درس بعد

الواجب التعیینی و التخییری

درس قبل

الواجب التعیینی و التخییری

درس بعد

درس قبل

موضوع: الواجب التعیینی و التخییری


تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١٠/١٦


شماره جلسه : ۵۶

PDF درس صوت درس
خلاصة الدرس
  • مُحصّل البحث المتقدّم

  • ضرورةُ تحديدِ المكلَّف في الخطابِ من منظورِ المحقّق الأصفهاني

  • نظريّة «الخطابات القانونيّة» وضرورة وجود المكلّف في الخطابات

  • التمييز بين عالم الاعتبار والتكوين

  • تأمّلٌ في نسبة الفعل إلى المكلَّف

  • المصادر

الجلسات الاخرى

بِسمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحِیم
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین


مُحصّل البحث المتقدّم

كنّا قد استعرضنا في البحث السابـق بالتحليل والتمحيص تقسيمَ الواجب إلى «عينيّ» و«كفائيّ»، محاولين الكشف عن الماهيّة النوعيّة للوجوب الكفائيّ. ففي الواجب العينيّ، ينصبّ التكليفُ على ذمّة كلّ مكلّفٍ بعينه مستقلاً، بحيث لا يكون صدورُ الفعل من الغير موجباً لسقوط الوجوب عنه. وأمّا في الواجب الكفائيّ، فمصبّ الطلب هو «طبيعة الفعل» ومطلوبُ الشارع تحقّقُه في الخارج، فإذا نهض به البعضُ ارتفع التكليفُ عن الباقين. وقد اتّضح الفارق المنهجيّ بين هذا التقسيم وبين التقسيم إلى التعيينيّ والتخييريّ؛ إذ الترديد في الثاني يقع في ناحية «المكلَّف به» مع تعيّن «المكلَّف»، بينما الأمر في العينيّ والكفائيّ على الضدّ، فالمكلَّف به متعيّنٌ، والبحث يدور حول كيفيّة توجّه الوجوب إلى الفاعل ومناط سقوطه. وفي مقام تحديد الهويّة الثبوتيّة لهذا الواجب، ذهب المحقّق الخراساني إلى اعتباره «سنخاً خاصّاً من الوجوب». ومفاده أنّه وجوبٌ تامٌّ يتوجّه في مرتبة الجعل الأوّليّ إلى عموم المكلّفين، بنحوٍ يستتبع استحقاقَ الجميع للعقاب في فرض الترك العامّ، بيد أنّه يسقط عنهم بفعل البعض. وقد أرجع (قدّس سرّه) منشأ هذه الخصوصيّة في عالم الجعل إلى عالم المبادئ، وتحديداً إلى «وحدة الغرض القابل للاستيفاء بفعل الواحد». بيد أنّ التعبير الذي ساقه الآخوند (قدّس سرّه) في مقام تفسير سقوط الواجب، والمستند إلى فرضيّة «سقوط الغرض بفعل الكلّ» و«توارد العلل المتعدّدة على المعلول الواحد»، هو محلّ تأمّلٍ ومناقشة؛ إذ لا ينسجم هذا التصوير مع القواعد الفلسفيّة المقرّرة في باب العلل التامّة (استحالة تعدّد العلّة التامّة للمعلول الواحد)، إلا بالتأويل وإرجاعه إلى «القدر الجامع» بين الأفراد ـ كطبيعة صلاة الميّت ـ حيث يترتّب الغرض على ذلك الجامع، ويكون أوّلُ فردٍ منه كافياً في تحصيله. وفي هذا السياق، عمد المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) إلى التفكيك الدقيق بين صورتين للواجب الكفائيّ. أحدهما، ما يكون المأمور به فيه فعلاً واحداً قائماً بالجماعة (كالجهاد أو الدفن الجماعيّ). والثاني، ما يكون المأمور به أفعالاً مستقلّةً متعدّدةً (كالصلاة على الميّت). وقد برهن (قدّس سرّه) على أنّ فرض تعدّد الأفعال في القسم الثاني يقتضي ثبوتاً تعدّد الغرض، ممّا يوهن دعوى «وحدة الغرض المتحقّق بفعل الواحد» على إطلاقها. ثمّ أكّد (قدّس سرّه) على أنّ حقيقة البعث والتكليف ـ كما تتقوّم بـ «المكلَّف به» (الفعل) ـ فهي تتقوّم بالضرورة بـ «المكلَّف» (الفاعل) أيضاً؛ إذ لا يُعقل القول بوجوب الفعل مع الغفلة عن فاعله. وتفريعاً على ذلك، خلُص إلى أنّ الميزان في تحليل الواجب الكفائيّ يكمن في تنقيح موضوع التكليف (المكلَّف) وتحديده. وقد طرح في هذا الصدد خمسة احتمالاتٍ كبرى: ١. الواحد المعيّن، ٢. الواحد المردّد، ٣. صرف الوجود من المكلّفين، ٤. المجموع، ٥. الجميع. والنتيجة عنده أنّ تصحيح الواجب الكفائيّ رهنٌ باختيار أحد هذه الوجوه وتخريجه صناعيّاً، لا الاكتفاء بمحض الارتكاز على وحدة الغرض والفعل.

ضرورةُ تحديدِ المكلَّف في الخطابِ من منظورِ المحقّق الأصفهاني

استند المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) في مقام تأسيس نظريّته على برهانٍ عقليٍّ قوامه أنّ تحقّق التكليف والبعث في عالم الاعتبار، كما يتقوّم بـ «المتعلَّق» (المبعوث إليه)، فهو يفتقر ثبوتاً إلى تعيّن «المكلَّف» (المبعوث) أيضاً. وبعبارةٍ أخرى، يستحيل تصوّر التكليف ـ فضلاً عن جعله ـ من دون لحاظِ مخاطَبٍ متعيّن. ومن هذا المنطلق، يفرض السؤالُ المحوريُّ نفسَه في باب الواجب الكفائيّ: مَن هو المصداق الواقعيّ للمكلَّف؟ وقبل الغوص في تفاصيل الاحتمالات التي طرحها (قدّس سرّه)، لا بدّ من التنبيه على الركيزة العقليّة التي شاد عليها مبناه،[1] وهي ضرورة تشخّص المكلَّف في صلب الخطاب. حيث أفاد (قدّس سرّه) ما نصّه:

فإنّ الشوق المطلق لا يوجد، فلا بدّ من تعلّقه بشيء.

ومفاده أنّ الشوق والإرادة ـ تكويناً وتشريعاً ـ لا يتحقّقان في الخارج بنحو الإطلاق والإرسال، بل هما من الصفات ذات الإضافة التي تفتقر دائماً إلى متعلّقٍ ومحلّ. وتفريعاً على هذا الأصل، رتّب (قدّس سرّه) النتيجة التالية:

وعليه، فيستحيل دعوى أنّ الواجب في مثل الواجب الكفائيّ هو الفعل من دون نظرٍ إلى فاعله، وحيث إنّه مطلوبٌ للشارع يجب عقلاً على المكلّفين تحصيل مراده.

أي أنّ الفرضيّة القائلة بأنّ ملاك الواجب الكفائيّ يكمن في مطلوبيّة «ذات الفعل» بقطع النظر عن فاعله، وأنّ دور المكلّفين ينحصر في الامتثال العقليّ لتحصيل الغرض، هي فرضيّةٌ ممتنعةٌ عقلاً. وبذلك، يكون (قدّس سرّه) قد سدّ الباب أمام المحاولات الرامية لتفسير الواجب الكفائيّ بإلغاء خصوصيّة الفاعل، مبرهناً على لزوم أخذ «المكلَّف» قيداً في موضوع الحكم.

نظريّة «الخطابات القانونيّة» وضرورة وجود المكلّف في الخطابات

وإذ كان الميرزا النائيني والسيّد الخوئي (قدّس سرّهما) قد أطلقا مبنى «الخطابات القانونيّة» في باب التكليف، فإنّ جوهر هذه النظريّة يقوم على أنّ الشارع المقدّس في مقام جعل الأحكام وتشريع القوانين (من وجوب الصلاة والصيام والخمس وغيرها) لا يلحظ الأشخاص وذوات الأفراد، بل يتوجّه بخطابه بنحو العموم القانونيّ، قبالاً للخطابات الشخصيّة التي تتقوّم بالبعث والتحريك الفعليّين للمكلّف. وتترتّب على هذا الأساس آثارٌ جمّة، لعلّ أهمّها ارتفاع شرطيّة القدرة الفعليّة والانبعاث الشخصيّ في مرحلة الجعل؛ إذ الخطاب القانونيّ شاملٌ للعاجز والقادر، والبالغ وغير البالغ، والعاقل والمجنون على حدّ سواء، لعدم لحاظ الأفراد بخصوصيّاتهم. وبعبارةٍ أدقّ، إنّ ركن «المكلَّف» ـ بوصفه الفرد الذي يتوجّه إليه الخطاب ـ لا موطن له في صلب الجعل القانونيّ. وهنا يثور التساؤل عن كيفيّة التوفيق بين هذا المبنى وبين ما قرّره المحقّق الأصفهاني من استحالة خلوّ الخطاب من المكلَّف.

والجواب التحقيقيّ أنّ الأحكام الشرعيّة من سنخ الأمور الاعتباريّة، ولا محذور عقلاً في أن يقوم المعتبر (الشارع) بجعل الحكم وإبراز مطلوبيّة الفعل من دون لحاظ مكلّفٍ خاصّ. ومثاله الواضح ما لو أمكن إجراء تغسيل الميّت وتكفينه ودفنه بواسطة الأجهزة الآليّة الحديثة، حيث يوضع الميّت في الجهاز وتتمّ العمليات تلقائيّاً. ففي هذا الفرض، لا وجود لمكلّفٍ يباشر الغسل والتكفين (وإن كان مَن يضع الميّت في الجهاز يلزمه قصد القربة، إلا أنّ العمليّات اللاحقة تقع بلا مباشر).

بيد أنّ المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) يصرّ على أنّ الشوق والإرادة لا يتحقّقان إلا متعلّقين بشيء. فإن كان المتعلّق فعل النفس، حرّك العضلات نحو الإيجاد، وإن كان فعل الغير، كان ذلك الغير هو «المشتاق منه» لا محالة. وعليه، فإنّ دعوى تعلّق الشوق بذات الفعل مع الغفلة عن فاعله، منتفيةٌ في الواجب الكفائيّ بنظره.

ولكنّ التحقيق يقتضي عدم تماميّة برهان المحقّق الأصفهاني على مبنى الخطابات القانونيّة؛ إذ الاعتبار (أي الإرادة والحكم الإنشائيّ) لا يتقوّم ذاتاً بوجود مكلّفٍ شخصيّ، بل يمكن تحقّقه وثبوته مع قطع النظر عن الفاعل. ولتوضيح ذلك، نسوق النقاط التالية:
التمييز بين عالم الاعتبار والتكوين

قد يُثار إشكالٌ مفاده أنّ عالم الاعتبار والتشريع إنّما يحذو حذو عالم التكوين في الافتقار إلى متعلّقٍ ومحلٍّ للإرادة. فكما أنّ الشوق التكوينيّ لشرب الماء يستلزم بالضرورة شخصاً مشتاقاً ومتعلّقاً به، كذلك الحال في الإرادة التشريعيّة.

والجواب التحقيقيّ أنّ قياس الاعتباريّات على التكوينيّات قياسٌ مع الفارق. ففي الأوّل، لا ينهض برهانٌ عقليٌّ على توقّف الاعتبار ذاتاً على وجود مكلّفٍ مشخّص. إذ يمكن للمعتبر (الشارع) أن يُنشئ إرادته ويجعل الحكم بمجرّد تعلّق غرضه بالفعل، من دون أن يلحظ في صلب الجعل مكلّفاً بخصوصه، ولا جماعةً، ولا عموماً. ولتوضيح الفكرة، نستشهد بموردين فقهيّين:

1. باب الجعالة: يقول الجاعل: «مَن ردّ عليّ ضالّتي فله كذا». ففي هذا الإنشاء، لا يقصد الجاعل فرداً بعينه ولا فئةً محدّدة، بل ينصبّ غرضه على عنوان «ردّ الضالّة» كائناً ما كان فاعله.

2. الواجبات التوصّليّة: لو تحقّق الفعل التوصّليّ من دون تدخّل مكلّفٍ أصلاً (كتطهير الثوب النجس بماء المطر أو الكرّ)، سقط التكليف وحصل الغرض.

وعليه، يمكن في باب الواجب الكفائيّ أيضاً الالتزام بأنّ الشارع يطلب «طبيعة الفعل» ومجرّد تحقّقها في الخارج، من دون أن يأخذ قيد المكلّف في موضوع الحكم. فكلّ من بادر وحقّق الفعل ـ ولو كان غير إنسانٍ في بعض الفروض ـ كان مجزياً ومسقطاً للتكليف. وخلاصة القول أنّ الاعتبار والتشريع ينفصلان في هويّتهما عن القوانين التكوينيّة، ولا تلازم بين تحقّق الاعتبار وبين وجود مكلّفٍ مشخّص. فالشارع قادرٌ على إبراز مطلوبيّة الفعل وإرادته استقلالاً عن تعيين الفاعل.

وإذا دقّقنا النظر في الاستدلال العقليّ الذي شيّده المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه)، لوجدناه مبنيّاً على قياس الشوق التكوينيّ بالشوق التشريعيّ، مستنتجاً بذلك لزوم تعيّن المكلَّف في باب الواجب الكفائيّ. بيد أنّ هذا القياسَ باطلٌ؛ إذ لا وجه للمناسبة والاشتراك بين النحوين. ففي الشوق التكوينيّ، وجودُ المشتاق منه (المتعلّق) أمرٌ ضروريٌّ لتحقّق الشوق خارجاً. أمّا الشوق التشريعيّ، فهو اعتبارٌ محضٌ وجعلٌ قانونيّ، لا يخضع للقوانين التكوينيّة الحاكمة على الوجود الحقيقيّ. وعليه، فإنّ برهان المحقق الأصفهانيّ، وإن كان ظاهره متيناً، إلا أنّه في الواقع ليس ببرهانٍ عقليٍّ تامّ، لتهافت المقدّمات والنتائج. فلا يصحّ قياسُ عالم الاعتبار على عالم التكوين لاستنتاج لزوم المكلّف في التشريع.

وهذا ما نبّه عليه أجلّة الأصوليّين (رضوان الله عليهم)، مقرّرين بطلانَ القياسِ في هذا الباب. فالإشكال الجوهريّ على هذا المسلك يكمن في إقحام البراهين العقليّة الدقّيّة في مسألةٍ ذاتِ هويّةٍ اعتباريّةٍ وتشريعيّةٍ محضة، متقوّمةٍ بأوامر الشارع ونواهيه. ومحاولة إثبات لزوم المكلّف عبر هذه القنوات العقليّة ضربٌ من المغالطة الواضحة.

تأمّلٌ في نسبة الفعل إلى المكلَّف

تحتلّ مسألةُ التكليف وكيفيّتُه ـ لا سيّما في باب الواجب الكفائيّ ـ حيّزاً كبيراً في المباحث الأصوليّة. ويتمركز السؤال الجوهريّ في هذا البحث حول هويّة الفعل ومنشئه في هذه التكاليف. فهل يصحّ ـ في الواجب الكفائيّ ـ تصويرُ الفعلِ كموجودٍ مستقلٍّ عن المكلَّف ومطلوبٍ للشارع، أم لا؟ ومن هنا، اتّجه بعض الأعلام إلى تقسيم الفقه إلى قطاعين: «فرديّ» و«اجتماعيّ»، مقتضياً بذلك إعادة النظر في موضوع علم الفقه. حيث نقل الموضوع من «فعل المكلَّف الشخصيّ» إلى «فعل المجتمع». وهذا المنحى التجديديّ يمهّد الأرضيّة للتنظير الفقهيّ في مجال التكاليف الاجتماعيّة ولوازمها.

وعلى هذا الأساس، يغدو المجتمع برمّته هو المكلَّف والمخاطَب في الواجب الكفائيّ، ويُنسب الفعل المطلوب إليه. ومَن تبنّى هذا المسلك، لزمه بالضرورة التوسعة في تحديد موضوع علم الفقه، ليصبح تارةً «فعل المكلَّف» وأخرى «العمل المطلوب» (أي ذات الفعل بما هو معروضٌ للإرادة الشرعيّة، بغضّ النظر عمّن يباشر إيجاده).

وبناءً عليه، يواجهنا التساؤل الملحّ عمّا إذا كان الفعلُ الصادرُ من الأفراد في الواجب الكفائيّ مجرّد أداةٍ ووسيلةٍ لتحقّق الغرض المولويّ، أم أنّه يكتسب قيمةً ذاتيّةً وموضوعيّةً مستقلّة؟ ففي الواجبات العينيّة (كالصلاة)، نلحظ التركيزَ على صدور الفعل من مكلّفٍ معيّنٍ بالخصوص، حيث يكون الفاعل هو المحور. أمّا في الواجب الكفائيّ، فتنتفي هذه الخصوصيّة، ويتوقّف الامتثال وتحقّق التكليف على إيجاد الفعل من قِبل أيّ فردٍ كان من المخاطَبين بالكفاية. وينبغي التنويه في الختام إلى أنّنا في هذا المقام لا نرمي إلى حسم النتيجة وتقرير الرأي المختار بقدر ما نهدف إلى إثارة المسألة وبلورة إشكاليّاتها، توطئةً لفتح الآفاق أمام البحث المعمّق في لوازم التكليف الكفائيّ وآليّات تحقّقه.

خاتمة البحث

ومحصّل ما تقدّم يكمن في تسجيل ملاحظتين جوهريّتين على مبنى المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه):

أوّلاً: إمكان اعتبار الفعل من دون تعيّن المكلَّف. إذ لا مانع عقليّاً من أن يُبرز الشارع مطلوبيّة الفعل وإرادته له في الخارج، من دون أن ينيطه بفاعلٍ معيّنٍ أو يقيّده بمباشرٍ خاصّ.

ثانياً: ضرورة استحضار مبنى الإمام الخميني (قدّس سرّه) في نظريّة «الخطابات القانونيّة»، والتي تشكّل فتحاً جديداً في الفكر الأصوليّ. وإن كانت بذور هذه الفكرة قد نُثرت في كلمات السابقين، إلا أنّ صياغتها المكتملة وتبلورها كنظريّةٍ مستقلّةٍ إنّما تمّت على يد الإمام الراحل. وقد طرح (قدّس سرّه) هذا البحث في موضعين رئيسين من علم الأصول. أحدهما في بحث ثمرة النهي عن الضدّ بناءً على القول بالاقتضاء،[2] والآخر في بحث اشتراط الابتلاء بتمام الأطراف لتنجّز العلم الإجماليّ.[3]

ومفاد النظريّة عند الإمام أنّ الخطاب الشرعيّ لا يستهدف مخاطَباً بخصوصه، فلا يتعلّق بمكلّفٍ معيّن، ولا بمجموع المكلّفين، ولا بعمومهم الاستغراقيّ. بل يكتفي الشارع ببيان أنّ هذا العمل واجبٌ في الشريعة بنحو القانون الكلّي. نعم، لو انتفى وجود الإنسان من رأس، لكان جعل القانون لغواً. لكنّ منشأ اللغويّة حينئذٍ هو عدم قابليّة المحلّ (انعدام المخاطَب)، لا قصورٌ في فاعليّة القانون ذاته.

وعليه، يلزم التفكيك الدقيق بين مقامين: أحدهما، دعوى ضرورة تشخّص المخاطَب في الخطابات الشرعيّة (سواءٌ كان معيّناً، أو مجموعاً، أو عامّاً، أو مبهماً). والآخر، مبنى الإمام الخميني في تفسير الواجب الكفائيّ على ضوء الخطابات القانونيّة. ويبدو أنّ هذه النظريّة يجب أن تلقي بظلالها على تحليل حقيقة الواجب الكفائيّ أيضاً، وهاتان النقطتان جديرتان بمزيدٍ من البحث والتنقيح.

و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین

-----------------
[1]- ‏اصفهانی، محمد حسین، «نهایة الدرایة فی شرح الکفایة»، ج 2، ص 277، پانویس 2.
[2]- ‏خمینی، روح الله، «مناهج الوصول إلى علم الأصول‏»، ج 2، ص 24-28.
[3]- ‏خمینی، روح الله، «أنوار الهدایة في التعلیقة علی الكفایة»، ج 2، ص 214-220؛ خمینی، روح الله، «تنقیح الأصول»، با حسین تقوی اشتهاردی، ج 2، ص 123-128؛ خمینی، روح الله، «تهذیب الأصول»، با جعفر سبحانی تبریزی، ج 3، ص 228-233؛ خمینی، روح الله، «جواهر الأصول»، ج 3، ص 45-47، ص 301-319؛ خمینی، روح الله، «معتمد الأصول»، با محمد فاضل موحدی لنکرانی، ج 1، ص 127-131.

----------------------
مصادر
- اصفهانی، محمد حسین، نهایة الدرایة فی شرح الکفایة، ۶ ج، بیروت، مؤسسة آل البیت علیهم السلام، 1429.
- خمینی، روح الله، تنقیح الأصول، حسین تقوی اشتهاردی، ۴ ج، تهران، مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خمينی (س)، 1376.
- ———، جواهر الأصول، ۶ ج، تهران، موسسه تنظیم و نشر آثار امام خمینی (ره)، 1376.
- ———، تهذیب الأصول، جعفر سبحانی تبریزی، ۳ ج، تهران، مؤسسة تنظیم و نشر آثار الإمام الخمینی (قدس سره)، 1381.
- ———، أنوار الهدایة في التعلیقة علی الكفایة، ۲ ج، تهران، مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خمينی (س)، 1385.
- ———، مناهج الوصول إلى علم الأصول‏، ۲ ج، قم، موسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني( ره)، 1415.
- ———، معتمد الأصول، محمد فاضل موحدی لنکرانی، ۲ ج، تهران، مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خمينی (س)، 1420.



الملصقات :

الخطابات القانونيّة الواجب العيني الواجب الكفائي الشوق التكوين الاعتبار المكلَّف المشتاق منه المبعوث إليه الفقه الفردي الفقه الاجتماعی

نظری ثبت نشده است .