موضوع: الواجب التعیینی و التخییری
تاریخ جلسه : ١٤٠٤/١١/٢١
شماره جلسه : ۷۴
-
مُحصّل البحث المتقدّم
-
مؤيّدٌ لنفي التزاحم في فرع المتيمّمين
-
تفريعٌ: بذل الماء للغير والعدول إلى التيمّم
-
نقد استلزام التسابق بناءً على مبنى العموم الاستغراقيّ
-
فرع الاستطاعة البذليّة وتحليل الوجوب الكفائيّ في الحجّ
-
تطبيق الاستطاعة البذليّة الكفائيّة ونقد تقرير السيّد الخوئيّ
-
شرط الوجوب أم شرط الواجب؟
-
الجامع بما هو جامع وإرجاع البذل إلى الشخص المعيّن
-
شمول أدلّة الاستطاعة البذليّة لفرض «أحدهما»
-
مقايسة مبنى المحقّق النائينيّ بين بابي التيمّم والاستطاعة البذليّة
-
المصادر
-
الجلسة ۲۸
-
الجلسة ۲۹
-
الجلسة ۳۰
-
الجلسة ۳۱
-
الجلسة ۳۲
-
الجلسة ۳۳
-
الجلسة ۳۴
-
الجلسة ۳۵
-
الجلسة ۳۶
-
الجلسة ۳۷
-
الجلسة ۳۸
-
الجلسة ۳۹
-
الجلسة ۴۰
-
الجلسة ۴۱
-
الجلسة ۴۲
-
الجلسة ۴۳
-
الجلسة ۴۴
-
الجلسة ۴۶
-
الجلسة ۴۷
-
الجلسة ۴۸
-
الجلسة ۴۹
-
الجلسة ۵۰
-
الجلسة ۵۱
-
الجلسة ۵۲
-
الجلسة ۵۳
-
الجلسة ۵۴
-
الجلسة ۵۵
-
الجلسة ۵۶
-
الجلسة ۵۷
-
الجلسة ۵۸
-
الجلسة ۵۹
-
الجلسة ۶۰
-
الجلسة ۶۱
-
الجلسة ۶۲
-
الجلسة ۶۳
-
الجلسة ۶۴
-
الجلسة ۶۵
-
الجلسة ۶۶
-
الجلسة ۶۷
-
الجلسة ۶۸
-
الجلسة ۶۹
-
الجلسة ۷۰
-
الجلسة ۷۱
-
الجلسة ۷۲
-
الجلسة ۷۳
-
الجلسة ۷۴
-
الجلسة ۷۵
الحمدللّه ربّ العالمین وصلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
مُحصّل البحث المتقدّم
بناءً على التحقيق السالف في الفرع المعروف للمتيمّمين اللذين يجدان ماءً لا يفي إلّا بوضوء أحدهما، يتّضح بطلان مقاربة المسألة من باب التزاحم؛ إذ لا نجد في هذا الفرض خطابين فعليّين متعارضين في عرضٍ واحدٍ ليقع بينهما التزاحم المصطلح.
ومن أبرز المؤيّدات الشاهدة على نفي هذا التزاحم، خلوّ الكتاب والسنّة من أيّ دليلٍ يقضي بوجوب مبادرة أحدهما ومسابقته للآخر نحو الماء. وبعبارةٍ أخرى لا يوجد نصٌّ يُلزم أيّاً منهما بالتسابق والتقدّم على صاحبه لتحصيل الماء. فلو كان هناك حقيقةً وجوبان فعليّان مستقلّان مفادهما «توضّأ أنت» ثابتان في حقّ كليهما، لاقتضت الصناعة الأصوليّة القول بوجوب سعي كلّ فردٍ لمسابقة الآخر قدر الإمكان لحيازة الماء؛ إذ إنّ التكليفين المتضيّقين في ظرفٍ زمانيٍّ واحدٍ وعلى ماءٍ محدود لا يمكن الجمع بينهما إلّا بسبق أحدهما للآخر. والحال أنّه لم يُستفد وجوب التسابق من الأدلّة الشرعيّة، ولا يقتضي المرتكز المتشرّعيّ مثل هذا الإلزام.
وهذا الفقدان للدليل على وجوب التسابق يمثّل قرينةً ناصعةً على عدم افتراض خطابين فعليّين مستقلّين في عرضٍ واحدٍ في حقّ الشخصين، لينتفي بذلك موضوع التزاحم الامتثاليّ من الأساس.
ولمزيدٍ من الإيضاح يمكن إيراد فرعٍ آخر من السنخ ذاته، وحاصله أن نفترض الماء تحت تصرّف أحد المتيمّمين، فهل يسوغ له بذل الماء للآخر ليتوضّأ به وينتقل هو إلى التيمّم؟ لفكّ تشابك هذه المسألة، لا بدّ من استحضار قاعدة «المقدّمات المفوّتة»، فمن الجليّ أنّه لو تعمّد المكلّف إتلاف ماء وضوئه ـ كأن يُريقه على الأرض ـ ليُلجئ نفسه إلى التيمّم، لعُدّ فعله تفويتاً لمقدّمة الواجب ووقع في الحرام. بيد أنّه في مفروض المسألة، لو بذل المكلّفُ واجدُ الماء ماءَه للآخر ليتوضّأ به إيثاراً أو لغرضٍ آخر، ثمّ عدل هو إلى التيمّم لفقدان الماء، فإنّ هذا المورد لا يندرج تحت عنوان التفويت المحرّم.
ومن الوجهة الفقهيّة لا يلوح أيّ مانعٍ من هذا البذل؛ إذ بناءً على مختارنا، يكون توجّه خطاب وجوب الوضوء منصبّاً على «أحدهما»، ولا نكون إزاء خطابين فعليّين متوجّهين لشخصين في عرضٍ واحد. ولمّا كنّا قد أغلقنا باب التزاحم في هذا المقام من الأساس، فإنّ هذا المثال يُعدّ كاشفاً إضافيّاً عن انتفاء التزاحم المزعوم.
وتقريباً للصورة، يمكن استحضار نظيرٍ فقهيٍّ آخر، فلو كان هناك شخصٌ يشتكي الظمأ ـ وإن لم يبلغ حدّ الهلاك ـ وكان بيد آخر ماءٌ يكفي لوضوئه أو لإرواء العطشان. ففي هذا الفرض، لو آثر المكلّفُ سقيَ العطشان بمائه وانتقل هو إلى التيمّم، لم يرمه الفقهاء باقتراف الحرام. فهو هنا مخيّرٌ بين صرفين مشروعين، إمّا استهلاك الماء في وضوئه، أو سقي الآخر. فلو اختار الثاني لانتفى موضوع وجوب الوضوء في حقّه، وانتقلت وظيفته إلى التيمّم من دون أن يتحقّق تفويتٌ محرّمٌ أو تزاحمٌ تكليفيّ.
وقد يُنبرى للردّ على هذا المبنى بالقول إنّ الخطاب الفعليّ بالوضوء متوجّهٌ في هذا الفرع إلى كليهما لثبوت الوجوب في عهدتهما على نحو العموم الاستغراقيّ. ومن توابع هذا القول وجوب التسابق نحو الماء، بمعنى أن يُلزم كلّ واحدٍ منهما بالمبادرة السريعة لتحصيل الماء واستعماله سباقاً للآخر؛ إذ إنّ التواني وتفويت فرصة حيازة الماء سيساوق الترك العمليّ للتكليف.
بيد أنّ هذا الالتزام ـ فضلاً عن خلوّ الكتاب والسنّة من أيّ دليلٍ يسنده ـ يصطدم بمرتكزات المتشرّعة. فالعرف الدينيّ يأبى اعتبار «التسابق على الماء» وجوباً مستقلاً وإلزاماً شرعيّاً في أمثال هذه الموارد. بل على العكس من ذلك يرى الكثير من المتشرّعة أنّ إيثار الآخر بالماء ـ لا سيّما مع ملاحظة شأنه وحرمته ـ يمثّل فعلاً ممدوحاً ومطلوباً أخلاقيّاً، لا أنّه سلوكٌ منافٍ للاحتياط.
ومن هذه النقطة تتجلّى الحقيقة بوضوح، فلو كان هناك حقّاً وجوبان فعليّان مستقلّان في عرضٍ واحد، لكان بذل الماء للغير واكتفاء الباذل بالتيمّم بمثابة العدول عن الوظيفة الأوّليّة المتمثّلة في الوضوء بلا عذر، ومخالفةً صريحةً للوجوب الفعليّ. والحال أنّه من المسلّم وجداناً وبمقتضى سيرة المتشرّعة أنّ هذا البذل خالٍ من أيّ محذورٍ شرعيّ، وأنّ صلاة الباذل بتيمّمه محكومةٌ بالصحّة.
والنكتة الجوهريّة هنا أنّه بمجرّد بذل الماء للغير يندرج الباذل تحت حكم «فاقد الماء»، وفي فرض الفقدان لا تحكمنا سوى قاعدة «حرمة تفويت مقدّمة الواجب». ومفادها أنّه لو أقدم المكلّف على إتلاف ماء الوضوء المتاح أو صرفه في غير محلّه متعمّداً ليوقع نفسه في اضطرار التيمّم، لكان صنيعه هذا محرّماً من باب «المقدّمات المفوّتة». بيد أنّه في مورد بذل الماء لاستهلاكه في مصرفٍ مشروعٍ كوضوء الغير لا يصدق الإتلاف والتضييع، بل هو توظيفٌ للماء في مجاله الشرعيّ. وحينئذٍ يغدو الباذل ـ إثر تخلّيه عن الماء ـ فاقداً له حقيقةً، ويصبح التيمّم بدلاً شرعيّاً مشروعاً في حقّه.
ولمزيدٍ من التقريب نُعرّج على باب الاستطاعة في الحجّ، فمتى تحقّقت الاستطاعة استقرّ الحجّ في الذمّة بلا بدل، ويحرم تفويتها وإعدام الاستطاعة الماليّة. أمّا في باب الوضوء والتيمّم فقد شرّع الشارع منذ البدء بدلاً ـ وهو التيمّم ـ لفرض فقدان الماء. نعم يقرّر الشارع في الوقت ذاته عدم مسوّغيّة حرمان المكلّف نفسه عمداً من الامتثال الأوّليّ المتمثّل في الوضوء مع توفّر الماء، تطبيقاً لقاعدة المقدّمات المفوّتة. إلّا أنّ هذه القاعدة تختصّ بفرض الإعدام العبثيّ للماء وتضييعه، ولا تشمل موارد استهلاكه في وجهٍ مشروعٍ ومأذونٍ فيه كوضوء الغير.
وتأسيساً على ذلك لو أراق المكلّف ماء وضوئه عبثاً ثمّ صلّى متيمّماً، صحّت صلاته لكونه فاقداً للماء حينها، بيد أنّه يستحقّ العقاب لتعمّده تفويت مقدّمة الوضوء. أمّا لو آثر غيره بالماء ليتوضّأ ثمّ تيمّم هو لفقده، لم يُعدّ فعله تفويتاً محرّماً، وهو ما يؤيّده المرتكز المتشرّعيّ. فيكون تيمّمه مشروعاً لكونه فاقداً للماء حكماً، وتقع صلاته صحيحة.
النتيجة النهائيّة
يُعقد البحث في المسألة (٤٣) من «العروة الوثقى» حول الحجّ البذليّ وتصويره أن يبذل شخصٌ مالاً لآخر ليحجّ به. ومن الواضح أنّ هذا النحو يغاير الاستطاعة الملكيّة الناشئة من ملك المكلّف وحُرّ ماله. ويمكن تصنيف الاستطاعة في باب الحجّ إلى قسمين رئيسين:
1. الاستطاعة الملكيّة التي تتحقّق من خلال ملك الشخص وماله الخاصّ.
2. الاستطاعة البذليّة التي تتحقّق عبر بذل الباذل وعطائه.
ومحطّ البحث في العروة يدور حول الفرض التالي، لو صرّح الباذل بقوله «أبذل نفقة الحجّ لأحدكم أنتم الاثنين، أو الثلاثة، أو العشرة، ليحجّ بها»، فهل يتحقّق بمجرّد هذا البذل عنوان «الاستطاعة» في حقّهم جميعاً فيتوجّه إليهم وجوب الحجّ على نحو الكفاية، أم تنتفي الاستطاعة عن الجميع من الأساس؟ وقد اختار السيّد اليزديّ (قدّس سرّه) في العروة الوجه الأوّل مصرّحاً:
مسألة ٤٣: إذا بذل لأحد اثنين أو ثلاثة، فالظاهر الوجوب عليهم كفايةً، فلو ترك الجميع استقرّ عليهم الحجّ، فيجب على الكلّ على نحو الوجوب لصدق الاستطاعة بالنسبة إلى الكلّ. نظير ما إذا وجد المتيمّمون ماءً يكفى لواحدٍ منهم، فإنّ تيمّم الجميع يبطل.[1]
ومفاد هذه العبارة أنّ الوجوب ينصبّ على كافّة المبذول لهم بنحو الوجوب الكفائيّ. فإن أطبقوا على الترك استقرّ الحجّ في ذممهم جميعاً لصدق عنوان الاستطاعة عليهم كافّة. وقد شبّه صاحب العروة هذا الفرع بمسألة المتيمّمين، فكما أنّ وجدان ماءٍ يكفي لوضوءٍ واحدٍ يُبطل تيمّم الجميع، فكذلك البذل لأحدهم يورث الاستطاعة للجميع. وعليه فإنّ بذل نفقة الحجّ لـ «أحدهم» يُنتج استطاعةً بذليّةً شاملةً للجميع، ويثبت في حقّهم وجوباً كفائيّاً للحجّ. فلو نهض أحدهم بامتثاله سقط التكليف عن الآخرين، ولو تركوه بأجمعهم انقلب التكليف في ذممهم إلى وجوبٍ عينيٍّ مستقرّ.
وفي المقابل وقف شطرٌ من الأعلام موقف المانع أو المتوقّف تجاه هذا المبنى. فقد سطّر المحقّق النائينيّ (قدّس سرّه) في تعليقته على العروة:
الأظهر لغويّة هذا البذل بالكلّية.[2]
ومؤدّى كلامه أنّ هذا النحو من البذل يقع لغواً بالمرّة ولا يصدق عنوان الاستطاعة الملحوظ في لسان الأدلّة على هذا الفرض. وعلّق السيّد البروجرديّ (قدّس سرّه) قائلاً:
محلّ إشكالٍ بل منع.[3]
وحذا حذوه الإمام الخمينيّ (قدّس سرّه) مقرّراً هذا المعنى بعبارة:
محلّ إشكال.[4]
وهذه التعابير تندرج في سياق التشكيك في أصل ترتّب الاستطاعة الكفائيّة على هذا البذل وما يستتبعه من لوازم، من قبيل استقرار الحجّ في ذمّة الجميع على تقدير تركهم له بأسره.
صحّح السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) في «كتاب الحجّ»[5] فتوى السيّد اليزديّ صريحاً، متعرّضاً في الوقت عينه لمناقشة صاحب الجواهر والمحقّق النائينيّ بالنقد والتحليل. فقد أشار في مستهلّ كلامه إلى مقالة من ذهب إلى انحصار الاستطاعة في الملكيّة والبذليّة، وأنّ الاستطاعة الملكيّة منتفيةٌ في حقّ الجميع في مفروض المسألة، بينما تختصّ الاستطاعة البذليّة بمورد البذل لشخصٍ بعينه؛ إذ إنّ نصوص الباب ناظرةٌ إلى البذل لشخصٍ خاصّ، ليكون البذل لـ «واحدٍ لا بعينه» أو لـ «أحد هؤلاء» خارجاً عن دائرة المنصوص ظاهراً. وأجاب السيّد الخوئيّ عن ذلك بقوله:
ما ذكره هو الصحيح، وإن كان بين المقام وباب التيمّم فرقٌ ما... أنّ البذل للجامع بما هو جامع وإن كان لا معنى له لعدم إمكان تصرّف الجامع في المال، وإنّما التصرّف يتحقّق بالنسبة إلى الشخص، إلّا أنّ البذل في المقام يرجع في الحقيقة إلى البذل إلى كلّ شخصٍ منهما أو منهم، غاية الأمر مشروطاً بعدم أخذ الآخر، لعدم الترجيح في الفردين المتساويين... .
وبعبارةٍ أخرى لا يعقل البذل لـ «الجامع بما هو جامع» لقصور الجامع عن التصرّف في المال، غير أنّ حقيقة البذل في ما نحن فيه تؤول إلى وقوعه لكلّ فردٍ من أفراد هذه الزمرة، غاية الأمر أنّه مشروطٌ بعدم أخذ الآخر. نظير أن يخاطب الأب أبناءه قائلاً: «بذلت هذا المال لحجّ أحدكم»، فإنّ مغزاه يكمن في أنّه متى بادر أيٌّ منهم إلى أخذه تعيّن عليه الحجّ دون سواه.
ثمّ إنّ السيّد الخوئيّ عمد إلى التفصيل بين باب التيمّم وباب الاستطاعة البذليّة. فذهب في باب التيمّم إلى أنّ وجدان الماء بمقدار ما يفي لوضوء شخصٍ واحدٍ ضمن جماعةٍ من المتيمّمين يوجب بطلان تيمّمهم كافّة، ليُعدّ كلّ واحدٍ منهم واجداً للماء بدوره، ومن هنا ينفتح باب التزاحم ويُطرح لزوم الاستباق لحيازة الماء. وأمّا في باب الاستطاعة البذليّة فصرّح ـ في عين ارتضائه لفتوى السيّد الماتن ـ قائلاً:
... نعم، يبقى بيان الفرق بين مسألة التيمّم والمقام، وحاصله أنّه في باب التيمّم يجب السبق إلى أخذ الماء إذا كان أحدهم متمكّناً من الغلبة وأخذ الماء وطرد الباقي... وأمّا في المقام فلا يجب التسابق لأخذ المال؛ لأنّ المفروض أنّ البذل على نحو الواجب المشروط وتحصيل الشرط غير واجب.
ومفاد ذلك أنّه متى تمكّن أحدهم في مسألة التيمّم من الغلبة وحيازة الماء وجب عليه الاستباق إليه؛ إذ بمجرّد القدرة على الحيازة يُعدّ واجداً للماء. وأمّا في باب بذل الحجّ فلا يجب التسابق لاغتنام المال؛ لأنّ وجوب الحجّ في حقّ كلّ فردٍ منوطٌ بنحو الواجب المشروط، وتحصيل شرط الوجوب ممّا لا يجب.
وتكمن نقطة الإشكال في تقرير السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) في أنّ عبارة «البذل على نحو الواجب المشروط» تُوحي بأنّ وجوب الحجّ في حقّ كلّ فردٍ منوطٌ من الأساس بعدم أخذ الآخر. والحال أنّه بالتأمّل في كلام السيّد اليزديّ (قدّس سرّه) ـ حيث صرّح: «فالظاهر الوجوب عليهم كفايةً» و«فلو ترك الجميع استقرّ عليهم الحجّ» ـ يتجلّى بوضوحٍ أنّ الاستطاعة البذليّة تثبت لهم بأجمعهم بمجرّد تحقّق البذل، وإن كان ذلك على نحو الكفاية. بمعنى دخولهم كافّة في حريم «المستطيع»، وأنّ إطباقهم على الترك يستتبع استقرار الحجّ في ذممهم أجمعين. وعليه فظاهر فتوى السيّد (قدّس سرّه) يقتضي فعليّة الوجوب الكفائيّ للحجّ على الجميع إثر البذل، لا أن يكون أصل الوجوب في حقّ كلّ فردٍ منهم متوقّفاً على عدم أخذ الآخر بنحو «شرط الوجوب».
وعلى هذا المبنى يكون التفريق الصحيح منصرفاً إلى أنّ البذل يمثّل محقّقاً لشرط الوجوب ـ أي الاستطاعة ـ في حقّ الجميع. وأمّا أخذ المال وتصرّف كلّ فردٍ فيه فلا يغدو كونه شرطاً لتحقّق ذات الحجّ من قِبَله، أي «شرط الواجب»، ولا شرطاً في أصل الوجوب. فلو قيل: «كلّ فردٍ من هؤلاء مستطيعٌ مشروطاً بعدم أخذ الآخر»، لكان التحليل السديد هو أنّ «عدم أخذ الآخر» ليس قيداً في ثبوت وجوب الحجّ في الذمّة من عدمه، بل هو قيدٌ في تعيين من يتصدّى للحجّ: أهو أنا أم غيري؟ وبعبارةٍ أخرى هو قيدٌ في تعيين المكلّف بالخصوص، لا في أصل جعل الوجوب. إذ إنّ أصل وجوب الحجّ يقع فعليّاً على الجميع بنحو الكفاية، ليكون عمل أحدهم مصداقاً لامتثال ذلك الوجوب، وبحصول الغرض يسقط التكليف عن الباقين.
وتأسيساً على هذا التحليل لا يلوح في البين تمايزٌ بنيويٌّ جليٌّ بين باب التيمّم وباب الاستطاعة البذليّة على النحو الذي رسمه السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه)؛ إذ يمكن القول في كلا البابين بفعليّة الحكم في حقّ الجميع بنحوٍ من الأنحاء في مرحلة الجعل، وأنّ تحقّق الفعل من قِبَل أحدهم في مقام الامتثال يُعدم موضوع الامتثال في حقّ الآخرين، من دون حاجةٍ إلى افتراض الوجوبات مشروطةً من الأساس بـ «عدم أخذ الآخر» على مسلك شرط الوجوب.
ومن أبرز النكات التي أحكم السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) إرساءها أنّ الأمور الاعتباريّة كالملكيّة يُعقل تعلّقها بالكلّيّ نظير «صاعٍ من الصُّبرة»، كما قد يقع موضوع الملكيّة شخصاً معيّناً تارةً أو عنواناً كلّيّاً تارةً أخرى كثلث الميّت والوقف على المسجد وما شاكل ذلك. وأمّا في الأمور التكوينيّة الخارجيّة من قبيل البذل فلا يُعقل تعلّقها بالجامع بما هو جامع. ومن هنا يغدو إرجاع البذل إلى الشخص المعيّن أمراً محتّماً، غاية الأمر أن يقع بنحوٍ مشروط، وهو ما أفصح عنه بقوله:
... لا بدّ من إرجاع ذلك إلى الشخصيّ، غاية الأمر مشروطاً بعدم صرف الآخر ولو بنحو الشرط المتأخّر، بمعنى أنّه لو لم يأخذه الآخر أو لم يصرفه الآخر وجب عليه الصرف... .
وهذا التحليل يطابق ما أسلفناه من أنّ البذل يؤول في نهاية المطاف إلى شخصٍ حقيقيٍّ خارجيّ وإن أُبرز في مقام الإثبات بصيغة «لأحدكم». ففي مقام التحقّق الخارجيّ يتصدّى أحدهم لأخذه لتتفعّل بذلك حقيقة الاستطاعة البذليّة في حقّه.
ومآل البحث الأساسيّ يرجع في النهاية إلى شمول أدلّة الاستطاعة البذليّة لفرض البذل لـ «أحد الأفراد» من عدمه. فلو سِرْنا على مبنى أنّ نصوص الاستطاعة البذليّة ـ وإن وردت في سياق البذل لشخصٍ بعينه ـ لا تفترق في نظر العرف بين أن يقول الباذل: «هذا المال لك لتحجّ» وبين أن يخاطبهما بقوله: «أبذل هذا المال لأحدكما لتحجّ» من حيث جوهر تحقّق الاستطاعة، لكان مفاد مثل هذا البذل لـ «أحدهما» أنّه لا بدّ لأحدهما من أخذ المال وامتثال الحجّ به. فالاستطاعة البذليّة متحقّقةٌ في حقّهما معاً على نحو البدليّة، ويتوجّه إليهما وجوب الحجّ على النحو الكفائيّ. فإن أطبقا على الترك استقرّ الحجّ في ذمّتيهما، وإن امتثل أحدهما سقط التكليف عن الآخر، وهو عين ما صرّح به السيّد اليزديّ (قدّس سرّه) في تنظيره بباب التيمّم.
وفي المطاف الأخير يبرز إشكالٌ موجّهٌ صوب المحقّق النائينيّ، وحاصله أنّه (قدّس سرّه) أفتى في فرع المتيمّمين ببطلان تيمّمهما معاً إثر وجدان ماءٍ يفي لوضوء أحدهما، في حين أنّه ذهب في باب الاستطاعة البذليّة إلى لغويّة بذل مال الحجّ لـ «أحدهما» نافياً تحقّق موضوع الاستطاعة في حقّهما، وهو ما يوحي بتهافتٍ بدويٍّ بين هاتين الفتويين.
وقد انبرى السيّد الروحانيّ (قدّس سرّه) في «منتقى الأصول»[7] للذبّ عن مبنى النائينيّ، مقرّراً أنّ الإشكال المزبور يبتني على افتراض صدق «وجدان الماء» في حقّ كليهما في باب التيمّم وثبوت وجوب الوضوء في عهدتهما بنحوٍ مشروط، بينما لا تبلغ الاستطاعة البذليّة مرتبة الفعليّة في حقّ أيٍّ منهما بمجرّد هذا البذل لـ «أحدهم» في باب الحجّ.
وتكمن النكتة الفارقة في منظور الميرزا النائينيّ في أنّ المراد من القدرة في باب التيمّم هو مطلق التمكّن من الماء، وأمّا في باب الحجّ فإنّ حقيقة الاستطاعة تتقوّم بالاستيلاء على الزاد والراحلة أو ملكيّتهما، ومن الواضح أنّ هذا الاستيلاء لا يتحقّق بمحض إباحة المال لواحدٍ لا بعينه، بل يتوقّف على الاستيلاء الخارجيّ الفعليّ عليه، ولأنّ تحصيل الاستطاعة بهذا المعنى ممّا لا يجب، فإنّ توجيه البذل للجامع بما هو جامع لا يتمخّض عن استطاعةٍ فعليّةٍ في حقّ أيّ أحد.
والسيّد الروحانيّ (قدّس سرّه) ـ وإن تصدّى للذبّ عن منطق المحقّق النائينيّ في تفكيك موضوع الأدلّة ـ قد انتهى بنفسه في باب الحجّ إلى أنّ «وجوب الحجّ يتحقّق بإباحة المال للجميع، ويكون واجباً على كلٍّ منهم، فإذا استولى عليه أحدهم ارتفع الوجوب عن الآخرين، نظير وجوب الوضوء في هذا الفرع...».
ومغزى ذلك أنّنا نبني على فعليّة وجوب الحجّ بنحو الكفاية على كلّ فردٍ بمحض إباحة المال للجميع. فلو استولى أحدهم وامتثل الحجّ سقط الوجوب عن الآخرين، على غرار الهيكليّة المصوّرة لوجوب الوضوء في فرع المتيمّمين.
وعليه فإنّه وإن أمكن التماس وجهٍ فارقٍ لكلام المحقّق النائينيّ بين بابي التيمّم والحجّ عبر تفكيك موضوع الأدلّة، بيد أنّه في مقام التحقيق وعلى مسلكنا المختار يكون ما اقتضى نفي التزاحم وجواز إيثار الغير بالماء في فرع التيمّم مؤيّداً لفتوى السيّد اليزديّ في الوجوب الكفائيّ للحجّ في باب الاستطاعة البذليّة، وقادحاً في مقالة الميرزا النائينيّ وصاحب الجواهر (قدّس الله أسرارهم).
وإلى هنا يقع تمام الكلام في هذا الشطر من البحث حول حقيقة الواجب الكفائيّ وتطبيقاته في فرعي المتيمّمين والاستطاعة البذليّة.
و صلّی اللّه علی محمّد و آله الطّاهرین
[2]. المصدر نفسه، 405.
[3]. المصدر نفسه.
[4]. المصدر نفسه.
[5]. خویی، ابوالقاسم، «موسوعة الإمام الخوئي»، ج 26، ص 144-145.
[6]. نجفی صاحب الجواهر، محمد حسن، «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام»، ج 17، ص 269.
[7]. الروحانی، محمد، «منتقی الأصول»، ج 2، ص 504.
-------------------------
- خویی، ابوالقاسم، موسوعة الإمام الخوئي، ۵۰ ج، قم، مؤسسة إحياء آثار الامام الخوئي، 1418.
- نجفی صاحب الجواهر، محمد حسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ۴۳ ج، بیروت، دار إحياء التراث العربي، 1981.
نظری ثبت نشده است .