّف». فالمكلّف هو «جميع الآحاد وجميع الأشخاص»، ولكن بقيد «على وجهٍ يكون كلّ واحدٍ بدلاً عن الآخر». بمعنى أنّ الخطاب يشمل الجميع، غير أنّ كلّ فردٍ يُعدّ بدلاً عن غيره. فبقيام أحدهم بالفعل يسقط التكليف عن الباقين.
ثمرة هذا الهيكل: ١- لو ترك الجميع، فقد ترك كلّ فردٍ التكليفَ في حالةٍ لم يقم فيها البدل (الغير) مقامه (أي تركاً لا إلى بدل)، فيصدق العصيان على الجميع، وتتّجه العقوبة العامة. ٢- لو فعل الجميع دفعةً، فقد حقّق كلّ فردٍ متعلّق التكليف، فيتحقّق امتثال الجميع، ويثبت استحقاق الثواب العام.
ووفقاً لهذا المبنى، يكون المكلّف هو «جميع المكلّفين»، لا بنحو «الاستقلال» (كالواجب العيني حيث يستقلّ كلّ فردٍ بتكليفه)، بل بنحو «البدليّة»، أي أنّ التكليف الواحد يتوجّه إلى الجميع، ولكن بحيث يقع كلّ فردٍ في عَرض الآخر بدلاً عنه. وبامتثال الواحد يسقط التكليف عن الآخرين بمقتضى تلك البدليّة.
وفي «أجود التقريرات»،[2] نُقل تقريرٌ آخر لمبنى المحقّق النائيني، وهو الذي ناظره المحقّق الخوئي في مبناه. وقد مهّد الميرزا لذلك بمقدّمةٍ حول «صرف الوجود» و«مطلق الوجود» في متعلَّق الحكم، قائلاً:
إنّ الغرض من المأمور به تارةً يترتّب على صرف وجود الطبيعة وأخرى على مطلق وجودها الساري.
فالأوّل منهما يستتبع حكماً واحداً متعلّقاً بصرف وجود الطبيعة فيُكتفى في امتثاله بالإتيان بفرد واحد. وهذا بخلاف الثاني، فإنّ الحكم في مورده ينحلّ ويتعدّد بتعدّد أفراد تلك الطبيعة، ولا يُجتزأ في مقام الامتثال بإيجاد فرد منها... .
ومؤدّاه أنّه إذا ترتّب غرض المولى على «صرف وجود الطبيعة»، كان الحكم المجعول واحداً، واكتُفي في امتثاله بفردٍ واحد. أمّا إذا ترتّب على «مطلق الوجود الساري» للطبيعة، انحلّ الحكم وتعدّد بتعدّد الأفراد، وتوقّف امتثال كلّ حكمٍ على إتيان متعلّقه الخاص. ثمّ سحب هذا التحليل إلى ناحية «المكلَّف»، فقال:
فإذا عرفت ذلك فاعلم أنّ الغرض من المأمور به كما أنّه يختلف باعتبار ترتّبه على صرف الوجود أو على مطلق الوجود، كذلك يختلف بالإضافة إلى المكلّف؛ فتارةً يترتّب الغرض على صدور الفعل من صرف وجود المكلّف، وأخرى يترتّب على صدوره من مطلق وجوده.
وعلى الثاني فالوجوب يكون عينيّاً لا يسقط بفعل أحدهم عن الباقين، بخلاف الأوّل، إذ المفروض فيه أنّ موضوع التكليف هو صرف وجود المكلّف، فبامتثال أحد المكلّفين يتحقّق الفعل من صرف وجود الطبيعة فيسقط الغرض فلا يبقى مجال لامتثال الباقين... .
ومحصّل كلامه أنّ الغرض بالنسبة للمكلّف، تارةً يتعلّق بصدور الفعل من «مطلق وجود المكلّفين»، فيكون الوجوب عينيّاً، ولا يُسقط فعلُ الواحدِ التكليفَ عن الآخرين. وتارةً يتعلّق بصدوره من «صرف وجود المكلّف»، فيكون موضوع التكليف هو صرف الوجود، وبامتثال أحدهم يتحقّق الغرض ويسقط التكليف، ولا يبقى مجال لامتثال الباقين. وهذه هي صورة الواجب الكفائي.
النتائج المترتّبة على تحليل «أجود التقريرات»
ثمّ أكّد المحقّق النائيني على النتائج المترتّبة على هذا التحليل، قائلاً:
لو حصل الفعل من الجميع في عرضٍ واحد لاستحقّ كلُّ واحدٍ منهم ثوابَ امتثال ذلك الأمر كما لو كان منفرداً به؛ لصدقِ صرف الوجود عليه. كما أنّه عند مخالفة الجميع يستحقّ كلٌّ منهم العقاب لتحقّق مناطه فيه، وهذا الوجه الذي ذكرناه هو التحقيق في تصوير الوجوب الكفائي.
ومفاده أنّه في حال صدور الفعل من الجميع في آنٍ واحد، يستحقّ كلّ فردٍ ثوابَ امتثالِ ذاك الأمر الواحد، لانطباق عنوان «صرف الوجود» عليه. وفي حال تواطؤ الجميع على المخالفة، يستحقّ كلٌّ منهم العقاب، لتحقّق مناط العقوبة في حقّه. وقد عدّ (قدس سره) هذا التصوير هو التحقيق النهائي في مسألة الواجب الكفائي.
وقد تبنّى آية الله الخوئي (قدس سره) هذا التقرير الوارد في «أجود التقريرات» كمبنىً نهائيٍّ له في تحليل الواجب الكفائي.[4] حيث صرّح في «محاضرات في الأصول»:
أن يكون التكليف متوجّهاً إلى أحد المكلّفين لا بعينه المعبَّر عنه بصرف الوجود، وهذا هو الوجه الصحيح... .
ثمّ أعاد صياغة نفس التحليل القائل بأنّ الغرض كما يتعلّق بـ «صرف وجود الطبيعة أو مطلق وجودها»، فكذلك يتعلّق بـ «صدور الفعل من صرف وجود المكلّف أو مطلق وجوده»، وخلص إلى النتيجة الآتية:
... فالواجب كفائي بمعنى أنّه واجبٌ على أحد المكلّفين لا بعينه المنطبق على كلّ واحدٍ واحدٍ منهم، ويسقط بفعل بعضٍ عن الباقي...
فالنتيجة هي أنّ الواجب الكفائي ثابتٌ في اعتبار الشارع على ذمّة واحدٍ من المكلّفين لا بعينه الصادق على هذا وذاك، نظير ما ذكرناه في بحث الواجب التخييري من أنّ الواجب أحدهما لا بعينه المنطبق على هذا الفرد أو ذاك، لا خصوص أحدهما المعيَّن... .
ومفاده أنّ المكلّف في الواجب الكفائي هو «واحدٌ لا بعينه». وهذا العنوان ليس إلّا «صرف الوجود من المكلّفين» القابل للانطباق على كلّ فردٍ من الأفراد، لا على المجموع بعناوينهم المستقلّة. وعليه، فبمجرّد إقدام أحدهم، يتحقّق صرف الوجود ويُستوفى الغرض. ولو تواطأ الجميع على الترك، استحقّوا العقاب بأسرهم، لكون كلّ واحدٍ منهم قادراً على الامتثال، وله شأنيّة انطباق عنوان صرف الوجود عليه من هذه الجهة.
والنكتة الجديرة بالالتفات في فهم هذا المبنى أنّ «الواحد لا بعينه» لا يعني خروج سائر الأفراد عن دائرة الخطاب بالمرّة؛ بل نحن بإزاء وجوبٍ واحدٍ مجعولٍ على عنوانٍ كلّي (الصادق على هذا وذاك)، لا على «أفراد متعدّدة» بنحو الاستقلال. وإنّ استحقاق الجميع للعقاب عند الترك، ناشئٌ من كون كلّ واحدٍ منهم مصداقاً بالقوّة لذلك العنوان، ومتمكّناً من الامتثال.[5] وبالجملة، فإنّ مبنى السید الخوئي، من الناحية الثبوتية، يتطابق تماماً مع الصورة التي قدّمها المحقّق النائيني في «أجود التقريرات» وعدّها «التحقيق في تصوير الوجوب الكفائي».
التباين الجوهري بين تقريري المحقّق النائيني
وفي ضوء ما سلف، يتجلّى بوضوحٍ أنّنا أمام تحليلين متغايرين واقعاً للميرزا النائيني:
١- تقرير «فوائد الأصول»: القائم على مبنى «جميع المكلّفين على وجه البدليّة». حيث يتعلّق الجعل ابتداءً بجميع الأفراد، ولكن بنحوٍ يكون كلّ فردٍ بدلاً عن الآخر. فذمّة الجميع مشغولةٌ بأصل الجعل، إلّا أنّ «البدليّة» تقتضي سقوط التكليف عن الباقين بامتثال أحدهم.
٢- تقرير «أجود التقريرات»: المبتني على «صرف وجود المكلّف» و«الواحد لا بعينه». فالمجعول هاهنا واحدٌ، والتكليف لا يتعدّى كونه تكليفاً واحداً متوجّهاً لعنوانٍ صالحٍ للانطباق على كلّ فرد. فالغاية هي صدور الفعل من صرف وجود المكلّف.
إنّ الخصائص الثلاث المسلّمة للواجب الكفائي هي: (أ) امتثال الجميع عند الفعل، (ب) عقاب الجميع عند الترك، (ج) سقوط التكليف بفعل البعض. ولئن نجح مبنى «صرف الوجود» ـ إلى حدٍّ ما ـ في تبرير الخصيصتين الثانية والثالثة؛ إذ بترك الجميع يصدق الاشتراك في تفويت صرف الوجود فيعاقبون، وبفعل البعض يتحقّق صرف الوجود ويُستوفى الغرض فيسقط التكليف. إلّا أنّه يواجه معضلةً حقيقيةً في تفسير الخصيصة الأولى (امتثال الجميع)، ولا سيّما في الواجبات الكفائية القابلة للتكرار، كصلاة الميّت.
فلو صلّى مائة شخصٍ على ميّتٍ واحد، لتحقّقت واقعاً مائة صلاةٍ مستقلة ومائة امتثال. بينما يقتضي منطق «صرف الوجود» تحقّقه بـ «أول صلاة» تقع، فلا يعود للصلوات التسعة والتسعين الأخرى شأنٌ في تحقيق صرف الوجود بما هو هو. وهذا يتنافى بوضوحٍ مع الارتكاز الفقهي والعرفي القاضي بكون كلّ صلاةٍ من تلك الصلوات امتثالاً لذلك الوجوب الكفائي، وموجِبةً لاستحقاق الثواب. وما ورد في بعض التقريرات (ككلام الشيخ الحلّي) من حصر الامتثال في فرض «الصلاة الجماعية دفعةً واحدة» في «امتثالٍ واحد»، يصادم هذا الارتكاز المتشرّعي الواضح الذي يرى في الألف صلاة ألف فعلٍ شرعيٍّ وألف امتثال.
ناقش المحقّق الأصفهاني مبنى الميرزا النائيني، عبر إرجاع «صرف الوجود» إلى أحد المعاني الثلاثة الاصطلاحية في الأصول (ناقض العدم المطلق، أوّل الوجودات، اللابشرط القسمي)، وانتهى إلى إبطالها جميعاً. بيد أنّ التحقيق يقتضي القول بأنّ المحقّق النائيني ـ وتبعه المحقّق الخوئي ـ لم يريدا في هذا المقام أياً من تلك المعاني الفنيّة الثلاثة، بل كان مرادهما أمراً أبسط وأقرب للفهم العرفي، وهو «صرف الوجود في قبال مطلق الوجود». وقد صرّح الميرزا بذلك في «أجود التقريرات»:
الغرض من المأمور به تارةً يترتّب على صرف وجود الطبيعة وأخرى على مطلق وجودها... .
ومؤدّى هذا البيان أنّه في «مطلق الوجود»، ينظر التكليف إلى تكثير مصاديق الطبيعة قدر الإمكان والقدرة. أمّا في «صرف الوجود»، فالتكليف ناظرٌ إلى تحقّق فردٍ واحدٍ من الطبيعة، يتحصّل به الغرض وينتفي معه مجال الإلزام. وفي الواجب الكفائي، يذهب العلمان إلى أنّ الغرض قد تعلّق بـ «صرف وجود صدور الفعل من المكلّفين»، لا بـ «مطلق وجوده». وعليه، فإنّ إشكالات المحقّق الأصفهاني المستندة إلى المعاني الفنّية لـ «صرف الوجود»، قد لا تكون واردةً بدقّة على المراد الواقعي للميرزا.
وثمّة نكتةٌ أخرى جديرةٌ بالاعتبار وهي أنّه في باب الأوامر، لا يكفي وضوح «المكلّف به» فحسب، بل لا بدّ من تعيّن «المكلّف» أيضاً بحدٍّ يجعله واضحاً لدى العرف المخاطَب. فالتعابير من قبيل «المكلّف هو صرف الوجود من المكلّفين» أو «أحد المكلّفين لا بعينه»، إذا ما بقيت حبيسة التحليل الثبوتي المجرّد، فإنّها تبدو قاصرةً عن تحقيق «البعث والانبعاث» في الذهنية العرفية. وقد قرّر الأصوليون قاعدةً مفادها «أنّ الغرض من البعث هو انبعاث المكلّف»،[6] ومقتضاها أن يكون البعث والأمر مصوّغاً بكيفيّة تجعل الانبعاث أمراً معقولاً وقابلاً للتشخيص لدى المكلّف.
في قبال نظريّة «صرف الوجود من المكلّفين»، يبرز مبنىً آخر ـ تبنّاه المحقّق البروجردي وجمعٌ من المتأخرين ـ يجعل مناط الفرق بين الواجب العيني والكفائي، لا في «المكلّف»، بل في «المكلّف به» وفي دخالة قيد المباشرة وعدمها. ومن الجدير بالذكر أنّ جذور هذا التحليل تمتدّ إلى كلمات العلامة الحلّي (قدس سره)، حيث عرّف الواجب الكفائي بقوله:
البحث الثالث: في الواجب على الكفاية. وهو: كلُّ فعلٍ تعلّق غرضُ الشارعِ بإيقاعه لا من مباشِرٍ معيَّنٍ. وهو واقعٌ، كالجهاد، وهو واجبٌ على الجميع و يسقط بفعل البعض، لاستحقاقهم أجمع الذمّ و العقاب لو تركوه، و لا استبعاد في إسقاط الواجب بفعل الغير... .[7]
وتستفاد من هذه العبارة نكاتٌ مفتاحيّة بجلاء: ١- أنّ غرض الشارع متعلّقٌ بأصل وقوع الفعل، لا بمباشرة فاعلٍ معيّن. ٢- أنّ هذا النحو من الواجب واقعٌ في الشريعة (كالجهاد والدفن والصلاة على الميت). ٣- أنّه واجبٌ على جميع المكلّفين. ٤- أنّه يسقط عن الباقين بفعل البعض. ٥- أنّه لا استبعاد في سقوط الواجب بفعل الغير.
وهذا هو عين المحور الذي شدّد عليه المحقّق البروجردي. حيث يرى أنّ الواجب العيني يتقوّم بأخذ قيد المباشرة الشخصيّة للمكلّف في المكلّف به. فقوله: «أقيموا الصلاة» يعني أنّ كلّ مكلّف مأمورٌ بإتيان الصلاة مباشرةً عن نفسه. بينما في الواجب الكفائي، لا مدخلية لقيد المباشرة في الغرض. فقوله: «ادفنوا الميّت المسلم» يعني أنّ دفن الميت، بما هو دفن، مطلوبٌ، سواء باشره هذا الفرد أو ذاك. فالتكليف ثابتٌ على جميع المكلّفين بنحو الاستغراق، ولكن المكلّف به هو الطبيعة المطلقة للفعل، المجرّدة عن قيد الصدور عن الفاعل الخاص. فبمجرّد قيام أحدهم بالفعل، تتحقّق تلك الطبيعة المطلوبة خارجاً، ويُستوفى الغرض الواحد، فيسقط الوجوب عن الآخرين تبعاً. وهكذا، يتّضح أنّ مبنى المحقّق البروجردي ـ القائل بالفرق في دخالة المباشرة في المكلّف به، مع ثبوت الوجوب الاستغراقي للجميع ـ له جذورٌ عريقة في كلام العلامة الحلّي، وإن كان من المحتمل استقلال البروجردي في الوصول إليه.
----------------------
[1]- نائینی، محمدحسین، «فوائد الاُصول»، با محمد علی کاظمی خراسانی، ج 1، ص 235.
[2]- نائینی، محمدحسین، «أجود التقریرات»، با ابوالقاسم خویی، ج 1، ص 187.
[3]- نائینی، محمدحسین، «التقريرات الأصولية»، با حسین بن علی حلی، ج 2، ص 79-80.
[4]- خویی، ابوالقاسم، «محاضرات فی أصول الفقه»، با محمد اسحاق فیاض، ج 4، ص 55-57.
[5]- المـقرّر: ولهذا، فإنّ تعبيراً من قبيل «أنّ الآخرين ليسوا موضوعاً لأيّ تكليفٍ فعليٍّ منذ البدء»، لو أخذ على إطلاقه، لكان منافياً لتصريح المحقّق الخوئي باستحقاق الجميع للعقاب في فرض الترك. بل لا بدّ من تفسيره بدقّةٍ ضمن إطار «الواحد لا بعينه الصادق على هذا وذاك»، حيث يكون كلّ فردٍ مصداقاً صالحاً لتوجّه الخطاب والعقوبة، لا أنّه خارجٌ عن دائرتهما بالمرّة.
[6]- خویی، محاضرات فی أصول الفقه، ج 3، ص 55.
[7]- علامه حلی، حسن بن یوسف، «تهذیب الوصول إلی علم الأصول»، ص 109.
--------------------------
المصادر
- خویی، ابوالقاسم، محاضرات فی أصول الفقه، محمد اسحاق فیاض، ۵ ج، قم، دارالهادی، 1417.
- علامه حلی، حسن بن یوسف، تهذیب الوصول إلی علم الأصول، لندن، مؤسسة الامام علي (عليه السلام)، 1380.
- نائینی، محمدحسین، أجود التقریرات، ابوالقاسم خویی، ۲ ج، قم، مطبعة العرفان، 1352.
- ———، فوائد الاُصول، محمد علی کاظمی خراسانی، ۴ ج، قم، جماعة المدرسين في الحوزة العلمیة بقم، 1376.
- ———، التقريرات الأصولية، حسین بن علی حلی، ۶ ج، قم، مرکز مدیریت حوزههای علمیه، 1446.
نظری ثبت نشده است .